..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


وجوه الصانع الأمهر قراءة في (حدائق الوجوه)

د. محمد الاسدي

( 1 ) 

يطل محمد خضير على المتلقي من مرتفعات إنتاجية متجددة ، على نحو مستمر ، فمنذ أوليات كتاباته * ، مرورا بـ " بصرياثا " ، ووصولا إلى " الحدائق " ** ، يتجلى هذا القاص للتلقي النقدي والجماهيري العراقي والعربي بوصفه أحد الرائين القلائل الذين يمكن أن تفرزهم مخاضات الكتابة في كل عصر ، فإنتاجه يمثل نهاية مرحلة ، وبداية مرحلة جديدة ، وإطلالة ظاهرة ، على نحو يمكن معه أن نتحدث عن القصة القصيرة العراقية والعربية " قبل محمد خضير " و " بعده " ، فالكتابة في مجرة هذا الكاتب *** تتمرأى بوصفها ديمومة من التحولات والمثاقفة ، تتوخّى تخطي المغامرة التجريبية ، إلى حيز لانهائي من الرسوخ الآخذ بسيرورة النص نحو متجهات الفرادة ، وتخوم السؤال والمعرفة ، الكفيلة بتأمين ما يكفي من التشويق لطرد أُمثولة الاجترار والمكابدة الجوالة ، وإذ ندلف مع المتنحّي بحصافة معتزليٍّ سحيق عن كرنفالات الضوء الأسود و زحامات الطنين ، إلى شرنقة رؤيته للعالم ، فإننا نكون قد اعتصمنا بإحدى عُرى السرد الوثقى ، حيث الكتابة متعة وفائدة ، وحيث بيروقراطية الحدود النوعية ـ وكل ما هو خارج نصي ـ آخذة في التآكل ( 1 ) ، وحيث العبارة تشوُّفٌ واستجلاء وكشوف ، واللغة تنامٍ وخلق يغربل الوقائع والمجازات ، و حيث الكتابة علم جمال الكلمات والأشياء ، وسوسيولوجيا الفرد والجماعة ، وأبستمولوجيا أحلام يقظة الأدب ، وأنطلوجيا الخراب و الحضارة ، تفرزنها للمتلقي إشراقاتُ مفردٍ جمعِيٍّ ، ينحت صخرة الكتابة العصية بإزميل الإيقاعات والنكهات والروائح ، متمرساً بحوار الدلالات ومدياتها ، تمكنه اشتغالاته السيميائية من أن يستثمر المحمول التداولي للعلامة إلى أقاص آخذة بالتوسع في نظامه اللغوي المحتفي بسلطة الكلام ـ بوصفها السلطة العليا في النظام اللغوي والقناة التواصلية الكبرى /  الخطاب ـ وحيث وثائق وتوقيعات رؤى العالم غير موكولة بتصفح أرشيف القراءات ، وإقامة سبورات تعليمية لمفردات الثقافة المعاصرة ، وإنما بحتميتها التي لايمكن استبدالها بسواها في الكلام ـ بمفهومه اللساني ـ والاضطلاع بمهمة إبلاغية قادرة على حياكة وتفعيل النسيج السيميائي للكتابة / الكلام مقروءاً .

( 2 )

 

نتحدث في " حدائق الوجوه " عن علامة فارقة في تاريخ الكتابة العراقية والعربية ، بوصفها خطابا عابراً للخطابات ، يتخطى به المنتج  ذاته الإبداعية قبل كل شئ ، للصيرورة إلى المتن العالمي للأدب المعاصر ، شأنها في ذلك شأن الكثير مما قدمه هذا المبدع ، وعلى نحو الخصوص رائعته " بصرياثا " مدينة الإنسان الوفية للجغرافيا والمتخطية لها ، فليست الكتابة في هذا المنظور ـ الذي يسعى باطّراد لإقامة التوازن بين الـ " أنا " و الـ " وجود " ـ تمحوراً حول الذات ينتج مديحا مقنَّعا لها ، فقد تفككت القطيعة المعرفية بين الذاتي والجمعي ، وغدت الكتابة أثراً عائما في بحر الرموز .

لم يعد المنتج هاربا من مرجعياته ، حريصا على إخفائها ، متحاشياً تداولها مع المتلقي الفائق / الناقد ، فها هو يدله أكثر من غيره على تلك المرجعيات ، وها هو يستدعي الأسماء التي تُخشى محضُ الإشارة إليها ـ إلا اقتباسا عابراً ـ خشية تلاشٍ في وميضها المربك ، يبدو مآل أية تجربة تتداخل معها نصيا ، أو تستعير رؤيتها للعالم ، حيث لا وجود لأدب عابر للقارات بغير وجود رؤيا فردية شديدة الخصوصية والوعي لمحليتها .

 

( 3 )

 

منطقة التداخل النصي بقعةٌ شاقة وبالغة التعقيد في مواجهات رؤى العالم ، تضع التجربة إلى جوار أتون الوميض الساطع وقوى الجذب الهائلة لمجرات منتجين تداخلت معها مجرة الحدائق ، منتجين من طراز المعري وجلال الدين وفريد الدين وطاغور وغوركي وبورخس وماركيز وأمثالهم ، وهي مهمة كان في وسعه أن يتلافى سبلها الشاقة ، ولكنه اختار أن يلحقهم بذبذبات صوت الراوي حينا ، وتمفصلات المروي حينا ، وأن يتشاطر معهم مهمة إنتاج النص ، لأنه ليس بصدد محاكاتهم ، وإنما هو بصدد استجلاء تعالقات النص الجامع / المتعدد ، لتخليق مجرته الخاصة من معطيات ومواد متباينة الانتماءات الزمانية والمكانية ، قد تبدو متناقضة ، أو أقل قدرة من سواها على التبَنْيُن في مركزية الرؤى والتشوف الحديثة ، وهذا ـ بظننا ـ هو جوهر فلسفة القناع في حدائق الوجوه ، حيث امتلك المنتج زمام الرؤيا والبنية والدلالة ، وتتوأمت في جدلية الكتابة أقطاب الحكمة والفلسفات والرؤى المتقاربة و المتضادة ، لتشكل متوالية نصية / بانوراما مشهدية ، بدت لانهائية في تحولات الأقنعة والرموز والفضاءات ، مقدمة للمتلقي دعوة مفتوحة لزيارة أرشيف الوجود الإنساني ، ومشاركته قطاف محاصيل وثمرات حديقة بستانيي العالم ، لكأنه قد وضع في يد المتلقي مقاليد " الفأر الرقمي " ، وأجلسَه أمام " صورة الأرض " لا التي اختطها الإدريسي ، وإنما التي تختطها عدسات الأقمار الصناعية على محرك البحث " غوغل " ، ليتنقل سلطان الفأر الرقمي / الحاكم المطلق للعالم الافتراضي ، بين مشارق الكرة الزرقاء ومغاربها ، بحارها وصحاراها وغاباتها ، ثم ليزيد الصورة ـ ماشاء ـ وضوحا ، ويُدِقّ في الاستبصار ، لينفذ إلى محاشر النفوس ومقصورات مرسلاتها في مدنها وأشباه مدنها و قراها ، في المواقع المشهورة ، وشقائقها الغائبة و المغمورة ، مصغيا ـ بملايين قوى السمع العائدة إلى زملائه أعضاء المجلس العالمي ـ إلى غمغماتها وتمتماتها ، لغطها وهمسها ، غنائها وحشرجاتها ، صخبها وهدوئها وعنفها ، تهتكها وتنسكها ، في الجغرافيات الحزينة للحدود الإنسانية .

( 4 )

لعل فلسفة الكتابة في الحدائق تتكثف وتتلخص في قول المؤلف (( إني من المؤمنين بعقيدة الأسماء المتعددة للإنسان المفكر ، الأسماء التي تنسبه إلى جيله وحاضره ، والأسماء الخفية التي تصله بالوجود الأثيري لعقول تسبح في مجرات لازمنية تجذبه إليها )) وهو يدعو هذه العقيدة بـ (( أسمائي اليوتوبتامية )) ( 2 ) ، التي تجعل من كل راءٍ رئيسا للمجلس البشري العالمي حيث (( لا يجري احتقار إيمان أي إنسان )) كما نقل بستاني الحدائق عن البستاني طاغور الذي شغف به حبا ـ على حد قوله ـ ( 3 ) ، أو (( أمينا لمكتبة العالم )) ( 4 ) ، أومالكا لـ (( خان العالم )) ، جنبا إلى جنب مع أسمائه المتعددة / أقنعته / تجلياته / شركائه على مقاعد المجلس العالمي ، سواء منهم المشهورين من أمثال رودكي وبورخس والرومي والسياب وجبران ، أو المغمورين من أمثال ثيوداركيس والقصاب و الحارس الزنجباري والقابلة الأبلية وشمامة وغيرهم ، أقنعة مكنته من تحقيق تنويعات متعددة في بنية الشكل القصصي وموضوعاته واللغة الساردة ، ولا أجد تعبيرا عن هذه الملحوظة أكثر دقة مما وصف به هو بورخس قائلا (( إن بورخس من طبقة الأساتذة الذين لو لم أقرأ عملا له لاعترضني كاتب من طبقته وجذبني إليه ، كل قصة يكتبها باسم ، ويظهر فيها بقناع ، كان يتخلى عن أسمائه السابقة أمام مرآة الحديقة العالية التي عكست خطاه الهاربة من وجوده الشبحي ، إن بورخس الحقيقي لن يصل إلى هنا أبدا )) ( 5 ) ، وكذلك محمد خضير الحقيقي لن يصل إلى هنا أبدا ، بوصفه أثرا يحلق في ديمومة تحولات الدال ، وكينونة كتابية تتوارى خلف أقنعة المجلس العالمي الذي (( لا يخلو منه مكان ، فأعضاؤه هم جميع الناس في العالم )) ( 6 ) ، هذا الراوي سليل كل الأزمنة ، وقيِّم كل الأمكنة ، إنه في رؤى الأقدمين ، وفي تلافيف أدمغتهم ، بقدر ما هو متموضع في (( عمارة الصمت )) ، مصغيا باهتمام لما يدور من لغط الذوات في مسافة الذبذبة (( صه )) ، الممتدة بين الرائي والرؤيا ، فقد كان هذا الراوي في محبس المعري مثلما عاش تحت أغصان أشجار غابة بستاني طاغور ، وكان شاهدا حيا على هيروشيما بقدر ما تواجد في غرفة رابعة العدوية ، وليس ماركيز المخضرم شهرةً بمنقطع لديه عن أسماء ربما عدت باهتة في حديقة الحداثة مثل الزهاوي ، وما ملحمة جلجامش والرامايانا والأوبانيشاد بمعزل لديه عن ثمرات أخر للتجريب الخُضَري الإنساني في أقسام حديقة العالم مثل طوق الحمامة و " الزهرة " و " مصارع العشاق " و  " تزيين الأسواق " و " رسالة الغفران " ، فالحياة نص يكتبه الجميع ، وحدائق الوجوه نص البستانيين جميعاً ، بهذا المنحى تغدو الكتابة بديلا للقص والشعر والسيرة والتأريخ على حد سواء ، إنها فعل تغيير العالم المُسائِل لحتميته وتطامن الأشياء ، الكتابة بهذا المنظور ضرب من الآركيولوجيا ، تتوحد من خلاله الوقائع في حوار الدلالات والدوال لتغدو أثرا سابحا في بحر الرموز .

يمكننا أن نميز هذه النزعة الحفرياتية في عدد من نصوص الحدائق ، مثل " قناع غابرييل غارسيا ماركيز " حيث يبتدئ الراوي حفرياته من خطاب لماركيز ألقاه عام 1986 ، في اجتماع استذكاري لضحايا قنبلة هيروشيما ، ليجعل منه نواة مولدة لمتوالية من الإشراقات والأسئلة ، التي تبدأ بـ (( توقف أغنية الإنسان الطبيعي اللاعب بمجازات الحب ، لتبدأ حشرجة الإنسان الآلي اللاعب بأزرار البيانو الذري ، الشيطان يهبط من لغة الجسد إلى كيانات العصر المشعة )) ( 7 ) ، مؤسسا على رؤيا الرعب الكوني هذه مشهدا لأوبريت جمعي يؤديه (( فريق يمثل أجناس الأرض ، تخلى عن أجهزة الصوت الألكترونية وأجهش بترددات الأسطوانى الحجرية التي سجل عليها ثلاثة أجداد عراة متباعدين أغنياتهم بعد أن استقوا ألحانها من أعماق الأرض )) ( 8 ) ففي آركيولوجيا الفناء هذه لا علامة مستثناة من الانخراط القدري في ذلك الأوبريت / الأغنية / النشيد / السمفونية الذرية ، سواء أكان (( صوت مايكل جاكسون والأم الزنجية الكبيرة في هارلم )) ، أم (( جبل الحديد )) حيث تعد العدة لمحو الجنس البشري ، أم (( الكنايات والموز )) / الوجود المفترض ، أم (( الأنهار الكبرى )) أم (( ناطحات السحاب )) ، وقد استدعت قنينة ماركيز المقترحة في خطابه لإيصال رسالة العالم الفاني إلى العالم الناشئ بعد واقعة الجنون الأممي رحلة في الزمن الأرضي قبل وبعد ما حدث في تلك الرؤيا لإنتاج نص لم يكن ليكون لولا توافر النظر الكلي للوقائع وتعالقاتها الخفية الجامعة للمتناقضات والمفككة للمتقاربات ، ومزج العالم الموضوعي بالعالم المجازي لإنتاج التجليات بوصفها الوظيفة السيميائية الكبرى للأدب .

وفي نص " البستاني " أيضا ـ وهو مدخل المجموعة ـ تتجلى للمتلقي آركيولوجيا الأقنعة من خلال نص يتبني في بعض مناطقه لغة نقدية شارحة ، تعين المتلقي على تفكيك بنى الأقنعة ، وتعده لتلقي جدل الرموز ، حين يقول الراوي (( ارتديت لأنجز هذا الكتاب أقنعة ستة بستانيين عظام ، ورويت حكايات ستة وجوه استظلت في حدائقهم ، واستبقيت قناعا سابعاً أرتديه في حديقة الأعمار الوسطى ، التي أرعاها في قناع نفسي التي ستغادر إلى الخان الكبير بأسرع من ذبوا الزهرة في الحدائق ، الوحوه واحدة في نموها ونضجها وسقوطها ، والبستانيون متبدلون بين الحدائق ، وقد لا أكون البستانيَّ الأخيرَ في حدائق الوجوه )) ( 9 ) .

كما تنشط آركيولوجيا العَمَى في حكاية الملك المقنع التي يفتتح بها نص (( قناع أبي العلاء المعري )) منطلقا منها للحفر في سلالات من مرويّات العمى المقنع والجمال المقنع ابتداء بحكاية القصّار الأعور المقنع مستجليا اشتباكها مع نص بورخيس عن " المقنّع الخراساني " ، وهو سرد حفرياتي لا يتمركز في العمى أو أشباهه بقدر ما تتمركز في فلسفة القناع المشار إليها ، بوصفها ضربا من عدوى التخفي الأممي / الامحاء في القناع ، أو التمترس به ، أو الاستعانة بالقناع على مهمة وجودية شاقة في مأزق الوجود ، كما في وصف الراوي لابن القارح بأنه قناع (( اتخذه أبو العلاء ليسيح به في العالم الآخر مبصرا ، لكنه حين عاد إلى محبِسِه الأرضي تخلّى قناعه للبستاني الأخير )) ( 10 ) .

إن حدائـق الوجوه المترسخة في كتابة ما بعد الحداثـة ، ترسخت أكثر فأكثر فيما يأتي عبر وعي ما كان وإعادة إنتاجه على وفق حدوس ما سيكون ، مفيدة في ذلك من مجمل المغامـرة الإنسانية في الأدب والتاريخ والفن لتخليق النص الجديد على مشارف السؤال الفلسفـي ، حيث يتناسخ ما دعاه باشلار بـ (( أدب العمق )) .

ـــــــــــــــــ

إشارات وهوامش :

* بدأ القاص بالنشر في الستينات ، ففي عام 1966 فازت قصته " البطات البحرية " بجائزة الملحق الأدبي لجريدة الجمهورية ، وفي مجلة الأديب العراقي ظهرت ثاني قصصه الموسومة بـ " النيساني " اللتين حققتا له حضورا عراقيا ، فيما قدمته للجمهور العربي قصته " الأرجوحة " التي ظهرت في مجلة الآداب اللبنانية ، ونالت ثناء سهيل إدريس ، كما كتب غسان كنفاني مقالا عن قصة أخرى ظهرت في الآداب 1968 بعنوان " تقاسيم على وتر الربابة " ، وعلى مدى الستينات والسبعينات والثمانينات لم يصدر سوى مجموعتين قصصيتين هما " المملكة السوداء " 1972 ، وقد أعادت نشرها وزارة الثقافة العراقية 1986 ، و " في درجة 45 مئوي " عن وزارة الثقافة أيضا 1978 ، وقد أحدثتا أثرا ملحوظا في التلقي الجماهيري والنقدي للنص القصصي توج بصدور كتاب " مرآة السرد ـ قراءة في أدب محمد خضير " للناقدين العراقيين د. مالك المطلبي و عبد الرحمن طهمازي 1990 ، تضمن عددا من القراءات والدراسات ، وبعد خمسة عشر عاما مضت على نشره مجموعته الثانية ظهر أثره القصصي الثالث " بصرياثا ـ  صورة مدينة " وهو كتاب قصصي ظهر عن منشورات الأمد ـ بغداد ـ 1993 ، أعقبته مجموعته " رؤيا خريف " الصادرة عن مؤسسة شومان ـ عمان ـ 1995 .

** " حدائق الوجوه ـ أقنعة وحكايات " ـ محمد خضير ـ دار المدى ـ دمشق ـ 2008 .

*** " مجرات التأثير " أو " الحقول المغناطيسية للكتابة " من مصطلحات محمد خضير التي اجترحها في كتابه النقدي الشارح لمجمل تفاصيل رؤيته الذاتية أو تصوراته النظرية لما دعاه بـ ( الحكاية الجديدة ) ، وفي إحدى مقارباته يرى أننا (( بقدر ما نعرف عن المؤثرات الأولى نجهل قدراً كبيراً من اللاحقة لها ، يبدو وعينا في كثير من الأحيان غاطساً في نصف ظلام ، ظلام المخيلة ، سديم المجرات التي تتسلط الجاذبيات على أجرامها المتناثرة .. إن محاولة استعادة الآثار تضع خطواتنا على الطريق الصالحة بين قلاع التأثير ، وتعين لنا الاتجاه الصحيح .. العقول الأدبية هي عقول منفعلة ، وهي عقول فعالة أيضا يؤثر بعضها في بعض اضطراراً واختياراً ، لكن أشرف أنواع التأثير هو التأثير التلقائي الذي يتوازن فيه الجذب والانجذاب ، بنتائج متكافئة ،  وهو ما يمكن تسميته بالتجاذب المتوازن )) .  الحكاية الجديدة " نقد أدبي " ـ محمد خضير ـ مؤسسة عبد الحميد شومان ـ عمان ـ 1995 : 57 ـ 58 .

( 1 ) من ذلك مخاطبته للشيطان في " قناع أول " : (( سيد الظلام ، سيد الأحلام والمقابر والليل المُخَمَّر ، سيد الحراس والكلاب والأقفال والخناجر والرصاص ، سيد اللصوص ، القتلة ، الأباطرة ، سيد الأرامل ، الغانيات ، المحظيات ، سيد الضحايا العارية من الظل ، سيد المحرمات المنتهكة ، الكنوز المباحة ، الطلاسم المفكوكة ، سيد السحر والخيمياء والمحابر المذهبة ، سيد الكلمة المرسسة .. يا صنو إلهامي : رآك فلاّح تسامر أتباعك المخدوعين على قنطرة في قرية " المهاجرين " ، وكانت تلك واحدة من نزهاتك .. يا ملِكيَ العتيق ، أيها الفاتك ، الوجه السخامي المحرشَف ، ليتك لم تغادر مخطوطات الرعب ، مجلدات المسخ ، أسفار الجنون ، كلمات الشر ، وتندس في نصوص اليوم .. حقا مازالت مسودة كتابي الأول والأخير راسخةً في مِرآتك .. حقا إن كتاب خلودي لم يسطَّر فيه حرفٌ ، وقد عتا العمر )) ينظر ـ حدائق الوجوه :  19 ـ 20 ، فهو مثال على تخفف الناص في مواضع كثيرة من النقاء النوعي للجنس القصصي ، فليس هناك راوٍ ـ بالمعنى القصصي ـ ، هنالك مُرسِلٌ يقوم بالنداء المتكرر فحسب ، وليس ثمة من رد على الرسالة من المرسل إليه ، مما يؤشر قصدية محو الخبر ، والعدول إلى سلطة التكلم المجردة ، وهذا ما أدى إلى ندرة الجمل الخبرية ، بين سيل من الجمل الإنشائية الحافلة بالنداء والتمني ، وليس هناك " زمان " ولا " مكان " ، وإذا لم يكن تغييب هذين الأخيرين كافيا لإمكانية التخلي عنهما في القصص الحلمي الرؤيوي والأسطوري والفنتازي ، فليس من طبيعة الجنس القصصي غياب سيرورة الحدث وانعدام بؤرة اشتباك الوقائع / الحبكة ، إن هذ وغيره من مواضع المراجعة القصدية لحتمية واستقرار الماقبل ، وهو أيضا ملمح من ملامح وحدة النص ذي التمفصلات المختلفة ، فقد بنيت الحدائق لتكون كتاب أقنعة وحكايات لرؤيا موحدة كاشفة ، لا ليكون وعاءً حافظا لمجموعة من القصص ، وقد جاءت هذه الانفلاتات النوعية في المقدمات الأولى ، واستمرت في الظهور على نحو متقطع بين نصوص الكتاب ، لتؤكد للمتلقي أهمية النظر الكلي إلى الحدائق بوصفها نصا تتعالق مفاصله في نسيج قصصي يتحلى بوحدة موضوعية ، يؤدي التخلي عن أحد مكوناته إلى اختلال البنيـة الكلية للنص المتعدد / الكتاب الجامع (*) الذي تتأسس نصوصه بعضها على البعض الآخر ، وتعاود عباراته وأقنعته واقتباساته الظهور على امتداده ، بما يمنحه بناءً سمفونيا تصاعديا ـ على وفق تعبير القاص نفسه ـ .، وينظر أيضا نصوص ـ الوجه رضيعا : 25 ، قناع غابرييل غارسيا ماركيز : 98 ـ 100 ، ومواضع أخر . وعلى الرغم من أن مداخل بعض النصوص توحي بكونها تراجم لشخصيات منتقاة فإن المتلقي سرعان ما سيستشف حضور الراوي وتجليات الأداء القصصي المقنع بالترجمة حينا والسيرة الذاتية حينا والتأريخ آناً أو بالتأمل النقدي في سلالات ومتجهات السرد وأسرار التكوين القصصي وبالخطاب الصوفي الاستشرافي حينا وغير ذلك من التنويعات الارتكازية التي يستدعيها الناص في غير معزل عن الوعي الإجناسي بالحدود النوعية العامة للقصة القصيرة بوصفها إطارا بنائيا للخطاب ، أوصل حدودها النوعية إلى تخوم وأقاص رفدت القصة القصيرة بمعطيات كانت تبدو بمعزل عن منطقة اشتغالها المفترضة ولا صلة معهودة بينهما ، كما استدعى الشعر بمختلف انتماءاته الزمنية وأشكاله القديم منها والحديثإلى منطقة اشتغالات " الحدائق " المتموقعة رؤيا وبناء ودلالة في سؤال ما بعد الحداثة ، ولم يقتصر ذلك على نسيج الاقتباسات الشعرية في الحدائق وإنما تخطّاه إلى تموقعات الراوي خلف قناع الشاعر ، مبينا مدى العجلة والحماس الزائد والتجني المتعاقل الذي تورطت فيه بيانات موت القصيدة وأقاويل نعي الشعر بوصفه جنسا منقرضا أخلى الكرة الأرضية لجنس أقوى ـ في نظرها ـ هو الرواية أو السرديات عامة ، مبشرة بما يمكن تسميته بالحل السردي للأدب ، ولكن ، هاهوذا أحد أبرز كتاب القصة القصيرة ومجدديها في النظرية والتطبيق يجمع كلا من الشعراء والقصاصين والروائيين ـ مقدما عليهم الشعراء ـ في حدائق الوجوه ، ضاربا عرض الحائط بكل تخرصات القطيعة البائنة بين السرد والشعر ، إذ يقول : (( إن بستانيا برهميا من طراز طاغور ، وحديقة من حدائق الورد الشيرازية ، وشجرة تسبح الوجوه المتدلية منها كما شاهدها القزويني في جزيرة خرافية شاركتني حلم هذا الكتاب ... أبيقور ، طاغور ، رودكي ، جلال الدين الرومي ، كشاجم ، عمر الخيام ، الشيرازيان حافظ وسعدي ، جبران خليل جبران ، بدر شاكر السياب ، جورج لويس بورخس ، غابرييل غارسيا ماركيز ، هم بستانيون متعاقبون على حدائق الوجوه ، حرسوها ومنحوها أقنعتهم قبل أن يغادروا )) : 14 . * نستعير مصطلح " الكتاب الجامع " من إحدى نصوص الكتاب القصصي " شواهد الأشياء " ـ باسم الشريف ـ منشورات جيم ـ البصرة ـ 2007 : 81 .

( 2 ) الحدائق : 117 .

( 3 ) ينظر ـ نفسه : 60 .

( 4 ) نفسه : 7 .

( 5 ) نفسه : 117 .

( 6 ) نفسه : 20 .

( 7 ) نفسه : 97 .

( 8 ) نفسه : 98 .

( 9 ) نفسه : 15 ، وينظر ـ 7 ـ 13 .

( 10 ) نفسه : 188 .

 

 

 

 

د. محمد الاسدي


التعليقات

الاسم: د. محمد الاسدي
التاريخ: 06/09/2011 08:29:02
//
///

لا أرى قراءة نهائية لأية نص أدبي ، القراءة النهائية هي إعلان موت النص لا المؤلف وهذا ما لا يمكن أن يستقيم مع النصوص المفارقة ..
ليست قراأتي تفسيرية ، فالقراءة الشارحة أكل عليها الدهر وشرب ، إنها إجراء في التأويل فحسب .. فأن يكون القناع الأول هو الشيطان أو الموت هو أمر ينتمي إلى منطقة القراءة الشارحة التي لا أنتمي إليها ، ولك الخيار في أن تتبناها أو لا تتبناها .

محبتي

الاسم: سليم جواد
التاريخ: 27/06/2011 06:58:04
الأخ كاتب المقال ، أحببت ان ألفت نظرك ، الى ان القناع الأول ، ليس المقصود به الشيطان ، وإنما هو الموت .. اخي الحبيب اعد قراءة القناع وستعرف ان المقصود به ليس الشيطان وإنما الموت . مع ودي لك وتمنياتي على الله ان يمد بعمر هذا العبقري محمد خضير.

الاسم: سليم جواد
التاريخ: 27/06/2011 06:56:30
الأخ كاتب المقال ، أحببت ان ألفت نظرك ، الى ان القناع الأول ، ليس المقصود به الشيطان ، وإنما هو الموت .. اخي الحبيب اعد قراءة القناع وستعرف ان المقصود به ليس الشيطان وإنما الموت . مع ودي لك وتمنياتي على الله ان يمد بعمر هذا العبقري محمد خضير.

الاسم: د. محمد الاسدي
التاريخ: 16/11/2010 10:46:22
//
///

الصديق العزيز
الاخ جمال مصطفى
مداخلتك قد أثرت القراءة ومثل هذا العمق في تلقي النص الذي تمتلكه كفيل بإغناء وإثراء أية نص إبداعي تستنطقه ، شعرا كان أم سردا .

إن القول في تخطي الأنواع حديث ذو شجون ، ومحمد خضير يتخطى ذاته الإبداعية باستمرار ، إنه علامة أو بصمة في ذاكرة الكتابة ، وهو نقطة تلاق واشتباك بين المسارين الشعري والسردي لما تمتلكه أسلوبيته من خصائص نوعية مغايرة .

تحيتي لك أخي جمال
واعتزازي الكبير


د. محمد الأسدي




///
//

الاسم: د. محمد الأسدي
التاريخ: 27/10/2010 10:07:21
//
///
/////


الصديق العزيز
الإعلامي فراس حمودي الحربي
صباحكم نور وإبداع
على صفحات النور العراقي
إطلالة أعتز بها
دمتم بخير

تقديري


د. محمد الاسدي


////
///
//

الاسم: الاعلامي فراس حمودي الحربي
التاريخ: 23/10/2010 14:52:42

وجوه الصانع الأمهر قراءة في (حدائق الوجوه)
لك الرقي والالق وعبق الياسمين دكتور محمد طالب الاسدي
تقبلو مودتي وامتناني نهاركم نور

شكرا دمتم سالمين ياابناء النور

تحياتي فراس حمودي الحربي

الاسم: جمال مصطفى
التاريخ: 22/10/2010 22:05:56
الأستاذ محمد طالب الأسدي

ودا ودا

اشكرك اولا على هذ الأضاءة الرصينة.
اعتقد ان محمد خضير بدأ قاصا وانتهى شاعرا .هو في الحقيقة بورخيز عراقي . الشعرالعربي الطليعي هو الآخر قد
دخل في ما وصل اليه محمد خضير من الجهة الأخرى .
لم يكن محمد خضير منذ البداية ميالا للسردالمتنامي ولهذا
لم ينتقل الى كتابة الرواية ولو كتب الرواية لجاءت على
شاكلة مدن لامرئية اعني لكانت شعرا ايضا.
محمد خضير شاعر سبق شعراء كثيرين نراهم الآن ينحون منحى
محمد خضير ( امجد ناصر مثلا ) هم يدخلون السرد الىالشعر
ومحمد خضير منذ بداياته يكثف السرد حتى وصل الى تخوم الشعر ومايكتبه محمد خضير هو في الحقيقة اقصودة .




5000