..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الموتُ حبآ

نيفين ضياء الدين

كانت أنهار العبرات تملأ ساحة غرفة نوم شيرين الطبيبة الشابة والشاعرة المُلهمة والكاتبة الواعية, وتنهمر وتتدحرج من عيون والدتها وكأنها كُرات نارية مُستعرة اللهب , تلفحُ بحرارتها وأشعتها الذرية حقيبة السفر التي كانت تعدها شيرين إستعدادآ لسفرها في بعثة لدراسة الماجستير بلندن.إلتحمت دموع شيرين مع بحيرات موسى المُتفجرة من مُقلتي والدتها,أتُسافر وتترك حياتها, روحها,عمرها, جذورها,أمها, سعيآ وراء طموحها الشخصي والعلمي أم تبقى –كما كانت دائمآ وما تزال-نجمة صغيرة في أحضان والدتها.كادت أن تنصهر من ألم التفكير ولفحات نيران الفراق , ضميرها يضربها ويُروضها بلِجام العبرات, أنفاسها تهمس لها في حرارة نابعة من ضرباتِ جذور القلب,تُعسعس في أذنيها: كيف تترُكين والدتك , الأم والأب ,الأخ والأخت,السكن والمأوى ,الطفولة والصبا,الفرح والحزن,الثورة والغضب,المراهقة والشباب والنضوج...كيف وكيف وكيف؟سيل جارف من عبارات التأنيب والتعذيب,تجلدها بلا هوادة ولا رحمة,تنتزعُ قلبها من ضلوعة وتشقة نصفين,نصف يحتضن صورة الأم والذكرى والوطن والأخر يُفكر بالسفر والبُعد.لماذا؟ لنيل درجة الماجستير أم بحثآ عن الذات والحُب المفقود؟ سعيآ وراء الإغتراب أم بحثآ عن حياة وأهل وأصحاب؟بحثآ عن التصوف والزهد أم هربآ من ماضي حزين لأحضان مُستقبلٍ غامض ومجهول؟سيل من الخواطر هاجم جسد شيرين حتى شاب وجهها اللون الأصفر وذبلت صحتها ونحل عودها وكادت أن تلغي سفرها لولا تعاطُف  والدتها معها التي رضخت في نهاية الأمر بل وإنهارت لإنهيار إبنتها وسمحت لها بالسفر للندن...كيف تُفارقُ إبنتها؟ كيف تعيش بلا قلب , روح بلا جسد ,أنفاس بلا صدر,كبد بلا دماء,كيف تعيش دون طعامٍ ولا شراب,صدر بلا رئة,شجرة بلا جذور,كيف تُفارق إبنتها وهي من كانت وماتزال الأم والأب,الزوج والحبيب,والأخ والأخت؟أتُفارق إبنتها التي تعودت على النوم في مجرى شرايين أحضانها ,التي تعودت أن لا تغيب عن شواطئ ناظريها؟ أم تترك وحيدتها لتُسافر لبلاد نهر التايمز ؟أجواء عاصفة وأنواء ماطرة,إنتهت برحلة حزينة شطر بلاد الضباب والحب والحرب.حطت شيرين كالطائر الجريح علي أرض مطار هيثرو اللندني,كان من يراها لا يعرف أبدآ أنها شيرين.أهذة شيرين وردة الحديقة وضحكة الموسيقى؟...موسم الربيع في قلب الشتاء...شمس الصباح في عز ظلمة الليل...نور الفجر المنعكس علي أشجار وزهور الحديقة الصغيرة المهجورة الماثلة أمام بيتها بيت الطفولة والصبا.لا ، إنها ليست شيرين ، إنها حُطام قلب وجسد إمرأة وطبيبة شابة ,ناجحة وطموحة تركت وطنها ووالدتها,تركت أحلام أمها التي رسمتها لها بالزواج التقليدي من أجل إنجاب أطفال وتكوين أسرة . تركت الوطن بحثآ عن الهوية والحب ولإثبات الذات.أفاقت من غيبوبتها فوجدت نفسها تركب المترو اللندني موليةً شطر بيت الطلبة أو ال Hall of Residence حيث مكان إقامتها الجديد . لملمت شتات نفسها ونزلت من المترو لتلفحها أجواء برودة المدينة ودرجات حرارتها المتجمدة حتى وصلت لبيت الطلبة وتسلمت مفاتيح غرفتها من مسؤولي الإدارة.إستقلت المصعد ودقت علي زر الدور التاسع . شعرت بالإختناق والغثيان من قبضة الماضي وعتمة الحاضر حتى وصلت لباب غرفتها  ففتحتها وأغلقت الحجرة علي نفسها خوفآ من أنياب الحاضر وبراثن المستقبل.أخرجت هاتفها المحمول وأجرت مكالمة تليفونية قصيرة مع والدتها تُخبرها فيها عن أوضاعها وتُسكن روعها وتُهدئ حالها. ألقت بنفسها في أحضان الفراش وغابت عن الوعي لساعات طويلة . غابت في رحلة للعالم الآخر بين الحياة والممات . إستيقظت في تمام السابعة وقررت أن تترك حجرتها لتناول وجبة العشاء في بهو مطعم بيت الطلبة.ذهبت بخطى واثقة نحو إحدى الطاولات وجلست تُطالع وجوه الحاضرين وتشربُ كأسآ من العصير المثلج وقطعة من الشيكولاة. بدأت أنواء الوحدة والإغتراب تعصف على قلبها . تقاليد مختلفة ,عادات غريبة,لغة مُخالفة للسانها العربي حتى وإن كانت تُجيدها,إنفتاح بين الشباب والفتيات ,عالم جديد مجهول وجذاب,مخيف وموحش لكنه مزدهر ببريق الأمل في النجاح العلمي والأدبي.أنهت وجبة عشاءها الخفيفة وصعدت متجهة نحو غرفتها.  لم تكن تعرف أن من بين المتواجدين في صالة المطعم عيوناً زائغة تختطفها, تضُمها بلا هوادة ,تُفكر فيها على غفلةٍ منها ,بل وتتمنى أن تعيش معها.عندما وصلت لباب حجرتها وجدت أمام الباب وردتين الأولى حمراء والثانية بيضاء.أمسكت بباقة الورد ووجدت مع الباقة كارت مرفق مكتوب فيه :"إلى عيون لن أنساها ". سرحت طويلآ وأطالت التفكير. همست في أعماق نفسها : "من أين أتى لكِ هذا الهوى وكيف ومتى وأنتِ في بلدٍ غريب وفي يوم إقامتكِ الأول في هذا البلد " ؟.أخذت الوردتين ووضعتهما بجوارها علي فراشها, بجوار قلبها.أما الكارت فوضعتة في منديل حريري داخل حقيبة يدها حتى لا يُفارقها فقد كانت تنتظرة طويلآ , كانت تنتظر الحب.لم تستطع النوم في تلك الليلة. كانت تتقلب يمينآ ويسارآ في فراشها.  تسأل بكل حواسها من هو صاحب الكارت ؟أهو حبيب قادم يطرق باب دارها ؟ حبيب يجذبها بقوة لتدخل معه في قصرٍ من قصور جنات عدن أم أن ذلك الكارت هو مجرد إعجاب ؟ إعجاب بجمالها أو إعجاب من صديق أو قد يكون تسلية لملء الفراغ والوقت ولكسر حاجز الأجواء الثلجية التي أوشكت تقضي علي دفء شرايين القلوب...تساؤلات كثيرة جالت بخاطرها وعصرتها عصرآ وسرقت النوم من عينيها ...حتى أهلّ الصباح بضفائرة الذهبية وإخترقت أشعة الشمس فراشها لتجبرها علي النهوض وإستئناف الحياة...إنه يومها الأول في لندن ,أول يوم تنامُ فيه بعيدآ عن أحضان والدتها. أول يوم تستيقظ فية دون سماع صدى صوتها :"شيرين ستتأخرين علي الذهاب للجامعة". نهضت شيرين وبدلت ملابسها وهمت بالخروج من الغرفة فوجدت عُلبة موسيقية صغيرة أمام الباب . فتحت العُلبة فوجدت بداخلها كارتاً جديداً مكتوباً فيه:"يا حُبي المُبكّر ...لماذا تأخرتِ علي دهرآ؟" "دعوة من السيد مهند للسيدة شيرين لتناول وجبة الأفطار علي ضيافتة الخاصة".تعجبت شيرين وهامت في سيل جديد من التساؤلات:من هو السيد مهند؟ولماذا يهتم بها كل هذا الإهتمام؟وكيف تكون "حبه المبكر" وهو لم يعرفها إلا من يوم وليلة ولم يرَ وجهها ولم ترَ وجهه ولم يتحدث معها من قبل ولم تتحدث معه ؟ من هو ذاك السيد صاحب المشاعر الجريئة ؟ مع ذلك أسرتها جرأته حتى باتت تتمنى لقاءة.نزلت لبهو ساحة بيت الطلبة وأخذت تنظر بعيونها يمينآ ويسارآ لعلها تهتدي لمعرفة السيد مهند لكنها سمعت خطوات أقدام تقترب منها ,تُقبل عليها من الخلف فنظرت وراءها ووجدت رجلآ شابآ يرتدي بدلة سوداء وقميصاً أبيضَ وربطة عنق زرقاءاللون. نظرت في وجهه وأمعنت النظر في عينيه العسليتين وإبتسامتة الهادئة حينآ والرنانة أحيانآ أخرى. تُرى من هو ذلك الرجل وماذا يُريد منها؟إقترب منها وإقتربت منه. صافحها بحرارة وكأنة يعرفها من زمن بعيد. لم تعترض بل بالعكس صافحتة بنفس الحرارة الملتهبة. شعرت به يُبحر في سفن عينيها فأبحرت هي الأخرى معه. كانت تلك البداية ,بداية لم تكن تعرف لها نهاية. مرت تلك اللحظات الصوفية مرور البرق الخاطف وعادت شيرين وعاد معها السيد مهند لدنيا الواقع...سار معها نحو طاولة في بهو المطعم ,سحب لها الكرسي لتجلس عليه كالملكة ثم جلس هو بدوره أمامها.أطال النظر في وجهها ...إرتسمت على وجهها إبتسامة فضية الطلة,بينما كان هو يحاول أن يلتقط لها صورة فوتوغرافية ويُخبئها في خلجات قلبه... بادرت هي إلى خرق حاجز الصمت وهمت بسؤاله :"من أنت؟ وكيف عرفتني وعرفت إسمي حتى قبل أن تراني؟"رد عليها قائلآ بل وضاحكآ:"ألا تعرفين أنكِ تسكنين قلبي حتى قبل خلقي في رحم أمي؟".نظرت إلى وجهه بل هو الذي نظر إليها وأبحر في عينيها الممزوجتين باللونين الأخضر والرمادي ثم قال لها:"سأجيبك وأقول لكِ من أنا ...أسمي مهند ,هويتي قصتها طويلة ، فأنا فلسطيني ,تركي ومصري أعمل طبيباً وأقيم في لندن منذ سنتين وأدرس للحصول علي الدكتوراة,أي أني زميل لكِ في المهنة لكني لستُ فقط زميل"...فردت عليه " وماذا تعني بأنك لست مجرد زميل؟" قال لها:"ألا تعرفين أن الحب يولد مع الأنسان منذ بدء الخليقة؟"."ألا تعرفين أن الحب يختلط بالدم فيطرق علي القلب ويُحيي العظام وهي رميم؟"...إندهشت شيرين من كلماتة الفلسفية...كان يتنفس عشقآ وكانت تتنسم ذلك العشق لكنها لم تكن تستطيع الرد. كانت صامتة,مُتحجرة,لا تُقابل الحب بالحب ولا العشق بالعشق,فلماذا؟ أكانت تخاف الحب؟ألم تمضي حياتها سعيآ وراء ذلك الحب؟لماذا تفر الأن من ذلك الحب؟لماذا تهرب وتُلقي بكلام ذلك العاشق الولهان خلف ظهرها؟...لماذا؟ ولماذا؟عاد الكلام لمجراه بينهما . أخبرها بأن السكن في بيت الطلبة غير مريح ولا يليق بها وأن السكن الخارجي أفضل.أخبرها بأنه يسكن في بناية تتكون من خمسة طوابق , وأن الطابق الرابع قد أصبح خاويآ خاليآ فبالتالي من الممكن أن تستأجرة وتعيشُ فيه وعرض عليها أن ترافقه وتذهب معه لرؤية ذلك السكن فوافقت دون تردد!...غادر كلٌ منهما بهو بيت الطلبة وسارا في جولة في شوارع المدينة,مدينة الضباب,مد يده وأمسك بيدها فما كان من شيرين إلا أن سحبت يدها منه بعنف. نظر إليها نظرة يشوبها الألم والحسرة,الشجن والحب ,الثورة الكامنة والرضى بألأمر الواقع. إستأنفا المسيرة وأخذ يُدندن ببعض أبيات الحب قائلآ:

أتذبحين من قتله الهوى صريعآ

وماهو بصارف النظر عنكِ ولا بمتحولِ

وتسفكين دم الشهيد مرتين وبالآ

وقد ذاب على أعتاب داركِ وحارب من أجلكِ المحالا

يا من سقتني السم في رحيق عسل الحب

و وقفت تُطالع وجهي يئن من شحوب هذا الوبالِ.

لكن شيرين سرعان ما قاطعتة بسؤالها:"إلى أين نحن ذاهبان؟"فرد عليها قائلآ:"أردت أن أصطحبك في جولة لرؤية معالم المدينة قبل الذهاب لرؤية سكنك الجديد. قاطعتة ولم تدع له فرصة ليُكمل حديثة وطلبت منه بإلحاح أن يتوجه معها لمقر السكن الجديد دون التفكير في أي سياحات كونية ولا جولات مكوكية. لم يُعارضها بل لم يستطعْ أن يُعارضَها فقد كان مأخوذآ بحبها ,مأسورآ بجمال عينيها وكانت تعلم ذلك لكنها كانت تتجاهل وتتهرب أو تتحاشى التفكير في الموضوع. وعندما وصلا لمقر السكن الجديد,أسرها جمال المكان والطبيعة الخلابة فقد كانت البناية محاطة بحديقة غناء تعج بأنواع الزهور والورود والأشجار التي تتدرج ألوانها بين الأخضر الغامق والفاتح والأصفر والبرتقالي لكنها لاحظت أن الجزء الأمامي من الحديقة كان مزروعآ بأكمله بورود بنت القنصل الحمراء فتعجبت كثيرآ من ذلك الأمر خاصةَ وأن هذه الوردة هي وردتها المفضلة فسألت مهند:"من الذي قام بزراعة تِلك الوردة و بألإهتمام بها ؟ لم يُجب وأكتفى بألإبتسام فقط والإبحار الصوفي في أنهار عينيها. صعدت معه للدور الرابع فرأت المُفاجأة:ساحة الطابق بأكمله تعج بالزهور والورود ووجدت أمام باب شقتها قفصآ ذهبيآ يحوي عصفورين من فصيلة الكناري فشعرت بالغبطة والدهشة في نفس الوقت وسألت مهند:"كل ذلك من أجلي؟" رد عليها قائلآ :"هذا ترحيب بسيط,فأنا لم أقم حتى الأن بواجبات الضيافة".شعرت شيرين براحة غريبة ممزوجة بالغبطة. شعرت بأن ذلك الشاب يهيمُ بها ,بل ويتنفسها في أحشائه ويحملها على طيات حرارة أمواج شهيقه و زفيره فكانت تغيبُ عن الوعي ويغيبُ عنها من حرارة ذلك اللقاء.أفاقت من تِلك الغفوة لتُبلغه بأنها توافق على فكرة الإنتقال للسكن في هذه البناية فوجدتة يطيرُ فرحآ كعصفورٍ شاردٍ يبحثُ ُ عن السكن في أعشاش عينيها ويطيرُ معها في سماوات شفتيها ويحطُ على أغصان وجنتيها لعله يتبادل معها القشات لبناء عُشٍ على أشجار حدائق صدرها وكتفيها. إنتقلت شيرين للسكن في الطابق الرابع من تِلك البناية لتعيش قريباً من  الأستاذ مهند الطبيب الشاب لكأنها تعيش في أكناف جنات عدن التي رسمها لها بدمائه ورسائله التي كان يُخيطها ويُحيكها بلهيب أنفاس. في مساء ذلك اليوم وجدت شيرين رسالة موضوعة لها من تحتِ أعتابِ بابِ غرفتها. كانت تِلك الرسالة هي البداية لسلسلة لا متناهية من الرسائل التي كان يُرسلها إليها السيد مهند في بواكير الصباح وفي أحضان المساء .وفي كل مرة كانت تقرأ الرسائل تستمتع بما فيها حتى أنها أدمنت قراءتها وباتت لا تُطيق حياتها دون رسائل مهند.ففي مرة كتب لها قائلآ:"حبيبتي شيرين...أنتِ حُبي الذي ملأ علي حياتي وأنار عتمة وظلمة فؤادي بعد سنوات طوال عانيت فيها من برودة ثلوج حياتي. حبيبتي وحُبي وعُصارة حب حُبي ألا تعرفين أن عيونك قد سلبت مني عقلي وجعلتني مجذوبآ لحد التصوف ؟ جعلتني أتمنى أن أذوب فيكِ جسدآ وروحآ. ألا تعرفين أني أتمنى أن ألثم ثغرك وأتنفسَ رحيق جذور شعرك ووجنتيك. كم أتمنى أن أنعم بدفء شمسك في ليالي الشتاء فتذوب الثلوج اللندنية وتصدح البلابل وتتفتح الزهور ويسودُ الطقسَ المناخُ الإستوائي. عندما أراكِ كل يوم في الصباح في الجامعة أرغبُ في الحديث معكِ لكنكِ تتحاشين النظر إلي بل وتتهربين وتُراوغين. في كل مرة أراكِ أقول " لا صباحات من دون عيونكِ,وأحلُم بأن أعيش معكِ,فنتقاسم موائد الطعام والشراب سويآ وأطعمكِ بيدي وأجفف شفتيكِ بحرارة أنفاسي. أحلمُ بأن أقبل حدائق وجنتيكِ وأتنفس عطورك وألمس كيمياء وحرير شعرك حتى أنامَ في دفء يديكِ. إرحمي حُبي الصادق والمتقد بأشعّة  نور عينيكِ ورقي لحالي وقد غدوتُ كالدمية المغلوبة بين يديكِ. هزمني حبك الطاحن لعظامي حتى بدوتُ شبحآ ونسيآ منسيآ فأنتِ الدواء وحُبي هو منكِ وإليكِ " . كان الخطاب ملتهبآ مُستعرآ بنيران الحب والجوى و ممزوجآ بأبيات الشعر للمتنبي وشوقي والأعشى . وكان من بين هذة الأبيات بيت شعر المتنبي الشهير:

"يا أعدلَ الناسِ إلا في مُعاملتي

فيك الخِصامُ وأنت الخصمُ والحكمُ "

شعرت شيرين بعد قراءتها للخطاب بتضارب مشاعر الحب والحيرة والقلق في أعماقِ ذاتها. قررت أن تكون حادة وحازمة مع ذلك الشاب حتى يبتعد عنها وينساها تمامآ . وعندما رأتة في الجامعة طلبت منه أن لا يُرسل لها أية رسائل أخرى بل وأن يبتعد تمامآ عنها وينساها.لم تكن تعرف أنها تُحطم بقسوة كلماتها قلبها وقلب ذلك الشاب الذي قررالإبتعاد تمامآ عن الذهاب للجامعة وفضل العزلة والتصوف والبقاء في المنزل لأن قلبه لم يكن يتحمل ذلك الجفاء منها. وفي يوم قرر كتابة بعض أبيات الشعرالتي تعكس ذبول حاله ووبال ذاته فكتب لها رسالة قائلآ:

حوار مع عصفور

عصفور ناح بأناتِ الشجون داخل تجويف عُش صدري

وتغنى بصفير مرارة الجوى

فسالت زخات أمطار شجوني

من ذكرى حبيبٍ أطال على قلبي الهجر فأكتوى

عاود العصفور يُناجي خليلآ كان له الظل وتبر الهوى

فلا هو يُفارق أبواب عُشه

ولا ينعم بوصال حبيبٍ أطال عليه الهجر والنوى

أراهُ يرفرفُ بجناحين ويُحاول نفض ذكرى سلطان حبيبٍ قد طغى

فالتحم بنيران أنغام فؤادٍ

ولت ذكريات شموخة وإنهزم وواراهُ الثرى

عاد العصفورُ يئن ويسأل عن حبيبٍ ولى وانبرى

فهوت عروش قلبي وتحطمت من عذب غناءٍ ينقشُ به

تأريخ جوى الحبيب على صفحات كتاب الورى

ياليت حبيبتي ترى ينبوع دفء ألحانه

وقد سكب بها حريرآ على تجويفِ قلبٍ تهشم وهوى

قلبي مُعلق في حلقوم منقارهِ

يطيرُ به ويهيمُ حول الحبيب بين كواكب الزهرة والمشتري

ويضربُ عليه كأوتار عودٍ فتنصهرُ عُصارة حُبي

ويشتعلُ بماء الدر حطب قلبي من جفاء لُقيا حبيبٍ

يرتحل بين مروج عذابي

ويحجبُ أشعة الشمس وضوء القمر بعيدآ عن أنهار مجرات دروبي وأبوابي

بعد أن ظننتُ أن قلبي قد ذاق عبير الحب وأرتوى.

كتب لها تلك القصيدة الحارة وأرسلها لها في رسالة لعلها تلين وترق لحالة.لم يكن يعرف أنها هي أيضآ تتعذب لفراقه وفراق رسائله التي باتت أكسير حياتها. وعندما قرأت القصيدة شعرت بأن قلبها ينخلعُ من صدرها ويذوب مع دموع عينيها فبدأت تُراجع نفسها وترق وتلين خاصةً  وأنها كانت تسمع الألحان الحزينة التي كان يعزفها مهند في مساء كل يوم في غرفتة فقررت أن تُصحح خطأها وتُبادر للتصالح معه فكتبت له رسالة جاء فيها:"كم عانينا سويآ في تلك الفترة الماضية ...كم كنت أتعذب عندما أسمع حرارة عبراتك...لم تكن أنت فقط من ذاب من عذاب الفراق لكني أنا أيضآ شعرتُ بقلبي ينخلعُ من بين ضلوعي. لم أكن أعرف أن قرار ابتعادي  عنك كان بمثابة ذبح لروحي وتعذيب ذاتي لنفسي وخنق لزفير أنفاسي. أسمعك تتنهد فأودُ لو أن سفن العالم كلها تحملني إليك وأشعر بتسارع نبضات قلبك فأتمنى لو كنتُ أنا ذلك القلب الذي يحويه صدرك حتى لا أفارق ضلوعك. أسفة لما بدر مني تجاهك وأعتذر عن ليالي عذابك التي عانيت فيها وعانى قلبي معك وعلى أعتاب بابك...".ثم كتبت له رسالة جديدة تُعبر فيها عن حُبها له وكانت بعنوان:

أنغام الليل

تهيمُ علي صدري ذكراك

تتلاعبُ على أوتار قيثارة المساء والسكون

وتقرعُ الطبول شجون حُبي الساعية للقياك

فتجف أنهار دمائي وتتهشم قلاع قلبي وتتحطم الحصون

وأرى النجوم تلمع وتتلألأ من حرارة الدموع وتبر ثراك

وتنسجُ من دخان المساء ضفائر أنّات صدري المغلوب بهواك

عازف أنت أيها المساء

تضحكُ فتشعل في قلبي نيران الشوق لحبيبٍ مسه الجنون من حوار نجواك

وترسمُ بمراود الأحلام صورآ للحبيب فتسرق النوم من العيون

فأتذكر حُبي وأنام على وسادة فضائك

لتدُب في جسدي أشواك الهوى لفراق حبيبٍ مسه جواك

ساحر أنت تنقش على صدري لوحات الحنين لحبٍ تغذى على حكاياك

وتنشرُ عدوى النحيب لفراق هيامٍ سابحٍ في عيون صداك

لأنهي حياتي في شلال علات حُبي الباكي من جفاك

والقمر قاضٍ في محاكم الهوى يرق لحالي من ألم نواك

والشمس تسبح في الأفق وتسرق النوم بحرارة كرات اللهيب من أعالي تلال الجفون

فأحن لفؤادٍ ذبلت حقوله ومستها ريب المنون

ويخلع المساء ثيابه ويرسم على قلبي ذكرى الحبيب

بتبر الوان النجوم وعذب مياه الفنون.

وبعد أن إنتهت من كتابة تلك الأبيات أرسلتها له في رسالة فطار فرحآ وتبدل حزنه  وهمه وغمه ليغدو سعادة وبهجة وسرور. لم يستطع الإنتظار حتى الصباح فاندفع مسرعآ نحو باب شقتها وطرقها ففتحتها له ودار بينهما حديث قال لها فيه "تعرفين أنكِ تعيشين في قلبي ...فلنترك الماضي وعذاب الجفاء ونبدأ صفحة جديدة من صفحات كتاب هذا الحب". إرتسمت على وجهها إبتسامة هادئة وأطرقت بالموافقة . بعد مرور ساعتين ظهرت نسائمُ الصباح الفضية والتقى كلٌ منهما-على غير العادة- ليذهبا سويآ للجامعة. في الطريق أخذ يُحدثها ولأول مرة عن نفسه "كان والدي طبيبآ فلسطينيآ يُحب بلده ويتمنى الموت بين أحضان ترابه وقد كان له ما أراد. كانت والدتي تركية الأصل والجذور لكنها كانت تعيش هي وأسرتها في مِصر فارتبطت هويتها بالجنسية المصرية. كان والدي يدرس الطب في القاهرة عندما تعرف على والدتي ودارت بينهما قصة حب إنتهت بالزواج. بعد إتمام الدراسة في كلية الطب قرر والدي العودة لفلسطين فسافرت والدتي معه ليقيما في منزل عائلة والدي. بعد مرور سنة أنجبتني أمي وكنت فرحة الجميع لكن سعادة الحب لم تدُم طويلآ فقد اُستُشهد والدي في إحدى الغارات الإسرائيلية وهو ذاهب في طريقه للعمل في أحد المشافي. لم تتحمل والدتي الصدمة فقررت السفر بعيدآ والعودة لجذورها في القاهرة حتى أحصُل على تربية أمنة وهادئة على حد قولها. وبالفعل، نشأتُ وترعرعتُ في القاهرة ونيلها وسمائها وشوارعها وميادينها وتغزلتُ بشوارع عدلي وطلعت حرب وشريف لكن السعادة لا تدوم واليُتم كان يُلاحقني مُنذ الصغر فقد توفيت والدتي بعد إتمام دراستي للطب في جامعة القاهرة فحزنتُ حزنآ شديدآ وقررتُ بعد التخرج السفر في بعثة لدراسة الماجستير والدكتوراة في لندن".تأثرت شيرين كثيرآ بقصة ذلك الشاب لكن الوقت قد مر سريعآ و وصل كلٌ منهما لأبواب الجامعة. مُنذ ذلك اليوم بدأت قصة حب قوية تنشأ بين شيرين ومهند.تبادلا الرسائل فكان يُرسل لها صور الورود وكانت تُرسل له صور الفراشات فيقول لها "فراشات ...فراشات ,الفراشات تحُط على الزهور فترتشفُ منها الرحيق لكنكِ تعيشين في القلوب وتتلفحين بوشاح قلبي".وكتب لها في رسالة أخرى قائلآ:"أغارُ عليك من السهر فهو يسرقُ النوم من عينيكِ ويشغلُ بالكِ بعيدآ عني. أغارُ عليكِ من الماء الذي تشربين والطعام الذي تأكلين لأنه يُلامس شفتيك وأغارُ عليك من نسائم الهواء تُداعب وجنتيكِ وأغارُ عليكِ حتى من شعرك يطيرُ فيداعب بخصلاتة كتفيكِ...وأغارُ عليكِ حتى من عصافير الكناري تُطعمينها وتُسامرينها فتسطرُ ألحانآ على ورود وجنتيكِ. أغارُ عليك حتى من الدُمى التي تحتلُ غرفتكِ وأغارُ عليكِ من نهر التايمز وحديقة هايد بارك وساعة بج بن تتجولين فيهما فتمتلأ الأجواء بحرارة أنفاس صدرك وشفتيكِ. أغارُ عليكِ حتى من نفسك وأرسل إليكِ الورود لأطبع بها قُبلاتي علي حدائق وجنتيكِ". مرت الأيام وجاء شهر رمضان بأنواره الكريمة وموائده العامرة فطلب منها ورجاها بأن تسمح له أن يطهو معها طعام إفطار أول يوم من ليالي رمضان. رفضت أن تتواجد معه بمفردها في شقتة لكنه وعدها بدعوة صديقتهم ياسمين وزوجها السيد أحمد للحضور والمساهمة في إعداد موائد تلك العزيمة. كان مهند هو المايسترو والقائد وكانت شيرين العازفة على أوتار ألحانه. تبادلوا الأدوار وأبدعوا في الطهو وفنونه وقد كان بارعآ في إعداد غرائب المأكولات التركية والفلسطينية والمصرية والمشويات بأنواعها والأسماك هذا غير الكبيبة والمقلوبة  والملوخية المصرية والمحاشي وطواجن البامياء وصواني المعكرونة بالإضافة لأنواع الحلويات من كيكات مزينة بالكرز والدارسين و اللارنج والشيكولاة هذا غير البقلاوة بالفستق والكنافة المصرية و البسبوسة. كانت السيدة ياسمين وزوجها يُلاحظان بإعجاب نظرات الحب المتبادلة بينهما. وتم إعداد المائدة وتزيينها بلمسات الديكور من وحي ذوق وفن كلٍ من شيرين ومهند حتى حان موعد الإفطار فجلس مهند بجوار شيرين وجلست ياسمين بجوار زوجها السيد أحمد. بدت علائم الحب على وجهي شيرين و مهند وشعرت بالخجل عندما كان يُطعمها من صحنه وبيديه مُتمنيآ أن تطعمه هي الأخرى بيديها ومن صحنها. إحمرّت وجنتا شيرين عندما إرتشف من نفس كأس العصير الذي شربت هي منه.  لم يكن بحاجة لا للطعام ولا للشراب ولاحتى للماء ولا الهواء فقد كان حُبها هو مصدر حياته وكان صوتها المصنوع من أنغام أورفيوس هو نبضات قلبه وسكناته. لم يكتفِ بذلك بل إنه جلس بجوارها لمشاهدة التلفاز بعد الإفطار وطوق بيده كتفيها ووضع رأسه على صدرها فما كان من شيرين إلا أنْ تشاجرت معه وانتفضت من مكانها ومضت مُسرعة من جواره. سادت أجواء الخصام بينهما ومضت عدة أيام عانى فيها مهند من ذبول جسده وشحوب وجهه وكان يجد السلوى والسلوان في الحديث مع نهر التايمز خاصةً عند تساقُط الأمطار على صفحات مائه  فكان يقف كل يوم أمام النهر ويُلقي بضع وردات للحبيبة على أمواجه. ذات يوم كتب من وحي النهر بعضاً من أبيات الشعر ليُقدمها هدية لمن أحبها قلبه :

حوار مع النهر

وردات النخيل تتمايل وتتساقط علي حلقات تيار النهر,

فتحمل معها وردات مراسيل حُبي الحُمر,

ورود بسنت النيل تتهادى على سطح أمواج زُمر,

فتحمل كؤوس حبٍ تفجر من قيعان رُطيبات شُمر,

ونخيلُ طيبة والفرات يبقى ساهرآ متهاديآ,

بحبٍ نما على زعاف نخيلِ خضرٍ وإزدهر,

عناقيدُ الكرم تتدلى بشبابيكَ تحوي ضفائر حُبي المستعر,

وتتلاعبُ بها نسائم الهواء فتحملها رياح شوقي

لتتساقط في تيار نهر حُبي الذي ذوى وضمر,

تتهادى الرُطيبات وتتجمع في حلقات على صفحات

الماء لترسم وجه من ذابت في عروق جسدي المقفهر,

والنهر باسم الثغر ضاحك العينين فاتح الذراعين,

ليذوب في أحضان حُبي ويقطفُ من ربيع الوجنتين طيب الثمر,

والمطر يتطايرُ من قيعان السماوات مع زخات النسيم,

فيذوب في دماء حُبي وينشدُ أمواج دموعي,

ليُنتج شرابآ سحريآ قِوامه معسول رحيق النهر المنهمر,

وقرص الشمس يضوي في الأفق ليُعانق النهر عند المغيب

فتغارُ النُخيلات من عناقِ حبيبٍ لحبيبٍ ذاب في عظامي,

وتمايل على تلال فؤادي وانحدر.

مرض مهند مرضآ شديدآ ذابت فيه روحه وأنفاسه وكاد أن يُفارق الحياة لولا جهود صديقه السيد أحمد والسيدة ياسمين. علمت شيرين بمرض مهند,وأنه قد تم نقله للمشفى وذلك للعلاج من الإلتهاب الرئوي والأنيميا من قلة الغذاء فذهبت لزيارته في المشفى والدموع تنهمر من عينيها لتجده في غيبوبة تامة يفيقُ منها أحيانآ لينطق بأسم شيرين ثم يعود لها تارة أخرى. بكت بحرارة وإنحدرت دموعها علي وجه مهند فعاد إليه وعيه وهمس قائلآ "لا أطيقُ رؤية حبات الدر تتساقطُ من عينيكِ" ثم غاب ثانيةً عن الوعي وكان يحتاج لنقل دم وذلك لعلاج حالة الأنيميا التي كان يُعاني منها فتبرعت شيرين بكيس الدم المطلوب لعل دماءها الممتزجة بدمائه تمنحه مُقاومة المرض وتشفي قلبه العليل. قضت شيرين تلك الليلة في المشفى تنامُ علي كرسي بجوار مهند وتمسح حبات العرق المنهمرة من على وجهه حتى جاءت نسائم الصباح لتحمل معها أنغام البشرى فقد بدأ مهند يتعافى و يستردُ صحتة واسترد وعيه من جديد. وعندما رأها تهللت أساريره ولم يتمالك نفسه من الفرحة فقبلها في وجنتيها فما كان منها إلا أن قامت بلطمه بقوة علي جبينه. ضحكت السيدة ياسمين والسيد أحمد من حرارة ذلك اللقاء بين شيرين ومهند. ومنذ ذلك اليوم بدأت شيرين تسمح لمهند بألإهتمام بها فكان يدرُس معها ويُساعدها في أمور إختيار المراجع وكتابة رسالة الماجستير وكان يقضي معها الوقت في دروس التشريح فتتحول الدروس في بعض الأحيان لحلبة من المداعبات والملاطفات والغزل بينهما.  كما تولى مهمة تدريبها على القيادة التي كانت تحلُم دومآ بها وتعليمها العزف على العود والبيانو الذي كان يُتقنه ويُجيده فكان خير مُعلم. وكانت هي بدورها تُساعده في إختيار مراجع رسالة الدكتوراة الخاصة به  وتمنحه طاقة حماسية بدفء حُبها له. وكان يخرُج معها في الأعياد والمناسبات للحدائق والمتنزهات العامة فيتبادلان الضحكات والغناء ويمضي الوقت بينهما في تبادل عذب الكلمات والألحان والثمر بين أحضان الطبيعة والأشجار والنهر إلى أن جاء عيد ميلاد شيرين فكان عيدآ لميلاد ذلك الحُب العفيف بينهما.صارحها في ذلك اليوم برغبته في الإرتباط بها وفي أن تكون شريكة حياته وقدم لها خاتم الخطبة دليلآ على صدق كلماته فما كان منها إلا أن فاجأته برفض طلبه وقالت له "أخافُ أن أتزوجك فيضيعُ الحب بيننا ويذوى ويذبُل. أخافُ أن أرتبطُ بك فيدبُ الشقاق بيننا نتيجة إختلاف الطبائع والتفكير فيقضي قضاءً مبرمآ على حُبنا فلنبقَ أصدقاء فقط حتى لا يختنق الحب". صدمته كلماتها الباردة التي نزلت كالخناجر وأنصال السيوف على قلبه فمزقتة إربآ إربآ. توسل إليها أن تُعيد النظر في الموضوع وأن لا تُدمر بيديها صفاء هذا الحب لكنها أصرت علي موقفها بل وتمادت فيه فأتمت مناقشة الرسالة وسافرت هربآ من مهند للوطن وتركت له رسالة جاء فيها "حبيبي وحُب حياتي الذي خِفتُ عليه حتى من نفسي. أي وطن في الدنيا من دونك لا يكون وطنآ. لن أنساك أبدآ فصورتك محفورة بالدماء على جُدران قلبي وصدى الأشجار اللندنية يشدو لك بمنقوع عُصارة حُبي. لا تحسبن أن فراقك هين على قلبي وصدري لكن حُبي الصادق لك كان دافع ذلك الفراق. لم أشعر بالسعادة إلا بين يديك ومن نبع نور عينيك فآثرتك على نفسي وفضلت الفراق والرحيل بعيدآ عنك لكي لا تشعُر بالتعاسة وأنا بين يديك.لقد خنتك ، معنويآ,عندما إنجذبت يومآ ما لصديقنا السيد عبد الله الذي كان يتحدث معي ويُلاطفني أحيانآ برقيق العِبارات لذلك فأنا لا أستحقُ حبك.ولقد خنتني أنت أيضآ عندما إنجذبت لحب السيدة نسرين لك فكنت تُلاطفها وتُمازحها وكأنها حبيبتك. لو كان حُبنا صادقنآ لما كنا إنجذبنا لقلوب غير قلوبنا. لقد تحطم قلبي مرتين ولا أرغب في خُسارة فؤادي للمرة الثالثة فقد تعلقت في أول حياتي بشابٍ كان يدعي حُبي وهو في حقيقة الأمر يُفكر فقط في الإستيلاء على أموالي وتعلقتُ بعد ذلك بشابٍ وغدٍ كان يوهم الفتيات بالحب فيتلاعب بقلوبهن بمعسول الكلام وعبارات الهيام ثم يترك كل فتاة ويتنصل منها قائلآ لها أنا لم أحبك في يوم من الأيام ...أنتِ من أوهمتِ نفسك بالحب! أعرف أنك فارس نبيل وأعرف صدق حبك لي وحبي لك لكن وبالرغم من كل شيء إنَّ قلبي لن يُسعدك فهو لم يعُد يصلح للحب!"...لم يُصدق عينيه ! ألم تكن هي حُبه الوحيد وكان هو ينبوع الحياة وشريان الهواء؟أكان حُبها وهمآ ضاع على أعتاب الأيام ومزيج من اللعب والهباء؟أم أنهما كانا يُفكران في الحب من أجل الحب دون التفكير في مصير قلبه هو بالذات الذي كان لها البلسم والشفاء؟أين ذهبت موائد الشموع وضحكات القلوب الممزوجة بالصفاء؟أضاع الحب على أعتاب الغيرة والدروب أم أن القلب كان يعيش وهمآ تفتت على مسامع الأصداء؟ لم يعرف ماذا يقول ولم يعرف إلي أين يتجه بعد قراءة ذلك الخطاب. حملته أقدامه إلى شاطئ البحر فألهمه بعض الكلمات البحرية ليُتمتم قائلآ:

حوار من قاع البحر

وقفت أناجي بحرآ

كنا نجلس على شواطئة قائلين :

ألم تكن أنت الشاهد والحكم؟

على قلبين ذابا وجدآ

وأبحرا على شموع قناديلك وأسنان القلم

عروس البحر كانت تجلس على صخور شواطئك وتتلفح بأضواء قاعك في الليالي المظُلمة

فكنت أنت دليلها على حبٍ تهشم في الهواء ولم يبقَ سوى ظلة واللمم

ومناديل الأصداف والودع تنثرُ الذهب على حرير مرجان ولؤلؤ الرمال

فتسطرُ حُبآ عاش في قلاع القلب ونمى كالهرم

يا من كانت تلعبُ بماء الشجر

وتسبحُ بزعانفَ كألأسماك في باطن قلبي الثائر كالبركان بالحمم

لِماذا قابلتِ الحب بالحب ثم إرتحلتِ بعيدآ على سفن الضجر والسأم؟

إن كان هوانا وهمآ وسرابآ بحريآ

فلِمَ أشعلتِ في صدري بحر السهد ليختفي ظلكِ بين الممالكِ والأمم

أكنتُ أنا صياد الهوى وكنتِ أنتِ الصيدُ والحُلم؟

أم أنّا سلكنا طريق الضياع دروبآ

سُطرت بملح البحر على أعتاب صخورٍ ذابت من وحشية هذا الجرم.

لم يُفكر مهند كثيرآ ولم يتحمل فراقها فقد كان وجهها يُطارده في كل مكان وعلى أغصان أشجار حديقة هايد بارك وينطبعُ على البحيرات ويُرافقه في أحلامه  كأنها يوريديس لا بل حورية من الحور العين تُسقيه  كأس مرار حُبها وفراقها من رضاب شفتيها اللتين كان دومآ يحلُم بإرتشاف رحيقهما لكن حُلمه تبدد وضاع في الأفق دون أن يتحقق فقرر الرحيل لكن وجهته لم تكن للقاهرة بل كانت لمنزل والده في فلسطين ليُنهي حياتة كوالده بين أحضان تُراب داره وينقشُ على حائط جدار المنزل "ضيعة شيرين ومهند!". قتل مهند مرتين,الأولى بالمدرعات الإسرائيلية والثانية من فراق شيرين حبيبة المهد واللحد وأنهى حياته كما أراد بين أغصان زيتون فلسطين.

 

 

نيفين ضياء الدين


التعليقات

الاسم: نيفين ضياء الدين
التاريخ: 17/12/2010 01:06:01
الصديق الرائع صاحب الطلُه البهيه
لك مني كل تحايا الود والتقدير
دومآتقديرك الكريم وسام على صدري أفتخرُ به
أشكرك على هذا التقدير وأتمنى دومآ أن أكون عند حسن ظنك
دمت سالمآ

الاسم: نيفين ضياء الدين
التاريخ: 17/12/2010 01:00:54
الأديب المبدع خزعل المفرجي
لك مني كل تحايا التقدير والإحترام
أشكرك على تقديرك النقي روحآ وكلمةً ومعني وعلى تكريمك الصادق لماأكتُب من نصوص وأشعار وأتمنى دومآأن أظل عند حسن ظنك وتقديرك الكريم
دمت للإبداع

الاسم: خزعل طاهر المفرجي
التاريخ: 16/12/2010 14:18:39
مبدعتنا الرائعة نيفين
ما اروعك
سرد رائع وفكرة في منتهى الروعة
وبحق انها تصلح لمشروع رواية
اهنئك عليها واتمنى لك النجاحات الدائمة والتوفيق
كثيرا ما تشدني نصوص اليها لانها تعالج البنى النفسية عن الانسان والاثر الاجتماعي المترتب عليها
وتصوغيها في اسلوب جذاب يجلب لنا المتعة والاستفادة لعمري هذا هو الابداع الاصيل الذي يمسك في المتلقي ويوصل له ما يريد ايصاله له ليؤدي الاديب واجبه على اكمل وجه..
دمت لقلمك المبدع المعطاء
احترامي مع تقديري

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 16/12/2010 13:22:29
عصفور ناح بأناتِ الشجون داخل تجويف عُش صدري

وتغنى بصفير مرارة الجوى

فسالت زخات أمطار شجوني

من ذكرى حبيبٍ أطال على قلبي الهجر فأكتوى

عاود العصفور يُناجي خليلآ كان له الظل وتبر الهوى
ايتها النور في النور والله ليس لدي كلام اكتبه لك كلماكتبت كلمات اقف واقول قليل كل ماتخط اناملي للابداع نفسه نيفين ضياء الدين لك الود واعتذر لطفا

حياكم الله من ذي قار سومر

شكرا دمتم سالمين ياابناء النور

تحياتي الفراس الى الابد




5000