..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الرواية الشعرية و إشكالية التجنيس (من يسكب الهواء في رئة القمر ) نموذجا

أ.د.بشرى البستاني

  

(1) 

هل ظل الفن هبة لعقد علاقة واضحة بين اثنين هما المبدع و المتلقي ، وما نوع هذه العلاقة بالذات ..؟ أهي تواصلية جمالية كما كانت من قبل أم شكلا نية جمالية كما ذهب المنظرون فيما بعد ، أم هي علاقة إشكالية تفتح لك أبوابا شتى من الاحتمالات و التناقضات و الرؤى و الالتباسات من خلال بنية الغياب التي تكاد تكون سمة الفنون المعاصرة ، ولاسيما الأدب كونه الفعالية الذهنية الأكثر خطورة .

       و إذا كانت هذه النقلة الوظيفية من التواصلية الجمالية إلى الإشكالية هي قضية مشروعة ، فهل من المعقول أن يظل الاحتفاظ بالأطر و الحدود الاجناسية ضمن نقاء الأنواع أمرا ممكنا أو مشروعاً في حالة تفجر المتن و إطاحته بالموروث من الأسيجة و القيود و الحدود من خلال رؤية تجريبية ترى إمكانية فتح الأسوار الفاصلة بين الأجناس من اجل تحاور يثريها ، و تواصل يغذي حركيّتها و يدحض شبه القطيعة القائمة بينها من اجل توليد أنواع جديدة من حقها أن تلج ميدان التجريب الذي لم يعد مغامرة غير محسوبة يغامرها الأديب أو الفنان و يرميها إلى الفضاء الثقافي و الفني في مجازفة مقطوعة الجذور ، ضبابية ، غائمة الرؤى، كما يفعل أحيانا بعض المقامرين.

إن التجريب في حياتنا المعاصرة التي تتغير و تتطور و تنقلب و تتحرك بالدقائق عبر أجهزة و تقنيات تخيلية ، صار واحدا من مسؤوليات الأديب / الفنان الأساسية ، انه مهمة الأدب المأزومة حينما يعبر هذا الأدب عن روح مأزومة محاصرة و مقطعة الأوصال ، وأقول  مسؤولية لألقي على التجريب و على التجريبيين معا مهمة الوعي المعرفي الذي لا نجاح لأي تجريب بدونه ، ذلك أنه خروج على النظام القديم للتشكيل و الدخول في نظام جديد من العلاقات ضمن سياقات جديدة تكسر أطر التسييق القديم لتصنع جماليتها النابعة من تجربتها المغايرة هي ، لان العلاقات الجديدة قد تصل متغيراتها حد التناقض ، لكن تجاورها و المزج بينها ما يلبث بالقراءة الواعية أن يشكل ألفته و تقاربه الذي تمليه طبيعة التجربة . و هذه التجربة التشكيلية لسرد الرواية التي بين أيدينا هو الذي يقربها من الشعرية القائمة على التباين و الفصل الكامن في أعماقهما و هج التجربة الذي يصهر الغريب المتناقض ليحيله إلى نظام من الترابطات الهارمونية القائمة في صميم معادلة إبداعية متوازنة لا تقلد المألوف و المعتاد من جهة ولا تلغي الإبداع الأصيل القائم في القديم من جهة أخرى  ذلك  أن الإبداع هو" الفراغ الذي ينتظر أن تتحرش به موهبة وتتحرك داخله ليهتف ويطلق هتافات أصدق وأعمق بقدر الصدق والعمق اللذين يحركان الموهبة نحو تقشير تلك الكثافة غيرا لمرئية الكامنة بين سطور التجربة ،أما السطور فما هي سوى أسماك ميتة على شاطئ لا تليق إلا بالمتسولين الكسالى المعتاشين على فتات يربأ الصياد الحقيقي بنفسه عن مجرد النظر إليه... الرواية، 5 "... .

إن إشكالية التعقيد في رواية  "من يسكب الهواء في رئة القمر "  للشاعر الروائي بشار عبدالله (1) متأتية من النظام غير المعتاد الذي وضعت فيه ، فنحن أمام نوع من القراءة لا يتبع النظام الأفقي المألوف لأنها قراءة تعتمد على  نسق آخر يتبع النظام الاستبدالي أو  النظام التوليدي ، لان العلاقات الاستبدالية لا متناهية على العكس من العلاقات السياقية المحدودة ،  لذلك لا يمكن الكشف عن الدلالة من القراءة الخطية حيث لا تنكشف الدلالات في مسار زمني متعاقب و لكنها تتكون نتيجة لاستيعاب المادة اللغوية كلها ثم إعادة ربط الأجزاء في علاقات جديدة لم يكن الكاتب قد حددها في مسار السرد مما يدل على إن العلاقات السياقية التتابعية أو التقليدية محطمة لصالح علاقات من نوع آخر لا تفصح عن نفسها ، و لذلك توحي القراءة الأولى بالتفكك لصعوبة ربط الجزئيات و لعدم وضوح الحوافز أو مسوغات الربط  (2 ) التي اعتادت القراءة التقليدية على جاهزيتها ،لكن القراءة الكاشفة المؤولة  هي القادرة على استلام إشارات مثل هذا النص .

(2)

  لقد أدى الانفجار العلمي  و المعرفي الحديث إلى ضرورة استحداث مصطلحات دالة تعمل على تنظيم الحقول المعرفية و تأشير حدودها و لذلك فان الجهاز المصطلحي الحديث كان المرافق الأمين لازدهار الحضارة المعاصرة ، كما كان مؤازرها الأهم لأنه حمى المعرفة و الفنون من التشتت و من الإرباك كماأن المصطلح يحقق مبدأ الشمولية بتحقيق التماسك الداخلي للبنية و اكتمالها به كونه وحدة متميزة من وحداتها فهو في الأساس مكتمل في ذاته مهما تحول السياق الواقع فيه ، لكنه إذ يساهم بقدر كبير في شمولية البنية و تحكمها الذاتي فانه في الوقت نفسه يصبح عائقا أولا ًفي تحولات هذه البنية ، و هذا العائق فيما بعد هو الذي سيضفي على البنية أو النص الأدبي و الفني طابع الثبات المرجعي للمعنى  و تحقيق درجة أعلى من الكثافة و لا سيما في الموضوع النقدي الذي يهدف إلى الكشف عن مادة الخطاب الأدبي عن طريق أدوات الإدراك و مقاييس العقل و المنطق بغية الوعي بخبايا الظاهرة الجمالية (3) إذ يطمح الخطاب النقدي نحو اكتساب أدبية موازية ، من هنا يكون المصطلح الذي يجترحه المبدع الأصلي للنص ذا قيمة خاصة كونه قائما على الوعي بالظاهرتين الإبداعية والنقدية معا ، فضلا عن كون هذا المصطلح شفرة علمية تجريدية تحتاج إلى الشرح والتداول و الانتشار ليكتسب   قيمته  ، و هذه هي مهمة النقد و النقاد التي تخلى عنها النقد العربي من زمن منشغلا عن أهمية التطبيق و التجريب بالوافد و بالتنظير له .

إن الذات المعرفية التي شكلت المصطلحات السابقة هي ذات متحركة بفعل حركة الإنسان في الزمن و ما تتيحه هذه الحركة من أحداث تضاف إلى خبراته و تعمق معارفه ، و لما كانت المصطلحات هي تكثيف و تسمية  للمفاهيم التي تثوي فيها الخبرات و المعارف ومنظومات القيم فإنها ستحتاج إلى التطوير و الاستحداث على الدوام ، لذلك ينتفي فيها الثبوت و الصرامة و تحل المرونة المعرفية التي تسعى بكل جهدها إلى تحقيق لحظة الكشف من خلال مواجهتها الواعية للعالم وما فيه. 

إن الأدب ارض خصبة لروافد مختلفة من الحقول المعرفية و الفلسفية  ،لذا أصبح على المتلقي مؤولا أو مهتما أن يتفاعل معه من منظور عصره فالصراع الثقافي بين القديم و الجديد سيتمخض عنه توجهات معرفية و فنية مغايرة تفضي إلى صراع مصطلحي حتما (4) و هذا الصراع هو الذي ينتج المصطلحات و أجهزتها الخاصة بألوان الأدب و فعاليته الذهنية فالمصطلح لا يوضع ارتجالا ، بل هو يشير في جانب من جوانبه إلى بعد من أبعاده المعجمية، إذ لابد لكل مصطلح من وجود مناسبة أو مشاركة أيا كان حجمها بين المدلولين اللغوي و الاصطلاحي ليتوفر له نوع من الوضوح المطلوب لأنه أداة من أدوات التفكير ووسيلة من وسائل التقدم العلمي و الأدبي و قبل ذلك هو لغة مشتركة بها يتم التفاهم بين الناس عامة و على الأدق بين طبقة أو فئة خاصة في مجال محدد من مجالات المعرفة و الحياة ، فالمصطلحات توضع لضرورات تقتضيها الحياة المتشابكة ببعضها، إنه مرتبط بالواقع الاجتماعي و الثقافي  و الفني، وبالمنهج الفكري الذي يصطنعه المؤلف لنفسه من جهة ثانية، فلكل عصر علومه و مصطلحاته  ومعارفه وإجراءاته . (5) و إذا كان المصطلح في العلوم الصرفة يحتاج إلى إجماع فئة متخصصة تمتحنه و تحاكم دقته بعد دراسة وتأمل فان المصطلح الأدبي و النقدي في الميدان الثقافي يتمتع بقدر أوسع من المرونة النسبية ذلك أن التجريب الذي بات ضرورة مهمة من ضرورات الأدب و الفن  يستلزم مصاحبة المصطلح المناسب الذي يلبي الحاجة إليه و يراعي قوانين البيئة التي نهض منها و الثانية التي دخل عليها، وهنا تبدو أهمية ترسيم حدود المصطلح  ووضع شروطه حسب القوانين الداخلية التي تشكل النص الفني و تتشكل به لان هذا النص يصنع قوانينه بذاته و لايستمدها من ثوابت أو تعاليم خارج عالمه الخاص .

 إن المبدع إذ يضع مصطلحا لما يكتب من إبداع فإنما هو يعمل في حقل نظرية المصطلح و النظرية النقدية لأنه يدرس المقدمات و المفاهيم و يحدد الأسس و الافتراضات و يتصور النتائج بعد فهم دقيق للعناصر المبدئية التي تحكم المصطلح ، ولما كان العصر الحديث هو حاضن ثقافات عدة فان ذلك يجعل الحاجة إلى تحديد المصطلحات ماسة و ضرورية .

إن بشار عبد الله لا يدخل إلى إضاءة مصطلحه من باب العلم المصطلحي ونظرية المصطلح بل يدخل إليه شعرياً بحيث لا يشكل لدينا  أفق انتظار جاهز قدر ما   يطرح     أمامنا تقديما يزيد التوقع لبسا كي يظل عمله مشروعا تشكيليا منفتحا على التأويل فهو يزيده إشكالية على القارئ العام و يضفي عليه إيحاءً فنيا لدى القارئ الإبداعي و يزيده تحريضا لدى القارئ الجاد ، لأنه يزرعه  ألغاماً دلالية تنفرط عبر أسماء الأعلام و الوقائع الفنية و المنظورات و الرؤى التي تستمد حركيتها من صميم علم المصطلح و نظريته الشاملة التي تبث حيويتها في تلك الوقائع مقتحما بالشعر عالم الرواية من خلال تكثيف الحقلين في مصطلح خاص أطلق عليه (الرواية الشعرية ) .  "كان مايكل أنجلو يلمّح إلى أن الفن يوجد في فراغ ما ، فراغ ذي خصوصية حتما ، إنه الفراغ الذي ورد في إحدى حكم ( لاوتزو ) في فلسفة  (التاو ) : إصنعْ للغرفة جدرانا وبابا ونوافذ ولكن اعلم أن الفراغ هو الذي يصلح للسكن ، إنه الفراغ الذي رآه (برجسون ) كثافة غير مرئية ، انه فراغ الحجر الخام الذي كان ينحت فيه مايكل أنجلو أسدا تحت عيون ذلك الصبي المندهش وهو يصرخ بالفنان لحظة يرى الأسد الحجري ماثلا أمامه فجأة: يا معلم كيف عرفت أن داخل الحجر يوجد أسد..؟ الرواية ، 4- 5 " إن على القارئ أن يفك احتشاد البرقيات الدلالية التي بثها الراوي الشاعر عبر هذه الإضاءة الاستفزازية ليؤكد بعض المقاصد التي كان يرمي التأكيد عليها في متن عمله، ذلك أن الإبداع يطلع في فراغ لكن هذا الفراغ ما يلبث أن يتجلى حضوراً ليمتلئ بالإبداع ويضاء بأنواره..

ولما كان مصطلح  الشعرية ليس بطارئ على الأجناس الأدبية الأخرى و لاسيما المسرحية مثلا فان ذلك سيكون متاحا حينما تتوفر شروط الشعرية الحديثة في سرد حديث ، و لكن شروط الشعر- وزنا و  قوافيَ - التي توفرت في لغة المسرحيات الشعرية سواء المكتوب منها بالشعر العمودي أو التفعيلي تجعل مصطلح الرواية الشعرية المفتقِدة بطبيعة الحال لعناصر الشعر التقليدية المذكورة ، مصطلحا اقرب إلى الإشكالية لأنه يجترح طريقا إلى الحداثة الشعرية في تشكيل سرد خاص بالرواية ، و لذلك فهو لايطرح الأمر أفقيا و إنما هو يشكل و يعمل على مداخلة فن مركب هو الشعر بفن آخر لا يخلو من الأفقية في تشكيل عناصره و مكوناته و منظوراته هو الرواية . إن الحداثة الشعرية التي توفرت عليها رواية " من يسكب الهواء في رئة القمر" هي حداثة تحجب و تغيّب وتوحي و تقفز على الأحداث و تنقل و تتحول حيث تتشظى الحبكة الروائية و تغيب معالمها ، لان استمرار الحبكة بالتواصل يوجه السرد نحو الأفقي أكثر الأحيان و ذلك يعارض شعرية الشعر التي تشتغل عموديا في تكثيف لحظتها المتوترة  ،و تتكسر خلال اشتغالها متحولة متشظية ومؤدية إلى تحول في مفهوم الوحدة العضوية التي كانت متمظهرة في البنية السطحية للغة النص فأصبحت بالتشكيل الجديد ثاوية في البنى العميقة وإن بدت في تشتت بالظاهر. إن تطور الحياة الهائل و انعكاسه على الثقافة و الإنسان معا يرغم أهل الاختصاص و المبدعين على وضع هذه الإشكالية موضع المعالجة ، ولعل صياغة المصطلحات الناجعة لرسم الحدود والتمييز المطلوب بين الأشكال والمفاهيم  تأتي في طليعة هذه المعالجات وأرى أن من مهمة هذا البحث التأكيد على  حقيقة  مفادها أن الإرباك لا يتأتى  من كثرة المصطلحات الدالة والدقيقة بل هو يتأتى من كثرة الأشكال التي تفتقد إلى تسميتها و إلى وضع المصطلح الخاص بها .

إن المصطلح إذ يضعه مبدع فعلٍ ويطلقه اسما لذلك الفعل إنما هو يضع  رمزا ينبثق من عنفوان الحياة ،و الحياة هي الوحيدة المؤتمنة على الذوق السليم  لذلك فنحن  لا يمكن أن نتواطأ  بأسلوب لغوي صرف على وضع المصطلحات ، بل نترك الإنسان / المبدع  يعايشها بالفعل حينها تأتي المفردات بصيغتها اللفظية امتداداً  للحياة ، فالمصطلحات تؤخذ من العمل ذاته ، منطقها منطق الأعماق بالنفس لا منطق ما تتفق عليه المجامع اللغوية أو النقدية ، من هنا لا يمكن للمصطلح أن يكون قاعدة من قواعد اللغة أو النقد ، فالمصطلحات يضعها من يزاول معانيها و إلا بقيت في حكم الممات لان الداعي إليها مفقود ، إنها في بدء من الأفعال التي تعبر عنها فمتى وجد الفيلسوف و جدت معه المصطلحات الفلسفية و متى وجد العالم وجدت معه المصطلحات العلمية  (6) ومتى وجد الأديب أو الناقد وجدت معهما المصطلحات الأدبية و النقدية فالفعل أولا ثم القول به ثانيا و الإبداع أولا و تسميته ثانيا وهكذا فعل صاحب " الرواية الشعرية "  الذي كتب روايته ثم وضع مصطلحها ،و لذلك اشرنا بدءاً إلى أن حضور المصطلح يتحرك و يزدهر مع كل حراك  معرفي ، فني وحضاري، لقد أمسكت الدكتورة فريال غزول في إشاراتها الذكية لتوصيف المهارة اللغوية المفارقة التي شكلت روي المبدع ادوار الخراط بالطاقة الشعرية الكامنة في تلك اللغة مما جعلها تضع اشتغالها على روايته "الزمن الآخر" تحت عنوان  "الرواية الشعرية -نموذجا لأصالة الحداثة " (7  ) بما يؤكد مشروعية التسمية لتوفر الشروط المؤهلة لها . لقد سبق لأدوار الخراط أنٍ أطلق على تجربته القصصية والروائية المشعرنة اللغة مصطلح "الكتابة عبر النوعية " لتوصيف الحساسية الجديدة لما يكتب ويكاد هذا المصطلح يقترب من مفهوم" النص " لدى رولان بارت وجوليا كرستيفا وامبرتو ايكو وقد فسرت خاصية الاختراق النوعي للخراط في ضوء المفهوم" البارتي " للنص بنقاط أهمها ..1-حقل منهجي . 2-كينونته قائمة على حركية العبور والاختراق.3- مهمته خلخلة التصنيفات القديمة والخروج على الآراء السائدة . 4- مجاله مجال الدالات  لأنه متحرر من سلطة المدلولات الساكنة . 5-وعليه فهو تعددي مفتوح على الاحتمالات . 6- وهو كائن تناصي لأنه نسيج من الاقتباسات والإحالات والأصداء .(8 )

 وقبل مغادرة هذا المحور لا بد من الإشارة إلى أن وضع المصطلحات ليس بالأمر الهين ذلك انه  واحد من الأمور المعقدة ما دامت مهمة المصطلح متعلقة بالمفاهيم ،والمفاهيم هي ناتج شبكة علاقات ينسجها حراك المجتمع الدائم في الأصعدة الحياتية كافة ولذلك فان ميدان البحث في الأصول الاصطلاحية للمفاهيم المعرفية يصعب ضبط حدوده لأسباب شتى منها مراحل الغموض والانقطاع والعدول التي تتصف بها أعمار المفاهيم وحالات مؤثرة أخرى منها ما يعمل على تغيير الأطر الدلالية العامة لمفهوم المصطلح كالضمور الدلالي والتضخم الدلالي أو الانحراف الدلالي بسبب اتساع حقول المعرفة وتشابكه مع حقول معرفية مجاورة  (9)إلا أن استمرار وضع المصطلح الجديد مسالة يتطلبها استمرار الحياة واتصال تطورها ووجود المصادر التي تمد نظرية المصطلح بالمادة التي تعينها على استحداث مصطلحاتها وفي مقدمتها "الوضع " الذي يعتمد على ثراء اللغة العربية وقدرتها على التكيف بالنحت والإضافة مثلا فضلا عن التعريب والترجمة والتقاط مفردات وإشباعها بمعان جديدة يكيفها المختصون لدخول عالم المصطلح .

(3)

إن الانفجار العلمي و المعرفي و الثقافي الذي أشرنا إليه في المحور السابق  هو الذي عصف بكل مناحي الحياة و أطاح بمفاصل استقرارها الرئيسة  ذلك أنه نتاج خطاب ما بعد الحداثة الذي أطاح بالمسلمات الكبرى و نسف منظومات قيمها يوم نصب التقانة وما يدور في فلكها من عبادة للمادة آلهة للعصر على حساب الإنسان و أمنه و استقراره و أمانيه المشروعة . في خضم كل ذلك ووسط التبدلات الكبرى كان لابد لقيم الأدب الموروثة أن تطالها يد العاصفة ، هذا على المستوى العام أما على المستوى الخاص فان  الظروف الكارثية التي مر بها العراق منذ الربع الأخير من القرن الماضي و حتى اليوم تعطي مسوغات جمة لتطورات مهمة في الساحة الإبداعية .....

إن العنوانات و المقدمات و التعليقات و الإشارات التي تعد في نظرية التناص مصاحبات نصية تلقي أضواء مهمة على النص ، كانت على العكس في هذه  الرواية إذ ظلت تشكل مداخلات ملتبسة تطرح أسئلة داخل الأسئلة الرئيسة مما جعل النص استفزازيا و تمويهيا و عصيّا على التموضع في دلالة ، كلما حاولنا وضعه في حقل من حقولها نفر هاربا منها داعيا إيانا إلى التحول الدائم وراء تحولاته التي لا شك في إرهاقها القارئ .. لكن لا شك كذلك في حركيتها الفنية وفي لعبها الدلالي الحر .

         إن التفكيك ليس منهجا أو إستراتيجية تشتغل على تفكيك الخطابات العامة و النقدية منها حسب، بل هو  إستراتيجية تشتغل داخل العمل الإبداعي ذاته من خلال تشكيله اللغوي الذي يغادر فيه الدال مدلولاته المستقرة مما يعني غياب المدلول الساكن وانفراط عقد الدلالة القائمة بين المفردة ومعناها والجمل ودلالاتها بما يعمل على ملازمة التشظي لمثل هذا النص  ،و"التشظي " مصطلح تفكيكي يشتغل في حقل" الاختلاف" الذي يرتكز عليه التفكيك ، مما يؤدي إلى تشتيت الدلالة التي يعمل القارئ على جمع شظاياها من أرجاء النص، وتنضوي تحت هذا المنحى ألتفكيكي كل عناصر السرد من فواعل وحدث وفضاءات ، فالمكان مشتت غامض كثير الفجوات دائم الانقطاع ، والزمن متكسر متداخل مضبب لا يبين ، تشتبك الأحداث فيه وتتقاطع متناصة ، مما يعمل على تقويض المسلمات وهدم البديهيات المتعلقة بمرجعياتها فيشيع الشك والارتياب في كل شئ  ، وحينما يقوم مثل هذا العمل على جديد متواصل أو بدائل حرة فذلك يعني انه ينقض قديما كان قائما و يهدم موروثا كان سائدا وهو (العمل) حينما لا يمنحنا أرضية من هدنة أو استقرار مفصلي فانه يعمل على النقض و اللعب الحر والدائم باللغة ، لكنه هنا هدم يختلف عن هدم جاك دريدا وإرجائه المستمر إلى ما لا نهاية ، لأنه هدم واضح التسويغ ، واضح الهدف فبشار عبد الله منذ كتابه ( ألقاب الجمجمة ) 1993 مع الناقد سعد محمود و حتى الآن يواصل استفزازه و محاولة تخريبه للغث المتهرئ الماكث في الثقافة و المدعي الإبداع زورا و الذي يحمل في داخله معاول هدمه ، فضلا عن انه من الجيل الذي شهد بعينه ويلات حروب طحنت شعبه و دمرت معالم إنسانيته ، يقول الكاتب:" من هناك تشكل عندي هاجس التشكيك بكل نشئ و مع مرور الزمن و التجارب الحياتية كنت اعقد مقارنات بين حاضر أعيشه و مثاليات قدمها لنا التاريخ ، تشكيك وجودي ، و تشكيك بالتاريخ مرويا ومدونا من حيث الوقائع و الشخصيات معا مما دفع إلى تأمل حالة الأدب بما يحمل من طاقة خلاقة ، ما تزال ترزح تحت منحنيات فكرية و سوسيولوجية تنتمي لأزمنة استقرار و رخاء  و سلام هي ليست زماننا  ،ولابد من مغادرة آليات من كتبوا قبلنا أدب العراق المستقر ،لنخرج بأدب تنبع قوانينه من ذاته المشتعل بفوضوية عالم غادره الأمن و سكنته الكارثة محاولين عدم الوقوع في هاوية الأجناس التي حدد قوانينها السابقون فضلا عن ضرورة مغادرة المكرر من اجل خلق رموز شخصية قادرة على بث روح الحياة في الأدب مما يدعو إلى أهمية تشعير اللغة بنقلها من سياقها النثري إلى فضاء مشحون بتوتر الشعر ومنهمك بحرائقه ، فضاء تسقط منه الأسطورة التقليدية من اجل  أسطرة الواقع " (10)  هكذا يدرك  الكاتب أن نشأة أجناس أدبية جديدة وتمحورها في هذا المفهوم ناتج عن ممارسات جهود فردية واعية بعيدة عن قيود الجنس الأدبي الموروث و نائية عما اتفقت عليه الأعراف و القيم التقليدية واعيا بموقف المبدع الحر من ضرورة التخلص من القيود  و السائد الذي لم يعد قادرا على التواصل مع اللحظة الراهنة ، هذه اللحظة التي تعد المؤسس الأول لمحاولات التجريب و التطور و التغير و القفز الواعي إذا لزم الحال ، و دور المثقفين و بعدهم المجتمع يكمن في محاولة بلورة هذه الخصائص في مفهوم أو اسم يحاول فيه السيطرة على طليعية هذه النصوص شرط أن يكون للجنس الجديد خصائص و سمات تميز ممارسته الجديدة (11) وهذا الاسم أو الرمز المقصود إنما هو المصطلح ،و لابد من الإشارة هنا إلى أن التداخلات التي اجتاحت العالم و تصاعد سرعة التأثر و التأثير في الثقافات العالمية  كان ثورة كبرى على المواقف  الشمولية مما فتح أبواب التعددية و الحوارية ، و أتاح للمجموعات الثقافية أن تقدم مشاريعها ، كما أتاح للأفراد المبدعين الحرية الواعية  في هذا الميدان فصار من حق المبدع أن يقدم مشروعه الإبداعي الحر محاطا بإضاءة شروطه حتى إن كانت تلك الشروط صادمة ، وإذا كانت إضاءة بشار عبد الله إشكالية فان ذلك لم يمنعها من تقديم رؤية عن مشروعها ألتجنيسي بما يوحي و بما يؤجل كذلك .. محرضا على إعطاء المشروع التجريبي الذي قدمه مداه حتى لا يسجن الإبداع في أقفاص أيا كان نوعها ، و مفهوم الجنس الأدبي بوصفه مجموعة من الخصائص التي تحكم الممارسة الإبداعية وتعطيها النمط الذي تراه صوابا هو في حد ذاته سلطة يطلقها النقد على كل محاولة تجريبية تحاول الفكاك من قيد هذه الخصائص (12) و لذلك فان محاولات التجريب الواعية إذا لم تكن قادرة على اختراق سلطة المصطلح القديم التي هي سلطة ذات وجهين ايجابية تنظيمية إشارية بداية  ،وقهرية حاجبة  حينما تصر على استمرار هيمنتها  متمثلة بسلطة النقد التي تمثل  المجتمع و سلطته  السياسية أكثر الأحيان ، فإنها بافتقادها تلك القدرة  ستظل في دائرة التأرجح و الاهتزاز و التلاشي ، و لا أ شك ابد في أن هذه المرحلة تحتاج  القدرة على التمييز و تأشير السمات من اجل مصطلحية أجناسية تتوافق و متطلبات الحياة و حاجة الإنسان فيها ،و حينها لن يخرج الإبداع أبدا عن صميم تلك الحاجات  لأنه يتشكل من نسغها  في  تيارات صاعدة  هابطة  شئنا أم أبينا ..

             (4)

تبدأ إشكالية هذه الرواية منذ الغلاف الذي أطرته ريشة الفنان العراقي هيثم فتح الله عزيزة بالأسود والذي يرمي بنوع من الدكنة على قلب اللوحة في الداخل ، في عملية تجاذب خارج - داخل إذ تقذفنا الد كنة في التباس  مصدره التساؤل : أهي متأتية من كثافة الخصب الطالع من أعماق الأرض متحولا بشدة التداخل إلى سواد ، أم هي آتية من الإطار الخارجي المضرّج بالكرب و المحن و الكوارث التي تكتنف الحياة العراقية لعقود طويلة في دلالة ضدية تبوح و لا تصرح .  إن الألوان الأساسية هي التي قامت بتشكيل لوحة الغلاف من الأسود والأبيض والأخضر والأصفر والأحمر ، وكان الأحمر والأصفر من الألوان الحارة التي تحمل في داخلها وفي إيحائها دلالة التوتر والصراع الذي يشتد مرة ويخبو أخرى ،فضلا عن كونها ألوانا تتصل بمصادر الحرارة والدفء وتمثل النار والانفعال والقوة والخطر وهي ثقيلة وتحمل صفة الإثارة والدينامكية فالأحمر ادفأ الألوان   جميعا وهو من أطول الموجات الصوتية  المرئية (13)أما الأخضر فهو من الألوان الباردة وكان عبر فضاء اللوحة يشتغل بتضافر مع الاصفرمما يؤكد الاشتباك الدائم بين التوتر والهدوء في هذه المنطقة الطافحة بالصراعات .

يشير الأسود بطبيعته إلى الخوف و الحزن والحداد و الغموض و أحيانا الإبهام كونه لونا حاجبا يخفي ما وراءه و يعمّي على الأشياء و الموجودات و الأفكار و المشاعر ، يخترق الإطار الأسود من الأعلى اسم الكاتب باللون الأبيض ، و الأبيض أساسا من الألوان الحيادية لكن حياديته   في الفضاء النصي تشكيلا أو كتابة تظل مخترقة بعملية التسييق ، و منذ دخوله في سياق تنتفي عنه الحيادية ليكون لونا متعدد القراءات و أحيانا تمويهيا ، فنحن مهيئون لإسقاط ما تمليه علينا القراءة الكلية للتشكيل الذي هو مولد أشكال ، إذ الأبيض عموما هو فضاء الكتابة لكن حينما تكتب الحروف به ليكون الأسود هو الفضاء الكتابي فان الأمر سيؤول إلى تحول ،  و لما كانت القراءة هي عملية كتابة جديدة فان الأبيض سيظل مفتوحا لكتابات شتى ، يؤازر ذلك تداخل الدلالات باسم الكاتب كونه يحمل مزيجا من الإيحاء بالفرح و الحزن معا فضلا عما يحمله الاسم الثاني من فضاء لوقوع أنواع المكابدات عليه و فيه من عبد الله الأول " آدم " و حتى قيام الساعة .

لكن اللون الأبيض بالرغم من دلالته على ألم المصير إلا انه يظل لون النور و عنوان الضياء، وهو في كل المعاجم اللونية عنوان للنهار، و النهار وضوح و صدق و حقيقة يحتكرها الكاتب لنفسه  و لتجنيس نصه في الإطار الأسود السفلي حيث يستقر المصطلح " رواية شعرية "  باللون الأبيض في لعبة فنية تحمل باعتقادي الكثير من المقصدية ، و يعبر تجاور الأسود و الأبيض معا عن التحول  والعبور في لحظة انتقال من مرحلة إلى أخرى لكن إشكالية التحول تظل قائمة : فمن أين سيتم التحول و إلى أين .. من الأبيض الذي اقتصر فضاؤه على خمس مفردات حسب إلى الإطار الأسود الذي امتد ليشمل الجهات الأربع لمستطيل الغلاف و الذي يشكل مهيمنا أوليا لا يمكن تجاوز سلطته أم العكس ؟ ، من الأسود غير المفصح إلا بدلالة لونه الداكن الحاجب إلى الأبيض المفصح برسم كتابي مخطوط بوثوقية تمنحه التجدد في الزمن ، و القدرة على التواصل و الاستمرار يضاف إلى ذلك الإطار الداخلي الدقيق الأبيض الذي يؤطر اللوحة التشكيلية  ثانية ويرسم حدودها بانتظام ، و الذي يحمل بعدا سيميائيا كونه يرسم الحدود الرئيسة لدلالة مشهد تشكيلي يحمل  زخم المتن الثاوي في الرواية من جهة و في عنوانها و اسم كاتبها من جهة أخرى ، فضلاعن كونه الحد الفاصل بين السواد في الإطار العام و بين البؤرة الدلالية للمشهد التشكيلي في الغلاف ، إلا أن دلالة التراسل بين الأسود و الأبيض لا تقف عند هذا الحد لأنها توحي بالبعد المصيري الأعمق للإنسان ، فهذان اللونان يختزنان لحظتي المولد و الموت وما بينهما من صراعات محتدمة في جدل الحضور و الغياب ، هذا الجدل الذي يتكرر في الحيزين ألزماني و المكاني للرواية بشكل استثنائي لا يعرف الهوادة ، ومن يسكب الهواء في رئة القمر : عنوان تشكل ظاهريا من جملة نسقية ذات تركيب معياري ، لكن المتمعن بالتركيب يجده وحدة أسلوبية ملبسة كذلك ، فمن التي ظنتها القراءة الأولى استفهامية لم تصحبها علامة استفهام نهاية الجملة مما يوجب الانعطاف عنه و عن أسلوبه الإنشائي إلى صيغة أخرى ستكون صيغة خبرية مسكوت فيها عن المخبر عنه أو الفاعل الحقيقي ( الذي هو المبتدأ ) بالاسم الموصول (من) و سيكون لكل تركيب من التركيبين السابقين دلالته ، فالاستفهام سيوجّه الدلالة و جهتين تتجاذبان مع رمز القمر تجاذبا طرديا ، الأولى محدودة بفضاء معين هو الوطن - العراق المهدد بكل عوامل الانفصال و الموت و القتل و الإبادة ، و الاستفهام المجازي هنا يحمل في طياته كل التوجع بحثا عن المخلص و الخلاص . و الوجهة الثانية هي التي تحول الاستفهام نحو الكون المأزوم بضوضاء الحروب و العنف و الصراع ، فهذا الكوكب - الأرض هو الأخر يبحث عمن يخلصه من الكارثة التي توشك أن تودي بالإنسان ، انه بحاجة إلى من يسكب هواء نقيا في رئته قصد إنعاشه و إعادة فاعلية الحياة إليه  هذا إذا كانت اللوحة التشكيلية لذلك الكوكب المتوتر ، لكن تأمل الفضاء التشكيلي الذي أنقسم عليه العنوان قد يشير إلى دلالة أخرى ، فالاسم الموصول و الجملة الفعلية ( خبره ) ثاوية داخل اللوحة يفصل بينها و بين شبه الجملة ( في رئة القمر ) الإطار المحدد الأبيض الذي يقسم الغلاف إلى فضاءين ، و إلى دلالتين ، فهل يعني التشكيل أن هذا الشرق القمري و أهله -وبضمنه العراق - هم من سيسكبون الهواء في رئة الكون المتشنج بالدرس المستقى من عذابهم ومكابدتهم  ، فاللون الأحمر الذي يشير إلى الحرب و الدم و النار و الغضب هو نفسه الذي يشير إلى التضحية و المحبة و الحياة و العواطف النبيلة ، و الأحمر بالرغم من هيمنته الكمية و سطوته البصرية إلا انه ضيف على الأبيض بالرغم من الحضور الدقيق للثاني إلا انه هو القاعدة التي شكلت أرضية الكتابة لكنها ظلت ثاوية تحت الأحمر الطاغي و لابد للثاوي من استفزاز يدفعه للنهوض ، و في كل الأحوال ظلت رئة القمر خارج اللوحة الأم مسطرةً على الإطار الأسود بانتظار من ينقذها من عبء الأسود الثقيل و هي ملتبسة بالمحنة مع الأحمر و الأبيض متناقضين بتلاحم .

 إن حضورالقمر في العنوان إشارة لحضارة قمرية في هذه المنطقة المأزومة ، حضارة تتسم بالحيوية والتجدد والمعاودة ، فالقمر يولد هلالا ثم يتحول بدرا ثم يؤول محاقا فهلالا مرة أخرى ويعاود التحول كل شهر بينما تولد الشمس دفعة واحدة وتغيب كذلك ،فالقمر زمني متجدد متصل بالخصب والمطر وفعاليات الماء مدا وجزرا ، ولذلك كان الإنسان القمري ذا إرادة خلاقة، جماليا ومثاليا وذا مشاعر حميمة في علاقته بالسماء والغيب والمشاعر الإنسانية..

لم ينته التمويه التشكيلي عند هذا الحد لان اللوحة الأم تحمل تمويها أخر إذ يمتزج الأخضر بالأصفر و قد ينهض الأول في منطقة ما ليتوارى الثاني و بعد برهة ينهض الثاني في فضاء مخاتل ليخبو الأول في لعبة فنية جديدة بين الخفاء و التجلي ، و الأخضر لون ذو قيمة تتراوح بين الحار و البارد و هو لون إنساني ربيعي دافئ لأنه يعبر بالإنسان من عري الشتاء وبرده إلى عرامة الربيع و دفئه مما يبعث الطمأنينة في الحياة ، و هو رمز للعودة إلى المياه الأولى ، إلى النبع و الأصالة ، ولذلك كان لون الماء و النار و الشجر ، انه رمز الحماية المقترنة بالأمومة فهو الملاذ و المرفأ و لذلك كان لونا مقدسا في الأديان و لا سيما في الإسلام و المسيحية كونه يحمل في أعماقه سر المعرفة الخفية التي تضمر الانسجام و الأمن ضد ضغوط حضارة الضوضاء المعاصرة فهو صورة الحياة والخصب ولأنه رمز الحياة والخصب فهو رمز  الضد  والقدر كذلك لأن كل حياة وخصب يؤولان لنهاية .

و الأخضر لون أنثوي و الأنوثة جوهر كل استقرار للإنسان و الطبيعة معا ولذلك ظل هذا اللون رمزا لتألق الإنسان و إبداعه و إشارة لبركة السماء فيه و يظل القمر وسط اللوحة غير متوهج لكن هالته بادية الكثافة في مفارقة واضحة ، وهذا ما يجعل العنوان في حالة لبس مع متنه فالعنوان ليس إشارة مضيئة دوما بل هو إشارة تعمل في أكثر من اتجاه ،تتوافق مع المتن مرة وتتقاطع أخرى وقد تشوش الأفكار على متنها مرة ثالثة حسب أمبرتو ايكو .

و لما كان هذا اللون مزيجا من الأزرق و الأصفر فان التناغم بينه وبين الأصفر أمر سيظل متاحا لان الأصفر ليس هو لون المرض و الموت حسب ذلك أن المتوهج منه هو لون الإشراق و البهجة ، انه لونٌ فان كوخي ، لون ضوء الشمس الذي يخترق شعاعه زرقة السماء بقوة و هو لون الذهب الخالد و الدائم التألق و الأصالة ، انه لون ذكري يرمز للشباب و الضياء و الحياة كونه لون الأرض التي تنتظر المطر لتخصب ، ولذلك كان زواله من على الأرض يعني زوال النظم الإلهية التي هي الحب و الإيمان فهو صورة للكبرياء و التوقد ، أما الخافت منه فيرمز للمرض و الموت و الشيخوخة و الخيانة و الخيبات ، لذلك كله كان الأصفر في لوحة الغلاف يتدرج بين آونة و أخرى بين المتوهج مرة و الخافت أخرى ، انه يتوهج قريبا من الأرض واعدا بالأمل و المطر و الخصب ، و يشحب إذ يبتعد عن أمومتها و حمايتها لكنه لا يسلم نفسه للموت بعيدا عنها لأنه ما يلبث في حالة شحوبه أن يقترب من الأخضر كي لا يسلم المصير للزوال و لتظل اللوحة في توازن تعززه هذه التناغمات الناجمة عن فعل التنشيط و التعادلات الذكية ما بين حركة الألوان أعلى أسفل و يمين شمال ، وما بين كثافة اللون و خفته و ما أشاعه الأحمر لون الحياة و الحب و الجحيم و الصراع على اللوحة من فاعلية .

و إذا كانت الألوان انعكاسا للسيكولوجي الثقافي و المعرفي الفني فإنها تحقق انسجامها في هذه اللوحة ٍٍبعيدا عن اختراق الخمول و النشازات معا . ولعل من المفيد هنا الإشارة إلى أن اللون الأسود عند معظم الشعوب هو لون حزن وحداد ، والحداد عبر التاريخ الإنساني هو فترة ألم ٍعلى عزيز مفقود ، فترة تحددها الأعراف الخاصة بكل شعب أو امة ، يعاود الأحياء بعد انقضائها  إقبالهم على مواصلة بناء الحياة ومزاولة فعالياتها ،ليس تنكرا للفقيد الغائب ولا نسيانا له بل عملا على تحويله إلى رمز محفز على التواصل ، لكن الذي حدث في حياة امتنا أنها لم تضع فترة زمنية للحزن على ما فقدت من تراث بل استسلمت لذلك الفقدان فظلت أسيرة الماضي منشغلة عن مواصلة الحياة باستمرار الألم، وظل اليأس قائما حتى عند أولئك الذين رفضوا الماضي مستسلمين للحيرة بين الثقافات الوافدة ،ويبد و أن اللوحة وعت هذه الإشكالية فكانت حريصة على تأطير المشهد التشكيلي بالإطار الأسود حدادا على ما فات وعلى بؤس الحاضر معا واستعدادا لنهوض مأمول من اجل مواصلة حياة مفعمة بعناصر الديمومة الماكثة في أرضية اللوحة.

إن حضور الماء في الأرض و وجود العابرتين إناثا أو ذكرا وأنثى ، ووجود الشجر عاريا في الفضاء القريب ، أخضر و أكثف على البعد ، وتوفر طريق للعبور ، كل ذلك وفر للوحة عناصر ومض دلالي  يضمر انفراجا مستقبليا أكيدا لكنه انفراج مشوب بكثير من المكابدة الزمنية كماً ونوعاً لان الفضاء في اللوحة  هو فضاء بدائي ، فطبيعة أرض اللوحة والماء  رمز العذرية و البكارة شكّلا واقعا يحتاج إلى مجاهدة كبرى ليصير فضاء حياة و حضارة .فالكون ،الوطن ،البيت ،صار قمراً مختنقا لا حياة فيه لأنه يفتقد عناصر الحياة الأساسية ولذلك انقسم العنوان على نفسه إمعانا بالانفصام بين الأزمة من جهة والخلاص الإنساني المنشود أخرى ، هذه الإشكالية التي بدأها الغلاف وعنوانه ستتعقد أكثر داخل فضاء النص الروائي .

 

    (5)

                 هل تمكنت الرواية من الوفاء للجنس الذي أطلقه كاتبها ؟؟

لإضاءة فضاء يهيئ القراءة  للإجابة عن هذا السؤال لا بد من الإشارة إلى قضايا مهمة   تحرك عبرها النص الروائي المدروس ولعل أهم هذه القضايا من وجهة نظرنا:

•1)  إن النص الحديث بجمالياته المتداخلة و المنفتحة على الفنون و العصور و الوقائع هو الذي دعا إلى استحداث المناهج والنظريات التي انتهجت ضرورة إشراك القارئ في عملية إنتاج الدلالة و في تشكيلها و إبداعها ، لان القارئ إذ يعايش النص يضفي عليه من خبراته الشخصية و المعرفية و الجمالية بحيث تكون كل قراءة هي إنتاج جديد يختلف عما سبق من قراءات أو عما سيلحق منها بتعدد القراء وتباين مواهبهم واختلاف تجاربهم الشخصية وتغاير ثقافتهم ورؤاهم الحياتية ، فالنص الحديث وهذه الرواية منه يرفض النقاء النوعي ولا ينصاع إلى جنس صاف أو مقنن و لا يشتغل داخل حدود سابقة عليه أو خارجة عنه ، لذلك كان على هذا القارئ أن يكتشف قوانين النص الذي يقرأ ، و قانون الرواية الشعرية التي بين أيدينا قائم على التشتيت و التجزئة و التوليد و الفصل وواجب قارئه يتمركز على فهم قوانينه الداخلية و على ضرورة لمّ شتاته و إعادة الوحدة لأجزائه و التواصل مع ما انفصل فيه وتلك عملية لا يستطيع القيام بها قارئ اعتيادي ، إنها مهمة الناقد المعرفي المبدع الذي يتلقى عملا استثنائيا لم يكتب للعامة من القراء و يعمل على مجابهته و الكشف عن قوانينه بما يمتلك من وعي و علم و معارف ليروّض ما فيه من سمات عصية ، ويزيح غلالة الغموض عن دلالاته و يستنبط بالتأويل مراميه الإنسانية ليقدمه إلى القراء تقديما يليق بالفنون و الآداب التي تختزن جوهر المعرفة و تكتنز ذخائر الأمم و خبراتها  .

•2)  إن الرواية لا تستسلم لسمات الروي التقليدي لأنها تخط طريقها بالنُظُم الشعرية التي تعتمد البوح الحميم المتدفق ، و أول سمات هذا البوح هو اعتماد ضمير المتكلم ( أنا ) أو ما يحيل عليه ليس إيغالا بالذاتية و لكن دخولا في تجربة معرفية خاصة لا يمكن لراوٍ آخر أن ينوب فيها عن الذات، و لاسيما أن هذه التجربة كانت عبر الرواية كلها تجربة تلقائية حدسية لم تسلم قيادها للعقل الذي ثبت عجزه عن فك أزمة الإنسان المعاصر ، ولم تلق ِ بالا لكل ما وصل إليه من علم و تحليل و تركيب لان كل ذلك كان ذرائعيا انحصرت أهدافه خارج التحقق الإنساني بنبله و انفتاحه على الخير والتواصل ، ولذلك تحصر الرواية عملية الروي داخل ضمير المتكلم الذي يقترب بطبيعته من الشعر بوحا ، و يتيح لنفسه الخروج عن نطاق منظور الشخصية الواحدة ، ويحتد الجدل من خلاله بين الذات و الموضوع إذ تنحصر المادة القصصية في نطاق وعي الراوي ، فجوهر الضمير( أنا ) هنا ينطوي في صميم بنيته اللغوية على جدلية الواحد المتعدد لأنه ملك لكل متكلم في اللغة و لذلك فهو يحتوي على (نحن) عميقة و مكثفة ، من هذا المنظور استطاع الراوي أن يأخذنا إلى رؤية العالم و معايشته من خلال وعيه هو حين  قدم لنا خبراته كما أدركها بلا وساطة ، حين طرحها بلا انتظامات صارمة إلا انتظامها هي في ذهنه التشكيلي ، فلا فرق في سرده بين الحلم و اليقظة و بين الخيال و الحقيقة و بين الأسطرة و الواقع وبين الماضي و الحاضر و المستقبل ، و هكذا يتم نقل الخبرات التي هي لقاء مباشر بين الذات العارفة و العالم - الحياة ، القابل للمعرفة  (14)  و هذا الانتظام الذي سردت به الرواية هو نظام تخلقه شبكة علاقات خاصة تشكل هندستها رؤية كثيفة معتركة ، و لكنها في صميمها تعرف ما تريد  ، فسرد الرواية بناءً على ذلك يخلو من الحوار المباشر لأن الحوار كشف عن دواخل الشخصيات و إظهار للمخفي و بسط للتفاصيل و هذا ما لا يتيحه الشعري في عملية الروي و لا يقبله التكثيف الشديد الذي بني عليه هذا النص .

•3)  إن اللغة الشعرية  على العموم هي كل ما يمكن الإمساك به - حسب جاكوبسن وجماعته - في النص الشعري أو الروائي ،و بطرق تشكلها و أنظمتها يتميز نظام عن نظام و جنس عن جنس ، ومحمول مصطلح عن آخر ، ولقد حاولت الرواية بموهبة وجهد واضحين صهر قطبين متضادين هما قطب لغة الشعر و قطب لغة القص، فلغة الشعر ترتكز على اللحظة في أكثف و أعمق أشكالها ، أما لغة القص فترتكز على النمو و التطور أي على تقديم المدى الزمني ، و يولّدُ هذا الجمع بين القطبين نوعا من النصوص هو من أعقد ما عُرف في الأدب لأنه يحاول الجمع بين الكينونة التي هي قوام الشعر و الصيرورة التي هي قوام القص  ، من هنا تتسم لغة الشعر بالوا حدية التي تنغلق على ذات الشاعر( 15 ) و لعل تجربة المؤلف في كتابة الشعر تشركنا في تأكيد هذا الجانب الذي هيمن على نظام الانفراجات التي هي  سمة لغة الرواية . فاللغة الشعرية تشكيل فن غامض بطبيعته لأنه يتصل بأغوار النفس الإنسانية وما يموج فيها من مشاعر ، إنها تسلك سلوكا مغايرا للغة النثر التي تعطي دلالاتها بشكل مباشر ،لقد عُدت اللغة عند بعض المجددين عمادا لتشكيل موقف الفنان من الواقع ، وهذا الواقع لديهم لا بد أن يُدرك ويشكل جماليا بعيدا عن المحاكاة ، واللغة الشعرية الجديدة هي القادرة بطرائقها التعبيرية على خلق موازاة رمزية لهذا الواقع ، وتشكيل واقع جمالي في مفهوم الحداثة لا يعني ملامسته برفق وإنما خلخلته وزعزعة أركانه وهذا لن يكون إلا بلغة لها قدرة الاختراق والفضح والهدم من اجل بناء واقع مغاير (16 ) مما جعل التجريب في النص الحديث يشتغل على اللغة ، ومن هنا جاء مصطلح تفجير اللغة وأهميته في خلق شعر قادر على التعبير عن أزمة الإنسان في حياته المعاصرة،فتفجير اللغة عند أدو نيس يعني كيفية استعمالها ، وفي هذه الكيفية وحدها يمكن استكشاف مدى تجاوز الشاعر للغة الشعر التقليدي وفتح آفاق جديدة لطرائق التعبير. إنه يعني بالمصطلح تفجير البنية الشعرية التقليدية برؤيتها وأنساقها ومنطقها وقرائنها وبتعبير أكثر إيجازا هو تفجير مسار القول وأفقه (17) وذلك بانفراط العلاقات الساكنة بين الدال والمدلول وتحويل أطر القول بتغيير الأنظمة المألوفة التي كانت تتشكل بها لغة النص التقليدي، وهذا ما فعلته رواية "من يسكب الهواء في  رئة  القمر ". إن اللغة هنا ليست وسيلة توصيل بل هي خبرة معرفية بالعالم يوظفها الروائي لإنتاج نص مغايراذ تغدو اللغة بعدا إستراتيجيا من أبعاد النص الفنية بل هي القيمة الأكثر بروزا وهيمنة حين  تتحول من خبرة معرفية يتحقق بها التعرف إلى الذات والعالم إلى وسيلة للتجريب وتفكيك الأبنية اللغوية المستقرة بتجديد لغة الكتابة حينما تخلق كيانها المميز والمحتشد بالكثافة الدلالية والجمالية (18) .

•4)   إن صعوبة هذه الرواية  متأتية من نهوضها على التراكم ألحدثي المكثف من جهة و على التعقيد و التركيب في طرح ذلك المكثف مما أنتج نصا عصيا يصعب على الباحث أو الناقد فك تشنجاته لأول وهلة ، فضلا عن تعتيم الوظيفة الإحالية للغة وتدمير علاقاتها المرجعية حد العتمة  مما يغيب الإشارة الواقعية موسعا فاعلية التأويل الصعب، و ذلك سبب مهم من أسباب إعراض الدارسين عن مثل هذا العمل البالغ الخصوبة و الذي يواجه قارئه بمشاكسة و عناد و اقتتال و مكابدة ، فذاكرة الرواية التي استغرقت كتابتها زمنا محددا تختزن أحداثا و ثقافات و عصورا ،وتمتص معارف وخبرات قرون طويلة من روحانيات الشرق وعمقه و غموض سحره ،ومن عقائد وتاريخ ومرجعيات كثيفة ولذلك فان الدلالة ظلت مغيبة على السطح و ثاوية في أعماق النص تحتاج من يحفر و ينقب ليجد ثم يربط و يعالق ، و في ذلك يقول المبدع أدوار الخراط الذي يتسم عمله الروائي بالعمق و الثراء :" إن الزمن الحقيقي لفعل الكتابة نفسه هو ساعات متصلة في الغالب اتصالا لا ينقطع ، وبحدة و تحت ضغط ... أما عملية الكتابة بمعنى أخر ، أي عملية التخلق و الاحتشاد و التشكل فقد تستغرق سنوات طوالاً ، فبعض قصصي القصيرة استغرقت عشر سنوات أو خمس عشرة سنة منذ بدأت تتخلق و لم انقطع عن كتابتها ذهنيا دون أن اكتب جملة واحدة فيها طيلة هذه السنوات ثم كتبتها في غضون ليلة واحدة  " (19)  مما يعني أن زمن الكتابة الأصلية الذي استغرق زمن التجربة هو زمن تراكمي حملت الذاكرة عبئه انتقاء والتقاطا وتشكلا ومعاناة ، أما الكتابة الهجائية فلم تكن غير تحويل من الداخل المختزن إلى الفضاء الخارجي بشكل نصي .

•5)  لقد أولى أدب الحداثة البعد الميتافيزيقي في الشعر خاصة أهمية كبيرة خففت من حمولته الفلسفية من حيث علاقة الشعر بالفلسفة كونهما يحاولان اكتشاف الجانب الأخر من العالم أو الوجه الأخر من الأشياء الذي هو الجانب الميتافيزيقي كما يعبر عن ذلك ادونيس و هذا الجانب في الشعر هو الذي جعله متواصلا بمحاولات البحث الدائم عن غير المنظور مما يديم فيه روح الدهشة و الانبهار اللذين يعدان من مرتكزات الفن المهمة  كون الميتافيزيقيا نقدا لتجريدات العالم الآلية الضيقة و عوداً إلى الواقعة الفردية المشخصة ، و كشفا لما تنطوي عليه الطبيعة من وحدة عضوية حية ، فالبعد الميتافيزيقي في الشعر يحضر من خلال رؤية شعرية تؤمن بان الجهد الميتافيزيقي هو جهد شاق يبذله العقل البشري وصولا إلى قرارة الأشياء و عمقها و صعودا إلى قمتها معا (20) .

إن التراكم الثقافي المعاصر و تعدد ألوانه و تنوعه لا يعني أن الأديب الحداثي يتحرك في أفق حداثي حسب و إنما يعني كذلك ازدحاما دلاليا فيه من الضبابية و التعدد ما يصيب المتلقي بالحيرة أمام النص ، فأدب الحداثة يقف اليوم أمام نهر معرفي متدفق متعدد المنابع و الروافد و الألوان و لذلك يختلط فيه الثقافي بالديني بالتاريخي بالأسطوري بالفلسفي مما جعله تركيبة معرفية غريبة ضاعفت صعوبة قراءته و التقاط دلالته ، و أديب الحداثة لا يقدم هذا التداخل بأسلوبية مباشرة بل يقدمها بصيغة تساؤل حينا أو محاكمة أحيانا و في صيغ توليد معرفي فيه من المراوغة و التمويه ما يربك القارئ (21) ، و لذلك جاء التناص في هذه الرواية من أصعب أنواع التناص إذ اعتمد إستراتيجية الجدلية الفكرية التي تعني تصارع فكرة مع أخرى ومعلومة مع واقعة وحدث مع حدث أخر بحيث تشتغل النصوص في مناوشة  مع بعضها ليس بالمعنى العرفي المباشر للتناص كونه تاركا لآثار النصوص السابقة  في النص الجديد وإنما بالمعنى الأشد جذرية الذي يؤكد أن كل كلمة أو عبارة أو مقطع إنما هو إعادة تشغيل لكتابات أخرى سبقت هذا العمل الفردي أو أحاطت به مما يزيد النص الجديد تعقيدا ، لأن جدلية التشغيل للنصوص السابقة قد تضيع معالمها الأصلية في عملية التحويل الجديد مما يؤدي إلى صعوبة في عملية تلمس الدلالة (22)  .

•6)    و عليه فان في الرواية من الشعر طاقته النوعية التي تكمن في إنتاج الدلالة عبر آليات خاصة و طرق ابعد ما تكون عن المباشرة لأ نها تعتمد منظومة الشعرية كلها من تكثيف و استبدال و تحويل ومفارقات وتناصات كثيفة و مجازات مما يضاعف طاقة الإيحاء و يفعّل عملية التلقي مع تغييب تام لجاهزية المعنى فضلا عن اعتماد جمالية الكتل المتجاورة التي يأتي بها المنولوج مقذوفة من أعماق الوعي مرة و اللاوعي أخرى ، هذه الكتل الشعر - سردية تحتاج متلقيا ذكيا و معرفيا و جماليا ليربط بينها و ينتزع الدلالة من تفاعلاتها .

•7)  إن هذا السرد الذي قدم المروي يرتبط بقوانين الشعرية من حيث كون الشعر عموما غير محدد تحديدا جاهزا ، لان اللغة الشعرية هي التي تولده و تلعب دورا مهما في تشكيله ، فالرواية تحطم دلالة المحاكاة لتحل محلها دينامية اللغة بوصفها نشاطا إبداعيا متجددا (23)  فالشكل السردي غائب بما  يعني غياب  الصعود الدرامي بالمعنى التقليدي لان عملية الروي محكومة باعتباطية نظامها الخاص و المثير إذا صح التعبير .

•8)  لا تركن  أسلوبية الرواية إلى أنواع الروابط السردية المألوفة ، الاستطرادي منها و التعاقبي أو ألسببي ، لأنها تخلق روابطها الخاصة عبر قوانينها النصية هي ، فضلا عن أن أحداثها قائمة على سرد حلمي أو أسطوري أو كابوسي لا سيما وأن الضمائر فيها غائمة مهوّمة وبلا مرجعيات و الشخصيات بلا أسماء و لا هوية ، إنها شخصيات عائمة ليس للأحداث التي تشكلها بداية ولا ذروة ولا نهاية وهي تتحرك داخل الفضاء النصي حركة اعتباطية متكسرة تظهر وتختفي بأشكال لولبية...عجوز ، صبية ،شيخ ، تفاحة ،نملة ،حاكم ، أمير ،صياد ،فارس ، محراث ، جندي ، أسماء أنبياء ،فلاسفة ،مؤرخين ،قادة ،وفنانين ، والفنانات ممثلات ومطربات هن وحدهن اللواتي  يحضرن حضورا محايثا للقراءة ، إن غياب التمظهر الجلي لشخصيات الرواية ليس دعوة لأبعاد مفهوم  الشخصية عن الرواية،تلك الدعوة التي كانت واحدة من مطالب نظريات أدب مابعد الحداثة إيغالا في استبعاد الذات الإنسانية عن بؤر الحياة ونفي الإنسان بإبعاده عن مراكز القرار ، بل إن ذلك الغياب إنما يبث احتجاجا لاذعا على مسببي التغييب الذين اضطهدوا الإنسان وقهروا إرادته بوسائل ومبررات شتى من اجل تنفيذ مخططات بعيدة عن توفير المرتكزات الأساسية لتأمين حياته وتحقيق السبل الكفيلة بضمان أمنه النفسي و مستقبله واحترام كرامته .

 كذلك يفعل السرد مع الأعمال الخالدة ومع قصص القرآن والرسل والملاحم والكتب ،يمتص ويحول بإرادته الفنية هو، والمكان بلا حدود ولا تسميات وحينما يذكر الراوي اسما فان الأسماء تظل مضللة لأنها لا ترتبط بالحدث وشخصياته ارتباط علة ، فالأماكن مقابر وكهوف وساحات قتال ومنعطفات ودهاليز ومقاهي ، وبتقطيع الأمكنة والأحداث يتم تكريس الاغتراب بين الإنسان وفضاء عالمه المحيط به لغياب التواصل الدلالي والوجداني الحميم الذي كان يربط الطرفين بوشائج التماسك والتعاطف والمشاركة .

أما الزمن وطرق تشكله عبر الحدث فان أشكاله تضيع  بتداخل المشاهد لتهيمن عليه فتنة الشعرية المخاتلة حتى يدخل في الإبهام أحيانا بسبب سرعة النقلات المفاجئة مما يجهد القراءة وهي تحاول أن تجد ما يربط ما بين حدث وحدث، وعليه فان تنوع الأزمنة وتداخلها هو واحد من أسباب غموض الفضاء الزمني في الرواية  " ثم لما سفحتنا الدروب على عتبة فرح ما هل كنت معي ، وعندما لملمَنا دمُنا رغم أنف الجرادل ، وعندما أعلنت :

ما كان الحجاج

غير ضحية عراف

أنبأه سهوا بدنو افتتاح مصارف للدم

بل كنت ، كنت وكنا معا نسدد للفنادق الداعرة ضربة محسوبة على معداد الملل، إذ انفتحت عبر مسام القصف نافذة القطار السريع واختطفت في طريقها المشهد الآتي .... الرواية، 44 "

أما وسائل السرد  فإنها تحذو حذو عناصر الرواية  في التكثيف والإثارة فلا الحوار واضحا ولا الوصف تقليديا فالحوار يرد من خلال أفعال القول و النداء وأدواته ومن خلال الاستفهام وأفعال الأمر التي تحمل في داخلها دراما الاستجابة ونقيضها وتحمل غموض التساؤلات التي تظل مغلقة  بلا أجوبة وغائمة بلا أفق .  "أناديك أنت العارفة بالوهم والموهومين ...... أناديك يا قلبها هل ستأخذني من جسدي ، هل ستخضني في زجاجة التجسد وتصبني دفا في يد صوفي أو حكمة على لسان طائش أو حكة على مثلث شبق أو متعة بين جسدين مجذوبين بقوة الفطرة ، يا عطرها الذي أطعمني النبل وافرغ في فمي عصير البصائر ، أفق وفوّقها كي تفهم اللذة التي تركض على شفرة كالصراط بينما أصابعها غائرة في لحم السراب "  ... الرواية، 33  .

       إن صعوبة الوصف هنا تكمن في انهماكه بتداخل الموصوفات بكل أنواع الترميز حيث يختلط كل شئ بكل شئ ،وحيث ينسى الوصف وظيفته التقليدية ليدخل في تجليات أخر،متجليا بكل صيغ الوصف من الأخبار إلى النعت بأنواعه والأحوال بأشكالها.

    إذن ،،،نبحث عن الشعرية فنراها متواجدة بكثافة في بنية الغياب متمثلة بالصورة الكثيفة الملفوفة بالغموض، ومتمثلة بالمفارقات بأنواعها شكلا من أشكال التضاد و النقيضة التي وظفها النص لمهمات عدة تشتغل داخله اشتغالا حميما  : البوح ، الرفض، السخرية و التهكم ، الهجاء ، بث المرارة  ، الاحتجاج ،  متمثلة بالرموز الشخصية التي يجتهد الراوي بانتزاعها من أعماق تجربته هو و مكابدته الخاصة نافرا من الرمز المستهلك متوجها إلى أسطرة واقع شديد التناقض و التداخل ' مرير العذابات ، مر التأزم غامض المصير مبهم الآفاق .. و إذا كان بعض هذه الآليات قواسم مشتركة بين الشعر و الرواية و لاسيما المفارقة فان الرؤية الشعرية تعمل على تكثيفها و ترشيحها عبر رؤى فنية شديدة الخصوصية لترتقي إلى مستوى الإيحاء الذي يحقق الوظيفة الشعرية في أجلى معانيها

و تبحث عن الرواية فتجدها كامنة بانفراج الشعرية بين آونة و أخرى لكن بتداخل مكثف يظل مخلصا للشعرية حتى في طرحه الأماكن و الأزمنة و الشخصيات و الوقائع و المكونات و العناصر، في الاسترجاع و الاستباق، وفي الوسائل السردية كذلك...الوصف و الحوارات المغلقة و المغلفة بالوجع و البحث عن الخلاص..في هذا التلاحم الحميم بين جنسين كانا بالأمس في نظر النقد متباعدين لكن الحوار المفتوح ، و التراسل الدائم  بين المختلف   مذ دحض الرمزيون القطيعة بين الأجناس، يفتح اللقاء و يمنح المتباينات سر التقارب فالتلاحم ..

                  ما الذي يخيفنا من اقتراح أجناس أدبية أو فنية جديدة إذن..!! المبدع الواعي يقترح و ليبق الحوار قائما ما شاء ، فالقراءة فاعلية يعرض عنها القارئ إن لم تكن قادرة على إغرائه بالتفاعل معها والتواصل مع مغامرتها لا سيما وهي تسعى إلى تقديم محنة الإنسان في هذا العصر بأمكنة بعينها ،تقدمها للحقيقة التي هي هدف يسعى إليه الفن النبيل ، وقد يكون مهما في الفن الكشف عن مظاهر القبح بجمالية تؤثث طرائق الوصول للهدف ، واللغة قد تتيح أو لا تتيح لنا  ذلك على قدر موهبة المبدع في توظيفها،وفي كل الأحوال لا تأتي اللغة عند المبدع إلا على قدر تجربة الباطن ، و هكذا كانت تجربة الكاتب ، متوترة مأزومة بالوجود المشتعل  بلوعة الفقدان و غياب  محاور الحياة الأساسية التي لا حياة بدونها .. الحرية و الحب و كرامة الخبز و كرامة الروح تطهيرا للإنسان من خطايا مدنسيه ،لائذا بما يحس  انه الملاذ ، الجنون مرة كونه التمرد الحقيقي على شرائع المدنس والتقليدي من المنظومات المتحجرة و القفز على ألفة الهياكل الوهمية و المتخلفة لتحطيم عراها التي شدت أعناق البشر و البحث الدائم عن بدائل لا تضع الإنسان في الأقفاص . " أسير بين خرائب الأعشاش التي عبثت بها قطة خؤون و بال على سمائها الخواء ، أسير مع باشلار باحثا عن رغبة في اقتراح تعاويذ بديلة وألوان بديلة ، كم لحظة ستجمعنا كان يمكن أن انتصر على الآلهة و احتكر الشعلة لخليفة مقبلة ،لولا صرختك ولولاها لأكمل ذلك الفتى الآشوري الأسمر روايته الجديدة المتوقفة خوختها على أنفاس الطبري ومع ذلك سأبقى أفتش لك عن أعذار إذ ما جدوى أن أكون إلها."....الرواية ،51   واختيار الراوي لباشلار  ليس اعتباطا سرديا بل هو اختيار لحظة وجودية ظاهراتية تعطي الإنسان حقه في الكشف و اختيار البدائل بقصدية الوعي الأعمق  الذي لابد له من تشكيل لحظته الراهنة بتأويله هو وليس بإملاء وعي الآخرين ، ليواصل مساره بإرادة  تدرك أهمية الحركية الفاعلة نحو مستقبل يخطط خرائط غده الإنسان و ليس جلادوه .

                 و ما بين الحضور و الغياب كان التناص يلعب عبر الرواية لعبته الخفية ، مع القرآن ، مع الكتب السماوية الأخرى ، مع الفلسفات و المعارف و الوقائع و الأشخاص  مع الأنبياء وأعلام المتصوفة.. و التناص امتصاص و تحويل و راوي هذه الرواية استنفد كل امتيازات التناص ليخرجه إخراجا استراتيجيا ثاويا في أعماق الغياب كما أرادت له جوليا كريستيفا فقد امتص الراوي من تلك النصوص روحها و حولها في سياقه الذي أراد.

 

 

(6)

     إن طغيان التجربة اللغوية في الأدب ولاسيما في الشعر ظاهرة تتجلى لدى الشعراء قديما وحديثا     بأ شكال متفاوتة لكنها لدى بعضهم تتمكن من تحقيق ذات شعرية مغايرة إذ تتشكل لغة المبدع الخاصة ممّا يحقق لغات عدة في الأدب الواحد ، و لكل مبدع طريقته الخاصة في تشكيل رؤيته جوابا على سؤال جاكوبسن : كيف تعمل اللغة ..؟ لذلك كان أشهر إسهام لهذا الأخير اهتمامه بالوظيفة الشعرية للغة بوصفها تعتمد على كل من الصيغتين الانتقائية و التجميعية كونهما وسيلتين لتحقيق مبدأ التكافؤ الذي تبرزه هذه الوظيفة من محور الانتقاء الحي إلى محور التجميع ليصبح هذا الإبراز هو العلامة الفارقة لفعل الوظيفة الشعرية للغة مقارنة بأي وظيفة أخرى ، إن الوظيفة الشعرية هي التي  تعمل على نمذجة اللغة وتكثيفها دافعة إلى الأمام سماتها الشكلية بينما تدفع إلى الوراء قدرتها على تشكيل المعنى ، من هنا كان الغموض سمة هذه اللغة عندما يكون التكافؤ بمنزلة الوسيلة التشكيلية للفن ، فالشعرية لا تكون بالمجاز والزخارف والإيقاعات بل في إعادة تقييم شاملة للنص وبكل مكوناته ، فالشعر يتكون حينما ترتفع الشعرية إلى درجة أعلى من الوظائف المنافسة الأخرى على الرغم من كونها جميعا مستمرة في العمل، لان الوظيفة الشعرية ليست بالوظيفة الوحيدة في الفن اللفظي بل هي المهيمنة عليه(24)  وكلما ازدادت نسبة هذه الهيمنة مال النص إلى الغموض اكثرلانسحاب الدلالة فيه إلى الوراء ثاوية في بعد أعمق وعلى مساحة أكبر وهذا ما اتسمت به هذه الرواية مما سوغ لكاتبها  إطلاق الشعرية عليها  في منولوج يتدفق في كل اتجاه . إن مثل  

  هذه الإستراتيجية الكتابية لا تضع المادة التي نكتبها  موضع التساؤل حسب بل توظف البناء و تغيير المنظور لإثارة التناقض و الصراع بين العناصر المختلفة بحيث تعرقل أي محاولة لتكوين قراءة منسقة أو وجهة نظر أحادية ، ولذلك فهي ثورة على الايدولوجيا الضيقة لأنها لا تحمل دلالة سياسية و اجتماعية واضحة لكنها تعمل بإغراء على توظيف دائم لمادة تحمل إشارات سياسية و اجتماعية صريحة و بما يطرح أمامنا مجموعة من الإستراتيجيات الشكلية التي تهدف إلى الكشف عن عملية القراءة وتكوين المعنى عن طريق عرقلتها بصورة متعمدة (25)  و لا شك أن في هذه الطريقة التشكيلية المعقدة الكثير مما ينم عن انفراط الحبكة الروائية و التباس الشفرات التي تعد حسب رولان بارت هي القوى المحركة للمعنى  فضلا عن التداخل  و الغموض و اختلاط المرجعيات و  كثرة الفراغات و بعد المسافة الجمالية و تشويه الأحداث و تكسير الأزمنة لكن من المؤكد كذلك إن كل هذه المخاطر هي مخاطر إبداعية وان لم تكن واضحة وسهلة الطرائق في الإفصاح عن مراميها لأنها لا تقدم للقارئ الجاد شكلا يعبر عن معنى أحادي بل تقدم له عملا ملغوما بأكثر الألغام فاعلية لتوليد مالا يحد من المعاني من خلال تصادم تلك القراءات مع بعضها و تنوعها و بروز مفاتيح قرائية فيها ، و هنا تبرز أهمية القراءة التطبيعية التي أكد خطورتها(جوناثان كلر) فالأدب لا يتم له تشكيل الوقائع إلا بوسيط لغوي يعمل على نمذجته ضمن انساق خاصة تتمكن من التعبير عن جوهره و التدليل عليه من خلال عمليات التطبيع بين النص الروائي و الواقع من جهة و بين المبدع و القارئ من جهة أخرى ، وأهمية التطبيع تنطلق من كونه يمنح النص مكانه في العالم الذي تحدده ثقافتنا ، وتلك

مهمة النقد الجاد والحقيقي و هي وظيفته التي كاد يتخلى عنها منذ زمن لان القراءة التطبيعية هي التي تمنح النص مكانه في العالم الذي تحدده معطيات حياتنا الثقافية فدمج النص و تفسيره يعني جلبه ضمن أساليب النظام الذي توفره الثقافة الحقيقية و لا يتحقق هذا إلا من خلال الكلام عن النص بأسلوب للخطاب تعده الثقافة طبيعيا (26)  في مرحلة من مراحل  مكوناته البنيوية في بيئة تشكّلهِ مما يجعل القارئ يقظا من جديد لمرجعيات العمل وأساليبه وأنظمة عمله ، و بهذه القراءة بالذات يمكن إزاحة غلائل الاغتراب و  الغموض عن النص الإبداعي الجديد و تقديمه  إلى القارئ الذي يحتاج دوما إلى ذائقة متجددة تتناسب و تجدد العصر الدائم ، كما أنها تفتح المتلقي على قيم و منظومات إبداعية جديدة لابد له من التعرف عليها ن لأنها منظومات حياته التي يحياها و يحتاج إلى فهمها والى متعة جمالها من جهة و إدراك ما فيها من عذاب و مجاهدة أخرى :     "  أيها الجدا جدا...أفق و فوقني ، لكن شخيره ظل أكثر بلادة من ذلك الدبوس الذي أخفقت أنت في انتزاعه من قميصي الحريري ، وحين دسست يدي في جيوب حلمه العشر المنتفخة كجيوب مزارع في حزيران لم أجد غير عشر رغبات في النوم ، أيها الجدا ، سأقتلك ، لم يكن لي خيار بعد أن تجاهلني في حلمه ،  في غضون لحظة سال دمه الأبيض على السرير و انسرب..الرواية ، 53 "

لاشك أن العثور على مرجعية ما في النص أمر ممكن ولو كانت إشارة تلقي الضوء زمنيا على جانب من جوانب القراءة ، و جملة مزارع في حزيران كانت هي هذه الإشارة التي فتحت الفضاء النصي على زمن بعينه ووقائع بعينها بحيث يستطيع القارئ من خلالها أن يفك شبكة العلاقات النصية الأخرى المغيبة بلا زمنيتها و لا مكانها و بمجهولية هوية شخصياتها المتعددة ، لكن على المؤول هنا أن يمتلك الأفق التاريخي الذي انطلق منه النص والذي أكد جادامير أهميته في إلقاء الضوء الذي يعين القراءة على استلام إشارات النص وفك عراها ليتبين ما وراءها من أحداث ، فلمزارع حزيران العراقي سنوات الحصار دور مهم في تعميق التناقضات المرة يوم كانت الملايين العراقية تتضور جوعا بينما يتسلم هو المليارات معبأة في أكداس من الأكياس الخيالية..

          إن راوي هذه الرواية شديد القدرة على التفلت  من كل إسار، شأنه شان الصوفيين الذين يأنفون من الالتزام بالمنطق الشامل الذي من شانه أن يجعل الروح أو العقل مجرد آلة صماء تنتج الأفكار بطريقة منهجية ، وما ذاك إلا لان همهم الأول لا ينصب إلا على الأزمنة الداخلية و ليس على المعلومات التي يمكن للذهن أن يقطفها من الوقائع فهم كثيرا ما يصرحون بان التصوف هو الالتزام بما يرخم فوق طور العقل  وفي الحق ان هذا المفارق لطور العقل ينساح في جدل لا يزعجه حتى تناقضه الداخلي إذ إنهم يتحدثون على وفق ميلهم هم وذلك هو المهم لديهم  (27)  وهذا ما جعل معظم كتاباتهم في الصميم من الشعرية الحقة

                 إن الانفلات من مواصلة الحدث و العمل الدائم على كسره ببوح جديد هو عين الانفصال الذي يشكل سمة الشعر الأساسية فالشعر يقوم على الفصل لأنه لا يرمي أخذك باتجاه أفقي كما يفعل السرد ، انه يقطع بك و عليك و يعيق و يهبط ويصعد ويموّه و يغامر ليشعل فيك لهب التواصل مع لعبته المشتعلة ، معه هو وحده و لذلك فالشعر لا يفسر و لا يُشرح لأن جوهره يكمن فيما يُمليه  علينا بذاته ، كما تكمن فتنته بفاعليته و ليس بفاعلية خارجة عليه ،

إن الراوي يثأر لنفسه و لعذاباته من قاهريه و قامعي أحلامه بالتمرد على كل شي لقنوه إياه .. انه لا يفكك أو يرجئ حسب بل هو يهدم و ينقض و يغادر في ثورة عارمة. إن إشارات الغياب

 لديه يخفيها التناص في لعبة المناورة  من تحويل إلى تحويل  و هو يكثف مرجعياته الدينية و المعرفية داخل السرد مما يخفف من إبهام المروي و يزرع فيه مفاتيح دلالية  " كيف لا وهو الذي الم بلغات الإنس و الجن و الهوام و فقهها و ملك الجياد و البشر و البقر و ما تناسل عن امة الثقلين بيد أن القضية لم تفارقه و أبقته مؤرجحا بين صلاة العصر و دم الجياد الصافنات التي ذبحت بأمر منه تكفيرا عن سهوه...  هل كان للجياد ذنب لتؤخذ به ؟ كان دمها يتدفق على صفحات لوح أعلى تارة يصهل و أخرى ينتحب لانقطاع اجله قبل أن يكتمل..الرواية ،79  "إن الراوي يأخذ  هنا برأي مجمل المفسرين في توجيه دلالة المسح إلى الذبح والتقطيع دون الالتفات إلى ما توحيه هذه المفردة من رقة الملامسة الجمالية ومناجاة حسن الجياد وفعلها في الجهاد ، لكن الراوي يتبنى دلالة العنف والدم التي تنسجم وسياق الاعتراك والرفض الذي اختطته الرواية وهي تحتج وترفض وتكشف وتزيح الأغطية عن العذابات الثاوية في أغوار واقعه ، و على القارئ أن يعيد ربط المروي المتحول من السرد القرآني في سورة( ص، 33..) إلى علا ئقية الواقع ، ولن يجد حينها صعوبة في تسييق أو تكييف المروي الجديد ، لا سيما وأن الإشارات من سورة النمل تتكرر و حضور الملكة بلقيس و الصرح البلوري يشيران إلى المحنة لكن من أطراف بعيدة المسافة وان كانت مشدودة إلى واقع الراوي و هو يتوجع بتفاهات التعري و اللواط و العولمة وثقافة الميديا الهابطة و اليورانيوم المخصب و السحر الأسود و الحقائق المقلوبة رأسا على عقب والجوع و تطفيف المكاييل وتزوير العملات ...الرواية ، 80 ، ولكل ذلك مرجعيات واقعية سوداء يدينها النص ويرفض مجرياتها.

          إن الراوي بسرده المنثال المنهمر و الذي تشكله لغة مشحونة بتداخل المكابدة بالثقافة بعذاب حياةٍ يومية تآمر عليها ظلم بشع ، إنما يحاول الإفلات من قيود محيطه و من أوجاع ثقيلة تطبق عليه و على شعبه ، انه بالشعرية و المونولوج و الوصف الكثيف و الحوار الضمني و الكولاجات التي تنهض لتتلاحم بالنص يحاول أن يكسر حجارة الداخل الثقيلة و لذلك فان قارئ هذا النص يحتاج إلى تشغيل طاقاته الذوقية و المعرفية و الحدسية حتى يتمكن من الملاحقة و البحث و التأمل ، فالنص ليس مبهما حد الانغلاق لكنه مشحون حد التعب و تعب القراءة ما إن يفضي إلى الكشف حتى يومض ، إن المفاتيح المنبثة عبر النص قليلة لكنها كفيلة بإضاءة ما يمكن أن يضئ بدوره العمل .

          إن متأمل الرواية يدرك أنها بحث عن خلاص بالفن ، و داخل الفن يكمن بحث عن خلاص بوسائل و معالجات متنوعة ، و السرد المتواصل تعويض عن عملية تصميت قسرية مورست ضد الراوي انه يسرد من خلال حرية داخلية عصية توهمه و توهمنا معا أنها خارج الزمن ، خارج التاريخ ، خارج الأزمنة و الأمكنة و الوقائع و الكوارث لكنه في الحقيقة يروي من داخل التاريخ ، من داخل الأزمنة و الأمكنة و الوقائع و إن تعمد بمقصدية تغييب كل ذلك بمهارة ليدع لقارئه حرية الاكتشاف الصعب .

           إن محاولة الهرب كليا من التاريخ و المرجعيات ومنابع الثقافة وأصول المعارف و الحكم و منظومات الموروث ينقضها هذا الحضور الوامض بفاعلية التداخل لكل ما هو متألق من تلك التواريخ والمنابع و المرجعيات ولكل ما هو مدان كذلك حضور يترشح في رؤية  مغايرة متوهجة لتبث إشارات مفصحة مرة و غامضة مرات بدءاً من عبور آدم وحواء نحو الأرض إلى النبي إبراهيم و أولاده الأنبياء ، إلى النبي يوسف و عاشقته ، إلى فتية الكهف ،الى آيات القران التي كان لحضورها بأشكال شتى اثر عميق في تعميق شعرية الرواية وإضفاء حيوية معرفية على النص ،  فضلا عن الدوران حول التصوف و الكتب المأثورة و الخلفاء و الملاحم و الأساطير ، و الراوي لا يهدم كل شئ بل ينتقي من كل شئ ما يخصب لغته المفعمة ليهدم بها ما لا يروق له من المهيمنات ، و حينما يجد الراوي ألا وسيلة للخلاص من توتره المشحون بالعذاب يلجأ إلى الله بإيمانه و خطاياه  معا ، ليس بذل التائب المجروح لكن بجرأة العارف الواثق بملاذ الملا ذات :

 " الهي المستوي على العرش

بكيفية الفضل و اللطف أغثني

 أنا الغريق في غمر الجسد

 أنا بشار عبد الله الذي أقرئ العالم السلام و المحبة

مازلت أغوي الشفاه و النهود و المتاهات التي تورث العمى

 و تملأ بالحصى منطاد الروح

 و تزرع في المربع زوايا الأسف .

الهي .. بك أسألك أن تنزل معي إلى القبر

 كي أعبر و أغرق في أمرك الخفي .    الرواية ،42 " .

 

هكذا تكون استطيقا الجسد في تصوف الراوي الذي يعلن عن نفسه باسمه شاهرا هويته التي تشخص نزعاته المتدفقة وهي تؤكد مفهوم تصوف يتمظهر في هذا الاستغراق الحميم حبا وعذابا ومكابدة وجنسا وإخلاصا بالاكتواء بالتجربة حتى الموت ، هذا الاستغراق الذي يتشكل مزيجا من الغواية  و الجمال و الإيغال بالفتنة و اضطراب الهواجس ما بين المقدس و المدنس ، و حينما لا يجد خلاصا من احتدام المحدود بالمطلق والفيزيائي بالروحي يتوجه  بالضراعة كلها  نحو الملاذ  في صرخة  صوفية وجودية تختصر عذاب التمزق و شتات اللهفات ..... الهي ..... أغثني .

و تشف لغة البوح حتى تصل المناجاة ذروتها في :

"إلهي بك أسألك أن تنزل معي إلى القبر

 كي أعبر و اغرق في أمرك الخفي..."

هل سبق لأحد من  العارفين أو المتصوفة أن توجه إلى الله سبحانه بمثل هذا الطلب  : أن ينزل معه إلى القبر سلاما وأمنا وملاذ رحمة... !

 

(7)

في النهاية لابد من الإشارة إلى  أن مسألة الفهم و اللافهم في الإبداع ستظل قائمة و حوارية ما دام اختلاف مستويات القراءة حقيقة قائمة و ما دام الجمالي لا يمكن له التحقق دون وجود وظيفة ،لان الجمال الفني بحد ذاته وظيفة أشرنا إليها في محور سابق ، يقابل ذلك حقيقة غياب أية وظيفة معرفية في الأدب بمعزل عن الجمالي لان النص حينها لن يكون أدبا ولا يمت إلى الفن بصلة ، فمناهض الجمالي على حق في إصراره على أن يكون للأدب وظيفة أخرى تضاف إلى الجمالية لكنه على خطأ إذ ينكر قيمة الجمال لذاته (28) .

          لقد غدت وظيفة الأدب متحركة في إطار شديد التعقيد لأنها ترتبط بمجمل القوانين و القيم التي تحكم المجتمع الإنساني و التي أصيبت بارتباك شديد ناجم عن التعقيدات التي تعرض لها العصر الحالي مما ألحق إرباكا  و تهميشا و تغييبا للمفاهيم التي كانت تدعم تلك القوانين وهذا ما سبب انفصاما بين الفن و الأدب منه على وجه الخصوص من جهة و المتلقي من جهة أخرى، ومخطئ من يظن أن مثل هذه الرواية تفتقد الوظيفة المعرفية في صميمها ، لأن هذا الجوهر الثاوي في غموض عرضه و في طرق تشكيله التي اشرنا إليها ما يلبث أن يتبين في عملية الحفر و التأويل مما يؤكد قدرة النص على تشكيل المعنى و إنتاج الدلالة لكن بطرق خاصة لا تتسم بالمرونة مما يلحق بشبكة العلاقات فيها غموضا يشرف بها على الإبهام أحيانا.

إن اكتناز الجمالي بالمعرفي و قدرة الجمالي على التشكل معرفيا أمر لن يغيب عن الأدب الحق،  و التحليل ا لوظائفي هو الذي يسمح بتحديد العلاقة بين العمل الثقافي والحاجة عند الإنسان، وعليه  فان أي تطير من غموض النص الأدبي أو الفني المكتنز لا يتأتى في كثير من الأحيان إلا من خلل في تركيبة الثقافة و التذوق و التلقي مما يعطل عملية التواصل ، و من جهل بطبيعة ذلك النص و الإستراتيجيات التي بني عليها و هذا أمر ليس بحديث في النقد الأدبي بل هو أمر قديم أفصح عنه ابن جني في تعليله لسوء فهم النقاد لبعض الشعر بقوله :" و إنما ذلك  لجفاء  طبع الناظر، وخفاء غرض الناطق " (29) .

إن فاحص هذه الرواية الشعرية معرفيا سيجد فيها ألوانا شتى من رؤى الأديان و الوقائع والتاريخ و الحوادث و المعارف والمذاهب  و الفولكلور و الفلسفات و اللواعج و النفثات الإنسانية مما يجعلها بحاجة لدراسات خاصة تتناول فيها مكونات السرد وعناصره ووسائله ومنظوراته والمرجعيات التي صدر عنها الروي و إستراتيجيات الغياب و أنواع التناص و طرق تشكله، وأسلوبية عنوانات المحاور الداخلية وعلاقتها بالمتن وطرق اشتباكها مع العنوان الرئيس . فضلا عن طرق تشكل الفضاء النصي في حركية مدهشة تخفي وراء غموضها عناصر الشعر والرواية معا في لعبة فنية بالغة الخطورة.

       إن الكفاءة النقدية لا يمكن أن تتحقق إلا في نص يخفي ثراءه عبر طبقات لا تجلو عن مكنوناتها إلا من خلال كشف طبقة عن طبقة وتحليل مستوى إثر مستوى لاكتشاف العقبات التي تحول دون وضوح الدلالة وإزاحتها عن طرق تشكل المعنى من أجل تجميع بؤر دلالية مشتتة  يغلب أول الظن ألا جامع بينها،لكن القراءة المثابرة ما تلبث أن تبصر وراء ذلك التشتت خيطا دقيقا يلم الشتات بمهارة لينهض بالفِكَر المتفرقة والدلالات نهوضا مؤسسا للمعنى،  مما يؤكد تمويهية جملة المؤلف التي تلت عنوان الرواية الداخلي والتي تقول :"عالم يضيع فيه كل شئ لا بأس أن تضيع الفكرة...الرواية، 7" مما يؤكد  أن ضياع الفكرة يعني ضياع كل شئ وهذا ما تضمر رفضه العبارة -الرواية  ذاتها وما لا ترتضيه  الفنون والآداب الأصيلة  .

       إن تجربة الفنون المتداخلة أو المتراسلة التي كانت تسمى من قبل بالهجينة هي تجربة أثبتت نجاحها عبر استقرارها وتواصلها ففي الشعرالحداثي يتداخل أكثر من فن رسما وموسيقى وسردا وحوارا، وفي السينما تتداخل فنون عدة أدبا ومونتاجا وموسيقى وتصويرا وسيناريو، إذ تتضافر الفنون لإخراج فن جديد مركب ،فالرواية الشعرية احتفظت بالعناصر الأصيلة من العملية السردية حكاية وشخوصا وفضاء،وأخذت من الشعر عناصر شعريته المهمة التي تحدثنا عنها في محور سابق مما يطرح تساؤلا جديدا عما إذا كانت الرواية الشعرية جنسا أدبيا جديدا أم هي تلوين أو تنويع يدور في فلك الجنس الروائي...

  

  

الهوامش والمصادر:

1-شركة الأديب للطباعة، عمان، 2007.

2-بوطيقيا العمل المفتوح ،سيزا قاسم ،89 ،بحث منشور في مجموعة اختناقات العشق والصباح ، ادوار الخراط، دار الآداب ،  ط 1 ،1992 .

3-نظرية المصطلح النقدي ، د.عزت محمد جاد ،40 ،41 ،الهيئة المصرية العامة للكتاب ،مصر ، 2002 .

4-نفسه ،89 .

5-المصطلح النقدي في نقد الشعر،إدريس الناقوري ،7، 8  ، دار النشر المغربية ،1982 .

6-في فلسفة اللغة، كمال يوسف الحاج،94 ، دار النهار، بيروت ،ط 2 ، 1978 .

7-قضايا وشهادات ، كتاب ثقافي دوري ،ع 2 ،مؤسسة عيبال للدراسات والنشر ،دمشق ، 1990 .

8-شعرية المكان في الرواية الجديدة ،الخطاب الروائي لادوار الخراط نموذجا ،خالد حسين حسين ،34 ،35 ،مؤسسة اليمامة الصحفية، الرياض ،2000 .

9-الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة ،تداخل الأنساق والمفاهيم ورهانات العولمة، د.عبد الله إبراهيم ،95 ،المركز الثقافي العربي ،الدار البيضاء ، ط 1  ، 1999 .

10-رسالة الكترونية من المؤلف بتاريخ 18 -8 -2008  ،

11-عن النقد وقصيدة النثر،محمد عبد العال ، موقع الحوار المتمدن ،العدد 1674 --   2006www. ahewar. 0rg.

12-نفسه ،

13_التكوين في الفنون التشكيلية ،عبد الفتاح رياض ، 242 ،الشركة المتحدة للنشر والتوزيع ،القاهرة ، ط 1 ، 1973 .

14- بوطيقيا العمل المفتوح ، 125 .

15- نفسه ،97 .

16- الإبهام في شعر الحداثة، عبد الرحمن القعود، 248، مطابع السياسة، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2002.

17- سياسة الشعر ، أدونيس ،132 ،دار الآداب ،بيروت ،ط 1 ،1985  .

18-شعرية المكان في الرواية الجديدة ،الخطاب الروائي لادوار الخراط نموذجا ،  39.

19- شهادة ادوار الخراط ،"القصة القصيرة من خلال تجاربهم " ، 266  ، مجلة فصول ، المجلد الثاني ، 4//1982 .

20-الإبهام في شعر الحداثة ،32 ، 33 . للاطلاع على رأي ادونيس ينظر، زمن الشعر، 174،دار العودة ، بيروت ، ط 3 .

21- نفسه ،24 ، 35 .

22- نفسه ، 25 ،26 .

23-بوطيقيا العمل المفتوح ،93 .

24-البنيوية وعلم الإشارة ،ترنز هوكز ،ترجمة محمد الماشطة ، مراجعة ناصر حلاوي   ،73 ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ،ط 1 ، 1986 .

25- ما بعد الحداثة والفنون الأدائية ،نك كاي ، ترجمة د.نهاد صليحة ،20 ،الهيئة المصرية العامة للكتاب ،مصر ، 1999 .

26-المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيكية ، وليم راي ،ترجمة د.يوئيل  يوسف عزيز ، 132 ،دار المأمون للترجمة والنشر،ط 1 ، 1987 .

27-مقدمة للنفري ، يوسف سامي اليوسف ،72 ،دار الينابيع ، دمشق ،1997 .

28- وظيفة الأدب ، جون ايليس ،ترجمة د. عبد الواحد لؤلؤة ،7، 9 ،  مجلة الآداب الأجنبية ،22 /1982 .

29- الخصائص، أبو الفتح عثمان بن جني ، تحقيق محمد علي النجار ،219 ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد ، ط 4  ،1990 .

  

  

  

  

  

  

  

أ.د.بشرى البستاني


التعليقات

الاسم: محمدعلى عزب
التاريخ: 14/02/2013 23:20:27
عندما ينتقل السرد أو أحد عناصره اٍلى الخطاب الشعرى فلا يعنى ذلك أن القصيدة أصبحت تقدم خطابا قصصيا،لأن السرد عندما يتنقل السرد للخطاب الشعرى يصبح جزءا من بنية هذا الخطاب يتضافر مع باقى العناصر البنائية للشعر من تخييل واٍيقاع ولغة ومجاز ،وبذلك يكتسب صفة الشعرية ويصبح سردا شعريا،يلعب دورا مهما فى تأطير القصيدة واٍحكام بنائها وتوصيل التجربة الشعرية للمتلقى ، أما عندما يستعير القاص أو الروائى تقنيات لغة الشعر من مجاز وكثافة وانزياح فى تشكيل نصه السردى ،لكى تصبح لغته لغة وسطى بين لغة الشعر واللغة التداولية ليحقق للمتلقى متعة الشعر والقص فى أن واحد،أما عن ابتكارأجناس جديدة بين القصة والرواية والشعر ،فهو وهم تجنيسى ، يحول القصةأوالرواية اٍلى نص لغوى مستغلق أو لوحة وصفية يتسعرض فيها مهاراته اللغوية

الاسم: د. محمد صالح الحافظ
التاريخ: 28/05/2011 18:30:27
اصدق تحياتي ...وأحلى أمنياتي للأستاذة الأديبة الرائعة

الجميلة دائما د. بشرى البستاني..

تبقين أستاذة ومربية فاضلة الى الأبد.....

تلميذك : محمد صالح

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 22/08/2010 15:21:46


الرواية الشعرية و إشكالية التجنيس (من يسكب الهواء في رئة القمر ) نموذجا
أ.د.بشرى البستاني
لله درك ايتها الفاضلة وسلمت الانامل التي تخط الابداع النير تقبلي مروري

شكرا دمتم سالمين ياابناء النور

تحياتي فراس حمودي الحربي

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 22/08/2010 15:16:45


الرواية الشعرية و إشكالية التجنيس (من يسكب الهواء في رئة القمر ) نموذجا
أ.د.بشرى البستاني
لله درك ايتها الفاضلة وسلمت الانامل التي تخط الابداع النير تقبلي مروري

شكرا دمتم سالمين ياابناء النور

تحياتي فراس حمودي الحربي

الاسم: علي مولود الطالبلي
التاريخ: 22/08/2010 08:57:16
شكرا لجليل شخصكم وما افعمنا به من عظيم التنوير على بوح الكلام .. فحقا قد كانت تخفى الكثير من الزوايا تتوارى خلف اللا ادراك وقد وضحت من خلال ثراء جنابكم بوحي قلمه .



دمتم للابداع ، مع جليل الاحترام

الاسم: علي مولود الطالبلي
التاريخ: 22/08/2010 08:56:57
شكرا لجليل شخصكم وما افعمنا به من عظيم التنوير على بوح الكلام .. فحقا قد كانت تخفى الكثير من الزوايا تتوارى خلف اللا ادراك وقد وضحت من خلال ثراء جنابكم بوحي قلمه .



دمتم للابداع ، مع جليل الاحترام




5000