..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


بمناسبة الذكرى العشرين ... ما نعرفه وما لا نعرفه عن سيناريو غزو الكويت ( 1 -2 )

د. اياد الجصاني

بمناسبة الذكرى العشرين

 ما نعرفه وما لا نعرفه عن سيناريو غزو الكويت   ( 1)

  

ارجو ان يسمح لي القارئ ان اشير بكل الاعتزاز الى مقالات الدكتور المحامي سلام الياسري القيمة بعنوان: " مناقشة هادئة مع الكويتيين .... مشكلة الحدود مع العراق" المنشورة في صحيفة كتابات  التي استمرت في نشرها حتى الان في حلقاتها الخمس وما هو الا الدليل على كون هذه الصحيفة هي المركز الاعلامي الكبير الذي يتناول الهموم العراقية بكل جدارة واهتمام  .  كما اود ان اشكر الكاتب المحترم على ثقته حول ورود اسمي كشاهد على التاريخ حول دخولي الكويت عام 1960 من مركز حدود المطلاع الى مدينة الكويت التي تبعد 20 كيلومترا من مركز المدينة . وقد اكدت على ذلك في مقالة لي نشرت في صحف عدة وبالذات في صحيفة السياسة الكويتية ردا على الحوار الذي نشرته نفس الصحيفة قبل اسبوعين مع الدكتور عايد المانع مؤكدا على ان تلك كانت الحدود الكويتية وكيف اصبحت بقدرة قادر في العبدلي على بعد 100 كيلومتر من مدينة الكويت تقريبا . ولقد بينت ان الانقلاب على حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم رحمه الله الذي دبرته شركات النفط والمخابرات الغربية والكويت ودول عربية اخرى مع البعثيين عام 1963 الذين باعوا الوطن وقبضوا الثمن على حساب  دماء واراضي العراقيين بعد نجاح الانقلاب الاسود في 8 فبراير من ذلك العام . وقد بعثت برسالة الى بغداد طلبت فيها صور جواز السفر الذي يحمل ختم مركز المطلاع عند الدخول الى الكويت وقد وصلتني بالفعل وارسلتها بدوري الى الدكتور الياسري حسب وعدي له بناء على طلبه . والحمد لله ما زال لنا وطن فيه بيوت لنا تحفظ تاريخنا وذكرياتنا رغم كل ما حل بنا وبالكثير من العراقيين من القتل والتهديد والمطاردة والتهجير عبر السنوات الخمسين  العجاف  الماضية بسبب مؤامرات وتنكيل جيراننا العرب  التي كان آخرها المشاركة في احتلال العراق وممارسة اقسى انواع الابتزاز وابشع صنوف الانتقام  من الشعب العراقي البرئ الذي لا ذنب له فيما اقترفه طاغية العصر صدام حسين يوم غزوه الكويت تلك المأساة  التي كتبت عنها الكثير سابقا والتي اتناولها اليوم بالحديث  في مقالتين  بمناسبة مرور عشرين عاما على وقوعها.

في الثاني من اغسطس آب هذا الشهر تمر علينا  الذكرى العشرون على غزو الكويت  وما صاحبها من اذلال للجيش العراقي عند هزيمته النكراء بعد ان طُرد من الكويت في بداية العام 1991 وما تلاها من سيناريو  اسقاط نظام صدام حسين واحتلال العراق واهانة شعبه ونهب خيراته وتركه مسرحا للدماء والفوضى وتاجيج حالة العداء والخلافات بينه وبين جيرانه . ومن الجدير بالذكر ان غزو الكويت عام 1990 لم يات بناء على نزوة طارئة لحاكم جائر أو متهور، بل كان الاعداد له يجري منذ وقت ليس بالقصير . فأنا شخصيا لم أنس ما قاله لي احد المسئوولين العراقيين خلال لقائي به ببغداد بالصدفة عندما كنت قادما من الكويت في زيارة الى عمان عام 1986 وانا في طريقي الى اوربا . وبعد ان سألني عن احوال العراقيين في الكويت التي كنت اعمل فيها منذ سنين طويلة ، ودّعني وهو يبتسم قائلا لي بكل الثقة والغرور وبالحرف الواحد : " سوف نأتيكم الى الكويت بعد ان نفرغ من ايران عما قريب " .

كما لم أنس لقائي بالصدفة مع احد زملاء الدراسة الجامعية في بغداد ، عندما صادف وجودي فيها في مايو آيارعام 1990، اثناء عقد مؤتمر القمة العربية آنذاك . واثناء تناولنا طعام الغداء ، حدثني الصديق كيف اصبح سفيرا للعراق في عهد احمد حسن البكر ، تكريما له بالطبع على نضاله الحزبي بعد  ان شارك في الاطاحة بالزعيم عبد الكريم  قاسم رحمه الله عام 1963 وفي انقلاب عام 1968 ، وكيف أُحيل فجأة على التقاعد فيما بعد في عهد صدام حسين . وعندما حانت لحظة الوداع ،والتي كانت الاخيرة بيننا منذ ذلك الحين، قال لي بأنه قرأ كتابا لي وعرف الكثير عن العلاقات العراقية - الكويتية منه ثم اضاف متسائلا :" الا تعتقد أن باستطاعتنا ان نستعيد الكويت في الوقت الحاضر؟ " ورغم المفاجأة في طرح مثل هذا السؤال ومؤتمر القمة العربية قد انتهى منذ اسبوع فقط ، لكنني اجبته فورا : " والله اذا ما حاولتم ، وهنا قصدت اعضاء القيادة في حزب البعث الحاكم ، القيام بمثل هذا العمل ، فأنكم ستجلبون الكارثة والدمار على العراق وستصبح ايامكم سوداء ترون فيها نجوم الظهر . لان المصالح والامتيازات الغربية في الكويت سوف لن تسمح لكم بالاستمرار والنجاح في مثل هذا العمل الجنوني".

لاشك ان صدام حسين خرج مزهوا بانتصاراته من حربه مع ايران . ولكن بعد ان توقفت الحرب في اغسطس آب عام 1988، بدأت الولايات المتحدة الامريكية مباشرة في وضع مخططاتها لاحتواء النظام العراقي والعمل على اسقاطه قبل ان يتطور الى قوة هائلة تخيف المنطقة  . لقد كشفت لنا الاحداث عن سيناريو واسرار قبول صدام حسين بالاغراءات التي قُدمت له لشن الحرب على ايران ، وكيف كانت امريكا ودول خليجية وراء هذا السيناريو والتخطيط لاسقاط نظام صدام حسين نفسه فيما بعد ( برنامج  مشاهد وآراء حول صدام والمحاكمة التي لن يشهدها العالم قناة فضائية العربية في 17 مارس 2005 ). وبعد ان نصبت له الفخ باحكام ، لجأت الادارة الامريكية قبل كل شئ الى استخدام الضغوط السياسية والاقتصادية. ولقد تركزت تلك الضغوط اساسا بالعمل على اغراق السوق العالمية بالنفط الخليجي ، مما ادى ذلك الى انخفاض سعر برميل النفط الى ما بين 14 و 15 دولارا آنذاك. وعلى هذا النحو بدأت الازمة تتفاقم في العراق الذي اختنق اقتصاده ولجأ الى طلب عقد مؤتمر القمة العربية في مايو ايارعام 1990 ببغداد ، للوصول الى حل للازمة. وكلنا يتذكر كيف اشار صدام حسين في ذلك المؤتمر الى سوء الوضع الذى كان يعاني منه العراق ، والذي قال عنه بانه اشبه باعلان الحرب عليه . وكيف هدّد بتصريحه المشهود عن قطع الاعناق ولا الارزاق ، وضرورة اللجوء الى فعل مؤثر يعيد الحقوق المغتصبة الى اهلها . وكذلك كيف اتهم الكويت علنا بالتآمرعليه من خلال مذكرته الى الجامعة العربية في يوليو تموزعام 1990 ، مما مهّد كل ذلك الى غزوه المفاجئ للكويت في فجر الثاني من شهر اغسطس آب عام 1990. ومن هنا  فتح غزو صدام للكويت الطريق امام تنفيذ المخطط الامريكي الذي ترك الكويت لمصيرها المحتوم ، لتكون الضحية والطُعم القاتل الذي بلعه صدام حسين، عندما اصبح الطريق ممهدا للانزال العسكري الامريكي في الكويت للدفاع عنها والسيطرة على منابع النفط فيها وقطع يد صدام حسين التي امتدت الى المصالح الغربية فيها  . وبعد ان وقعت الواقعة  قفز الى ذهني سؤال الصديق عن امكانية عودة الكويت الى العراق وتحذيري له كما مر ذكره . 

اذن ، فالحرب التي شُنت  على ايران لؤد الثورة الاسلامية عام 1980 كانت الكويت هي الثمن الذي حلم به صدام حسين ولربما وعُد به ايضا . فمباشرة بعد توقف الحرب العراقية الايرانية في اغسطس عام 1988 ، بدأ الاعداد لتنفيذ المخطط من كلا الجانبين ، العراقي والامريكي . ولقد عرفنا ردود فعل صدام حسين بعد ان نقلت  له السفيرة الامريكية أبريل غاسبي رسالة شفوية خاصة عند مقابلتها له في بغداد قبل اسبوع من غزوه الكويت ، مشيرة له بالايجاب على تصريحاته ومناداته بالحقوق في المنطقة وحل مشاكله الاقتصادية. ويذكر لنا فؤاد مطر ان السفيرة غاسبي قالت لصدام حسين :" لا علاقة لامريكا بالخلاف الحدودي العراقي الكويتي . ونأمل ان تحلوا المشكلة عن طريق الامين العام للجامعة العربية او الرئيس حسني مبارك. وان الرئيس بوش لن يعلن الى حرب اقتصادية على العراق . ويريد ان يكون للعراق اسهام تاريخي في السلام والازدهار في الشرق الاوسط ". ويضيف مطر قائلا :" وهكذا انتهت مهمة السفيرة غاسبي بعد ان استدرجت صدام الى ارتكاب الاثم الكبير وغادرت الى واشنطن من دون ان تعود الى بغداد . وماذا كان صدام حسين يريد من الدولة الكيرى اكثر حتى يقوم بالعمل المؤثر ؟  ( من مقالة بعنوان : صدام رافض الفرص للكاتب فؤاد مطر بصحيفة الشرق الاوسط 18 يناير 2007 ).

وعلى نحو مفاجئ وبعد مرور سنوات طويلة على غزو الكويت واحتلال العراق ، ظهرت السفيرة ابريل غلاسبي للتتذكر وتروي في مقابلة مثيرة لها مع صحيفة الحياة قصة لقائها الأخير مع صدام حسين، نافية للرواية التي نُشرت بعد لقائها الرئيس العراقي  صدام حسين من أنها قالت له : « نحن لا نتدخل بخلافات حدودية بين بلدين »، ملقية مسؤولية الرواية على نائب الرئيس العراقي طارق عزيز الذي كان وزيراً للخارجية آنذاك. وذكرت غلاسبي ان الجميع في إدارتها كان على علم بأنها نفذت توجيهات الخارجية الأميركية، إلا أنها اعتقدت بأن بيكر فضل تحميلها اللوم على تحمله بنفسه . واعترفت  في الحديث مع الحياة أن الكل أخطأ التقدير، هي والرئيس المصري حسني مبارك، عندما اعتقدا بأن صدام حسين لن يجتاح الكويت خلال الأيام التي تبعت اجتماعها معه .

وفي تلك المقابلة  ، روت لنا السفيرة كيف التقت بصدام حسين وقالت :" بالنسبة إلى لقائي مع صدام حسين قبل أسبوع من اجتياح الكويت سنة 1990، تلقيت اتصالاً من وزارة الخارجية، فاعتقدت أنهم اتصلوا لإبلاغي بالتوجه إلى وزارة الخارجية لمقابلة نزار حمدون الذي كان نائباً لطارق عزيز، أو ربما عزيز نفسه، فاكتفوا بالقول لي بالحضور إلى الوزارة من دون تحديد الشخص الذي سأقابله. ولدى وصولي وضعوني في سيارة مجهولة مع سائق مجهول وطلبوا منه اصطحابي إلى مكان ما، فأردت أن أعرف إلى أين سأتجه في هذه السيارة، فقالوا لي إلى الرئاسة. وأثناء الطريق لم أكن أفكر بأنني ذاهبة لرؤية صدام، إنما لألتقي شخصاً آخر. وعندما أدركت أنه هو الذي سألقاه، فكرت بأنه ليس مستحيلاً أن تكون الانذارات القوية التي وجهتها إلى العراقيين عبر نزار حمدون، خصوصاً تلك الموجهة إلى السفير العراقي في واشنطن من جانب مساعد وزير الخارجية الأميركي، لم تصله لأن الكل كان يرتعب منه، لذا اعتبرت أنها مناسبة جيدة لي لتكرار التعليمات التي وصلتني من الادارة ومفادها «لا تحتل الكويت وارفع يديك عن هذا البلد».

واضافت السفيرة ان ما ذُكر عنها بخصوص اللقاء هو محض اختراع نسجه طارق عزيز وقالت : " كان طارق عزيز حاضراً وأيضاً اثنان أو ثلاثة من معاونيه لتسجيل المحاضر. وان الصيغة التي قدمت الى بغداد عن اللقاء والتي جاء فيها اني قلتِ لصدام أن الحكومة الأميركية لا تتدخل في الخلافات الحدودية بين دولتين عربيتين، وهو ما اعتبره بمثابة ضوء أخضر اميركي لمهاجمة الكويت ، هذه الصيغة من اختراع طارق عزيز، المعروف عنه أنه سيد الكلام بصفته وزير إعلام سابق ورئيس تحرير لصحيفة. والمؤكد أنني لم اعطِ صدام أي فكرة من نوع اننا لن نتدخل في خلاف حدودي، بل إن ما قلته هو إنه «ينبغي ألا يتدخل لا في الكويت ولا في أي مكان آخر». ثم قُطع اللقاء . فوقف بتهذيب بعد دخول أحد الأشخاص، وقال أرجو المعذرة لدي اتصال هاتفي مهم. فجلسنا جميعاً ننتظر عودته. وعاد ليقول لنا إن الرئيس المصري حسني مبارك اتصل به وأنه أبلغ مبارك «أن عليه ألا يقلق، وأن ليس هناك مشكلة وأنه يتعامل مع الأمور من دون إثارة المشاكل وكل شيء سيكون على ما يرام». فقلت له انني سأبلغ رئيسي بكثير من السرور بأنك أكدت لي أنه لن تكون هناك مشكلة . ولقد قال لي صدام اذهبي ومن فضلك أثناء وجودك هناك قولي لرئيسك ألا يقلق، لكن الوضع خطر هنا. فأجبت بالقول سأذهب لكنني سأعود سريعاً ".

وتنقل لنا السفيرة انطاباعاتها عن شخص صدام حسين وتقول :" ولكن الكل كان قلقاً في العالم العربي، إذ أن الرجل معروف بعبثيته لذا، وما أن انتهى اجتماع واشنطن، كررت هذه «التعليمات» لنزار حمدون في بغداد وقلت له إن رئيسي جورج بوش مهتم جداً بأن أبلغ رئيسكم فوراً بتحذيره بعدم احتلال الكويت. والأمر الآخر الذي يمكن أن يُقال عنه هو انه كان جاهلاً لدرجة لا تصدق، على رغم أنه لم يكن رجلاً غشيماً. فقد صمم بدلة حزب «البعث» بحيث تكون شبيهة بالبدلات العسكرية، ونحن نعلم أنه لم يقاتل ولا لدقيقة واحدة، ولم يدخل الجيش على الاطلاق، ولم يكن يعرف شيئاً عن الجيوش. لكنه على غرار الشاه، كلما ازداد عظمة كلما اعتبر أنه ازداد معرفة، فأصبح فجأة خبيراً بالمعدات العسكرية وبالاصلاح الزراعي والثقافة وبكل شيء آخر. وحيال شخص يمتلك مثل هذه الذهنية، ويعتبر فوق كل هذا أن «الدولة هي أنا»، فإن مقاييس التعامل معه تكون بالغة الخطورة. إنه، كما قلت، اعتقد أنه كان يستمع، وهو ليس غشيماً لدرجة أنه لا يستمع حتى ولو بإيجاز، لكنه اعتبر انني كنت أتحدث من تلقاء نفسي وأنه ليس لدى حكومتي أي قدر من الشجاعة، وأننا لن نقاتل، خصوصاً من أجل هذه الرقعة الصغيرة من الصحراء التي تمثلها الكويت .  اعتقد أنه بعد ما قاله صدام لي وما قاله للرئيس المصري لمبارك ، وقد تحققت مما قاله لمبارك من سفيرنا في القاهرة أنه ليس احمق لدرجة تجعله يجتاح الكويت، بعد ابلاغه الشخصية الأكثر نفوذاً في العالمين العربي والغربي بأنه لن يقدم على ذلك . الجميع اعتقد بأن أمامنا متسع لالتقاط الانفاس. فالرئيس مبارك أدلى بتصريح قال فيه إنه تحدث مع صدام، وان ما من شيء سيحدث. لذا اعتقد اننا كنا جميعاً على خطأ، وأن كل واحد منا كان مخطئاً. أنا لست عربية، لكن بوسعي القول إنه حتى العرب كانوا مخطئين. فالكل استرخى بعض الشيء، معتبراً أنه لم ينفذ الهجوم على الفور. وبرأيي الشخصي وبمعزل عما نقله إليه سعدون حمادي بعد اجتماع جدة، فإن هذا الاجتماع جعله يتخذ قراره بعدم السماح لهذه الدولة الصغيرة بنظره، أي الكويت، التدخل مجدداً بما يعود إليه وإلى العراق. ويجب ألا تنسي أن قناعته الراسخة كانت أنه بوقوفه في وجه إيران، فإنه انقذ هذه الدول الصغيرة في المنطقة، وأنها مدينة له بالمال والاحترام. وبرأيي ان هذه هي الطريقة التي كان يفكر بها ".

وعن حليفه الملك حسين ملك الاردن قالت السفيرة :" الملك حسين كان يعلم أنه من الخطر جداً التعامل مع مصاب بجنون العظمة، لأنه قد ينقلب ضدك لاحقاً. واعتقد أن كامل سيرته السياسية نابعة من الرغبة في تجاوز ماضيه المهين. فهو انطلق من لا شيء وصنع نفسه بنفسه وأدرك قوة العالم. ومن يزور ما يسمى بمتحف الثورة في بغداد يعتقد أنه سيشاهد قميص صدام، لكن ما يراه هو آلة الطباعة التي كان يستخدمها للكتابة لأتباعه. ولا بد أنه كان على معرفة جيدة بآيديولوجية «البعث» في شبابه. وما كان يجري لم يكن خيار الحزب وميشال عفلق . وبأي حال، فإنه اعتبر أنه هو الذي وقف ضد العدو القديم وهزمه (الحرب على إيران) «سارق العروبة»، وفقاً لما اعتاد على قوله خلال حربه على إيران ".( رندة تقي الدين : في مقابلتها للسفيرة ابريل غلاسبي صحيفة الحياة 16 مارس 2008 ) .  

من سيصدق كل ذلك اليوم واين كانت هذه السفيرة كل هذه السنين ؟ انها تلقي اللوم على طارق عزيز . لقد حان الوقت لقلب الحقائق المثبتة لتصحيح شفهيات غلاسبي التي فتحت الطريق لاستباحة الكويت. ولم يبق أمل بكشف الحقائق . لقد امنت السفيرة عدم الرد عليها بعد ان أُعدم صدام حسين واصبح طارق عزيز داخل المصيدة الامريكية وانتهت الوثائق ومحاضر نظام زعيم البعث الى مصير مجهول !

كلود شيسون وزير الخارجية الفرنسي آنذاك صرح قائلا : " ان صدام حسين أُستدرج للسقوط في المصيدة لان الامريكان كانوا مصممين على الذهاب للحرب منذ البداية وجاء غزو الكويت بمثابة الضوء الاخضر الذي دفع بالادارة الامريكية ان تُفهم صدام حسين بان له الحق بضم الكويت وليس هناك امامه من حل آخر " . بيير سالينغر السكرتير الصحفي للبيت الابيض سابقا كتب مطولا حول كيف تم رسم تلك المصيدة لصدام حسين . قطعة فوق قطعة مثل لعبة الفوازير بعد ان تم بناء المصيدة في مكان آخر. وان ما نُشر في 25 يوليو 1990 عن مقابلة السفيرة الامريكية ابريل غاسبي مع الرئيس صدام حسين لم يكن الا الجزء اليسير الظاهر من جبل الثلج الكبير المغمور في المياه الممثل لقصة المصيدة . كل الدلائل كانت تشير الى ان حرب الخليج جاءت كنتيجة لعملية طويلة من الاعداد والاستعداد اكثر مما تطلبه الاعداد لخليج تونكين في حرب فيتنام . منذ عقد من الزمن وخلال الحرب الايرانية العراقية دعمت الادارة الامريكية صدام حسين سياسيا واقتصاديا وعسكريا وقدمت له 1،5 بليون دولار من مبيعات الاسلحة . وكان جورج بوش الشخص القوي وراء الدعم الامريكي للعراق في ادارة ريغن . وبعد الانتهاء من الحرب الايرانية العراقية وانتخاب جورج بوش رئيسا للولايات المتحدة انقلبت السياسة الامريكية بسحر ساحر واصبحت غاية في التعقيد وذات استراتيجية ميكيافيلية تهدف الى خداع العراق وجره للسقوط في المصيدة . ( اندريه غوندر فرانك في المجلة الفصلية : اكسيكيوتف انتلجينس ريفيو بعنوان : الاقتصاد السياسي لحرب الخليج والنظام العالمي الجديد المجلد 13 عدد 2 لسنة لسنة 1992 ).   

ويستفسر سعد محيو قائلا : " من الصادق والكاذب يا ترى في هذه المسألة الكبرى التي غيرت وجه الشرق الأوسط برمته ؟ التاريخ وحده سيجيب. لكن أي تدقيق في أساليب الدبلوماسية الامريكية، يدفعنا فوراً إلى تصديق رواية صدام. هناك شيء آخر: صدام قد يكون ديكتاتوراً صلفاً، لكنه لم يكن بأي حال مجنوناً أو غبياً. ولو أنه شعر للحظة خلال لقائه بغلاسبي أن واشنطن ستواجهه إذا ما غزا الكويت، لما أقدم أبداً على فعلته. لكن صدام رحل وبقيت غلاسبي. وبما أن المنتصر يكتب التاريخ على هواه، يحق لهذه الأخيرة ان تروي هذا التاريخ كما تشاء، صدقاً كان أو ادعاءات ( سعد محيو : غلاسبي ام صدام ، الخليج الاماراتية 18 مارس 2008 ) .  .

 

بمناسبة الذكرى العشرين

 ما نعرفه وما لا نعرفه عن سيناريو غزو الكويت   ( 2 )

  

اياد الجصاني

كتب المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد رحمه الله بعد غزو الكويت وشن الحرب على صدام حسين وقبل احتلال العراق بسنوات يقول : "كانت المقدمة الاستعمارية باكملها هي ان دكتاتورية صغيرة من العالم الثالث ، غذاها الغرب وساندها ، لم تكن تملك الحق ان تتحدى امريكا ، التي هي بيضاء ومتفوقة . ففي عام 1991 بدا وكأن نية تكاد تكون ما ورائية لاجتياح العراق واجتثاثه قد انبثقت الى الوجود.  لا لان ما اقترفه العراق-رغم كونه جللا- كان كوارثيا، بل لان بلدا صغيرا غير ابيض ازعج او اغاظ امة عظمى ، مشحونة فجأة بالحيوية، منفوخة بحميا لا يرضيها الا ان يذعن لمشيئتها ويخضع لها  الشيوخ والطغاة وفرسان سباق الجمال . اما العرب المقبولون بحق فلن يكونوا الا امثال انور السادات الذين يبدون مطهرين تماما تقريبا من ذاتهم القومية المزعجة والذين قد يصبحون، تبعا لذلك، ضيوفا على برنامج الاحاديث التلفزيونية والاذاعية الشعبية . واذا ما بدا الانتهاك العراقي في الواقع متناميا امام الامة الجماعية ، فان صدام حسين تحول الى هتلر والى سفاح بغداد والى المجنون ، كما وصفه السناتور سمبسون الذي ينبغي ان يُقذف به الى الحضيض"( ادوارد سعيد في كتابه : الثقافة والامبريالية ص 351-352 نيويورك 1993).    

 

وبعد كل هذا لربما من حقنا ان نسأل : " ألم يقرأ صدام حسين التاريخ ؟  أولم يقرأ كيف ان الحرب العالمية الاولى جعلت من بريطانيا العظمى آنذاك  تخطط لاحتلال منابع النفط في الكويت والبصرة وان تكون الهدف الرئيسي للحرب ؟ أولم يسمع او يقرأ عن محاولات بعض القادة العراقيين منذ الثلاثينيات والاربعينيات بالمطالبة في عودة الكويت الى العراق ، وبالاخص مناداة الملك غازي ملك العراق العلنية من اذاعته الخاصة  التي أدت الى الغدر به وقتله ؟ أو لم يقرأ عن تصريحات رئيس وزراء العراق الاسبق نوري السعيد حليف بريطانيا القوي خلال مفاوضاته مع الانجليز في لندن حول ضرورة  الحصول على نسبة عادلة من ثروة العراق النفطية، أسوة بما تقدمه الشركات اليابانية والامريكية العاملة آنذاك في المنطقة ، وكذلك مطالبته  بضم الكويت الى الاتحاد الهاشمي الجديد ،  تلك المطالب التي أدت الى الاطاحة برأسه وسحله بعد قيام ثورة 14 يوليو تموزعام 1958  ؟  وهل نسيّ صدام حسين ما حدث لقائد هذه الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم،  صاحب قانون رقم 80 الشهير الذي حرر أرض العراق من  سيطرة  شركات النفط الاجنبية والذي عارض المخطط البريطاني باستقلال الكويت عام 1961، عندما نادى على اثره بان الكويت جزء لا يتجزأ من العراق؟ أولم يعرف كيف كان الصراع مريرا بين حكومة الزعيم قاسم وبين شركات النفط الكبرى صاحبة الامتيازات في العراق التي نجحت في النهاية بالتآمرعليه وقلب نظام حكمه وقتله في 8 فبرايرشباط عام 1963، بدعم من المخابرات الامريكية والكويت وبعض من الدول العربية وبتنفيذ من حزب البعث الذي اعترف احد اكبر مجرميه علي صالح السعدي بانهم جاءوا في قطار امريكي ، ذلك الحزب الذي تزعمه صدام حسين .                                                                  

 

ومنذ ان حلّت الكارثة ووقع غزو الكويت ، إعتقد صدام حسين ان الطريق كان ممهدا امامه من كل الوجوه. نعم لقد تحدى صدام حسين التاريخ ، ولكن من لم يقرأ التاريخ لن يكون بمقدوره ان يصنعه. وبعد الغزو مباشرة ، قام صدام حسين بزيارته المعروفة لها . وفي المطلاع  نقطة الحدود القديمة ، وحسب ما تناقلته الاخبار آنذاك ، وقف مُطلا برأسه نحو مدينة الكويت القريبة منه واضعا يديه في حزامه العسكري ومخاطبا الرفاق المحيطين من حوله بنشوة القائد المنتصر: "ها قد عادت الكويت لنا، وسوف ترون كيف سيصبح العراق اقوى واغنى دولة في العالم عما قريب " . ويؤكد على ذلك احمد ابو مطر في كتابه بعنوان سقوط دكتاتور قائلا :" أعلن طارق عزيز وزير خارجية النظام آنذاك صراحة في 2 سبتمبر 1990 من ان الاستيلاء على نفط الكويت سوف يحل مشكلات العراق الاقتصادية بعد عودة الفرع الى الاصل حيث سيصبح احتياطينا من النفط 194 مليون برميل اي حوالي 20 بالمئة من مجموع احتياطي النفط العالمي . وسوف يرتفع انتاجنا الى 4،5 مليون برميل يوميا واننا سوف نستطيع سداد ديوننا في غضون سنتين او اربع سنوات . ومن كل ما سبق يتبين لنا ان استراتيجية المخطط العراقي لغزو الكويت منذ البداية كانت تستهدف الاستيلاء على منابع النفط في الكويت وحل مشكلات العراق الاقتصادية من دخله . وفي حالة فشل العراق في تحقيق ذلك، واضطرار قواته الى الانسحاب من الكويت ، فسوف تُدمر الآبار النفطية والمنشأت الحيوية الاخرى" . وهو ما وقع بالفعل عندما  شنّت قوات التحالف الهجوم على القوات العراقية في الكويت ( احمد ابو مطر في سقوط دكتاتور ص 288 مطبعة الانصار الاسلامية بيروت 2004 ). 

 

وهذا ما كانت امريكا تخافه وتخشاه ، ولا ننسى ان نُذكر بالزيارة الخاطفة التي قامت بها مارغريت تاشر رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك الى البيت الابيض لاقناع الرئيس بوش الاب بشن الحرب عندما قالت له :" ان ابننا قد تجاوز الحدود ويجب طرده من الكويت ". وبعد ان كان الرئيس بوش مترددا ، قرر ان تضع امريكا مخططها آنف الذكر موضع التنفيذ الفوري عندما قامت قوات التحالف بشن الهجوم البري لطرد صدام حسين من الكويت وملاحقة قواته التي اندحرت وانسحبت منها حتى حدود العاصمة بغداد في مارس عام 1991.

 

وما ان اندحرت قوات صدام حسين في الحرب وخرجت مهزومة من الكويت ، راح صدام  ينادي  " لقد غدر الغادرون ". ولقد جنت على نفسها براقش كما يقول المثل العربي . وبينما كانت جيوش الحلفاء تتقدم صوب بغداد لتنفيذ السيناريو، وصلت الاوامر بالتوقف فورا عندما تلقت القوات الامريكية التعليمات بعدم الزحف على بغداد والتراجع على نحو سريع . وأُعلم القائد شوارتزكوف آنذاك بعدم دخول بغداد التي اصبح قريبا منها ، بعد ان حقق انتصاره على القوات العراقية المندحرة، مقدما الفرصة لقادة صدام حسين بالجلوس معه في خيمة صفوان يومي 3و4 مارس آذارعام 1991  لبقاء النظام وعدم اسقاطه.

 

ويذكر كولن كوغلن في كتابه عن حياة صدام حسين : "ان السبب الرئيسي في هذا التغيير المفاجئ كان الخوف من قيام نظام للشيعة في العراق موالي لايران ، بناء على توجيهات عاجلة صدرت من حكام دول خليجية مجاورة ظلوا يعانون من تهديد الثورة الاسلامية في ايران التي لم يسعدهم ان تمتد يد سيطرتها ونفوذها على المناطق الشيعية في جنوب العراق والاستفادة من ضعف موقف الحكومة في بغداد لاغراضها. حتى ان ديك شيني وزير الدفاع الامريكي آنذاك كان حائرا عندما عبّر عن معارضته في التدخل وقلب نظام صدام حسين بالقول :" لو اننا ذهبنا الى بغداد لاسقاط صدام حسين فسوف لن يكون من السهل القاء القبض عليه. ولو حصل ذلك ، فسيصبح من اللازم علينا ان نشكل حكومة جديدة .  فكيف ستكون هذه الحكومة في العراق؟ هل ستكون حكومة كردية ام شيعية ام سنية؟  وكم عدد القوات اللازمة لحماية هذه الحكومة ؟ وكم هي الخسائر التي سنتحملها" ؟

 

ويضيف الكاتب قائلا: " لقد فكر الحلفاء آنذاك ان وقوع انقلاب على صدام حسين كان افضل من قيام ثورة شعبية لا يُعرف ما نوع الحكم الذي سيقوم من بعدها في العراق خلفا لحكم البعث لانهم اعتقدوا ان ايران ستكون المستفيد الاكبر من هذه الثورة . ومن هنا اصبح دعم ثورة الشيعة في جنوب العراق والاكراد في شماله امرا بعيدا عندما اجاب مارلن فيتسووتر الناطق الصحفي للبيت الابيض بشكل سلبي على سؤال بخصوص الموقف الامريكي من هذه الثورة قال فيه لم تكن لدينا النيّة المسبقة ان نتدخل في الشأن الداخلي العراقي . هناك تقارير تشير الى وجود قتال في البصرة ومدن اخرى ، الا اننا لا نعرف تماما ما هي الاهداف التي يريدها الثوار وما هو حجم دورهم واهميتهم"  (كولن كوغلن في كتابه عن صدام حسين : صورة دكتاتور وتاريخ حياته ص 412-415. مترجم عن الانجليزية الى الالمانية من دار نشر اولستن هاينة ميونخ بالمانيا 2002 ) .

 

ورغم ان الشعب العراقي كان قد هبّ في جنوبه وشماله بالانتفاضة العارمة التي كانت تنادي من اجلها امريكا وتناشده عليها لاسقاط صدام حسين من خلال نداءات الرئيس الامريكي جورج بوش الأب وملايين المنشورات التي أُسقطت فوق بغداد وباقي المدن العراقية اثناء سيرالعمليات العسكرية لتحريرالكويت ، الا ان هذه النداءات توقفت فجأة وتنكرت لها امريكا بسبب تلك التوجيهات العربية .

 

وما ان سمع صدام حسين بالرسالة التي وُجهت اليه من البيت الابيض والتي ذكّرته بالرسالة التي نقلتها له ابريل غاسبي السفيرة الامريكية قبل غزوه الكويت ، ورأى توقف زحف الجيوش المتجهة نحو بغداد ، عرف ان مساعي الدول العربية قد افلحت في تغيير توجهات الادارة الامريكية . واستعد على الفور لاستغلال الموقف لصالحه واستعادة سيطرته من جديد . ولقد نُقل عن محمد مهدي شمس الدين قوله : "ان اشخاصا اتصلوا بالرئيس بوش في ساعة متأخرة من الليل وقالوا له ان الشيعة الايرانيين اصبحوا الآن على ابواب حقول النفط " (الحوار الذي اجرته فضائية الفرات العراقية مع بيان جبر وزير المالية الحالي ووزير الداخلية العراقي السابق في 27 اكتوبر 2005).

 

وهكذا وقعت الخديعة وانقلب السيناريو على عجل ، فبدلا من اسقاط صدام حسين ، بدأ التنكيل بالشعب العراقي الثائر، عندما لم تكتف امريكا بالاستجابة لتلك التوجيهات بوقف تقدم جيوشها نحو بغداد ، بل ساعدت صدام حسين بالقضاء على انتفاضة العراقيين التي قامت في العديد من مدن جنوب العراق وشماله وتشهد المقابر الجماعية التي عُثرعليها مؤخرا على بشاعة البطش والتنكيل بالعراقيين والقمع الذي  تعرضوا له .

 

كما يشهد على كل ذلك شاهد من اهلها، الا وهو العميد الركن نجيب الصالحي احد القادة العراقيين الذين شاركوا في احتلال الكويت وهزيمة الجيش العراقي في الحرب عندما كتب عما جرى في خيمة صفوان قائلا:  "ان شوارتزكوف وافق على طلب المفاوض العراقي الفريق سلطان هاشم باستخدام السمتيات المسلحة ضد الشعب الثائر في الجنوب والشمال وعدم تراجع قيادة التحالف الدولي عن موافقتها في السماح  للطيران العراقي السمتي المقاتل بالتحليق في اجواء البلاد ، رغم مشاهدتهم المباشرة لاعماله القتالية ضد الشعب المنتفض في الجنوب والشمال وخلافا لما طُرح في حينه من مبررات ادارية وانسانية للحصول على الموافقة". ويذكرالصالحي في كتابه ايضا:" اما سفير المملكة العربية السعودية في واشنطن الامير بندر بن سلطان فقد قال معلقا حول الموضوع ذاته كان المفروض ان لا نسمح بطيران السمتيات العراقية ، ولنفرض اننا اخطأنا عندما وافقنا ، فقد كان المفروض ان نتراجع عن الموافقة في اليوم التالي ونمنع طيرانها او اسقاطها ... لا تسألني لماذا لم يحدث ذلك ، بل نتركه للتاريخ يصدر حكمه " . ويواصل الصالحي حديثه عن الذي جرى في مفاوضات "الخيبة "عند التوقيع على وثيقة الذل والهزيمة مع شوارتزكوف عندما كتب  :" ان شوارتزكوف صرح فيما بعد قائلا : " لقد خُدعت ...أعترف انني خُدعت عندما أعطيت الموافقة وأعتقد ان ذلك كان حتما غلط " .. كما يقول الصالحي : "ان استجابة الجانب العراقي المفاوض في الخيمة على كل ما كان يُطلب منه كان يثير الاستغراب والدهشة . وان ما نتج عن المفاوضات كان مؤشرا واضحا على ان الموقف الدولي لم يكن مساندا للانتفاضة ، ان لم يكن ضدها . وفي ذلك اشارة الى دورالدول العربية المجاورة للعراق لان الانتفاضة كانت تنتشر بسرعة فائقة هدّدت النظام بالانهيار والكفة الراجحة كانت للثوار . لكن النظام قرأ وتلقى ردود فعل الحلفاء الامريكيين والعرب على الاخص تجاه الانتفاضة ، فبدأ يتصدى لها بعد ان كان على وشك الانهيار. وكانت صورالاقمارالصناعية تُظهرالانتفاضة وهياج الناس وان المتظاهرين كانوا يحملون صورا قيل انها للخميني بينما كانت في الحقيقة للسيد محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق" (العميد الركن نجيب الصالحي في كتابه بعنوان : الزلزال ، ماذا حدث في العراق بعد الانسحاب من الكويت ؟ خفايا الايام الدامية  ص 166-170 دار الرافد لندن 1998) .

 

ويذكر لنا كوغلن في كتابه السابق الذكر ايضا : "وبعد ان تم لصدام حسين سحق الثورة وتحقيق النصر الذي كان ينتظره ، أرسل صدام حسين طارق عزيز وزير خارجيته الى الامم المتحدة يحمل رسالة يعترف بالقرارالشهير رقم 687 الصادر من مجلس الامن في 3 ابريل 1991 الذي سُمي "بأم القرارات" الذي نصّ على عدم الاخلال في وضع الحدود العراقية مع الكويت وحرمان العراق من بيع نفطه اعتقادا من الحلفاء بسقوط صدام بعد عام من صدور هذا القرار. ورغم كل ذلك تعهد صدام حسين في رسالته باعادة كل المسروقات من الكويت والتخلي عن فكرة ضم الكويت للعراق ( كولن كوغلن المصدر السابق ص 418) .

 

ورغم تأجيل سيناريو إسقاط نظام صدام حسين ،  الذي تنبأ به كاتبنا ادورد سعيد كما مر بنا في بداية هذه المقالة ،   الى ان شنّ الرئيس الامريكي جورج بوش الابن الحرب على العراق ودخول قواته بغداد في 9 ابريل نيسان عام 2003  بعد الهجوم الجوي الاكثر تدميرا على بغداد في مارس من ذلك العام ، وما ان تم احتلال العراق ، حتى استمر التهديد بشن الحرب على ايران منذ عهد ادارة الرئيس جورج بوش وحتى مجيئ ادارة الرئيس  الجديد اوباما التي  زادت من الضغوط على ايران وشددت من الحصار عليها مارة بنفس مراحل السيناريو المفضوح الذي لُفق على العراق بوجود اسلحة الدمار الشامل ، تمهيدا لجعل مياه الخليج العربي ودوله  من العراق شمالا وحتى عمان جنوبا قواعد لشن الحرب التي تهدد بها امريكا بعد دخول البوارج الحربية الامريكية الى مياه الخليج مؤخرا. ومن هنا بدأ الاستعداد لتنفيذ بقية المراحل من السيناريو الكبير الذي بدأ بغزو الكويت وحرب تحريرها  واسقاط نظام صدام حسين والاستمرار باحتلال العراق الذي رشح لتكون اراضيه القواعد العسكرية الرئيسية للعمليات القادمة .

 

والى هذا الحد نقلتُ كل هذه السطور من كتابي المنشور عام 2008 ، ولكي انقل للقارئ الكريم صورة صادقة عن مدى التدهور  في حياة العراقيين بعد هذا العام ، ولكي لا أُتهم بالمبالغة والتجني ، انقل ما قرأته وانا في بغداد قبل فترة وجيزة من مجلة اسبوعية عراقية جئت بها معي الى فيينا وجدت فيها حوارا مع احد اساتذة العلوم السياسية في جامعة بغداد وهو يصف لنا المشهد العراقي المأساوي الذي دون شك  هو جزء من  محاضراته على الطلبة ، بعد ان تيقنت وبعد شهرين من اجراء الانتخابات البرلمانية الاخيرة ، من صحة الدلائل التي ذكرتها في كتابي عن فشل مشروع الاصلاح الديموقراطي الامريكي المخادع الذي جاء به الرئيس جورج بوش الابن هدية لاقناع العراقيين بدلا من اسقاط نظام صدام حسين ودخول جيوشه العراق،  ومن استمرار الصراع على كراسي السلطة وفشل مساعي الوحدة الوطنية وازدياد انتهازية الاحزاب وممثليها في البرلمان العراقي الجديد ، وكيف اصبح العراقيون يدورون في فراغ  بعد عدم التوصل الى تشكيل حكومة حتى اليوم ، وانعدام الامن واستنزاف ونهب خيراتهم والفشل في عدم توفير ابسط حقوقهم . كل ذلك من اجل ان تضع  امريكا يدها بالكامل على نفط وخيرات العراق ودول الخليج دون منازع ! ولا ندري الى اي مصير تسير الادارة الامريكية بشعوب ودول هذه المنطقة  بعد كل الدمار الذي لحق بالكويت والعراق وافغانستان والذي ما يزال يهدد ايران بالحرب ، عدوة امريكا واسرائيل الاولى !  ولنستمع الى شهادة هذا الاستاذ باختصار وهو يقول :" لقد يأس العراقيون من الاصلاح  بعد سبع سنوات على الاحتلال ، وتفشي قيم الاتكالية والقدرية واللامبالاة في الوسط الاجتماعي ، وسيادة مظاهر العنف واستخدام السلاح مع الخصوم، والتبعية الفكرية المذهبية والقبلية والمدينية ، وتشجيع الاحتلال على الاحتراب الداخلي ، والممارسات اللااخلاقية لقوات الاحتلال ضد المواطنين والدعايات الموجهة من الداخل والخارج ، وحالة الفوضى الامنية ، وعدم قدرة الاجهزة الحكومية من بسط سيطرتها على الاوضاع وردع المخالفين ، واختراق بعض الاحزاب لقوى الشرطة والامن والجيش واستغلال البعض من الجهلة للجو الديموقراطي من اجل العبث بالامن العام .  ومن هنا فقد المواطنون البسطاء الثقة باصحاب الدكاكين الحزبية التي راحت تعبر عن توجهاتها القومية والعرقية والطائفية على الرغم من التسميات التي تحملها . وفي ضوء هذا الواقع المزري الذي يعيشه العراقيون اليوم، واقع  التخلف والفلتان الامني والقتل العشوائي والسطو المسلح والفساد الاداري والسياسي والتكالب على المناصب وسرقة الاموال ، اصبح المجتمع العراقي متصدعا فاقدا للامن والاستقرار والخدمات الضرورية ، تنعم فيه الحيتان الكبيرة ، ويضرس الاكثرية الحصرم ، يبحثون في المزابل .. مجتمع يفتقر الى العدالة في مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية . وهكذا ادت الفوضى الخلاقة التي ارادها المحتل الى انتاج ثقافة المحاصصة بدلا من ثقافة الديموقراطية الحقة ".

 

ويا لبؤس العراقيين وبؤس تلك الديموقراطية  بعد كل ما جناه عليهم غزو الكويت وطاغية العراق والاحتلال الامريكي ومن جاءوا معه من بعض المرتزقة لتقرير مصير العراق والعراقيين في القرن الواحد والعشرين. والايام القادمة حبلى بالاحداث التي لا يدرك كنهها الا الله سبحانه ! (اياد الجصاني : احتلال العراق ومشروع الاصلاح الديموقراطي الامريكي : حقائق واوهام ، دار الكتاب العربي ، شارع المتنبي ، بغداد 2008 ) و(الدكتور قحطان الحمداني استاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد : في حوار مع مازن الشمري في مجلة المشهد العدد 28 حزيران 2010  بعنوان : ثقافة الديموقراطية .. ولادة متعسرة ) .

 

 

 

 عضو جمعية الاكاديميين العراقيين ونادي الاكاديمية الدبلوماسية
فيينا- النمسا

 

 

د. اياد الجصاني


التعليقات

الاسم: صباح محسن كاظم
التاريخ: 05/08/2010 21:43:01
الدكتور الفاضل ايادالجصاني المحترم:
تسليطك الضوء على كارثة احتلال الكويت كشف الاوراق لكل المغفلين البعثيين الذين انقادوا بعماء خلف سراب وحلم القضم والغدر الذي حل بشعب عربي مجاور،الا انه بعد التحرير تمادى الكويت بالمطالبة بالديون وقضم اراضي عراقية شاسعة،والتاريخ يؤكد ان حدودهم الحقيقية كما ذكرت الى المطلاع والسور ،عموما ان البريطانيين برسمهم للحدود يعرقلون صفاء العلاقة بين الشعبين الشقيقين ،وبالتالي ابقاء المشكلة تاريخيا على فوهة بركان

الاسم: صباح محسن كاظم
التاريخ: 05/08/2010 21:42:21
الدكتور الفاضل ايادالجصاني المحترم:
تسليطك الضوء على كارثة احتلال الكويت كشف الاوراق لكل المغفلين البعثيين الذين انقادوا بعماء خلف سراب وحلم القضم والغدر الذي حل بشعب عربي مجاور،الا انه بعد التحرير تمادى الكويت بالمطالبة بالديون وقضم اراضي عراقية شاسعة،والتاريخ يؤكد ان حدودهم الحقيقية كما ذكرت الى المطلاع والسور ،عموما ان البريطانيين برسمهم للحدود يعرقلون صفاء العلاقة بين الشعبين الشقيقين ،وبالتالي ابقاء المشكلة تاريخيا على فوهة بركان

الاسم: علي حسين الخباز
التاريخ: 05/08/2010 21:29:26
الدكتور اياد الجصاني المحترم الف شكر لهذا الموضوع الرائع والجميل والذي يمنح الهوية العراقية قدرا من الاستقلال في الرؤية التحليلية دون التبعية لاعلام الغرب المطبل .. هناك نقطة واحدة احب من السيد الدكتور الوقوف عندها .. المعروف ان الموقف الخليجي والعربي نجح في تبديل سيناريو سقوط صدام الى التنكيل بالشعب العراقي الثائر وسمحوا لصدام باستخدام السمتيات .. يعني ان موقف الحكام العرب لم يساند الانتفاضةبسبب خشيتهم من تشكيل حكومة شيعية... فالخلل الحقيقي الذي يعتري اغلب التحليلات اليوم انها تغمض العين عن الدوافع الخليجية والعربية التي كانت سببا لافشال الانتفاضة وهي نفسها مازالت موجودة وقائمة واستفحلت خشيتها الآن من قيام نظام شيعي في العراق .. ثق دكتور هي نفس الايادي نفس الهويات نفس الحكومات وبنفس الاعذار والمخاوف التي تخشى من العراق الاستقرار سعت لتهديم المشروع الديمقراطي فيه وسفك الدم وتمزيق الهوية العراقية .. والا فالعيوب التي ذكرتها من محاصصة وتحزبات الشعب قادر على فضها بالف وسيلة لولا عرقلة الحكومات العربية والارهاب الدولي الذي يخشى من سطوة نهوض العراق .. فما نحتاجه اليوم هو مواجهة الحقيقة المرة لمعاناة العراق حتى الاحزاب والمحاصصات شجعت من قبل المستورد الاقليمي .. الف شكر لصبرك على تطفلي




5000