.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


أفق النهضة وأسئلة الثقافة

سعد محمد رحيم

قراءة في كتاب "نحو وعي ثقافي جديد" لعبد السلام المسدّي 

 

يطرح كتاب الدكتور عبدالسلام المسدّي ( نحو وعي ثقافي جديد/ كتاب دبي الثقافية/ 2010 ) جملة مسائل ملحّة، شائكة، ومترابطة تخص الثقافة العربية ( مشكلاتها وممكناتها وآفاقها )، من الصعب تلخيصها في هذا المقام. مع التأكيد على ضرورة مناقشة جوانب هامة منها. وفي هذا يمكن الاتفاق مع كثر من تلكم المسائل التي يناقشها، في مقابل الاعتراض على بعض أفكاره، والاختلاف معها.

    في هذا الكتاب يؤسس المسدّي جهازه المفاهيمي الخاص في تشكيلة واضحة يعلمنا من خلالها بماهية هذا الوعي الثقافي الجديد الذي ينشده، ما محتواه وصيغه وشروط انبثاقه وانتشاره؟ وما هي القوى والمؤسسات المرشحة لتنميته؟ وكيف يمكن بلوغه في نهاية المطاف؟. وليس جديداً كل ما يقوله هنا لكن التوليفة التي ينجزها لحزمة الإشكاليات التي يعتقدها بمثابة التحديات للعقل والوجود العربيين، وتوقيت طرحه وطريقة طرحه يمثّل مثيراً ضاغطاً لوعينا. ولو كنا نمتلك مجالاً ثقافياً صحياً معافى لأثارت أفكار المسدّي حوارات خصبة وحفّزت لظهور أفكار خلاّقة أخرى.

   يومئ المسدّي منذ البدء إلى تلك العطالة التاريخية التي يعاني منها العرب. وهذه لها أعراض وتمظهرات لا تحصى، نقرأها على "شاشة السياسة، ولوحة الاقتصاد، والمشهد الفكري". وقد أخذت بالتفاقم بعد انتهاء مرحلة الاستعمار الكولونيالي، وتكوين دولة الاستقلال.. إنها حالة العرب المستعصية التي تحيّر العقل النقدي، "فهناك مأزق في صيرورتهم التاريخية، هناك حجم هائل من التناقضات بين العديد من مكوِّنات الوجود الجماعي لديهم" ص15... ويصل الداء إلى الكلام والخطاب، إلى الثقافة والفكر فيتجلى "المأزق بين بنية المفاهيم وتشكّلات السياق المتنزلة فيه" ص15، إلى أن يطول ( المأزق ) اللغة، يقول؛ "وإننا على يقين بأن انفصاماً حاداً يقوم اليوم في الواقع العربي الراهن بين حضور الوعي العام في السياسة والاقتصاد والمعرفة وغياب الوعي الخاص بالمسألة اللغوية، وأن هذا الانفصام إلى حد التصادم الضدّي لم تعرفه الشعوب الأخرى، ولا عرفه العرب أنفسهم في أية حقبة ماضية.." ص17.

   ما يشغل المسدّي في كتابه، مثلما نوهنا، هو الإشكالية الثقافية التي هي بحاجة إلى تحقيق إزاحة بجعلها أولوية في اهتمامات النخبة والمجتمع. وها هو يحذرنا من "أن العرب سيظلون على هامش التاريخ إن واصلوا النظر إلى المسألة الثقافية كما هم يفعلون" ص17. واجداً في الثقافة "جسر الضرورة بين الفكر والسياسة.. وأن الخطاب الثقافي ملتزم بطبعه، وأن إعلانه هو إعلان عن الانخراط في ميثاق الالتزام لكل ما يحرر الكائن من قيود التسلط أياً كان مأتاه" ص17.

   يبحث المسدي في علاقة المثقف والسلطة على خلفية علاقة الثقافي بالسياسي حيث تغدو حرية الرأي لحمتها، وبانعدامها "يكون الخاسر الأول هو المثقف. ولكن الخاسر الأكبر سيكون ـ بلا أدنى ريب ـ هو السياسي منذ حطم بيده عماد بيته". ص26. ومن وجهة ثانية يرصد المسدي الحاجة المتبادلة بين الثقافي ( مجسداً بالمثقف ) والسياسي ( مجسداً بالسلطة السياسية ).. يقول؛ "يقين قاطع أن احتياج الثقافي إلى السياسي هو احتياج ضرورة، واحتياج السياسي إلى الثقافي هو احتياج بقاء" ص27. والمحدد هنا هو وظيفة كل منهما ومسؤوليته إزاء الآخر. فالثقافي يلقي الأسئلة كي لا يخسر مبررات وجوده، والسياسي يقدّم الأجوبة كي لا يخسر مشروعية وجوده.

   يكاد المسدّي يقطع عليك طريق محاورته ومخالفته بإيراد عبارات من قبيل ( بلا أدنى ريب، يقين قاطع، ولا نكاد نشك برهة، الخ ) وهي ترد بصيغ متباينة، وبمعنى واحد في فصول كتابه كلها. ومن حقنا أن نتساءل؛ ألا تنتهي مثل هذه الوثوقية إلى الدوغما التي ينفر منها المسدّي نفسه، ويسعى لفضح مخاطرها على الوعي العربي. لاسيما حين يومئ إلى نسبية الموضوعية الفكرية والأوجه المختلفة للحقيقة؟. لنتجاوز هذه العبارات وظلالها الثقيلة، وندخل في خضمّ الحوار؛

   شغلت إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة الفكر العربي طوال العقود الأخيرة ولست أنكر أهمية البحث في صلب هذه الإشكالية غير أن القصور في هذه الأطروحة تتجلى؛ في اختزال السلطة بالسلطة السياسية الحاكمة وحدها في الوقت الذي تشكل فيه سلطات أخرى ( اجتماعية ودينية ) عوائق أكبر في حالات عديدة. فغالباً ما تُحشر، عند كثر من المثقفين العرب في دراساتهم وابحاثهم، إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطات الاجتماعية والدينية في الهامش.

   ألا تغازل السلطة السياسية، اليوم لمقتضيات مصلحية ضيقة، السلطة المؤسساتية الدينية، وتساير معتقدات اجتماعية متخلفة على حساب التأسيس لفكر نهضوي حقيقي؟. ألم يخلق المجتمع نفسه، نتيجة ظروف تاريخية قاهرة مصدّاته الخاصة التي تحول دون تواصله مع وعي ثقافي جديد، وفكر نهضوي جديد، حيث حصل تهرؤ في بنية الطبقة الوسطى القائدة والمرشحة للنهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.  فضلاً عن تسيد ثقافة الموت والآخرة مع صعود الإسلام السياسي الأصولي المتطرف. إلى جانب الدور السيئ لكثر من قنوات الإعلام التي تشيع ثقافة سطحية أو غيبية، من غير أن ننسى، بطبيعة الحال، دور القوى الخارجية.

   لماذا لا نوسع حلقة الإشكالية. أي أن نخلق إزاحة في نطاقها، بجعلها متضمنة للعلاقة بين الثقافي ( أطروحات ومؤسسات ) والسياسي ( إيديولوجيات ومؤسسات ومصالح ) والاجتماعي ( معتقدات ومؤسسات، منها الدينية ) واللغة ( دوال ومدلولات، وقواعد وبنى وممكنات )، وللمسدّي إسهامات ممتازة في دراسة مشكلات اللغة العربية وانعكاساتها السياسية والثقافية.. إن اختزال الإشكالية العربية في إطار العلاقة بين المثقف والسلطة السياسية الحاكمة تبسيط لما هو معقد يفضي إلى شحوب الوعي وتزييفه. ولا أعتقد أنه يُخفى على المسدّي ذلك السؤال الأبستمولوجي الملّح؛ ما الذي يعيق الوعي الثقافي العربي من التفتح؟ ما الذي يحول دون إبداع العقل العربي ما يجب، وفي ضوء الضرورات التاريخية؟ غير أنه، عموماً، لا يخوض في الممتنعات ( باستعارة اصطلاح علي حرب )؛ أي جملة الآليات والضغوطات العقلية والإكراهات التي تتسبب في إخفاقات العقل العربي. وتحد من المسافة التي بمقدوره اقتحامها.

   يرفض المسدي أدلجة الفكر والتحزبية في إبداء الرأي، ووصاية المؤسسة الرسمية على الفكر الخلاّق. يريد للفكر "أن يكون مرجعه العقل الخالص الذي ميثاقه مطابق لمواثيق العلم وقواعد المعرفة ومحاضن الموضوعية" ص40. غير أن ما يحقق للفكر هذه الأرضية هي الحرية؛ حرية التفكير وحرية التعبير، فماذا نقصد بحرية التفكير؟ إنها بحسب وجهة نظره؛ "الإقرار بالرأي الآخر الذي يتجول بين الرأي المختلف، والرأي المخالف، والرأي الضديد، والرأي المضاد، وكلها مستويات مستقل كل واحد منها بنفسه، معاييرها؛ التباين في الأول، والتميز في الثاني، والذي هو لازم الحضور بالضدّية في الثالث، والذي هو ناقض للجذور في الرابع" ص42. والإقرار بالرأي الآخر لابد يعني احترامه ومنحه الفرصة ليعلن عن نفسه، لا الأخذ به، في مطلق الأحوال.

   إن الفكر الذي يتوافر على الشروط والخصائص المذكورة آنفاً بحاجة إلى الجدل الفكري الحر كي يتوطد. والجدل ينتهي دائماً إلى تركيب مغاير يصبح أطروحة جديدة، يمهد لفهم جديد للمسألة التي ينشغل بها الفكر. ويدرك المسدّي أن هذا الفكر الحر لا يتنفس وينمو ويتطور إلاّ إذا كان "المجتمع ومختلف السلطات القائمة على أموره تكفل للفرد ما به يكون تفكيره حراً، وما به تستكمل عملية التفكير ذاتها شروط سلامتها وشروط موضوعيتها" ص43. وهكذا نعود إلى الاعتراف ضمناً بوجود مجموعة الممنوعات والمحرّمات التي تحول دون حرية التفكير، وحرية التعبير.

   يكتب المسدّي عن  النظام السياسي وفي ذهنه النظام السياسي العربي. ويكتب عن الفكر وفي ذهنه الفكر العربي. وهو يعوّل على المثقفين، لا السياسيين، في تأصيل الوعي الثقافي الجديد في ما يسميه بـ ( الصراع الثقافي )، والذي به يقترب من مفهوم ( صراع الحضارات ) كما لو أنه حقيقة واقعة وشغّالة أبداً. من جانب آخر يفترض حسن نية السياسي وضيق أفقه الفكري والاستراتيجي.. يقول؛ "ولو عرف السياسي أن أشرف المقايضات هي أن يسهر هو على أمن المفكرين قبل أن يسهر على استقراره، عندئذ سيعمل الفكر ـ دونما وصاية ودونما تواطؤ ودونما انخذال ـ على أن يستتب الاستقرار السياسي لأنه متمتع فيه بمبررات وجوده، وواجد معه ما به تكتمل له إنسانيته العليا؛ لو عرف السياسيون ذلك لأيقنوا بأن حرية الفكر هي الحليف الاستراتيجي لأنظمتهم السياسية، وهي التي بوسعها أن تؤسس ـ على المدى البعيد ـ الانصهار التام بين مظلة الأمن وقاعدة الاستقرار" ص38.

   يتجاهل المسدّي، أو يقفز على طبيعة وخصائص بنى السلطات السياسية العربية؛ آليات عملها وموجهاتها ومصالحها وأهدافها. وهي في الأغلب الأعم فاقدة للشرعية الدستورية والأخلاقية. والسياسيون يعرفون قبل غيرهم أن حرية الفكر هي الطوفان الذي سيقتلع قواعد أنظمتهم.. فلسنا بصدد أنظمة ديمقراطية، أو مؤمنة بالديمقراطية، بل أنظمة استبدادية لا تستطيع أن تحيا من غير اختلاق أزمات داخلية وخارجية، وتناحرات أهلية لتكون لها مسوغات استمرار وديمومة. فهي تتعايش وتتكيف مع قدر من الفوضى والاضطراب والفساد والتطرف، ولا تستطيع ذلك مع حرية الرأي والتعبير والممارسات الديمقراطية. بل إنها تساهم في عدم الاستقرار السياسي والأمني بحدود معينة مسيطر عليها، وافتعال أزمات ومشكلات اجتماعية  وسياسية وصراعات كي تبقى الأمور في حالة طوارئ دائمة، وكي تحتفظ بذرائع البقاء. يقول المسدّي؛ " ولا نكاد نشك برهة في أن النظام السياسي القادر على جمع الشمل الثقافي من حوله، والمتمتع بأصوات النخبة الفكرية في ساعة الامتحان الحضاري، هو الأجدر بأن يفاخر غيره، وبأن يتباهى في هذا الزمن التاريخي الجديد" ص24. وفي ضوء هذا الاقتباس نجدنا نتساءل؛ من أين يستمد النظام السياسي شرعيته، أليس من الشعب، من طريق انتخابات نزيهة؟ أتكفي أصوات النخبة الثقافية لإضفاء مثل هذه الشرعية؟ ثم هل يمكن  أن تمنح النخبة الثقافية صوتها لنظام سياسي فاقد للشرعية؟ وأيضاً؛ هل النخبة الفكرية العربية متجانسة في معتقداتها وخياراتها السياسية؟ أليست النخبة هذه منقسمة على نفسها؟ وهكذا نرى بعد الهزائم العربية الكبيرة وتقوّض أسس الإيديولوجيات الكبرى، لاسيما الماركسية والقومية، كيف انحدرت شرائح واسعة من تلك النخبة إلى نوع من العدمية أو العزلة فيما لم تستطع شرائح أخرى مغادرة مواقعها القديمة وقناعاتها العتيقة وكأن لا تغيير حصل، على صعد الحياة كافة منذ نصف قرن أو أكثر. فهل هي، في حالتها هذه، قادرة على تبني وعي ثقافي جديد مثلما يريد لها المسدّي؟. كما نعلم أن هذه النخب لم تمأسس نفسها، ولم تلتم على مشتركات أساسية، تجعل منها سلطة ضغط يُحسب حسابها مثلما كان شأنها في النصف الأول من القرن العشرين وحتى بداية السبعينيات منه.

   ثم، هل النظام السياسي العربي ببنيته الحالية مؤهل لخوض مثل هذا الامتحان الحضاري؟ أم أن هذا الكلام كله هو من قبيل السفسطة البلاغية التي لا تصمد في احتكاكها بمعطيات الواقع والتاريخ؟. هل سيفكر النظام السياسي العربي في أي ظرف، بجمع الشمل الثقافي والفكري؟ ألن يكون خضوع النظام السياسي القائم لأطروحة النخبة الفكرية بداية النهاية له طالما كانت هذه النخبة تدعو إلى إصلاح النظام السياسي العربي وتبني الديمقراطية التي قوامها الاقتراع الحر وحرية الرأي والتعبير والتجمع، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة؟.

   يقر المسدّي أن "الفكر مدرسة للسياسة، والسياسة مدرسة للفكر" ونعم هو كذلك. يردف؛ "بل قل على وجه التخصيص: الفكر هو المدرسة الأولى للسياسة، والسياسة هي المدرسة الأخيرة للفكر" ص30. نتساءل؛ لماذا السياسة هي المدرسة الأخيرة للفكر طالما أنها، في عالم اليوم، ترسم مصائر البشر وأقدارهم، ومستقبل الأرض طبيعة ومجتمعات؟.. يضيف؛ " والفكر متمرد بطبعه، ولكنه متمرد على ذاته، والناس يظنون أنه إذا تمرد فإنما هو بالضرورة يتمرد على السياسة. ومن هذا الالتباس تتولد كبريات المظالم. والدليل الأعظم على ما نقول هو أن الفكر لا ينتعش بشيء ولا يحتفي بشيء مثلما ينتعش ويحتفي بالفكر المضاد، إذ من  ضديته يتغذى، وفي ضديته تكتمل علّة وجوده" ص30. نتساءل؛  هل كل فكر ( إطلاقاً )  يتمرد على ذاته؟ وماذا بشأن الأفكار المنغلقة على نفسها، المتعصبة والوثوقية؟ ثم؛ هل يتمرد الفكر على ذاته فقط؟ ألا يتمرد على ذاته بقدر ما يتمرد على الواقع مراجعاً، في ضوئه، مسلِّماته وفرضياته ومقولاته ومنهجه؟ إن تمرد الفكر على ذاته هو تمرد على واقع مشخص، ركن من أركانه الرئيسة؛ السياسة. والفكر المتمرد، ذو طابع سياسي، في أحايين كثيرة، لاسيما إذا اتخذ منحى اجتماعياً. وكل فكر حر وحي هو ذو طابع جدلي، ينتعش من خلال حركة المتناقضات في داخله وفي مواجهة  الأفكار الأخرى المضادة وفي أثناء قراءة حركة الواقع الحي الموضوعي.. وحين تكون الفكرة منغلقة على نفسها، مكتفية بذاتها، تجزم احتكار الحقيقة، جامدة في مقولاتها، غير ملتحمة بحركة الواقع الساخن والمتغير فإنها لا تستطيع أن تنتعش وتحتفي بالفكر الآخر.. إنها تعتقد بأن علة وجودها في داخلها، أو مستمدة من قوة علوية.

   إن فكر المسدّي لا يخلو من مسحة من الرومانسية.. إن أحلامه تحرّف أحياناً رؤيته إلى الواقع الموضوعي. ولست ضد أن يحلم المفكر. وأعتقد أن الأفكار الكبرى عن مدن الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والوفرة وإشباع الحاجات والخلاص وإيجاد الأرضية المناسبة للإبداع الحر تكون لابد معجونة بالأحلام. غير أن الأحلام قد تحفِّزنا للعمل لكنها لا تكفي بأية حال لتفسِّر الواقع وتحوِّله، وتحقق مملكة الحرية؛ مملكة الإنسان الحقيقي.

   على الرغم من أن المسدّي يزعم "أن الوعي الثقافي الجديد ليس شعاراً يرفعه الرافعون، وليس صوغاً إنشائياً تزدان به ( براويز ) الأدبيات الخلاّبة" فإنه يعود ويصوغ هذا الوعي بعبارات إنشائية شعاراتية.. لنقرأ؛ "إنه معاناة طينته طينة المكابدات القاسية: هو انتباه، فيقظة، فنضال. وتجديد الوعي عبء تنوء به الكواهل، يتخلق في رحم الثقافة، ويتولد بين أيدي السياسة، ويتدرج يافعاً في أحضان منظومات المجتمع كلها. المثقف في حاجة إلى وعي بالسياسة جديد، والسياسي في حاجة إلى وعي بالثقافة أجد" ص47. هذا كلام جميل، عباراته منسجمة بعضها مع بعض، متواشجة منطقياً. لكنه المنطق المجرد، المؤسس بقوة على مستوى الذهن، وفي الخيال المحلِّق، والذي سيتهشم إذا ما حاكمناه في ضوء مشكلات ومعطيات الواقع العربي. هنا يكاد يكون تحديده لماهية الوعي الثقافي الجديد ضبابياً.. نقرأ نثراً ممتازاً لكننا نتشوش ونحن نبحث عن الدلالات المضمرة تحته، أو وراءه. حيث المفردات عائمة يمكن أن تعني كل شيء، وقد لا تعني، أحياناً، أي شيء.. ولنسأل المسدّي حول هذا المقطع سؤالاً واحداً بسيطاً؛ كيف لنا أن نثق أن الوعي الثقافي الجديد سيتدرج يافعاً في أحضان منظومات المجتمع كلها.. أليست ثمة منظومات في مجتمعاتنا العربية تحول دون تحقيق أي قدر من التحوّل المديني وامتلاك عوامل التجديد والنهضة؟. يكتب المسدّي وفي ذهنه يوتوبيا سعيدة يأمل تحقيقها، معتقداً أن الحكّام إذا ما أدركوا إمكانية وضرورة تحقيق هذه اليوتوبيا فإنهم سرعان ما سيسيرون قدماً باتجاهها. وهذا ليس صحيحاً بالمرة. إن الوضع العربي أعقد من أن نفسِّره ونقيّده في عبارات إنشائية فضفاضة، وحلول مشكلاته واختلالاته البنيوية لا تكون بالتمنيات.

   يؤكد المسدّي على "أن الأمن النفسي حليف إستراتيجي للفكر". صحيح، ولكن من يوفره، وتحت أية شروط؟ هل من مصلحة السلطة العربية الحاكمة ضمان مثل هذا الأمن؟ أظن أنه لا شيء يقلق السياسي العربي القابع على سدة الحكم أكثر من أن ينعم المفكرون العرب بالأمن النفسي، وأن تتوافر لهم الظروف المناسبة للإبداع والإنتاج الفكري. في الوقت نفسه، لا يعني انعدام الأمن النفسي أن ينكفئ المفكر الحر ويلوذ بأسباب السلامة. وقد كتب كثر من المفكرين، في أمكنة وأزمنة عديدة، نتاجاتهم في بيئات وظروف معادية. واستطاعوا التأثير عميقاً في مجرى الواقع والتاريخ.

   وحتى هذه اللحظة، ولصفحات طويلة قادمة، لا تحضر الأمثلة كثيراً في كتاب المسدّي، لا نكاد نقع على أمثلة من الواقع العياني المعيش تجلي لنا ما غمض من أفكار مجردة يبرع في صياغتها.. وبطبيعة الحال فإن قراءة مثل هذا الكتاب لن تكون يسيرة.. يضطر القارئ أن يعود بنفسه إلى مرجعياته وخبرته الماضية ليجد ما يطابق أقوال الكاتب أو ما يناقضها. أتراه يعوّل على ذكاء قارئه وصبره؟ أم أنه لا يرغب في إزعاج الوحش السياسي العربي المدافع بشراسة عن عرينه، حتى وإن كان ما يهدده ليس سوى كلمة صادقة؟!.

*   *   *

   يشير المسدّي إلى تلك الصورة المأساوية القاتمة حيث يوزّع المثقفون، في ظل الأنظمة الإطلاقية الشمولية، على وفق التصنيف الآتي؛ مثقف السلطة ومثقف السجن ومثقف المنفى. ولا غير ذلك.. يقول؛ "والمتشائمون القاتمون يخشون على الوطن العربي أن يؤول به الأمر إلى هذه الثلاثية التراجيدية" ص45. وهو إذ يصنّف المثقفين، في السياق الذي يتناوله، بدقة يحثنا على التساؤل؛ أليس هذا هو حال المثقفين في أغلب البلدان العربية؟ لماذا نكون متشائمين إذا أقررنا هذا الواقع؟ أهو تشاؤم موهوم أم تأكيد على حقيقة قائمة في ظل أنظمة إطلاقية، تسلطية وغير شرعية، عربية كثيرة؟ وفي توصيفه للأنظمة الإطلاقية يلوذ المسدّي بالمجاز، ربما تقية، فهو يصفها هكذا؛ "تلك التي جاءت إطلاقيتها من باطن المادة في الأرض أو من أبخرة جوف السماء" ص45.

إلى جانب أولئك، ثمة المثقف المتواطئ والممالئ، وثمة المثقف الساكت، وثمة المثقف الانتهازي؛ أي المثقف المتلون الذي يغيّر جلده مع تغير المزاج العام وتبدل المواسم السياسية، ولا نكون مغالين أو ظالمين إذا ما قلنا أن النخب الثقافية العربية ليست بمنجى من الأمراض الاجتماعية المتولِّدة عن الظروف التاريخية السيئة، وهي تحمل تشوهاتها الخاصة وعوامل قصورها وأعراض ضعفها.

   مثّل طه حسين لحظة جد حاسمة في مسار فكر النهضة العربية، وكان تأثيره عميقاً في مجايليه ومن جاءوا من بعده. واستطاع أن يؤسس لتقاليد حوار مثمر على الصعيد الثقافي والإعلامي والأكاديمي. كان جريئاً، ولمّاحاً في تشخيصه لأزماتنا الفكرية والوجودية والحضارية. وله وجهات نظر ورؤى ثاقبة في شؤون شتى بدءاً من وضع برامج واستراتيجيات للتعليم ومستقبل الثقافة وحتى ما يخص النظام الديمقراطي وبناء الدولة، مروراً بإعادة قراءة التراث العربي الإسلامي في ضوء المناهج العلمية الحديثة. وما زالت لتلك الرؤى والأفكار أصداءها في فضائنا الفكري والمعرفي حتى هذه الساعة. وستبقى لعقود طويلة قادمة، طالما أن الحالة التي انتقدها طه حسين لم تتغير، بل أخذت منحى أكثر سوءاً وخطورة. وعبد السلام المسدّي يتخذ من هذا الرجل العبقري نموذجاً للمفكر الذي نفتقده في راهننا العصيب.. يقول، آسفاً على ما آل إليه وضع المثقف العربي؛ "إن المثقف العربي لم يعد له الآن ما كان عند طه حسين، وعند جيل طه حسين، من شجاعة على الرأي، ومن جرأة على الكتابة، ومن إقدام على المجاهرة وعلى الإصداح" ص27.

   أظن أن مشكلة الثقافة العربية المعاصرة ليست في انحسار مساحة الجرأة في طرح المسائل الأساسية، وإنما في تلك الهوّة القائمة اليوم بين الشريحة المثقفة وإنتاجها الثقافي من جهة والمجتمع من جهة أخرى.. لقد أصاب العطب حلقات الاتصال والتواصل بين الاثنين. أو أن ثمة خللاً يعاني منه الفضاء التداولي للأفكار. ليس لدينا نقص في الأفكار. وعشرات المفكرين يشتغلون اليوم بمناهج نقدية متقدمة ويتحرشون بمساحات واسعة من المسكوت عنه، والممنوع التفكير فيه. لكن الخلل في مكان آخر؛ في منظومة العلاقة بين الفكر والمجتمع، وفي غياب المؤسسات الحاضنة مثل الجامعات وغلبة منطق الربح على غايات كثر من دور النشر وقنوات الإعلام التي لم تعد تتحمل مسؤوليتها التنويرية.. يكفي أن نستعرض بعض أسماء أولئك المفكرين الذين جاءوا بعد طه حسين؛ ( محمد عابد الجابري، نصر حامد أبو زيد، السيد محمود القمني، إدوارد سعيد، محمد أركون، حسين مروة، صادق جلال العظم، فالح عبد الجبار، جورج طرابيشي، محمود أمين العالم، عبد السلام المسدّي، سيّار الجميل، عبد الله إبراهيم، عبد الله الغذامي، وآخرون ) وكل واحد من هؤلاء كانت له إضافاته وفتوحاته في القضايا الفكرية العربية الملحّة. والتي لم تثر حراكاً في محيط تداولها كما يقتضي مشروع النهضة.  وهذه الحقيقة لم يغفل عنها المسدّي، وها هو يلتقط بذكاء جانباً مهماً من علّة المسألة؛

   "انحسرت ــ بفعل الانشقاق العميق الحاصل بين المنظومات الإجرائية والمنظومات الرمزية في المجتمع الإنساني الجديد ــ سلطة المثقف حتى لتكاد تتبدل وظيفته جوهرياً. لم يعد بوسع المثقف أن يصنع الحدث في مجالات الحياة العامة على حد ما كان يُصنع من قبل. لم يعد يتسنى أن يصدح المثقف بقولة تغيّر مجاري الأحداث وترسم معالم الطريق كالذي فعله طه حسين.. " ص69.

   نتحدث عن ثقافة جديدة، وعن فكر ووعي جديدين، لكننا نغفل عن ذلك التحالف غير المقدس وغير المكتوب بين الفئات الحاكمة وبعض المؤسسات الدينية وبعض وسائل الإعلام المأجورة وقسم من النخب الثقافية ذاتها والتي تحول دون توفر الشروط اللازمة لوصول هذه الثقافة وذلك الفكر إلى عقل المجتمع. وفي عبارة مجازية بليغة يلخص المسدّي مأزق الإبداع العربي من هذه الزاوية؛ "مؤسسة القرار ومؤسسة الغيب في كثير من ربوعنا العربية حليفتان إستراتيجيتان على مؤسسة الخيال".

   ليس الجهر بالأفكار هو الذي يحسم الصراع في نهاية المطاف وإنما وجود قوى اجتماعية ونخب فاعلة ومؤسسات تتبنى هذه الأفكار وتروّج لها وتجعلها في صلب رؤيتها وبرنامجها وجزءاً من حركة الواقع الاجتماعي والسياسي، أو محركاّ في الصراع الاجتماعي والسياسي. والسؤال الذي يفرض نفسه في سياقنا هذا؛ ما هي التشكيلة الاجتماعية الجديدة التي يمكن أن تكون هذه الثقافة الجديدة ثقافتها، وهذا الوعي الثقافي الجديد وعيه؟. ولا أظن أن المسدّي قد خاض، في كتابه، في هذا الجانب، على الرغم من أهميته.

   تشكل طبيعة العلاقة مع الآخر ركناً أساسياً في الفكر المعاصر، وقد بدأ هذا الاهتمام في الغرب مع عصر التنوير في القرنين السابع عشر والثامن عشر. ويعد الاستشراق إطاراً نظرياً عاماً جسّد رؤية الغربي لـ ( آخره الشرقي ) لكن الأمر تأخر عندنا حتى القرن التاسع عشر. وأضحت الحملة الفرنسية على مصر في العام 1797 المناسبة للبحث في مجال جديد في ضمن منطقة الفكر، أقصد؛ البحث في إشكالية العلاقة مع الآخر الغربي، ومعه كانت فاتحة فكر النهضة العربية. وربما يكون رفاعة رافع الطهطاوي أول من دشن ذلك المجال الإشكالي في كتابه ( تخليص الإبريز ). ومنذ ذلك الوقت أصبح لدينا ركام هائل من الكتابات لاسيما بعد الدخول في عهد الاستعمار الكولونيالي، ومن ثم بزوغ عهد الاستقلال الوطني. وكان سؤال الهوية حجر الزاوية في أطروحة العلاقة مع ذلك الآخر.. يقول المسدّي؛ "إن موضوع الهوية أصبح يستلزم طرحاً جديداً، وذلك في ضوء سببين اثنين، أولهما تغير المشهد الثقافي الإنساني بما أفضى إلى انقلاب مرجعياته وإلى اضطراب سلّم أولوياته، وثانيهما تصدّر العامل اللغوي أمام سائر المقوِّمات التي منها تتكوّن منظومة قيم الانتماء الحضاري" ص70. وفي مراحل الوهن الحضاري والهزيمة الثقافية قد يجرُّ سؤال الهوية المجتمع إلى نوع من الانغلاق والتعصب، وخفوت صوت العقل.. هنا تحديداً بحسب المسدّي؛ "تتشكل للمثقف وظيفته الجديدة ألا وهي النضال بإصرار في سبيل ترسيخ ثقافة الاعتراف بالآخر، وترسيخ الاقتناع بأنها استثمار بعيد المدى ينتهي فيه كل الأطراف بفوائض ثابتة من الربح، ومسألة الاعتراف بثقافة الآخر جسر متحرك على ضفتين: مقاومة الإجحاف بغية اقتلاع الاعتراف، ثم محاربة التطرف مع مقاومة اتخاذه مطية لإرسال التهمة السهلة" ص71. وبقراءة متفحصة لتاريخ الثقافة العربية في عهود ازدهارها نجد أن هذه الثقافة جاءت "بما يشهد على أنها انسجمت مع قانون التاريخ في أن العلم إنساني وعلى الثقافة في خصوصياتها أن تذعن له، وليس بوسع ثقافة أن تصنع مجدها الإنساني إلا إذا صانت ميثاق الاعتراف بالآخر" ص72. ثم يخلص المسدّي إلى تلك النتيجة الحاسمة؛ " البحث عن الوئام الحضاري من خلال الاختلاف الثقافي" ص77. أي أن الاعتراف بالآخر لا يمسخ الهوّية ولا يذوِّب الذات بالآخر. بل يمد جسوراً من الثقة بين الجهتين. ينتزع الاعتراف من الآخر، ويحقق فائض ربح في عملية الاستثمار هذه لكليهما. أما وظيفة المثقف التي أومأ إليها فهي المضي لتأسيس قواعد ( الوعي الثقافي الجديد ) عبر "إعادة توظيب الخطاب الناجع بعد إعادة ترتيب البيت الذهني الجماعي" ص76.

   يصل المسدّي إلى جوهر المأزق العربي الذي عاش حلماً باهراً؛ ( أمة واحدة من المحيط إلى الخليج ) ذلك الحلم الذي جرى وأده في ظروف ملتبسة حتى غدونا أمام "كبريت الشبح الجاثم على الأبواب يطرقها حتى ليكاد يهزّها هزّاً: النسقية الدولية الجديدة والتي تختط قوانين التعميم كما لو أنها ناموس كوني جارف، في التجارة، وفي الاقتصاد، وفي الإعلام؛  ولكن أيضاً وعلى وجه التخصيص في الثقافة" ص92.

   وهنا يشرع بمناقشة عمل مؤسسة عربية هي ( المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ) والتي بنيت على مشروع إنجاز ما هو منجز بحسب الكاتب، لأن الخطاب الثقافي أُنجز وراء آليات  الخطاب السياسي وبذا انتهينا إلى مخاصمة التاريخ. وما يقرّه المسدّي في هذا المقام هو "أن الوحدة الثقافية قائمة بالفعل بين أبناء الأمة العربية رغم العوائق التاريخية، ورغم الحواجز الموضوعية الناجمة عن تعدد الكيانات السياسية، وبموجب هذا الاعتبار يتعين التصدي للأعراض  الموحية بغياب الوحدة الثقافية" ص93 ــ 94. ولن تبدأ مصالحة التاريخ إلاّ بانتقال  "المشروع الثقافي العربي من الخطاب المتعدد الذي يريد أن يتوحد إلى الخطاب الواحد بالهوية والمتكاثر بالإنجاز" ص95. بافتراض أن مسألة الهوية محسومة، فالمسدّي ينكر إذعان الهوية الثقافية الواحدة لمبدأ التعدد الذي أقرّه الواقع السياسي. هنا يتعاطى مع الثقافة كما لو أنها جوهر ثابت لا يتغير بتغير الظروف وتقلبات الأزمان، وكما لو أن التمزق السياسي لم يترك شروخاً ثقافية جعلتنا نعيد سؤال الهوية مراراً وتكراراً من غير أن يقر لنا قرار. وكما لو أن الهوية الثقافية بصمة أبدية تربض ما فوق الواقع، وما فوق التاريخ. ولنا أن نتساءل؛ هل تكفي وحدة اللغة ( المهددة بتعدد اللهجات العامية مثلما يقر المسدّي ) عنصراً مشتركاً تجعلنا نقول أن التوحّد الثقافي قائم؟. كيف يمكن تجاوز العامل السياسي في الحديث عن الوحدة، حتى وإن كانت في بعدها الثقافي؟. والمسدّي نفسه يعي تماماً كيف أن الثقافات تتفاعل وتتداخل ويخضع سلّم قيمها لقانون التغير والتطور. وعلى حد تعبيره فإن؛ "الحضارة الإنسانية لا تعدو أن تكون حصيلة الانسلاخات  المتلاحقة التي تراكمت عبر تفاعل الثقافات بعد انصهار بعضها في بعض بموجب قانون التحول والتجاوز" ص 106. إذا كان الأمر كذلك فكيف لا تترك الظروف الاقتصادية والسياسية والتاريخية بشكل عام آثارها على ثقافة كل جزء من أجزاء البلاد العربية؟ ومن ثم؛ أليس ثمة تعدد واختلاف إلى جانب المشتركات بين المجتمعات العربية؟ ألسنا نخدع أنفسنا بالقول أن وحدتنا الثقافية قائمة بالفعل، لا بالقوة فحسب؟. ألسنا نفترض مثل هذه الوحدة من دون قرائن واقعية مقنعة؟ وأبداً لن يقول لنا المسدّي كيف نحن متحدون ثقافياً؟. إن التعدد الثقافي قائم داخل المجتمع الواحد. وها أن عصر المعلوماتية والاتصال يغير في خريطة الولاءات والاختلافات والاتفاقات ويخلق نزاعات ومشتركات إنسانية بين مختلف المجتمعات في العالم.

   يرى المسدّي "أن المكوّن الثقافي، بين المكونات الحضارية، كان هو الزارع لبذور الفعل المتحقق في الواقع، والمرسوم على شبكة المجتمع، والمصنوع في سجل الأحداث" ص103. ولا ندري من أين له هذا الجزم؟ وهل تعيننا مسألة الأسبقية للمكوّن الثقافي ( أو غيره ) بهذا الصدد؟. وها هو يوسّع "المجال المعنوي لمدلول الثقافة" ليشمل الجانب الوجداني والجانب العقلاني وكيان الفرد في مجتمعه. ونحن نعرف أن المكوّن الثقافي لا يتحرك بمعزل عن تأثير المكوِّنات الأخرى. وقد تكون هيمنة أحد المكوّنات في حقبة تاريخية معينة طاغية على غيره. غير أننا لا نستطيع أن نفصل بطريقة ميكانيكية بينها بجعل أحد المكوِّنات سبباً ومحركاً للمكوِّنات الأخرى. وهذا ما سيؤكده المسدّي في مقام آخر بدقة ووضوح يُحسد عليهما؛ "إن عربة التاريخ تسيّرها تكامل عتيد بين المحرّك السياسي والمحرّك الاقتصادي والمحرّك الثقافي، وثلاثتها من الانصهار بحيث قد يتعذر عليك أن ترتبها لكي تقول هذا هو العلّة وهذا هو معلولها" ص 113.  وعموماً فهو ينتصر لغلبة العامل الثقافي على العامل السياسي، وللعقلانية في صراع الهوية حين يحدد أبناء الضاد بأنهم ورثة " الجاحظ وابن رشد وابن خلدون" ص 103 ونحن نعلم ماذا يمثّل هؤلاء الثلاثة العظام في تاريخ الثقافة العربية. بالمقابل، ما يُحسب له هنا، هو أنه يؤسس نظريته من منظور إنساني شامل رافضاً صورة التفاضل الثقافي في العلاقات الإنسانية، مؤكداً أن الوعي الثقافي الجديد "لن يتألق بإشعاعه إلا إذا جاء إنسانياً شاملاً" ص109.

   يلتفت المسدّي إلى تلك الآصرة القائمة بين الأممية السياسية والعولمة الاقتصادية وهما تستدعيان الكونية الثقافية. وكيف، عند هذا المفصل الحيوي والخطير، يعيش المثقفون العرب حالة من الحيرة وهم يتأرجحون في نظرهم إلى الآخر ( الغربي ) بين منطق التبرير ومنطق الاتهام. وباستبطان وجهة نظره نجده يميل إلى المنطق الثاني إذ لا يعثر على قرائن تقنعه بأن التاريخ لا يكرر نفسه على صعيد الصراع الثقافي والحضاري. وكيف أن جوهر الخطاب الغربي هو نفسه منذ الدراسات الاستشراقية التي تخفي غايات سياسية وتنظر إلى آخر ( ه ) بتعال وسلطوية. وهو بمجمله يتمحور حول ما نسميه بـ ( المركزية الغربية ) التي تطالب المجتمعات غير الغربية الأخذ بالأسباب ذاتها التي أخذ بها الغربيون لتكون لها حظها في بناء حضارتها حتى وإن كان الثمن التخلص من خصوصياتها الثقافية؟ والمسدّي في هذا يتكلم عن خطاب غربي واحد متجانس يعمل بالموجِّهات والآليات نفسها ويرمي إلى كونية ثقافية ذات صبغة فريدة ( غربية ). وسر اللعبة فيه، كما يلاحظ، يكمن في أن هذا "الخطاب الثقافي الغربي ـ أو المتغارب ـ خطاب مقنّع يتوسل بتركيب فيه التخييل وفيه المكر والمخاتلة، لأنه يتوخى من اللغة طاقتها التصريحية في أمر السياسة وأمر الاقتصاد، ويتوخى من اللغة طاقتها التضمينية في أمر الفكر والمعرفة والثقافة" ص116. وهنا لا يريد أن يقرأ "المشاهد الثاوية من وراء لوحة الكونية الثقافية" على شاشة الكتب الفلسفية والنظريات المنهجية والمدونات الثقافية ونصوص الأفلام والمسرحيات وأشعار الأغاني، بل يجد لزاماً عليه التنقيب في أمكنة أخرى، أي؛ "بين أسطر اتفاقيات التجارة الدولية، وشروط إمداد البلاد النامية بالقروض، وتقنيات الرقابة على صرف الميزانية العامة، والوصفات العاجلة المقدمة لإعادة البنينة الاقتصادية وما يعقبها من قرارات التسريح، وسلاسل الإجازات، ومجامع مفاتيح المصانع المغلقة تحت سطوة المنافسة المكتسحة، ناهيك عما يجدّ عند الأزمات الاقتصادية التي هي نتاج غربي صرف تدفع الشعوب الأخرى فواتيره وهو في نهاية الأمر ضرب من الاستعمار الجديد" ص117. ألا يداخل المسدّي هنا بين مجالين مختلفين لكل منهما خصوصيته واستقلاليته؟. ألا ترتسم الكونية الثقافية في الكتب والمسرحيات والأفلام والأغاني والمدونات الثقافية أيضاً؟ ألسنا نجد ملامح ثقافة كونية مناقضة في بعض من تلكم الفعاليات الغربية تدحض وترفض المشاهد الثاوية في أسطر الاتفاقيات التجارية وشروط إقراض البلدان النامية ووصفات البنك  وصندوق النقد الدوليين لاقتصادياتها المنهكة، الخ؟.

   إن منطق الهيمنة الذي يتخذ صوراً شتى، ويشتغل عبر آليات محددة، هو منطق رأس المال ذاته، بجشعه ولا عقلانيته، ولا أخلاقيته أيضاً.. يقول المسدّي؛ "إن نقض الهيمنة الجديدة لا يمكن أن يتم فكرياً بنقض فكرة رأس المال، وإنما تتم مواجهتها من الداخل ببيان انتقاضها طبقاً لقوانين رأس المال ذاتها، وطبقاً على وجه الخصوص لقانون المنافسة وما يستوجبه من أشراط تدور على مشاطرة الأرباح، ووظائف التضخم المالي، ونواميس تنشيط الاستهلاك، كما تدور كذلك على معادلتين جوهريتين هما: توازنات القيمة بين المواد الخام الأولية ومواد المنتجات النهائية، وتوازنات القيمة بين أموال المستثمرين وخبرات الفنيين مما لا يحول أبداً بين طاقة الكفاءات البشرية على مستوى الخبرة المتخصصة ورغبة الإنسان في الالتحاق بركب المستثمرين انطلاقاً من دراية عالية وخبرة راقية" ص122.

   نفهم من هذا المقطع الطويل الذي اقتبسناه من كتاب المسدّي أن الكاتب يعالج المشكلة من داخل النظام الرأسمالي عينه بقوانينه وآلياته وغاياته. فهو لا يريد نقض فكرة رأس المال فكرياً. ألا يعد هذا إقراراً ضمنياً بأن الرأسمالية هي نهاية التاريخ؟. أما كيف تتم عملية الانتقاض فببيان انتقاضها طبقاً لقوانين رأس المال ذاتها. وبعبارة أخرى؛ بإقناع  الرأسماليين بعد توضيح المأزق لهم، بمشاطرة الأرباح ووظائف التضخم المالي ونواميس تنشيط الاستهلاك، الخ. وهنا، في خضم هذه البلاغة الفضفاضة، التي تعالج المشكلة الاقتصادية في ضوء التمنيات، يقر الكاتب، من حيث لا يرغب، أن المركزية الغربية حقيقة مستمرة، لها مسوغاتها الاقتصادية الواقعية، ببقاء الغرب منتجاً وببقائنا مستهلكين نصدّر المواد الخام ونستورد السلع المصنّعة.. نوفر الأموال المتأتية من مصدر ريعي، كي يستثمروا هم.

   إن فعل رأس المال القائم على المنافسة العمياء والجشع والتهور في تبديد الموارد لا يمكن أن يتحصن بالقيم الأخلاقية، ( مثلما يتمنى بعض سادة العالم ويؤازرهم المسدّي بحسن نية )، ولن ينصاع مطلقاً لمواعظ الخيّرين حتى وإن كان يرى أمنا الطبيعة تمرض وتحتضر، والحضارة تفسد وتنهار.

*   *   *

   في تحرشه الحذر بإشكالية العقل والنقل كما هي مطروحة على بساط البحث النظري عربياً منذ قرون، فإن المسدّي لا يقول لنا بصراحة؛ النقل من أي نص طالما هو يؤكد أن العقل لا يستقيم أمره في غياب مطلق للنقل. ثم يلتف على الموضوع نافياً أن تكون العقلانية قيمة مطلقة لأن في ذلك "جموح عن منازل العقل ذاته" ص127. أما كيف ذلك؟ فإنه يدلنا على تلك الحقائق التي "يصدقها الحس ولا يستدل عليها ببرهان: كالجمال، والحب، والفن، والهوى، واللذة" ص127. ليؤكد نسبية العقلانية في القيم الثقافية. فهناك الأنا والآخر والكونية والخصوصية واختلاف الزمان والمكان وتبدل السياق. وهكذا يصل في الكلام إلى تلك القيمة الكبرى التي تدخل في صميم المنظومة الأخلاقية الإنسانية.. يقول؛ "إن للتسامح أشراطاً أعظمها وأجلّها إقرار حق الاختلاف،والتسليم بالندية الاعتبارية، وانتفاء منازع التسلط الحضاري والابتزاز الثقافي والتسخير الإيديولوجي" ص128. 

   هل يمكن أن نوجد وعياً ثقافياً جديداً أساسه سلطة العقل والنبل الإنساني وقيمة التسامح بالدعوات والصلوات والمواعظ الحسنة، أم أن ذلك يتطلب تغيرات جوهرية على أرضية الواقع الاجتماعي والاقتصادي وتشكيلاته العلائقية، وفي طبيعة العلاقات السياسية بين الحاكم والمحكوم وبين المجتمعات والدول. مع عدم إنكار ما للتطور الفكري ونضج الثقافة المنتجة من أدوار في هذا المجال.

   أما أهم ما يعالجه المسدّي في كتابه فهو الذي يتعلق باللغة والوعي بآليات الخطاب: وهنا يواجهنا بأسئلة دقيقة حول البحث في السياسة من خلال اللغة أو العكس. مشيراً في البدء إلى أن "اللغة في الوجود أداة مطلقة، وهي في السياسة قيمة مقيدة، ولكنها في الإعلام وظيفة متحكمة" ص141. هذا التقسيم سيكون له وظيفته في ميدان تحليلاته اللاحقة. وإذ يلخِّص المسألة بهذه العبارات؛ "ليس مألوفاً عندنا أن نبحث في الآليات المحرِّكة للغة في مجال السياسة؛ لأننا لم نتشبع نواميس استراتيجيات الخطاب عموماً وقوانين استراتيجيات الخطاب السياسي تخصيصاً" ص141. فإنه سيلج هذا الحقل الجديد في الفضاء المعرفي العربي بعدِّه احد أساتذته، وله، كما نعلم، بحوثه وأفكاره بهذا الشأن.

   في رأيه أن اللغة هي مركز الفعل السياسي إلى جانب كونها نواة المركزية الجديدة للكون وظواهرها والوجود المتعين فيها. وقد استثمرت السياسة اللغة لمصلحتها فيما أضاعت اللغة بعضاً من حياديتها وبراءتها في معترك السياسة. وهكذا تخطت اللغة وظيفتها الإبلاغية لتكون صانعة للفعل السياسي حتى أمست "جوهر الحدث السياسي في ذاته ولذاته" ص143.

   لا يستقيم اليوم فهم الحياة السياسية والحضارية من غير البحث في شبكة علاقات اللغة والسياسة وإنتاج الخطاب السياسي. ولابد من إدراك "كيف يتم إنتاج الخطاب السياسي وكيف يتم استقباله؟" ص146 فتصنيع "الواقع يمر عبر تصنيع الخطاب" ص 149. وبهذا ينشغل المسدّي، وفي إطاره يفكِّر وينظِّر. فالصناعة اللغوية كما ينبئنا؛ "هي أس من أسس المعمار الذي تتشيد عليه إستراتيجية الخطاب السياسي، ويعلو به صرح الفعل الإجرائي، لأنها الجسر الذي تتهيأ عليه آليات التخييل" ص147. وبالتخييل تجري صياغة الصورة الماكرة التي تموه الصورة الأصلية للواقع وتشوش الوعي. فصنّاع الخطاب المهرة في السياسة "ينتجون الصورة الشعرية وكلهم رغبة في أن يتكاسل الوعي عن إدراك إنها صورة، فوظيفة الأداء تزداد إلى كلامهم بقدر ازدياد غيبوبة الإدراك لدى المستقبلين لرسائلهم من عامة الناس وفيالق الجمهور" ص 149. هنا تحل آليات الحقن محل آليات التلقي، ويغيب البعد السلبي/ النقدي في التفكير، ويُقبل الواقع على علاّته، ويذعن الإنسان، ويُقاد القطيع إلى المسلخ.

   وبدراية المثقف وسعة أفقه ورؤيته الثاقبة يلتقط المسدّي ما يمكن أن نسميه واحداً من مفاتيح الحل النهضوي العربي؛ "لن يحقق العرب انتصاراً سياسياً في الساحة الدولية إلاّ إذا أتقنوا صناعة الخطاب، وتمرسوا بآليات تفكيك الخطاب. وتفوقوا في مهارات توظيب الخطاب" ص152.

نعود إلى اللغة، وهذه المرة إلى بعدها التداولي. طالما أن المسدّي مهموم بصناعة الخطاب والتي تقوم على قواعد التواصل اللغوي وتخزن طاقة إبلاغ بقدر ما، وتسعى إلى النفاذ والتأثير وتغيير القناعات. عادّاً الخطاب السياسي "أقوى الخطابات تمثيلاً للمعطى التداولي، أما صورة انجلائه فتتحقق في أن الكلام يؤخذ بالضرورة في سياقه الأدائي وفي حيثياته التواصلية، وكذلك بالقرائن الدالة على افتراضاته التقديرية مما يفتح منافذ تأويله طبقاً لإسقاط المقاصد على النص المنطوق به" ص157. ولابد أن تؤدي وسائط الإعلام ( الميديا ) وظيفتها في هذه العملية المعقّدة، بعدما انتشرت على نطاق واسع داخلة كل مدينة وقرية في عالمنا المترامي الأطراف، وغيّرت آليات التواصل، ومعها شبكة العلاقات الاجتماعية والسياسية. عند هذا المفصل ينحت المسدّي اصطلاح ( قانون الانخراط الدلالي المشترك ) الذي يصفه ببالغ الخفاء، شديد التمكن. وهو الذي يعني؛ "أن كل كلمة يختارها المتحدث في سلسلة كلامه تمثل التزاماً بدلالتها التصريحية وبدلالتها الإيحائية. وهذا يؤدي إلى الالتزام الدلالي الواعي باختيار ما نختاره من الألفاظ، والالتزام الواعي بالإعراض عما لا نختاره. وهذا القانون يرجع إلى ما يسمى في علم تحليل الخطاب بمبدأ التموضع، ويعني أن المتكلم ما إن يتفوه بكلامه حتى يكون قد اتخذ موقعه داخل كل جزء من أجزاء كلامه، وهكذا ينكشف أن من خصائص اللغة أنها تصنع الدلالة أحياناً بما لا تقوله أكثر مما تصنعها بما تقوله، وينكشف أيضاً أن الحياد المطلق متعذر على المتكلم في استخدامه اللغة" ص158. هنا تظهر خطورة اللغة؛ مع هذه الصفة المراوغة الزلقة فيها. هذه القوة المضمرة التي تحتاج براعة منتج الخطاب وفطنة متلقيه، لتفعيلها. يتبادل المقول والمسكوت عنه الأدوار، كما المنتج والمتلقي في الحقل الدلالي للخطاب؛ في عملية إطلاق الدلالات واصطيادها. ودائماً مع التأكيد على وهم براءة اللغة، وعلى نسبية الموضوعية الفكرية، وفاعلية الموجِّه الإيديولوجي في استراتيجيات التسمية. سيطرح المسدّي الآن مثالاً أول؛ ( العالم العربي ) أم ( الوطن العربي )؟. للاصطلاح الأول تاريخ إذ وضعه المستشرقون بحسن نية أو سوء قصد ليجعلوه مخالفاً لمفهوم العالم الحر والعالم المتقدم، وقريناً في الدلالة والإيحاء لعبارة العالم الثالث التي تم تكريسها للدلالة على العالم المتخلف. هذا هو رأي المسدّي في المسألة. وماذا لو استخدمنا عبارة ( الوطن العربي )؟. هكذا يرى المسدّي مفاد مضمونها الإيحائي؛ "إن العرب جميعاً ذوو انتماء جماعي واحد، وأنه من المفروض أن يكونوا في وطن واحد، وأن التاريخ هو الذي حوّل دولتهم إلى دويلات، وداخل هذا التصور ينبغي أن نسمّي تلك الدويلات أقطاراً لا أوطاناً" ص159. جملة من التساؤلات تبرز أمامنا ونحن نقرأ هذا المقطع من أطروحة المسدّي، وهي تساؤلات يفرضها منطق الحوار الذي يدعو إليه الكاتب؛

   هل المتلقون جميعاً يشاركون المسدّي في تأويله عبارة ( الوطن العربي )؟ أهذا هو مفاد مضمونها الإيحائي عند الجميع؟. وإذا اتفقنا معه أن العرب ذوو انتماء جماعي واحد، ومن المفروض أن يكونوا في وطن واحد، فهل كانت لهم دولة ( عربية ) واحدة في أي يوم؟ عن أية دولة نتحدث؟ أعن الامبراطوريات الرخوة المقدسة السابقة ( بعبارة فالح عبد الجبار )؟. الدولة العباسية كانت إمبراطورية إسلامية عالمية خالصة، والدولة العثمانية كانت إمبراطورية استعمارية عالمية خالصة؟ وحين جاء الاستعمار الغربي لم تكن البلاد العربية سوى أقاليم متشرذمة متخلفة تاريخياً ومحكومة من قبل الباب العالي؟. ألا يقول المصريون أن جمال عبد الناصر هو أول مصري يحكم مصر منذ أكثر من ألفي سنة؟ وماذا بشأن التاريخ الذي حوّل دولتهم إلى دويلات؟ ماذا يقصد المسدّي بهذا العدو الشبحي المجرد؟ ثم لماذا لا نعيد صياغة الإشكالية العربية ونتحدث عن الدولة العربية الواحدة/ الحلم بعدِّها مقترحاً تاريخياً ممكناً يكتسب مسوِّغاته وشرعيته من تناقضات وتحديات الحاضر والمستقبل أكثر من مخلفات الماضي والتاريخ وذكرياتهما الرومانسية ووطأة إرثهما الثقيلة، ويتحقق بالإرادة السياسية والتخطيط العقلاني والعمل المنظّم؟.

   يختار المسدّي مثالاً آخر أكثر التباساً؛ ( المقاومون الانتحاريون الاستشهاديون الإرهابيون ) كذلك ( الفدائي، الانتفاضة، حرب الأيام الستة، الخ ).. يرصد كيفية تعامل الإعلام العربي، لاسيما الفضائيات، مع المفاهيم المذكورة.. وكيف أن وعي الراصد اللغوي ينجرح انجراحاً قاسياً في كل يوم.. يقول؛ "ولا نعني ـ هنا ـ انجراح الاختيارات المضمنة، وإنما نعني فقط ما تفضحه اللغة من غفلة كاملة عن آليات التضمين وأدوات التوظيب بحيث ينكشف أن الإعلام العربي ضحية الغفلة أكثر مما هو ضحية الاختيارات والرؤى" ص165.

   بتشريحه لمضمرات الاستخدام الإعلامي لمصطلحات ( المقاومون الانتحاريون الاستشهاديون الإرهابيون ) في وصف الأعمال المسلحة في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان، يبدو المسدّي وكأنه يضع تلكم الأعمال جميعاً في سلّة واحدة، وتلكم الأماكن في سياق سياسي واحد، وهذا تمويه يمارسه المسدّي، نفسه، على صعيد اللغة.. يقول؛ " فكثيراً ما يحصل أن العملية تستهدف جنوداً إسرائيليين أو جنوداً أمريكيين أو جنوداً روسيين ولا تستهدف المدنيين على الإطلاق، ولا المنشآت الحيوية، ولا المدارس، ولا المستشفيات، ولا حافلات النقل العمومي". ص162ـ163. إن ما حصل في العراق خلال السنوات السبع الأخيرة، في سبيل المثال، يدحض تماماً عبارة ( على الإطلاق ) الواردة في المقطع الذي اقتبسناه من كتاب المسدّي. ومراجعة أرقام الضحايا ومتابعة يومية بسيطة للأخبار تعلمنا أن من يموتون بسبب الأعمال المسلحة في العراق من المدنيين الأبرياء هو عشرات الأضعاف ممن يموتون من الأمريكيين المحتلين، فإذن ماذا نسمي الذين يفجِّرون أنفسهم في الأسواق والجوامع والمستشفيات والمنشآت العامة، مصطحبين معهم المئات والألوف إلى الآخرة؟ ماذا نسمّي تلك المنطقة الرمادية أو بالأحرى القاتمة التي تقع بين فراغات الاصطلاحات الواردة أعلاه، حيث باسم المقاومة يُقتل أبناء الوطن وتحت ذريعة الاستشهاد تُقاد البلاد إلى حرب أهلية؟ ألا تحرِّف الفكرة الرومانسية القبلية عن المقاومة رؤيتنا للواقع كما هو بمعطياته الحقيقية؟ أليس من الواجب أن نتحلى بالجرأة ونتخطى معيار الثنائيات المتضادة في عملية القراءة، ونحلل بموضوعية وضعنا الاجتماعي والسياسي من منظور علمي تاريخي، لنقع على المستويات والإشكاليات المركّبة للواقع العربي مثلما أفرزتها وقائع العقود الأخيرة منذ هزيمة حزيران 1967؟ أليس ما يقتضيه الوعي الثقافي الجديد الذي يطالبنا به المسدّي هو الوصول إلى الحقيقة حتى وإن اضطررنا إلى نشر الغسيل القذر؟ أنبقى، على الدوام، نلوم ( الآخر )، وهو لا شك يتحمل جزءاً من مسؤولية ما آلت إليه أحوالنا، ولا نلتفت إلى أنفسنا لنرى مقدار ما أصبنا به من تشوهات وعلل؟. كانت حركات التحرر العربية والعالم ثالثية ضرورية تاريخياً وذات محمولات وطنية وأخلاقية لا غبار عليها، إلاّ أنها لم تنجُ من أمراض أصابتها. وعلينا أن ننزع ثوب القداسة عن ذلك التاريخ لنقرأه في جانبه الآخر، غير البطولي، أقصد؛ الإيديولوجي والاجتماعي والسياسي. وإذ تغدو إعادة اكتشافنا للغة، بإلحاح المسدّي، بابنا المتعيّن للوعي الثقافي الجديد.  فإذن لنحذر المصطلحات التي تتسرب إلينا من حافظة الإيديولوجيات الشعبوية والثوروية المغشوشة، لنعيد صلتنا بالواقع، ومن ثم نبني الذات وخطابها في أفق العلم والمعرفة والكفاح الحقيقي، حينذاك سنغير خارطة العالم واتجاه التاريخ عبر تغيير موقعنا فيهما.

   وإذ يتهم المسدّي، عبر رؤية شعبوية ضيقة، الآخر أبداً فإنه يبرئ ساحة الذات غالباً. والمسكوت عنه هنا، والذي يغيب عنه، هو أن معادلة الهيمنة المختلة من جانب آخر هي وليدة ضعف مجتمعاتنا العربية وتناقضاتها الداخلية وتخلفها على الصُعد كافة. وما سؤال الهوية المطروح بقوة اليوم نتيجة ضغط آليات العولمة واشتغالاتها إلا مظهر من مظاهر أزمة ذاتية داخلية تتطلب النظر إليها ومعالجتها، من الداخل، في سياقها الاجتماعي والسياسي الصحيح.

   من أمراضنا المستعصية، بإشارة المسدّي، عملنا على ضياع هويتنا اللغوية. وليست اللغات الأجنبية هي العدو الشرس الذي سيجهز على اللغة العربية بل اللهجات العامية التي غزت المنابر الإعلامية السمعية والبصرية. ويقر بأن الوزن الاعتباري للغة العربية لدى كل فئات مجتمعاتنا أيام الاستعمار كان أضعاف ما لها منه الآن بعد عقود من دولة الاستقلال؟ وأظن أن الإجابة على ملاحظته التي يخرجها في صيغة سؤال يلقيها بوجه ساسة العرب تكمن لا في إخفاق دولة الاستقلال فقط وإنما في موجِّهها الإيديولوجي الشعبوي، وقبل ذلك في طبيعة وشكل الكفاح السابق الذي قاد إلى التحرر من الاستعمار، لكنه، بالمقابل، أورثنا اختلالاته البنيوية وضيق أفقه. أما السؤال الذي يطرحه المسدّي بهذا الصدد فهو في غاية الأهمية؛ "كيف نتحدث عن الموارد البشرية وتنميتها، أو عن التخطيط المستقبلي الشامل، ونحن نعيش انفصاماً بين أدوات المنظومة التربوية وشروط النهضة الحضارية؟ كيف نرقى إلى آليات الاستثمار في حقل التواصل؟" ص176. من هنا يمنح اللغة دوراً ووظيفة في تشييد المعمار الحضاري وبناء الصرح الثقافي لا يمنحهما لغيرها. إنها معركة حضارية مؤداها؛ "صراع بين الثقافات، وتطاحن في الهويات، وتناحر على القناعات، ثم هي قبل ذلك كله، وبعد ذلك كله، تقاتل على مراكز النفوذ اللغوي" ص 184.

   إن اعتقاده بأسبقية العامل الثقافي في البناء النهضوي يقوده إلى تقرير أسبقية العامل اللغوي في البناء الثقافي، وهكذا ستكون اللغة، لا الاقتصاد ولا السياسة، ولا حتى الثقافة، هي قاعدة التحوّل التاريخي، والصراع في مضمارها هو محرّك التاريخ!. وبذا نعود من الباب الضيق للعامل الأول/ الأوحد في تفسير التطور التاريخي.

   لا يخلو نظرة المسدّي إلى التاريخ من مسحة تاريخانية تكون حاسمة أحياناً.. يقول؛ "قد لا يجادل أحد في أن التاريخ ــ بمفهومه المعرفي العميق ــ لا ينشد إلاّ التمدن بحيث تغدو الحضارة الإنسانية نفسها مسباراً لحركة التاريخ البشري في امتدادها وانعطافها، وفي قرارها واهتزازها، بل وفي فيضها بعد انحسار، أو انكسارها بعد إقبال" ص105. غير أنه يحقن تلك النظرة بفكرة صراع الحضارات وجوهرها عنده منطق التحدي والاستجابة.. يقول؛ "فحركة التاريخ ــ على غالب أمرها ــ تعاقب بين مد وجزر، يتحكمها ناموس الغلبة والمغالبة بين الحضارات، وهذا هو معنى الصراع الذي يقوم عليه كثير من الفلاسفة مفهومهم لحركة التاريخ وإن تقيدت لدى بعضهم بحدود تقصر عن استيعاب أمر الحضارة كلياً" ص105.

  ومثلما نوهنا في موضع سابق من هذه المقالة أغفل المسدّي، وهو يخوض في تحديد عوامل ومقومات وطبيعة واستراتيجيات الوعي الثقافي الجديد عن المشكل الأهم في أي مشروع تاريخي وهو؛ ما هي الفئة آو التشكيلة ( الفئات أو التشكيلات ) الاجتماعية/ الاقتصادية ( صاحبة المصلحة ) التي يمكنها أن تتبنى هذا المشروع النهضوي، وتجعله واقعاً متحققاً؟. والمعروف أن ولوج هذه الناحية من المسألة سيفضي لا ريب إلى الكلام عن التناحرات الاجتماعية والصراعات الطبقية التي، ربما، لا يرغب المسدّي بإثارتها.

   وصلنا الفكر القومي متأخراً، متشرباً بشيء من الرومانسية الحالمة، ومثقلاً بالعواطف والانفعالات. وإذا كانت الفكرة القومية الأوربية قد بنيت على واقعة تأسيس الدولة ــ الأمة منذ القرن الثامن عشر فإن الفكرة القومية العربية ظلت عند حدود الآمال والتمنيات، وفشلت فشلاً مدوّياً حين تبنتها شريحة العسكريتاريا الريفية المغامرة والمحدودة الأفق. في حين أن الدولة بمفهومها المديني والحضاري والمرتبطة بعصر الحداثة الصناعية وما بعد الصناعية وقيمها لم نعرفها حتى هذه الساعة، حتى قطرياً، في معظم البلدان العربية. واعتقد أن معالجة  مشكلات المواطنة والحرية والتنمية والإصلاح السياسي واللغة وإنتاج الخطاب لن تكون مجدية من غير تأطيرها ( في النظرية والتطبيق ) في ضمن إشكالية بناء الدولة الحديثة. وهذا ما لم يتوسع في دراسته المسدّي. وآمل أن يُكمل هذا النقص ــ هو الضليع في حقل الدراسات اللغوية والإنسانية ــ في كتاب لاحق.

   ( نحو وعي ثقافي جديد ) كتاب مكتوب للنخبة، أو لنخبة النخبة.  ثمة فخامة في اللغة، وتنوع في استخدام المجاز والاستعارات، وكذلك لا يخلو الأسلوب من بعض التقعر في مواضع معينة، وحتى الاصطلاحات الأجنبية لا يجهد في تعريبها. ربما لكي يتجنب ما يمكن أن يحصل من التباس في التفسير والتأويل، تاركاً للقارئ هامشاً واسعاً من الحرية في الفهم. أو هو لا يريد الخوض في تفريعات يظن أنه في غنى عنها.

   يضع الدكتور عبد السلام المسدّي، في كتابه هذا، على طاولة التشريح النظري، جملة قضايا حساسة وخطيرة ( الثقافة والسياسة والهوية والذات والآخر والحرية والعقل واللغة وإنتاج وتحليل وتداول الخطاب، الخ ) عبر قراءة متفحصة وجريئة لمعطيات واقعنا السياسي والثقافي. ومعه يطرح أسئلة تقترح أفقاً واسعاً للتناول النقدي، في محاولة لاستنطاق بعض من المسكوت عنه من جوانب ثقافتنا. وعلى الرغم من مشكلاتنا المركبة والمعقدّة، وعثرات خطواتنا في مسالك الرقي والتحضر، واضطراب حياتنا السياسية والاجتماعية، وتخلفنا الاقتصادي، يظل فضاؤنا الثقافي قادراً على إنتاج مثل هذا الكتاب الذي هو دليل عافية فكرية تنتصر لقيم العلم والعقلانية والحرية والتسامح والانفتاح والتواصل الحضاري والنهضة؛ زادنا ورهان سعينا في طرقات القرن الواحد والعشرين.

 

 

 

سعد محمد رحيم


التعليقات

الاسم: سعد محمد رحيم
التاريخ: 23/08/2010 18:34:46
أشكر ثقتك الكبيرة يأأخي فائز، أعتقد أن الكتابة الفكرية اليوم لابد أن تنطوي على بعد نقدي صريح من أجل بناء ثقافة عراقية وعربية مبنية على قواعد علمية صحيحة
لك تحياتي

الاسم: فائز الحداد
التاريخ: 23/08/2010 16:15:32
تبقى متقفا متفردا وأديبا واعيافي كل ما تكتب ، وهذه الدراسة التي تنطوي على رأيك الكبير دلالة على أن المثقف العراقي يبقى علما كبيرا .. وأنت المهماز في ذلك عزيزي المثقف الكبير سعد محمد رحيم .
تقيبل تحياتي وتقديري




5000