.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


رواية فيكتوريا

سعد محمد رحيم

أشكال السرد، وتحيّزات السارد

 

   تصطف رواية ( فيكتوريا )* لسامي ميخائيل مع تلك الروايات التي لا تستطيع التحرر من وصاية خطاب التاريخ ( محدَداً من منظور ما ). ولا تستطيع  التنصل من مسئوليتها إزاء التاريخ. فالمتخيل السردي مهما تمادى سيجد خياراته محكومة بطاقة الجاذبية المبثوثة من خطاب التاريخ ذاك، مثلما تبلور  في سياق تجربة مجتمع، في لحظة فارقة من حياته. وهو هنا مجتمع الطائفة اليهودية العراقية.. تلك اللحظة الممتدة بين العقود القليلة التي سبقت  رحيلها إلى فلسطين، منتصف القرن العشرين، والعقود القليلة التي أعقبت ذلك ( حتى نهاية القرن ). ولذا كان السارد العليم حاضراً بقوة رؤيته ذات   المحمول الإيديولوجي الضاغط، معلِّقاً ومعقِّباً وشارحاً أحياناً، وملمِّحاً بذكاء في معظم الأحايين. ولست هنا بصدد لوم الروائي على ما فعل، فذلك من  حقّه، لكنني أود قراءة الرواية وإظهار بعض من مضمراتها، كما أتصور أنها ثاوية فيها.

أشكال السرد:

   يخترق التاريخ السرد الروائي في "فيكتوريا" ليضفي عليه مناخاً خاصاً، ويقولبه على صعيد المتن الروائي، في الأقل. مع عدم إنكار تأثيره في شكله  أو بنيته، بعدّ الشكل اقتراحاً للمتن والمحتوى. وبعدّ المتن والمحتوى مؤسسة لا وجود لها من غير الشكل أو البنية.

   فيكتوريا المرأة هي  محور هذه الرواية والتي سميت باسمها.. إنها الشخصية الرئيسة حيث نبقى مع وجهة نظرها في معظم الفصول إذ يتبنى السارد وجهة النظر القريبة التي تكاد تطابق، أو تقترب من، وجهة النظر المسرودة بضمير المتكلم.. نستعير عيني فيكتوريا ومشاعرها وأفكارها (  أو نكون معها وعبرها غالباً ) لنطل على تاريخ واسع لعائلة يهودية عراقية عميدتها بدءاً الجدة ( ميخال ) وأبنائها الثلاثة ( عزوري ويهودا وإلياهو ). ومن ثم عشرات الأحفاد وهم يعيشون في حوش قديم في الحي اليهودي ببغداد، في مطالع القرن العشرين، قبل أن تتبعثر أقدارهم. ومثل أغلب الروايات الحديثة فإن زمن السرد لا يطابق زمن الحكاية. ويعاود السارد، بين آونة وأخرى، تذكيرنا بأن ما حصل قد حصل منذ زمن بعيد، مستخدماً أكثر من نسق للسرد.

   يستهل سامي ميخائيل  روايته من مفصل زمني يقع في النصف الأول من زمن الحكاية مستعيناً بما يسميه منظرو السرد بالسرد اللاحق. فمنذ الصفحة الأولى نكون مع فيكتوريا الهائمة عند فم جسر على نهر دجلة في يوم ينذر بالفيضان، بقصد إغراق نفسها قبل أن يتدخل السارد ليحكي لنا قصتها أو قصة البيت الذي غادرته قبل ساعات قليلة. فيمدنا بمعلومات عن الشخصيات وحيواتهم بجرعات صغيرة متواصلة تكبر رويداً رويداً لتكتمل صورة المتن الحكائي. ويعود السارد مراراً إلى موقف فيكتوريا في ساعة يأسها ليستعيد، بعدئذ، أجزاء أخرى من قصة البيت خالقاً نسقاً لولبياً هو عبارة عن مجموعة أنساق ثانوية دائرية تترابط فيما بينها. وتمتد تتابعياً حتى تنتهي في منتصف الرواية تقريباً ( الصفحة 205 من مجموع 379 صفحة تتكون منها الرواية ) بعد رجوع فيكتوريا إلى بيت أبيها. ( ذكّرني خروجها للانتحار بفصل كونتن في رواية الصخب والعنف لوليم فوكنر ).

   وحتى هذه النقطة نجد أن زمن السرد الذي استغرق ساعات محدودة انطوى على زمن الحكاية الممتد لعقود طويلة. ومن هنا شرع السارد باستئناف الحكاية التي ستنفتح تتابعياً حتى تنتهي بعد أكثر من نصف قرن مع موت روفائيل ( زوج فيكتوريا ) بمصح إسرائيلي. وخلال ذلك يستعين السارد بأنواع أخرى من السرد أبرزه ما يسمى بالسرد السابق  حيث يجري استباق الأحداث في سياق السرد ومثال ذلك ما نقرأه في الصفحة 153 "وحتى بعد مضي خمسة وثلاثين عاماً.... رفض أن يطأطئ رأسه وواصل إيمانه بقوته وكرامته". أو في الصفحة 229؛ "بعد ستين عاماً ونيف استراح ثلاثة أبناء على الأرائك بعد عشاء ليلة عيد الفصح الدسم، وأشعلوا السجائر".

الموجِّه الإيديولوجي:

   يتبنى السارد العليم أحياناً وجهة النظر البعيدة.. ينسحب عن مدار الأحداث والشخصيات ليتدخل معلِّقاً على ما يجري على وفق تحيّزاته الخاصة والتي هي تحيّزات الروائي نفسه؛ رؤيته وموجِّهاته الإيديولوجية. وهذه من طبائع الأشياء. فليس من اليسير، أو يكاد يكون مستحيلاً بناء رواية صافية حيادية، وموضوعية تماماً.. إن رؤية الروائي للواقع والتاريخ والعالم تتخلل مسار السرد، تتحكم به. تكون خفيّة أحياناً، وأحياناً مباشرة وجلية.

   إنها رواية أجيال بآمالها وإحباطاتها. تبدو وكأن أحداثها تجري في عالم مغلق ( غيتو ) لولا أننا نتحسس مؤثرات الواقع الخارجي عليه على استحياء، والتقلبات التي تطرأ عليه بفعل المؤثرات تلك.. لنعد إلى الحوش البغدادي؛ إننا في غيتو يهودي حقيقي كما يرسمه لنا السارد ويفصّل تاريخه وتغيراته.  فليس هناك من إيماءة لعلاقات بين شخصيات الرواية اليهود وبين أي من المسلمين أو المسيحيين أو الصائبة من سكان بغداد.. لن نلتقي بأولئك الآخرين إلاّ بشكل عابر، وفي صور تبدو سلبية. فأولاً لمّا تكون فيكتوريا بعيدة عن بيتها في مستهل الرواية وقد خرجت لتنتحر في نهر دجلة المعربد بفيضانه يترصدها الآخرون ( الذين لن نعرف هوياتهم ) وهم ذكور مهووسون جنسياً وأفظاظ؛ "دسوا في غمرة الزحام أصابعهم في لحمها، وغرز أحدهم في مؤخرتها أصابع متمرسة ومعقوفة كالخطاطيف" ص6. وحتى حين تسرع فتاتان لنجدتها لن تكون مقصدهما بريئاً؛ "وانبعثت من العباءتين روائح كريهة وهمسات وهمهمات وضحكات مكتومة. كانتا قريبتين منها أكثر مما تتطلبه الرغبة الصادقة في حمايتها" ص 25. ومع أول عرض سينمائي، بعد الاحتلال الإنكليزي لبغداد ( 1917 )، وقد حضرته عائلة عزوري، سيقوم مسلمون متعصبون بإضرام النار في خيمة العرض، وهذا حضور سلبي آخر ( للآخر ) غير اليهودي.

   وهناك الأتراك ( العثمانيون ) الأجلاف والقساة الذين يبحثون عن المجندين، ومنهم اليهود، ليقودوهم إلى محرقة حربهم الخاسرة. ومرة واحدة سيدخل الحوش مسلم؛ رجل دين شيعي يأتي ليصطحب رفائيل، الذي برئ نسبياً من مرض السل، إلى الكاظمية. وهناك سيستقبله ( السيد الجمالي ) ويعرض عليه مرافقة ابنه فاضل المصاب بالسل، هو الآخر، إلى المصحة في بيروت حيث عولج هو ( رفائيل ). وفاضل الجمالي شخصية عراقية تاريخية حقيقية سيتبوأ لاحقاً منصب رئاسة الوزراء إبان العهد الملكي.. لنقرأ كيف سيصف لنا نجية ( زوجة عزوري، ووالدة فيكتوريا )  رجل الدين المسلم الواقف بالباب، بعدما ظنوه في البدء غريباً ومجنوناً؛ "إنه عملاق، أبعده الله عنكم، ينتظر في الخارج، عليه عمامة هامان، وعباءة عزرائيل السوداء" ص303. وطوال الوقت لن يشير أحد ما، داخل الحوش، إلى وجود غير اليهود سواء كأصدقاء أو أنداد، أو حتى كعملاء تجاريين لعائلة ميخال وعزوري التي تمتهن التجارة. وكأن الطائفة اليهودية لم تكن جزءاً من مجتمع أوسع يضمهم جميعاً في مكان واحد، هو العراق، يتعامل بعضهم مع بعض بحكم الضرورة.

   يتدخل السارد العليم، في استثمار فني لوجهة النظر البعيدة، إذ ينسحب قليلاً من مركز الحدث ليعلمنا شيئاً عن بغداد، (  في الصفحة  73 )، فضلاً عن تلميحات في صفحات أُخر ). وعن مساهمة أجداد فيكتوريا في بنائها وتحضّرها. وعلى الرغم من وجودهم هناك لأكثر من ألف عام إلاّ أن السارد يصوّرهم وكأنهم خارج مكانهم!. يقول السارد أن؛ "أجيالاً من الغزاة والفيضانات والأوبئة والملاحقات والمذابح لم تعمل فقط على إضعاف القوى الروحية للطائفة اليهودية بل وجعلتها تفقد ذاكرتها... تلك الطائفة التي ألّف أجدادها التلمود البابلي وطفقت ( كذا ) طموحاتهم الآفاق، تقلصت آفاقها إلى حد كبير... ومحيت هذه الأعوام الألف من وعيها كما سوّيت بالأرض قبور آبائها القديمة". وهذا ما يسوِّغ، على وفق تفسير السارد، تلك الفجوة بين اليهود والآخرين، كما لو أن المصائب طالتهم وحدهم دون غيرهم خلال الألف عام.. يسبر السارد مشاعر وأفكار فيكتوريا وهي بين الناس الغرباء، وخارجة للانتحار؛ "كان هناك جدار من الشك والجهل والنسيان يفصل فيكتوريا عن هذا الخليط من الشيعة والسنّة والأكراد والآشوريين والصابئة والفرس والتركمان الذين اجتازوا وإياها دجلة". وفي النهاية لمّا تحتل القوات البريطانية البصرة، قبل اقتحامها بغداد، لن يكون همّ السارد، إزاء هذه المسألة الإشكالية ذات التداعيات السياسية الخطيرة، منصبّاً إلاّ على مصير اليهود؛ "عُلم أن الإنكليز قاموا بالإنزال في البصرة وتم إنقاذ اليهود فيها" ص109.

   من جانب آخر لن يخبرنا السارد، أو أي من شخصيات الرواية، لماذا تركت تلك العائلة بغداد، فيما بعد، وهاجرت إلى إسرائيل.. هنا يترك السارد فجوة زمنية واسعة مسكوت عنها، أو منطقة معتمة، قد تستحث خيال القارئ لإضاءة تلك الفجوة والمنطقة، وربما تعيده لاستقراء مرجعياته التاريخية. لكن التعويل على ذكاء القارئ وخياله وثقافته لاستنطاق ما سُكت عنه قد يفضي إذا ما تجاوز حدّه الضروري إلى ترك مساحات من السرد غير مشبعة. وهذا ما حصل في بعض مواضع الرواية.

   ربما كان سبب المغادرة البحث عن فرصة أفضل للحياة. وهناك من تحدّث عن اضطهاد سياسي وضغط اجتماعي طال أفراد الطائفة، لن يشير إلى تفاصيلها السارد. ولعل التأثير الأعظم كانت للدعاية الصهيونية بهذا الخصوص. وسنعلم بوجود مبعوث من فلسطين ( قاصد رسولي ) سيستضيفه عزوري في منزله ببغداد يتكلم عن لغة عبرية جديدة وعن الأرض الموعودة. غير أننا لن نعرف بقدر ما ينبئنا السارد لماذا غادرت عائلة ( رفائيل وفيكتوريا ) وتحملت شظف العيش وذله في المخيم المؤقت ( المعبراه ) قبل أن يستقر بها المقام وتتحسن ظروفها في مستوطنة أو مدينة حديثة. علماً أن الوضع المادي للعائلة كان في طريق التحسن والازدهار، لاسيما بعد تأسيس الدولة العراقية والتحولات التي طرأت على حياة بغداد الاجتماعية والاقتصادية.

    سترد هذه العبارة في الصفحة 180 "في زوبعة اقتلاع الجذور من العراق". وهي عبارة حيادية مواربة وغامضة. ولا ندري إن كان المترجم الروائي سمير نقاش هو الذي صاغها هكذا ليتحاشى الإحراج، أو أن الصياغة هي للمؤلف. فمن حقنا أن نتساءل؛ كيف جرت عملية الاقتلاع؟ وهل كانت عملية قسر أو اختيار؟. وفي الرواية، وبقدر ما يخبرنا السارد العليم والشخصيات، لن يتخلّف في الذاكرة، من سنوات العيش في بغداد، حنين جارف للأماكن الراحلة، خلا إشارة يتيمة، ( عند الحديث عن الوحل المغرق لخيام السكن المؤقت ـ المعبراه ـ في إسرائيل )، إلى أيام السعادة الغابرة ( في بغداد ).

عالم بطريركي مغلق:

   ينغلق حوش عائلة ميخال على العالم المحيط به لكنه يظل مفتوحاً من الداخل على نفسه. وشخصياته تغدو بلا أسرار تقريباً لانكشافها أمام أنظار الآخرين وأسماعهم؛ "إن العيون مفتوحة في الحوش دائماً وتتربص لكل نظرة وحركة. فالحوش لا يكاد يؤمن بالبراءة، وينكر تزامن الصدف إنكاراً تاماً" ص112. وحتى العلاقات الجنسية الحميمة لن تكون سرّية كما يجب، ولاسيما في موسم القيظ واضطرار الناس للنوم على أسطح المنازل؛ "وكانت هي ( فيكتوريا ) ومريم تسمعان كل شيء وتشاهدان الكثير. كانت النساء العنيدات يغتصبن في كل ليلة وهن يلعن، وكانت أخريات يشرعن أبوابهن بإذعان البهائم اللامبالية" ص13.

    فجأة تختفي شخصيات عن مسرح الحدث الروائي.. لن نعرف أي شيء آخر عنها أو عن مصائرها. وستحتل المساحة كلها، في النهاية، فيكتوريا ورفائيل مع إشارات عابرة لأولادهما. وسنتيقن أن رواية ( فيكتوريا لسامي ميخائيل ) هي رواية شخصية فيكتوريا أولاً، ورواية رفائيل ثانياً. أما البقية الباقية من الشخصيات فلم تكن سوى كائنات العالم المحيط بتلكما الشخصيتين كي تُقدّّما في إطار حركتهما، والدراما التي يصنعانها، في عالمهما. على الرغم من أن غاية الروائي كانت أبعد وأعمق من أن يكتفي بإنتاج رواية شخصية. وكما قلنا فإنها رواية مجتمع وطائفة ، وأجيال من ذلك المجتمع وتلك الطائفة أيضاً.

   يطرح لنا السارد شخصية رفائيل القوية الجذابة منذ البدء. وفي الحقيقة فإن معظم الأحداث ستبنى بحسب فعل هذه الشخصية وخياراتها وقراراتها. فنحن في مجتمع شرقي بطريركي، وسلوك الذكر وقراراته هما اللذان يحددان، أخيراً، وإلى حد بعيد، سلوك وقرارات وحركة وحظوظ النساء كما لو كن في غمار اختبار دائم لتأكيد قانون الانعكاس الشرطي ( البافلوفي ). وخلاصة حيوات النساء في مثل هذا المجتمع هي مجموعة من ردود الفعل الحاصلة تبعاً لطبيعة واتجاهات أفعال الرجال. ومنذ طفولته يكف رفائيل عن اللعب مع البنات والصبيان: "لقد غدا غريباً عن الحوش الذي ولد به. كان أكبر في تفكيره من أن يشترك في مكائد الصبيان" ص21. سيكون رفائيل مصدر اهتمام وإلهام وانجذاب كثر من النساء في هذه الرواية سواء في أثناء حضوره أو في غيابه. سيكون بحسب وصف السارد وتشبيهه دبس التمر الذي تنجذب إليه الدبابير. ستتعلق به مريم وفيكتوريا ( ابنتا عمّيه ). وفتاة الليل رحمة عفصة، وستقول عنه تويا بأنه فاتن وفاجر، وسيكون عشيق فلورا زوجة أخيه!، وستحمل منه نعيمة زوجة شريكه. أما قيمة فيكتوريا، في سبيل المثال، فلن تتعزز إلاّ بوجود رفائيل "لقد نشأت كفتاة منبوذة لدى أم مختلة العقل، ومنذ هذه اللحظة ستستحيل إلى جارية لرجل يسجد له هذا الحوش"  ص 165. فرفائيل شجاع يقرر في ذروة الخوف من الجندرمة العثمانية خوض مغامرة محفوفة بالمخاطر والهرب بأهله إلى البصرة المحتلة لتوِّها من قبل الإنكليز. ويصبح عشيق رحمة عفصة فيسافر معها إلى الشام، وحين يصاب بالسل لن يذعن لمصيره بل يذهب إلى بيروت من أجل العلاج وينجح. وهو في الأحوال كلها فحل يثير غرائز النساء "حينما كانت تتأجج شهوة جسده، كان يغدو حمامة هادلة، رذاذاً مداعباً، رفرفة حرير، همسة ريح الصبا، جمراً في ليلة قارصة، وأفقاً مسحوراً..." ص189ـ 190. ستومئ إلى فحولته الطافرة أمه وتويا ومريم. والأخيرة ستقول؛ "فكما أعرفك فإنك ستجلب الفرحة لعاهرات كثيرات، يخرب بيتك" ص370. في مقابل المعاناة المستمرة لجنس الإناث في هذا المجتمع الذكوري حيث ولادتهن بحسب رأيهن ( هنّ )؛ خطأ محض!.. تقول مريم لفيكتوريا وهي تطالبها بوأد وليدها الجديد وقد اعتقدن أنه أنثى "احمدي ربك، فالبنات مصيبة، فمن بحاجة لهن؟ انظري إليّ أنا، انظري إلى نفسك. أتظنين أننا نحتفل كل يوم بمولدنا، هيا قومي" ص238. لن تغفر فيكتوريا لرفائيل خياناته حتى ساعة موته بعد أكثر من ستين سنة، وستتحدث عن ذلك لأولادها بمرارة.

   أما الشخصية النسوية الوحيدة ذات القدرة على التحكم بالآخرين في الرواية فهي الجدة ميخال بشخصيتها القوية المهيبة، التي يُحترم رأيها من قبل الجميع. فمكانتها تتأتى من كبر سنها ومقدرة عائلتها المادية ( على الرغم من محدوديتها وعدم استقرارها ) المنتمية للطبقة الوسطى. ولأنها أم لثلاثة أبناء وجدّة لعشرات الأحفاد. ونحن نعرف دور النسب الأمومي في تأكيد الهوية في الميثولوجيا اليهودية. هذه المكانة لن تحظى بها الأخريات. وها هي نجية زوجة عزوري وكما يخبرنا السارد على الرغم من أنها؛ "كانت زوجة عمدة الحوش، فقد كانت تتصرف كخادمة منبوذة" ص9. وبطبيعة الحال فإن هشاشة شخصيتها العصابية لها تأثيرها بهذا الصدد.

مستويات أخرى للقراءة:

   يمكن قراءة هذه الرواية بمستويات أخرى عديدة منها؛

   1ـ من منظور واقعي اجتماعي وتاريخي عبر رصد التغيرات الحضارية التي أصابت مجمل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والمدنية في بغداد. وانتشار وسائل التكنولوجيا الحديثة، والحراك الاجتماعي الحاصل بتأثير ذلك ( دخول السيارة والراديو والسينما، وانبثاق المتاجر العصرية ـ أوروزدي باك ـ ومهن جديدة كالطب والصيدلة ). لكن الروائي لا يتوقف عندها كثيراً، ربما لأنه لا يريد الإطالة، كما فعل عبد الرحمن منيف في الجزء الأول من روايته ( مدن الملح ). ولعلّه لم يكن يعتقد أن هذا هو مقصده الأساس.

   2ـ من منظور وجودي لأنها تحكي عن الإنسان في لحظات سمّوه ودناءته، وقوته وضعفه وتمرده واستسلامه وأمله ويأسه.. في بحثه عن الحرية والكرامة وفي صراعه ضد قدره.. في شكه ويقينه وحيرته وتساؤلاته وشجاعته وجبنه.. إنه الإنسان من لحم ودم، يحب ويكره، ويخلص ويخون. ويتآمر ويحقد ويصادق ويندم ويمارس العنف وسفاح القربى ويبكي ويصرخ ويشد قبضته بغضب ويتطلع بإباء إلى الغد حتى وإن كان على وهم كبير.

   تكمن أهمية رواية فيكتوريا، في نهاية المطاف، في أنها تعرِّفنا على جوانب من حياة الطائفة اليهودية في بغداد، في النصف الأول من القرن العشرين، حيث عاشوا قروناً طويلة. وكانت لهم مساهمتهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. وكانوا جزءاً من نسيج المجتمع العراقي. وتطيح هذه الرواية بتلك المعلومة الزائفة العالقة في أذهان كثر من أبناء جيلنا والتي مؤداها بأن اليهود العراقيين كانوا أغنياء جميعاً. ففي هذه الرواية سنكتشف حقيقة أوضاع تلك الفئات من اليهود الفقراء الذين كانوا يتعرضون للاستغلال الطبقي ويعانون الجوع والحرمان والذل كغيرهم من العراقيين الكادحين. وكنا نأمل أن يعدد الروائي مدارات حركة الشخصيات وعلاقاتها لتشمل طيفاً أوسع لألوان ذلك المجتمع. ويخرجها ( أي الشخصيات ) من الغيتو الذي رسمه لها ليكون أكثر صدقاً ودقة في إبداعه الفني، وبناء عالمه الروائي، بيد أن تحيزاته المسبقة قلّصت أفق سرده.

   فيكتوريا رواية مشوقة في أحداثها، جريئة في طرحها، قراءتها ممتعة. وتمثل أرشيفاً عن حيوات الناس الذين صورتهم. ولا تلغي أهميتها، بأية حال، الملاحظات والمؤاخذات التي ذكرناها.

   * ( فيكتوريا ) رواية سامي ميخائيل.. ترجمة؛ سمير نقاش.. دار الجمل/ ألمانيا.. ط1/ 2005.

 saadrhm@yahoo.com       

  

سعد محمد رحيم


التعليقات

الاسم: سعد محمد رحيم
التاريخ: 30/07/2010 17:05:15
صديقي الجميل فراس الشيباني
افتقدك وأرجو الاتصال بي
مع الحبة

الاسم: فراس الشيباني - ديالى
التاريخ: 28/07/2010 10:57:11
كيف انت ياصديقي الرائع ما زلت كما عهدتك نشطا محبتي




5000