..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


كما لو أنَّها مكتوبةٌ بالماء/ محمود درويش بشرط أن يكون القارئُ منفى

باسم الحسناوي

الجسم جسمٌ آدميٌّ دون شكٍّ، بيد أنَّ الروح فاضت من معين الجسم يوماً، ثمَّ صارت محض نورٍ، لم تكن قمراً منيراً في بداية أمرها، كانت كجوف الكهف مظلمةً، ولم يك عندها فضلٌ سوى أنَّ الذي قد فرَّ من صنمٍ تجبَّر واجدٌ بعض الحماية دون دفءٍ واقعيٍّ في الحقيقة، لم يكن جوف الكهوف يريح أجساد النيام.

ولم يكن في أيما كهفٍ مجالٌ للكتابة أو مطارحة الغرام

ما كان من شاء الحديث عن النساء يرى الخيال على جدار الكهف، كان الكهف قلباً قاسياً جداً على سكانه حتى وإن كانوا جميعاً أولياء، وكان لون الكهف مثل الصمت قبل الموت شنقاً، كان طعم الكهف مثل الجوع في كبد التراب، ولم تكن للكهف رائحةٌ سوى وجه الحبيبة إذ تموت.

الروح كانت يا أخي كهفاً صغيراً مظلماً، وتطوَّرت من بعد، صارت حقل نخلٍ ليس يثمر، ثمَّ صارت بئر ماءٍ، ثمَّ أفزعها المكان، فأعتدت للخوف متكأً وقالت للمنية قابليه، وإذ رآها الخوف لم يصبر، فقطَّع نفسه حنقاً، وقال لها استبيحي كلَّ أعضائي، فقد صار المكان لهيب تنورٍ، ولن يتجهَّم التنور في وجه المنايا.

أنا لا أطيق المكث في التنور، لا أقوى على أن أنظر الدنيا بهيأته كذلك، إنَّ للتنور قصَّة عشقه مع عشقها، ولذا أماط الموتُ في التنور عن وجه الخبايا.

وأنا قرين الروح، لكن ليس في زمن المعارك حسب، بل إني قرين الروح أيضاً في زمان الحبِّ، لكنَّ وجهي في زمان الحبِّ يعطي الروح معنى الأمن أكثر من زمان الحرب، والشهداء في الأولى قليلاً ما تكون قبورهم في الليل أوردة القيامة، إذ تراها في جميع الليل نخلاً طافحاً بالتمر، أو عنباً تعتَّق في شجيرات الكروم، فصار خمراً جاهزاً.

***

  لن ترتوي إلا من النار القديمة يا أخي، فالصوت نارٌ في الشجيرة، وهو من جبريل قطعاً، فاحتوشه بغير خوفٍ، وانتبه، في كفِّك اليمنى عصاً حمراءُ تصبح حيةً رقطاءَ لو صارت حبال القوم أفعى في الخيال.

 تقدَّم، الآن البلاد قريبةٌ جداً من الحبل الوتين، بعيدةٌ جداً عن الرأس الذي لم يحترق بالنار في قلب الشجيرة، لا تخف منها رجاءً، فالنبوَّة لا تليق بغير رأسٍ صار فحماً فالتقى بالنار، فهو عمود نارٍ ليس إلا.

***

البندقية أمةٌ ثكلى كما لو أنها مكتوبةٌ بالماء، كيف تلومها لو أنها باءت بإثم العالم الجبّار، كيف تحسُّها أماً وتمقتها كما لو أنها فجرت بأبناء الرصاص، لعلَّ عذراً سوف يوسعها أمامك لو مددت يد الحنوِّ على جدائلها، بربِّك لا تكن أقسى عليها من جناةٍ مزَّقوا أبناءها إرباً وقالوا لا يحقُّ لها التجهُّم في مآتمها القديمة والجديدة، فهي ليست ذاتَ قلبٍ، وهي ليست ذاتَ دمعٍ مثل كلِّ الأمَّهات.

***

  عدني بأن تنسى، لأنك في التذكُّر تجعل النسيان أقسى، لا تقل إنَّ البلاد قليلةٌ، أو أنها بلغت زمان وفاتها، أو أنها ارتفعت إلى أعلى السماوات البعيدة مثل عيسى، لا تقل إني أشاهدها هباءً في هباءٍ، لا تقل أين البلاد فقد بحثت ولم أجدها وهي قربي، لا تقل مات الكلام عن البلاد فمات جوهرها الثمين.

 بلى، إذا شئت البكاء على البلاد فصمِّم القبر الجميل لها بوهمك، ثمَّ قبِّله طويلاً مثل أضرحة الكرام الأنبياء، وقل: بلغت قيامتي إلا قليلاً، قل رأيت قيامتي طيراً تعثَّر في الفضاء فمات فانتحر الفضاء.

***

 بعداً لهذا العصر كم يبدو قميئاً مثلَ جثةِ ماكرٍ مسخته كفُّ الله في زمن المعاجز قنفذاً.

الناس في الزمن الحديث دفاترٌ مكتوبةٌ بالماء، فانظر هل ترى أحداً يشابه في الرؤى أحداً، وهل أحدٌ يرى إذ يفتح العينين من أقرانه أحداً، لعلَّ الناس قد ندموا على أنَّ التراب لهم أبٌ، لكنهم لم يعرفوا عنه بديلاً، فاستباحوا الطين كي يتخلَّصوا من أسِّه، ولعلهم نظروا إلى ما في الضلوع من القلوب فأبصروها تشبه التفاح والرارنج، قالوا، لو تنوَّعت القلوب بحجمها، هذا الفؤاد مربَّعٌ، والآخر القلب المجاور مستطيلٌ، ثمَّ قلبٌ دائريٌّ مثل دائرة العذاب، وهكذا لا يستقرُّ الحجم إطلاقاً إلى أن ترتأي حواء أن تستأصل الرحم النسائيَّ الرجيم.

***

  

أتذكَّر الدنيا قديماً حين كان المسجد العلويُّ في كوفان قطب الله، كان الليل يأتي حين يأتي والرجال كأنهم آبارُ ماءٍ في الصحارى، كنت أنظر نحوهم متفائلاً بالماء، كنت أحسُّهم ظمأً وماءً هكذا، ظمأً يقدِّم ماءه معه، وكان جميع أهلي يطلبون الماء لكن ليس من ظمأ الرجال، سوى أنا، فلقد طلبت الماء لكن وهو ماءٌ ليس يعبرُ في المريء كأيِّ ماءٍ آخرٍ، فلقد توشَّح بالنساء وبالسماء، وكان طبعاً من لعاب الأنبياء.

وكنت أنظر للنساء كأنهنَّ سرادقاتٌ في الجنان، وكنَّ أشبه ما يكنَّ بحقل نخلٍ شبَّت النيران فيهِ، وكنَّ يسحبن السماء إلى مدارٍ خارج الكون المهيَّأ للفناء.

 وحين تقترب السماء من المدار السرمديِّ يرين حكمتهنَّ تقضي أن يصير الكون جرذاً، كي يقلن لنا بأنَّ الكون أحقر ما يكون بغيرهنَّ، وهكذا لا تستقرُّ سماؤهنَّ للحظةٍ وسط المدار السرمديِّ، فتارةً تغدو كما لو أنها ماتت فينتحب الجميع، وتارةً تغدو كما لو أنها انتفضت على سلطات عزرائيل، تلك سماؤهنَّ الآن غائبةً وحاضرةً أمامي لم تزل، لكنهنََّ جميعهنَّ سكنَّ مقبرة الخيال.

الغيث ينزل، أسمع الإيقاع في الماء السماويِّ الرحيم، أكاد أجزم أنه إيقاعهنَّ، أكاد أقطع أنني ما زلت أشعر بالغرام بهنَّ قاطبةً، أكاد أقول إني الآن صحراءٌ وأصمت ريثما لا ينتهي مطر السماء، وريثما تتفجَّر الكثبان بالزرع المنوَّر كالبدور، وريثما أبكي فأعرف أنَّ دمعي قريةٌ نهضت من الموت المؤكَّد إثر صيحة جبرئيل.

هنَّ النساء الممطرات فكيف صار القلب أجرد مثل حلمٍ مات في عين القتيل.

***

إسم البلاد البندقيه

ومحلُّ ميلاد البلاد الأنبياء

إسمي أنا؟ عصفت بإسمي العنجهيه

وبقيت محتفظاً بكسرته القديمة فهو من سنخ السماء.

***

العيش عيش الحرِّ طبعاً، ليس عيش الأسر في رقِّ الفضاء.

ولذا دخلت السجن مبتهجاً ككلِّ الأوفياء

***

قالوا بأنَّ الأرض أمٌّ، زوجةٌ، ابنٌ، أبٌ، جدٌّ، صديقٌ، قلت: كلا.

الأرض نفس الشخص لكن وهو فاقد وعيه فرط المواجد في المصلّى.

***

  

لو أنَّ شاعر أمةٍ قطع المسافة بين منفاه وعالمه الجميل

لاستنفر الدنيا لتعطيه مناطقها

ولكن لم يجد بلداً يليق به سوى بلدٍ تعلَّم حكمة الله العميقة أن يقيم مع الرحيل.

***

  

أنظر إلى كلِّ النساء

هل في النساء قصيدةٌ تعطيك فيض حنانها كالطفل حتى في أوان الموت، تلك إذن بلادك فاحتضنها جيِّداً قبل الوفاة.

فلعلَّها تأبى المسير إلى القيامة أو يرقُّ الله للطفل الذي يبكي فيمنحها المزيد من الحياة.

***

  لا خلف للشعر العظيم، فليس للشعر العظيم سوى الأمام.

لكنَّ شعر الفارس المنفيِّ ينظر خلفه قطعاً، ويرمق في المسافات التي ابتعدت لعلَّ بريق سيفٍ في الفضاء يلوح، أو فرساً ترجَّل عنه فارسه صريعاً، وهو يعتنق الحسام.

***

ما قيمة الإنسان إن لم يرقَ حتى ذروة الألم الإلهْ

فإذا تألَّم ثمَّ عاش، وعاش ثمَّ تنفَّس الصعداء صار قصيدةً عصماءَ في سعة المتاه.

***

هذا الذي تبغيه ليس له مكانٌ في الوجود

فتِّش عن الوطن الذي يستفهم الشعراء عنه هناك في العين التي سُملت، وفي القلب الذي خلعوه من أضلاعه كي يأكلوه نيِّئاً، ولربما تجد الذي تبغيه إيقاعاً وحسب فتلعن التعب القديم لأنَّ ما تبغيه موجودٌ بقربك هذه اللحظات يا مولاي فاهدأ فالبلاد تمرَّدت في قلب قلبك وابتغت أن تنسف الآن الحدود.

***

أنظر يدي أرجوك، هذا القيد يرقص في يدي

أتراه يرقص من شعورٍ بالسعادة فاعتنقه إذن وراقصه طويلاً.

أم تراه الآن مذبوحاً ويرقص، فهو قيدٌ ربما من معدنٍ، لكنَّ فيه كلَّ روح الهدهدِ

***

أنظر إلى وجهي كذلك هل تراه مدينةً مقصوفةً بالطائرات من الوريد إلى الوريد

وهل ترى القرآن محفوراً على قسماته فاقرأه ترتيلاً وحرِّض قلبك المضنى على التقوى وقف حتى قيام الحشر في هذا الصعيد.

***

  

هذا أوان الموت إذ قاماتنا انتصبت تماماً كالنخيل

هذا أوانٌ للنبوة فاقترب مني لأهمس فيك صوت الله أقصد أنني حجرٌ مضيءٌ من مجرَّة جبرئيل.

***

  

من أرض كنعانٍ إلى أرباض بابل خطةٌ موسومةٌ بالمكر، إن ألقيت يوماً في الفرات قصيدةً كيما يذوب مدادها فيه، فتشربها حدائق بابلٍ فاعلم بأنك شاعرٌ من سومرٍ أو من أكد.

فإذا فرضنا أنَّ شعرك لم يذب في مائه فعلاً،

وسرت إلى القيامة هكذا متوشِّحاً ذهب القصائد فاحترس منها، وقل لمن دفنوك لا تضعوا القصائد تحت رأسي في التراب، لأنها ذنبٌ عظيمٌ في القيامة ليس إلا،

فالقصائد كلها ما لم يعمِّدها الفرات بمائه حبل المسد.

***

قم فاستلم كفي التي قد صافحتك برغم صوت الإنفجارات الكبيرة، أنت تفهمني لأنك شاعرٌُ جداً، وتفهمني لأنك فيلسوفٌ عبقريٌّ بالرجال.

ولأنت يا مولاي سيِّد عصرك المأفون حقاً، بيد أنَّ العصر أقصد عصرك المأفون هذا مولعٌ جداً بأنواع الهزال

العصرُ حاخامٌ كبيرٌ أسودُ

من دون ربِّ العالمين يمجَّدُ

العصرُ يا مولاي غدرٌ كلُّه

بل صار غدراً في المقامِ المعبدُ

فعلامَ ينتفض الفؤادُ على الفتى

والحبُّ نفسُ الحبِّ تصفعه اليدُ

وعلامَ أنت تحسُّ أنك خائنٌ

حتى وأنت على المشانقِ تصعدُ

وعلامَ تخجل من بلادك كونها

عند الغريب وأنتَ موتٌ أصيدُ

وعلامَ يقلقك الضميرُ لأنَّ في

أعماق ساكنه يهانُ المسجدُ

وعلامَ تشعرُ بالخواءِ وكلُّ ما

في الناس يشهد أنَّ أسْرَكَ سيِّدُ

لو حوَّل الإنسان شطر النفي وجهاً، فهو في أمنٍ من الموت النؤاسيِّ الجميل، عرفت هذا عندما شاهدت في باريس سيدةً تموت وتحت مسندها قصيدة شاعرٍ للحبِّ مغمورٍ، ولم تك في الحقيقة قطُّ آبهةً بقصَّة عشقه، كانت تقبِّل وجه باريس الجميلة كلَّما قرأت بها بيتاً، فأدركت الحقيقة حينها أنَّ القصيدة لا تكون قصيدةً إلا متى كتبت على أرض البلاد.

شعر الفتى دنياه أو شعر الفتى عين المعاد

وإذن فخذ من شخص درويش الحياة ودع له طقس القصيدة، دعه، فالمجدُ الفلسطينيُّ

والجوعُ الفلسطينيُّ

والعيشُ الفلسطينيُّ

والموتُ الفلسطينيُّ

واليأسُ الفلسطينيُّ

والأملُ الفلسطينيُّ

في طقس القصيدة حين تكتبها الحرائق بالرَّماد.

***

صلّى الإله على الكتاب، وقال: إنَّ الحرف أجمل من قوام النور في جسد الملائكةِ الكرام.

صلّى الإله على الرصاص، وقال: إني ربُّه وحبيبه، فمن استقال عن الرصاص أقلته من حور عين الأولياء، وقد تبخَّر جسمه، -والجسمُ في يوم القيامة محضُ نورٍ ليس إلا-فهو موجودٌ أمام الناس في الحشر العظيم بوصفه شبحاً ضئيلاً خافتاً جدّاً ولكن ليس يملك من قوام.

***

 الربُّ ربُّ الناسِ طرّاً، بيد أنَّ الناس ليسوا كلُّهم للربِّ عبدا.

أعرفت هذا؟ فانتبه جدّاً لهذا الكائن الممسوخ قردا

وافهم بأنَّ القرد حرباءٌ وقردٌ، قد يكون الآن أفعى، أو يكون الضبَّ، أو قد يقتل الأحياء طراً في جميع الأرض، أو قد يملأ الأرجاء شحناءً وحقدا

الربُّ ربُّ الناس طراً يا صديقي، فليكن ميزانُ حقِّ الناسِ عدلاً، وليكن من يسرق البلدانَ قطعاً مستبدّا.

***

خذني معك

لجزيرة الجرح الفلسطينيِّ حتى أُسمعك

ما أنت تعشقه من الشعر الذي لا الموت يشبهه، ولا لون الحياة، لأنه فوق المنية والحياة معاً، ولأنه من أعين الصرعى بباب الله مقتبسٌ، وأعلم أنَّ شعرك راهبٌ حتى النخاع، وأنَّ وجهك يا صديق التين والزيتون قديسٌ، وأعرف كيف أغريت الملاك الفذَّ عزرائيل حتى أقنعك

أنَّ القصائد في فلسطين الحبيبة أصبحت في صور ميكائيل صوتاً خاشعاً لله جداً، فانتفضتَ على حياتك فجأةً، وأردت أن تمضي إلى تلك العوالم، واصطحبت القدس، صارت نملةً قدسيةً في البدء تعترض الطريق أمام جثتك النبية، ثمَّ صارت في جبينك خال أنثى أسوداً، ومضى الملاك الفذُّ عزرائيل يقطع ألف ألفٍ في الدقيقة من مجرّات الجمال، وأنت مبتسمٌ خلافاً للذين ترحَّلوا للتوِّ، حتى قال ربُّك: قدِّموه، فأدخلوك عليه متَّشحاً بها، أعني بلاد القدس، ثمَّ سجدت، ثمَّ دعاك  أن تلقي القصيدة هكذا متوشِّحاً بالقدس، حتى قال ربُّك وهو ينظر فوق عالم قدسه ما أروعك.

  ***

شتان ما بين الدعارة والعفاف.

وكذاك قل: شتان ما بين الذي طعن البلاد بخنجرٍ وبكى، وبين الشاعر المطعون بالمدن الغريبة في المنافي، لا تظنَّنَّ البلاد غبيةً، فالأرض أذكى من صنوف العبقرية كلِّها، لكنها أمٌّ رؤومٌ تطعم العاقين والأبرار، أحياناً تراها وهي غافلةٌ عن الأبناء إذ يتمتَّعون بلحمها المذبوح، إذ يرمون منه للكلاب ويضحكون، وقد تكون الأمُّ بعض الشيء أقسى، بيد أنَّ الحبَّ في أضلاعها يبقى جميلاً شاهقاً مثل العمارات الكبيرة في منافيك العجاف.

***

سقط الجميع

إلا القصيدة

فهي ضالعةٌ بإثم العشق في أنحائها جداً

وإلا القدس

فهي حبيبةٌ لله في قرآنه جداً،

وإلا أنت

إذ أنت الذي صنع البطولة والرجولة ثمَّ لما لم تجد في الحرب كفؤاً للنزال بكيت، ماذا يبتغي الشعراء من أمثال درويش العظيم سوى الإقامة في عيون الماء والزيتون، هذا مهرجان الماء في زمن الجفاف

 وذا كلامٌ أبيضٌ في الجوِّ منتشرٌ فمن ذا يستطيع

أن يقنص البدر المنير فإنه نسرٌ يحلِّق في فضاءات الخيال

 ومن سيقدر أن يغازل، ليس أنثى في الحقيقة،  بل يغازل هكذا أنثى يراها وهي أقرب ما تكون، وتختفي بمجرَّد الميَدان من فرط الغرام بها، كذلك يا صديقي ليس في الدنيا فتاةٌ تعجب الشعراء إطلاقاً سوى ما كان وهماً، تلك مشكلة القصيدة أنها تعطيك كلَّ العالم المنظور، تعطيك حبَّ الشاعرات جميعهنَّ، فإن أردت حقيقةً حبَّ النساء وبعض ما في العالم المنظور شاءت أن تموت وأنت محرومٌ من الدنيا وما فيها، ليصبح محض قبرك كلَّ ما يبقى لديك من المتاع.

العقل محض العقل لا يرضى به الشعراء،

والحكماء لا يرضون أن يختار محض القلب ذو لبٍّ، فكيف يكون ذو لبٍّ حكيماً شاعراً.

فأجب بحقِّك كيف عاد العقل عاطفةً لديك، وكيف صار القلبُ عقلاً، ربما وازنت بينهما بهذا الحزن، أو لا ربما ذوَّبت في فرن البلاد كليهما، فإذا هما عقلٌ وقلبٌ في قوامٍ واحدٍ هو أنت، أو هو سفر أرض القدس مكتوباً بلائحة الضياع.

من ذا يطيق الموتَ أصفرَ فاقعاً

يرتاعُ منهُ الفارس المتمترسُ

إمّا يطقه الشاعر العملاق قل

عنه إذن هو ساحرٌ متمرِّسُ

إلا إذا كانت يداه عوالماً

مذبوحةً لا تبتغيها الأنفسُ

فعليه لعنة نفسه يا سيِّدي

حتى النهاية وهو قطعاً مبلسُ

ميراثه لبنيه شعرٌ غامضٌ

ورفات مكتبةٍ قديمٌ مفلسُ

أبناؤه قالوا نؤوِّل شعره

ونعوم في بحر الكلام ونغطسُ

فإذا به سرُّ الإله مؤثِّرٌ

حتى تكلَّم بالبيان الأخرسُ

مذ ذاك لم يفلس بنو أبنائه

هم أنبياءٌ وهو وحيٌ أقدسُ

  

  ***

  

الشعرُ مات

والشاعرُ العربيُّ مات

لم يبقَ من جسد البلاد سوى الرفات

لا تخشَ من أحدٍ وحدِّث عن حقيقة ما رأيت هناك في يوم القيامة، هل رأيت ذوي العبادة في جهنَّم داخرين، وهل رأيت ذوي البطولة يا أخي جبناءَ جداً حدَّ أنهمو بغير شجاعةٍ لو أنَّ سيف بعوضةٍ في الحرب هدَّدهم بإيقاع الهزيمة في النزال.

هل أنت أبصرت الجرائد والمقالات الطويلة في المجلات التي من أجلها جاعت بطون الناس كيف تروغ عن وجه الحقيقة، ثمَّ تبدو مرَّةً كلباً سلوقياً، وتبدو مرَّةً ذئباً، وحيناً لا تكون سوى عجاجٍ في الفضاء، أراك تنظر في حياءٍ للسؤال

وتريد أن أستثني الصدق الذي في شعرك الباكي على القدس الأسيرة، ربما كنت المحقَّ، وربما فارقتُ منهج حكمتي، لكنني يا سيدي ما عدت أغفر ألف طنٍّ من تراب الإثم، من أجل الحفاظ على نقاء النزر مما ضاع في إثم التراب، فأنت تعرف أنني عشت القرون جميعها وكأنني نفس الزمان، فلم أجد أحداً نقياً من معاقرة الطموح، ولم أجد أحداً بريئاً من معاداة الجمال.

 ***

أنا أكتب الشعر الفلسطينيَّ في كوفان، هل كتب الدراويش الكبار قصائد الحبِّ الكبير لها، وهل عرفوا بأنَّ الأرض في كوفان ليست من ترابٍ، فهي دمعٌ في الأساس، وصار دمع الكوفة الحمراء من بعد الحسين قبيلةً، وتكاثرت من بعد حتى أصبحت عدد الكواكب في السماء مصائباً تترى، ولكنَّ المصائب هكذا صارت مدائن سحرها في قلب شاعرها زماناً اصفراً من فرط ما فيه من الألم المحلّى بالمنافي.

اضرب بحبِّك في المدائن والفيافي

زمناً طويلاً فوق ما عاشته أجيال الخليقة، لن ترى وطناً جميلاً مثل مسقط رأس جدِّك أو أبيك.

 ولن ترى وطناً كثيراً مثل كسرة خبزةٍ من حزن أمِّك أو أبيك.

ولن ترى وطناً تقدِّسه طيور الحزن في قلب القصيدة مثل كوخٍ من جريد النخل، أو أغصان زيتون البلاد.

ولن ترى وطناً يدوس عليك حتى كسر آخر مفصلٍ في الهيكل العظميِّ، ثمَّ يدوس حتى ليس يبقى مخُّ عظمك في العظام، فإن نظرت إليه لا يخفى حنينك، أو حقدت عليه لا يبقى لحقدك بعد حينٍ أيُّ جدوى، واستحلتَ إلى هدوءٍ تحت أكوام الرماد.

 ***

  

  

 شاء التراب

أن يرتقي يوماً فأصبح آدمٌ منهُ

وشاء الغيث من بطن السحاب

أن يرتقي يوماً فأصبح حنطةً في بطن آدمَ

ثمَّ شاء الله أن تتوسَّع الدنيا

فكان الشاعر المجنون أرحب ما يكون

فكان عشقٌ ثمَّ كان الشعرُ

لكنَّ الكلام الشاعريَّ على صنوفٍ، منه ما هو مثل ماءٍ في المريء، ومنه ما هو مثل زادٍ في البطون، ومنه ما هو مثل طيفٍ في المنام، ومنه ما هو مثل نارٍ في الفؤاد، ومنه ما هو مثل بردٍ في جبين الميت، كان الشعر أصنافاً، وكان الموت أصنافاً، وكان العيش أصنافاً، وكان الناس أصنافاً، وكان الحكم أصنافاً، وكان السجن أصنافاً، ولم يك غير صنفٍ واحدٍ ما قد يسميه الفتى وطناً، وكان الأمر ملتبساً بشأن العيش في المنفى، ففي بدء الكلام بدت منافينا كثاراً، ثمَّ في الشطر الأخير من الكلام بدت لنا طرازاً واحداً أيضاً، وقلنا القبر منفى والقيامة بعده وطنٌ، فإنَّ القبر صنفٌ واحدٌ لا غير، صنفٌ واحدٌ كلُّ القيامة يا أخي أيضاً، فكيف نميِّز الطاغين ممن أسَّسوا للعدل، كيف نرى جهنَّم ليس وجهاً آخراً للخمر في دنِّ الجنان، وكيف إذ شمخت على أعرافها قاماتنا نستمطر اللعنات فوق رؤوس من في النار، كيف نصبُّ ماء التهنئات على رؤوس الداخلين إلى النعيم.

الضِّدُّ وجه الضدِّ في كلماتنا طراً، فكيف نميِّز السبل العسيرة بين ما هو سوف يفضي للجنان، وبين ما هو سوف يفضي للجحيم؟.

***

  

سأقول عنك بأنَّ موتك لم يكن قصراً منيفاً، لم يكن كوخاً بسيطاً، كان بيتاً من بيوت الأنبياء، وكان دكَّة عارفٍ في العصر يجلس كي يحدِّث عن تجاربه المريدين الكبار، وكان زاويةً تنحّى الفيلسوف بها عن اللاهين بالمتع الرخيصة، كان أماً كلَّما قد أنجبت موسى رمته في مياه النهر كي يمضي إلى أحضان فرعونٍ عتيدٍ في البلاط، وكان في الطوفان نوحاً، كان حزن السبط في يوم الطفوف على الأيامى.

وكان عمرك قلب أرملةٍ وجمهرة اليتامى.

الوجه اقصد وجهك المجبول من

نفس الرهافة في يدي جبريلِ

الوجهُ قرآنٌ يرتِّل آيهُ

قدسُ الإلهِ بأعذبِ الترتيلِ

ولمَ التعصُّبُ؟ أنتَ أيضاً بارعٌ

في أن تنالَ قداسة الإنجيلِ

أو أن تكون كأيِّ سفرٍ عبقريٍّ

 حفَّه التوراة بالتبجيلِ

محمود قدسُ اللهِ في قسماتهِ

جوعُ الفراتِ إلى عناقِ النيلِ

محمودُ يولد وهو شعبٌ كاملٌ

ويموتُ لكن وهو أقدسُ جيلِ

  

 

 

باسم الحسناوي


التعليقات

الاسم: مهدي النهيري
التاريخ: 08/01/2011 20:47:43
ما أجل وما أنقى وما أبهى الوقوف إزاءَ هذا النص المهيأ للالتهام بكامل الشهوة، أيها الباسم الماضي حدَّ المضي في جسد الكلمة غوراً وعمقاً وجلالاً، لو أن بحراً فاضَ جنب هذه القصيدة للمناه مقصراً ولأنبناهُ غير مبالغ بما تعرق خجلاً أمام نص متلاطم، لك خالص التحايا
مهدي النهيري

الاسم: احمد شلال
التاريخ: 09/09/2010 08:50:55
الاستاذ القديس باسم الماضي تحية اجلال لشخصك ومنهل معرفتك انا الصغير بل الاصغر لابداء الرءي فيك فاسمح لي ان اقول انك امة في رجل....

الاسم: قاسم محمد مجيد الساعدي
التاريخ: 20/08/2010 18:26:15
القدير باسم
من بنادق الكلمات اصطدت عباراتك وسرت بنا في كهوف الرغبه كي ننتشي بما اجادت به قريحتك يؤسفني ان لااجد تعليقاعلى ماكتبته لانه خزين من معرفه نظل نعلق عليها طويلا
صديقي العزيز فلمك البارع يستحق الاكبار
دمت بخير




5000