..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الحنين في قصيدة ابن زريق البغدادي / الفصل الأول

د. خير الله سعيد

الورقة الأولى 

جاء في لسان العرب "الحنين: الشديد من البكاء والطرب، وقيل: هو صوت الطرب، سواء كان ذلك عن حزن أو فرح"(1) والحنين هو الشوق وتوقان النفس، وقد عرفت الناقة بهذا الحنين أكثر من سواها، وبها ضرب المثل(2)، أما عند الانسان فالحنين هو اشتياق ولوعة وألم داخلي من غير صوت(3)، والمستحن، هو الذي استحنه الشوق إلى وطنه، أو ما يعرف بالاصلاح الإنكليزي (Home Sickness). وهذا الإيغال الروحي بالجيشان العاطفي يخامر المرء ويستولي عليه أحياناً وفي حالة انتقاله من مكان لآخر، لا سيما إذا نأت المسافة بين الانسان وأهله، والحنين الى الوطن هو الطاغي على لب المرء سواء أكان في سفر أم في عمل، فما بالك إذا كان الابتعاد مفروضاً على الإنسان؟

يقول الشاعر الجاهلي -المتلمس الضبعي(4):

 

إن العراق وأهله كانوا الهوى

 

فإذا نأى بي ودهم فليبعدِ

 

فالشاعر هنا حدد بقعة الأرض "الوطن" وأخذت الأولوية في الإسقاط الشعري والوجداني معاً، ومن ثم جاء "الأهل" بعد الوطن، والمتلمس الضبعي أبعد قسراً من العراق، نظرا لموقفه الرافض لسلطان "عمرو بن هند" على نفسه وقبيلته، فالموقف هنا،سياسي بالضرورة، لكن انعكاساته تخترق مكامن النفس من الداخل، وتصبح لوعة دائمة للحنين والحقد في آن معاً، فالحنين للأرض والحقد لما على الأرض من سلطان وعشيرة، والشاعر ضمن رؤيته القبلية-وقتذاك- يضع الملامة على قبيلته التي طالبها بأن تثور على عمرو بن هند، رمز الظلم، في العراق -أيام المناذرة -والذي حرم عليه دخول العراق، ونظراً لعدم استجابة قبيلته، فهو يوجه نار حقده المتأججة في المنفى، فيقول لها، بعدما يوجه اللوم لنفسه(5):

 

فلتتركنهم بليل ناقتي

 

تذري السماك وتهتدي بالفرقدِ

لبلادِ قوم لا يرام هديهم

 

وهدي قوم آخرين هو الردي

إن الخيانة والمقالة والخنا

 

والغدر أتركه ببلدة مفسدِ

 

فالحنين هنا مصدره "فعل ثأري" شخصي منعكس من شعور جمعي هو شعور القبيلة، وعلى ضوء هذا الشعور تتأقلم الأحاسيس في منظورها التاريخي، وهذا الشعور الجمعي ظل يرافق الشعراء في كل مراحل حياتهم وتطورها في مختلف العصور، مصحوباً بنـزعة نحو التمرد، تؤكد ذات الشاعر وفرديته أكثر من سواه، فهذا "سوار بن المضرب" يؤكد هذا النـزوع التمردي ضد سلطة بني مروان الأموية معتمداً على المسوغ القبلي في صدور الموقف، يقول:

 

أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي

 

وقومي تميم والفلاة ورائيا

 

وهكذا نشاهد أن حالات التمرد تصاحب هاجس الشعور بالانتماء للقبيلة والأرض التي تسلط عليها القبيلة نفوذها. وحينما نصل إلى العصر العباسي نحس بوجود هذه المشاعر ثابتة نسبياً، إلا أن الهوى تكون الغلبة له، نظراً للحالة الاجتماعية-الاقتصادية المتطورة والآخذ بالنمو والتصاعد، الأمر الذي يبرز حالة الاستقرار والتوطن في بقعة محددة.

أن تطور الحالة الاقتصادية في العصر العباسي، جعل حالة الناس أميل إلى تفجير سواكنهم الداخلية، وإلى الغنى الروحي والثقافي، وقد شكلت ظاهرة "الشعراء والكتاب" لوحة واضحة المعالم على الحياة الاجتماعية، فانتشرت الملاهي، وعرفت بغداد الكثير من المغنين والمغنيات فضلاً عن الشعراء، وعجت بهم قصور الخلفاء، وأصبح الشعر والغناء حديث الأنس والمنادمة عند العامة والخاصة، وتهذب الشعر، وتطورت الفاظه، وجيء بالجديد منه، وقد لعب الحب دوراً بارزاً في تفجير براكين الشعر، وأصبح الشعراء يصنفون (كطبقات) في الجودة والصناعة وكانوا أحد الأركان الرئيسية والمهمة في صرح الثقافة العربية، ومن بين هؤلاء سنقف على واحد من المقلين، جادت قريحته بقصيدة عصماء خالدة، ظلت المجالس الأدبية تتناقلها جيلاً بعد جيل، ذلك هو الشاعر الكاتب "أبو الحسن علي بن زريق البغدادي" وقصيدته كانت بمثابة استكمال لحالة الظرف، حتى قيل :"أن من قرأ لأبي عمر، وتدين بمذهب الشافعي، وكان أشعري العقيدة، ولبس البياض، وتختم بالعقيق، وحفظ قصيدة ابن زريق، فقد استكمل الظرف"(6) وهذا التخصيص لابن زريق يجعله في السلم الأعلى لشعراء تلك الفترة من جهة، ومن جهة ثانية، يؤكد أهمية قصيدته تلك، باعتبارها إحدى قلائد ذلك العصر الذهبي الذي رفلت به بغداد أيام مجدها العباسي، وبقيت صدى حتى هذا اليوم.

إن موضوع الحنين في الشعر العربي له حضور في كل البقاع، وعلى ما يبدو ان هيجان العاطفة بالصبابة والوجد بالمحبوب، شكل عنصراً مهماَ من مقومات شعر الغزل في تلك الفترة، فما من شاعر إلا وعرج عليه بشعره، وما حضر مكان وداع إلا وذكر به موقف الشاعر، يجسد الحالة الإنسانية للحظة الوداع تلك، والتي قد تفجر الشوق دفعة واحدة، يقول أحدهم(7):

 

وبي علاقة وجدٍ ليس يعلمها

 

إلا الذي خلق الإنسان من علق

 

بيت واحد، ولكن يكشف عن مقدار اللوعة المشوبة بعاطفة الوجد الصادقة، فالشاعر هنا يحتكم إلى خالقه وهو "الله" لما يعانيه من ألم ذاك الوداع، فكيف إذا حكم الفراق؟!

يقول العزازي- شهاب الدين أحمد بن عبد الملك(8):

 

لا تسلني عما جناه الفراق

 

حملتني يداه ما لا يطاق

أين صبري، أم كيف أملك دمعي

 

والمطايا بالظاعنين تساق

قف معي نندب الطلول فهذي

 

سنة قبل سنها العشاق

وأعد لي ذكر الغدير فكم مـــا

 

ل بعطفي نسيمه الخفاق

في سبيل الغرام ما فعلت بالـ

 

ـعاشقين القدود والأحداق

يوم ولت طلائع الصبر منـا

 

ثم شنت غاراتها الأشواق

 

هذه اللوعات الإنسانية موجات من اللهب تبعثها النفوس فتحرق بها ألإجساد، كان هذا الشاعر يعيش في القاهرة ويقول هكذا بالوداع، مع انه تاجر دائم الترحال من أجل تجارته، فيها يجاريه شاعر آخر من الموصل اسمه (المهذب بن أسعد الموصلي) جال بشعره آفاقاً بغية نيل مراده من الأعطيات، إلا أنه يتمزق في لحظات الوداع وهو دون الفراق، اسمع ما يقول:"9"

 

 

دعني وما شاء التفرق والأسى

 

واقصد بلومك من يطيعك أو يعي

لا قلب لي فأعي الملام فإنني

 

أودعته بالأمس عند مودعي

هل يعلم المتحملون لنجعة

 

أن المنازل أخصبت من أدمعي

كم غادروا حرضاً وكم لوداعهم

 

بين الجوانح من غرام مودع

والسقم آية ما أجن من الجوى

 

والدمع بينة على ما أدعـي

وهذا قاضٍ، ألم به الوداع، وحرقته لحظة الفراق وهو المعروف بالقاضي بهاء الدين السنجاري يقول (10):

 

أحبابنا مالي على بعد المـدى

 

جلد ومن بعد النوى أتجلد

لله أوقات الوصال ومنظرا

 

نظراً وغصن الوصل غصن أملد

أنى يطيق أخو الهوى كتمانه

 

والخد بالدمع المصون مخدد

ما بعد مفترق الركاب تصبر

 

عمن أحب فهل خليل يسعد؟!

يا سعد ساعد بالبكاء أخـا هوى

 

يوم الوداع بكى عليه الحسد

تلك لوعات الشعراء والكتاب والقضاة، ما هي إلا رجع الصدى لقصيدة ابن زريق البغدادي فلقد سبقهم بعصره، وسما عليهم بشوقه ولوعته، فاسمع ما يقول في تلك القصيدة(11) :

 

لا تعذليه فإن العذل يولعـه

 

قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه

جاوزت في نصحه حدا أضر به

 

من حيث قدرت أن النصح ينفعه

فاستعملي الرفق في تأنيبه بـدلا

 

من عنفه فهو مضنى القلب موجعه

قد كان مضطلعا بالخطب يحمله

 

فضلّعت بخطوات البين أضلعه

يكفيه من روعه التشتيت أن له

 

من النوى كل يوم ما يروعه

ما آب من ســفر إلا وأزعجه

 

عزم إلى سفر بالرغم يزمعه

تأبى المطالب إلا أن تكلفه

 

للرزق سعياً ولكن ليس يجمعه

كأنما هو في حل ومرتحل

 

موكل بفضاء الله يذرعه

إن الزمان أراه في الرحيل غنى

 

ولو إلى السند أضحى وهو يقطعه

وما مجاهدة الإنسان واصلة

 

رزقاً ولا دعة الإنسان تقطعه

قد قسم الله بين الناس رزقهم

 

لا يخلق الله من خلق يضيعه

لكنهم كلفوا حرصاً فلست ترى

 

مسترزقاً وسوى الغايات يقنعه

والحرص في الرزق والأرزاق قد قسمت

 

بغي ألا أن بغي المرء يصرعه

والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعه

 

عفواً ويمنعه من حيث يطمعه

أستودع الله في بغداد لي قمراً

 

بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه

ودعته وبودي لو يودعني

 

صفو الحياة وإني لا أودعه

وكم تشفع بي أن لا أفارقـه

 

وللضرورات حال لا تشفعه

وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى

 

وأدمعي مستهلات وأدمعه

لا أكذب الله ثوب العذر منخرق

 

مني بفرقته لكن أرقعه

إني أوسع عذري في جنايته

 

بالبين عنه وقلبي لا يوسعه

أعطيت ملكاً فلم أحسن سياسته

 

وكل من لا يسوس الملك يخلعه

ومن غدا لابساً ثوب النعيم بلا

 

شكر عليه فعنه الله ينـزعه

اعتضت من وجه خلي بعد فرقته

 

كأساً يجرع منها ما أجرعه

كم قائل لي ذقت البين قلت له

 

الذنب والله ذنبي لست أدفعه

هلا أقمت فكان الرشد أجمعه

 

أو أنني حين بان الرشد أتبعه

لو أنني لم تقع عيني على بلد

 

في سفرتي هذه إلا واقطعه

يا من أقطع أيامي وأنفذها

 

حزناً عليه وليلي لست أهجعه

لا يطمئن بجنبي مضجع وكذا

 

لا يطمئن به مذ بنت مضجعه

ما كنت أحسب أن الدهر يفجعني

 

به ولا أن بي الأيام تفجعه

حتى جرى الدهر فيما بيننا بيد

 

عسراء تمنعني حقي وتمنعه

وكنت من ريب دهري جازعاً فرقاً

 

فلم أذق الذي قد كنت أجزعه

بالله يا منـزل القصر الذي درست

 

آثاره وعفت مذ بنت أربعه

هل الزمان معيد فيك لذتنا

 

أم الليالي التي أمضته ترجعه

في ذمة الله من أصبحت منـزله

 

وجاد غيث على مغناك يمرعه

من عنده لي عهد لا يضيع كما

 

عندي له عهد صدق لا أضيعه

ومن يصدع قلبي ذكره وإذا

 

جرى على قلبه ذكري يصدعه

لأصبرن لدهر لا يمتعني

 

به ولا بي في حال يمتعه

علماً بأن اصطباري معقب فرجاً

 

فأضيق الأمر إن فكرت أوسعه

عل الليالي التي أضنت بفرقتنا

 

جسمي ستجمعني يوماً وتجمعه

وإن تغل أحداً منا منيته

 

لا بد في غده الثاني سيتبعه

وإن يدم أبداً هذا الفراق لنا

 

فما الذي بقضاء الله نصنعه

 

ظروف كتابة القصيدة :

تخبرنا المصادر التي تحدثت عن ابن زريق وقصيدته(12) أنه كان يحب ابنة عم له، تعلق بها فؤاده، ورحل عنها من بغداد، لفاقة علته، فقصد أبا الخير عبد الرحمن الأندلسي، ومدحه بقصيدة بليغة، ولم تذكر المصادر تلك القصيدة، كما أننا لم نعثر على ترجمة وافية لحياته وصناعته في الكتابة والشعر، فأغلب مؤرخي الأندلس لم يذكروه، بالرغم من وفادته عليهم وكذلك لم يذكره لا صاحب "الاغاني" ولا صاحب "الوزراء والكتاب" بالرغم مما عرف عنه أنه كان كاتباً، والرواية التي اعتمدنا عليها تشير الى أن ابن زريق بعد مدحه لأبي الخير عبد الرحمن الأندلسي، لم ينل منه إلا عطاء قليلاً، فاغتم لذلك كثيراً وقال:"إنا لله وإنا اليه راجعون، سلكت القفار والبحار الى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء؟!". والرواية نفسها تذكر أن عبد الرحمن أراد بذلك أن يختبره، ولعل هذه العبارة أضيفت على الرواية بعد الحادث، أي بعدما علم الجميع بوفاة ابن زريق وموته كمداً، ونحن نرى أن هذا الوالي كان بخيلاً، بالرغم مما يشاع من مسألة الإختبار، فلو كان عبد الرحمن يقدر حال المحتاج من أمثال ابن زريق لما دعاه أن ينـزل في ذلك الخان الذي وجدوه ميتاً فيه، وكان حرياً به أن يقدر مشقة سفره وبعد طريقه، والغاية التي دفعته لأن يطرق بابه. على أية حال، تذكر الرواية ان ابن زريق بعدما غادر قصر عبد الرحمن، تذكر فراق ابنة عمه، وحن الى اهله والديار، وراحت المسافات الشاسعة تضرب أسواراً من بعد الشوق عليه، واصطدامه بخيبة الأمل في سفره هذا، وما حل به من ضيق ذات اليد، فاعتل غما ومات كمدا، قالوا: وحين افتقدوه وجدوه ميتاً، وعند رأسه رقعة مكتوبة فيها تلك القصيدة.

المتأمل في قصيدة ابن زريق، يتلمس عن قرب، ويقف على أنساق متعددة من لواعج الشوق تنتظم عموديا بوحدة لغوية متينة، اتخذت من حرف الروي "العين والهاء" حجر أساس، وشيدت عليه ذلك البنيان الرصين، فكان البناء صرحاً جميلاً خالدا من الشعر، توشحه قلائد يحملها المعنى المضمر في الأبيات، وتفوح منها رائحة الحنين بأريج ربيعي- نفسي، حملته اللغة بتلك المفردات المشحونة بالألم وعذاب الفراق لتقول للمتتبع: قف، فهنا كمون إنساني، قد مر بهذا الكون بفترة تاريخية محددة استطاع أن يسمو بإنسانيته على كل مفارقات عصره.

تتمحور القصيدة في اتجاهات خمسة أساسية، تتداخل مع بعضها وتتساوق أحياناً ملتزمة الايقاع النفسي قبل الايقاع الفني، بحيث يكون الثاني صدى للأول، وبالرغم من أن الثاني يعطيها حلاوة الديباجة قبل طعم المذاق الداخلي النفسي، لكن المتلقي، يصبح أسيراً للواقع الأول، حالما يكون قد بدأ يدخل ويتلبس جو القصيدة من خلال الايقاع الثاني، المحاور الخمسة هذه تتقاذف المتلقي من حالة لأخرى ومن انفعال لآخر، وكلها يطبق عليه بجمالية آسرة، بالرغم من طغيان الحزن والشوق في أبيات القصيدة، لا سيما وأن الشاعر يبدأ الحوار مع نفسه.

ويمكن توزيع هذه المحاور الخمسة على النحو التالي:

المحور الاول - محور اللوم والتعنيف:

 في هذه القصيدة ينطلق الشاعر من (مونولوج) داخلي، يحاكي فيه نفسه، ويحاكمها على لسان غيره من الذات الجوانية، موجها الحديث لنفسه بهذا الإسقاط بزواية حادة ملؤها اللوم والصدق، نتيجة ألم حدث، فهو يقول في البيت الأول:

 

لا تعذليه فان العذل يولعه

 

قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه

 

هنا يحاول الشاعر الارتقاء بالحالة النفسية من التقريع الى التفريغ، كمسوغ سيكولوجي لتجاوز حالة المألوف لما هو واقع، ضمن شروط الحدث وموضوعيته المبنية على ما هو كائن وقائم بالفعل، وهو ما يتضح أكثر في البيت الثاني، فمن توتر عال الى هبوط هادىء، ينـزل بالتدريج الى الحالة الطبيعية، ولكن بايحاءات مستمرة تصدر عن موقف إنساني، يكون معادلاً موضوعياً لتصوير حالة الشاعر قبل طغيان هاجس اللوم عليها، لذلك يقول في البيت الثالث:

 

 

فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا

 

من عنفه فهو مضنى القلب موجعه

 

فالاشارة الى استخدام " الرموز" هي دلالة على بلوغ التعنيف حداً مضاعفاً من قبل "أنا" المتكلم زائد شدة وقوع الحدث من خلال انتصاب حالة الحدث بشكل كامل في كيانه، وتلبس للحالة في الزمان والمكان، وهو ما يثبته البيتان-5 و6- في القصيدة، فهو يشتكي فيهما من حالة الرعب الذي يخالج روعه في كل يوم، إضافة الى حالة عدم الاستقرار في المكان!

 

يكفيه من روعة التشتيت أن له

 

من النوى كل يوم ما يروعه

ما آب من سفر إلا وأزعجه

 

عزم إلى سفر بالرغم يزمعه

هذه الحالة - اللا استقرار- ظاهرة تتلبسه وتظل قائمة معه، حاضرة أبداً وتسحب بقايا انعكاساتها على ترحاله الدائم، والواضح المعالم في محور القصيدة الثاني.

المحور الثاني- محور العيش في التناقضات:

تتشكل معالم هذا المحور من الأبيات 7-14 وهي تستمد ايقاعها النفسي والدرامي من سالفتها بحيث تشكل الابيات الأوائل أرضية للحدث، توصله الى جو الحالة المتناقضة والتيعاش أولياتها تقريعا وعنفا، إلا أنه يحاول إثبات وجوده في لجة الكون المتناقضة، فهو يقارع ويعاند غير مستسلم إلا أن الظروف لها القهر عليه:

 

تأبى المطالب إلا أن تكلفه

 

للرزق سعيا ولكن ليس يجمعه

 هذا الإصرار وراء الرزق عنده يكون مصاحبا لحالة اليأس من "الرزق" فيتجه ايمانه لقوى الغيب، بأن سعيه مقدور ومكتوب، بمنظور جبري يشد رؤيته، لذلك يستسلم - ضمن هذه الرؤية- في الأبيات 9-14 بشكل متسلسل في معنى واحد، هو الايمان بتقسيم الأرزاق.

 

كأنما هو في حل ومرتحل

 


موكــل بفضاء الله يذرعــه

إذا الزمان أراه في الرحيل غنى

 

ولو إلى السند أضحى وهو يقطعه

 

فالامل لكسب العيش واضح، الا ان الايمان بالقدر مخيم تماما عليه، وهو الغالب، حتى انه يقول:

 

قد قسم الله بين الناس رزقهم

 

لا يخلق الله من خلق يضيعه

ويختم المحور الثاني بالبيت 14 بمفارقة عجيبة هي استمرار لرؤيته القدرية، بالرغم مما يقع به من تناقضات حياتية، كتجاوز حالة - الحرص- كمبدأ أخلاقي، ضمن حالة مفروضة، يحاول نبذها من منطلق الطهارة الصوفية المنبعثة من القلب لمواجهة ذلك الواقع المفروض، والذي يسمه التناقض في أغلب صفاته، يقول:

 

والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعه

 

عفوا ويمنعه من حيث يطمعه

المحور الثالث - محور الحنين واللوعة:

يكاد هذا المحور يشكل البنية الأساسية للقصيدة، حيث أن الشاعر يزوغ أحيانا بحالة الاستطراد وجموح الخيال الى محور آخر، إلا أن هيمنة الجو الحنيني، وجو الحالة المنفعلة معه يظل هو السائد دوما.

تعلو هذا المحور صرخة مرارة ينفثها صدر مكلوم، فجرها الحنين الجارف بقلب الشاعر وهو في منأى عن الأهل والأوطان، يقول في البيت15 وهو الهلال في هذا المحور:

 

أستودع الله في بغداد لي قمراً

 

بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه

 

هذه الزفرة المكلومة تتجاوز وجود البشر، أو تحاول ذلك، لتضع الأمانة "الحبيب "بيد خالق البشر ضمن فهم الشاعر ورؤيته السالفة، في مكان معلوم اسمه "بغداد "وفي جانب مخصوص اسمه " الكرخ"(13) محاولاً التدليل على وجود الحبيب بشكل أقرب للذهن، والذي كناه بـ"القمر" ليستعيض به عن اسمه، وحدد مطلعه من "فلك الأزرار" من هذه الصورة الآخذة بسحر الخيال، لا سيما في الشطر الثاني من البيت، ينقلنا الشاعر إلى أحاسيسه الداخلية ليعلن عن حالة الوجد المتقدة عن الفراق والتوديع حتى يشعرك بسيل هذه المعاناة النفسية، وحالة التداعي بهذا الوجد، تضفي شيئاً من لوعة الحب المستساغة لأنها تعيد شيئاً من الذكريات يحاول من خلالها المرء الارتقاء بحالته الراهنة إلى حالة أصفى نفساً ووجداناً، لتتجاوز الواقع، لذلك يقرب لواعج لحظات الوداع إلى خاطره فيقول في البيت 16:

 

ودعته وبودي لو يودعني

 

صفو الحياة وأني لا أودعه

ويستطرد في البيت 17 ليثبت صحة ادعاء حبيبه:

 

وكم تشفع بي أن لا أفارقه

 

وللضرورات حال لا تشفعه

فالتشبث بعدم السفر يثبت عند حبيبه بوجود حكمة عقلية "قناعة" ترتبط بالواقع الموضوعي تتنافى وركوب موجة العاطفة التي يغامر من أجلها العاشق، لذلك يجسد حنين الوداع بالأبيات 18-19-20:

 

وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى

 

وأدمعي مستهلات وأدمعه

لا أكذب الله ثوب العذر منخرق

 

مني بفرقته لكن أرقعــه

إني أوسـع عذري في جنايته

 

بالبين عنه وقلبي لا يوسعه

 

فيما تظهر حالة التمزق الروحي من الداخل "الباطن" حيث أن بوح الشاعر يظهرها من خلال ثوب العذر المنخرق "الظاهر" المفضوح في لحظة الوداع، بالرغم من جلّ الحياء ويحاول ترقيعه، لكن ما في الروح هو الغالب.

المحور الرابع- المحور السياسي:

يتشكل هذا المحور من بيتين هما: 21 و22 وهما بمثابة رؤية سياسية- أخلاقية،تمت بصلة الى المحور الأول. لكنها بشكل أوسع، وهما بمثابة تقريع للنفس التي لا تعرف سياسة حواسها " التربية الأخلاقية للذات". ويشكل هذا الإسقاط في التجربة ما يطلق عليه "خاص معمم" ينعكس بتأويله على الحالة السياسية في مختلف الظروف والأزمان، إلا أن شرك التناقض في البيت 22 يظهر من خلال تقديم الوازع الديني-الاخلاقي على الواقع الحياتي- الاجتماعي وسحب ذلك على الحالة الشخصية، كجزء من الظاهرة:

 

أعطيت ملكاً فلم أحسن سياسته

 

وكل من لا يسوس الملك يخلعه

ومن غدا لابسا ثوب النعيم بلا

 

شــكر علـيه فعنه الله ينـزعه

عودة إلى المحور الثالث:

يسحب الشاعر الظرف السياسي "العام" على فرديته "الخاص" ليدلل على ذاته بالمشكلة نفسها، لذلك يعود الى أحاسيسه المفاض عنها في "المحور الثالث" ولكن بشكل يرتبط مع حالة الأسى والتعنيف والحنين والندم (الأبيات 23-24-25-26) ثم ينسرح في تمادي حالة اللاوعي المأخوذة بجامع الحنين الآسر والمطبق على كل الجوارح:

 

يا من أقطع أيامي وأنفذها

 

حزنا عليه وليلي لست أهجعه

لا يطمئن بجنبي مضجع وكذا

 

لا يطمئن به مذ بنت مضجعه

 

هنا في الأبيات تظهر حالة جديدة في لاوعي الشاعر، يسقطها دون أن يعيها، إلا وهي ترافق المكان مع ذكر الحبيب، ولكن صيغة المكان لم تبرز كمفردة مستقلة، بل جاءت مضمرة في المعنى "البيت28" وتحديدا في كلمة "مضجع"(14)، فالنفس لا تهجع في محل لا ترضاه، فكيف إذا نأت المحال بالحبيب؟!، فالهجوع المستقر يكون مع الحبيب وبالأرض التي تأويه.

وثمة حالة أخرى تبرز بلغة الخطاب الشعري، هي أقرب الى لغة التصوف، في التوحد مع المعشوق، فمحمول المعاني في البيت 28 ذاته، يدلل على هذا التوحد، حيث هجوع الأول مرهون بهجعة الثاني، في الزمان والمكان.فإن انفلجت وشيجة التلاقي، كان الهجوع محالا.

المحور الخامس - محور التمني:

يبدأ هذا المحور مع البيت رقم32 في القصيدة، وهو يشكل هلالا ثانيا، يناغم الهلال الأول في - المحور الثالث- ويزيد التقارب معه من ناحية امتداد النور النفسي لآهات الذات ولواعج الشوق، ولكن بحالة مستسلمة، تركن الى الموادعة والاستسلام للقدر الكائن، إلا أنها تستخدم لغة التمني، لغة التوسل الكسيرة والنابعة من تشظي الروح في هول الفراق، يقول هلال المحور وما يليه:

 

بالله يا منـزل القصر الذي درست

 

آثاره وعفت مـذ بنت أربعـه

هل الـزمان معيد فيك لذتنــا

 

أم الليالي التي أمضته ترجعه

حالة من التداعي تعيدنا الى الشعر الجاهلي وطللياته، وهي حالة وجدانية خالدة، دأب عليها الشعراء الذين سبقوه من الجاهليين وحتى أوانه "العصر العباسي" ولكن مع اختلاف في الظروف والحالة الاجتماعية، ففي زمان الشاعر حضور العامل الديني قائم بشدة، وينعكس عنده في صنف "التضرع لله" والاستسلام للقدر من أجل حبيبته:   

 

في ذمة الله من أصبحت منـزله

 

وجاد غيث على مغناك يمرعه

 

فالمكان هو الشاغل للحيز الأكبر في مشاعر الشاعر وأحاسيسه، أي أن حضور المكان هنا قد تلبسه وأطبق عليه، ولكن حالة الأسر هذه مشروطة بوجود الحبيب القاطن في ذلك المكان.ونظرا لبعد المسافة بين الشاعر وحبيبته، من الناحية الجغرافية، تعود ذات الشاعر الى محورها الديني، كي يقنع ذاته بأن الحبيب تحرسه رعاية الله، كما يقول في البيت 34. وضمن هذا السياق الديني، ترتقي الحالة الوجدانية الى التصديق بالمقابل "الحبيب"، وفق ما تحسه الذات الحانة الى صنوها، ذلك الصنو الذي يتجسد أبدا في حالتي الشعور واللاشعور وفي حالة السمو والتماهي:

 

ومن عنده لـي عهد لا يضيع كما

 

عندي له عهد صدق لا أضيعه

ومن يصـدع قلبي ذكــره وإذا

 

جرى على قلبه ذكري يصدعه

 

هنا نحس بتماثل مطلق لشيء في ماهية واحدة لذلك نرى أن عملية الإحساس واحدة في طرفي تلك الماهية، فإذا انصدع قلب، حن عليه القلب الآخر وانصدع لاجله، وتلك حالة تبرز مدى مصداقية الحب في بناءين مختلفين "بيولوجيا". وعلى هذا الأساس يكون هناك بناء موقف ذاتي، ينطلق من كينونة حالة ذلك الشيء المتناهي في اندماجه، ألا وهو -التجمل بالصبر- وهو ما يعلنه في البيت 37:

 

لأصبرن لدهر لا يمتعني

 

به ولا بي في حال يمتعه

فالصبر هنا "ضمن قراءة الشاعر" حالة زائلة مرهونة بزوال المؤثر "النوى" ومن بعد ذلك تعود الحالة للصفاء اثر الرجوع "العودة" ذلك الحلم الخالد أبدا في الوجدان والكيان، وهو ما انجلى بوضوح في البيتين 38-39:

 

علماً بأن اصطباري معقب فرجاً

 

فأضيق الأمر إن فكرت أوسعه

علّ الليالي التي أضنت بفرقتنا

 

جسمي ستجمعني يوماً وتجمعه

 

فالمفردات "عل" من أفعال المقاربة والرجاء و"س" المستقبلية في "ستجمعني " "تنبىء عن وجود تفاؤل مضمر، يرافق ذلك الشعور بالإحباط الوارد في أغلب المحاور، لكن هذا التفاؤل يظهر كوميض أمل خافت البصيص ممزوج بالترجي" حالة الضعف والوهن" وهو أصل غير متيقن منه حتى عند الشاعر، فالمفردة لا تزال قلقة في لغته الوجدانية، وقد كشف البيت رقم 40 ذلك بجلاء:

وإن تغل أحداً منا منيته

 

لا بد من غده الثاني سيتبعه

 

حيث القلقلة تفضح حالة الشاعر الواهنة والمستسلمة لما هو صائر. حالة محسوسة لا تحتاج الى نقاش، لكن الجميل في هذا الحسم هو الركون الى التوحد حتى بعد الممات، حيث تبرز من جديد حالة التماهي، فإذا رحل أحدهم اليوم، فلا مفر أن الثاني لاحقه في الغد، فهذا الإطلاق المتصافي في التماهي والتوحد، حالة نادرة لا يعرفها إلا الذين عشقوا بصدق، لذلك تكون المفردات المعبرة عن حياتهم صورة مرآتية لما هم عليه من الوجد واللوعة والإحتراق، ومن هنا تبرز حالة ابن زريق المتسلمة والراكنة الى "القضاء والقدر" المحتوم عليه، فيستجيب له راضياً في آخر بيت بقصيدته إذ يقول:

وإن يدم أبدا هذا الفراق لنا

 

فما الذي بقضاء الله نصنعه

 

استسلام للقدر يجد فيه اليائس راحة لروحه التي أضناها الأمل المستحيل.

*             *             *


 

الإحالات والهوامش للفصل الأول

 

1-لسان العرب :مادة "حنن".

2-أنـظر رسائل أبي العلاء المعري1/107 -تحقيق د.إحسان عباس- منشورات الشروق- ط 1 بيروت 1982.

3-لسان العرب : (حنن).

4-شعراء النصرانية/ ص 340-341- طبعة بيروت.

5- المصدر السابق، وانظر كذلك "الغرب في الشعر الجاهلي" لعبد الرزاق الخرشوم/ ص81- منشورات اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1982م.

6-حاجي خليفة/ كشف الظنون 2/1329/ منشورات مكتبة المثنى بيروت.

7- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب- للمقري التلسماني 1/82 - تحقيق د. إحسان عباس- منشورات دار صادر- بيروت 1968.

8- المنهل الصافي 1/340 ونفح الطيب 1/83.

9- أنظر ترجمته في :الخريدة" القسم الشامي 2/279وكذلك الروضتين لأبي شامة 2/16و29.

10- انظر ترجمته في "وفيات الأعيان" لابن خلكان- 1/214- تحقيق إحسان عباس -بيروت- بدون تاريخ.

11- أخذنا نص القصيدة من كتاب "نفح الأزهار في منتخبات الأشعار "ص5-7، جمع شاكر البتلوني وتصحيح إبراهيم اليازجي، كما ورد النص عند ابن حجة الحموي في كتابه "ثمرات الأوراق" المسطر على هامش كتاب "المستطرف" للأبشيهي 2/210-213 منشورات دار الفكر، بيروت ، بدون تاريخ.

12- كان من المفترض العودة للصفدي وكتابه "الوافي بالوفيات" الجزء 12 ص 65-67 كما تحيل ذلك أغلب المصادر السابقة، لكن جزء 12- لم نعثر عليه بدمشق- لا مخطوطا ولا مطبوعا لذلك لجأنا الى اخذ هذه النبذة من كتاب "نفح الأزهار في منتخبات الأشعار" وقد ذكر الفيروزابادي في "القاموس المحيط" وكناه بالزريقي وقال عنه :شاعر معروف أنظر مادة (رزق).

13- الكرخ- هو الجانب الغربي من بغداد، بني قبل الجانب الشرقي (الرصافة). أنظر- ياقوت الحموي : معجم البلدان 4/448- مادة(كرخ)- منشورات دار صادر بيروت 1957.

14- أنظر مادة (ضجع) في لسان العرب

 

 

د. خير الله سعيد


التعليقات

الاسم: abraheem alammari
التاريخ: 29/12/2014 08:26:36
شكرا لكم

الاسم: الطاوس
التاريخ: 06/02/2013 19:56:55
بارك الله فيكم وشكرا عل الميضوع بصراحة المعلومات جد مفيدة

الاسم: علي السوداني
التاريخ: 08/07/2010 16:08:25
خيرالله ابا سعاد صديقي الجميل
دراسة هي نص على نص وحنين فوق حنين والقصيدة كنت سمعتها مرارا مغناة ومجودة ومرتلة بصوت عبد الرحمن خضر
محبتي وكاسي
علي
عمان حتى الان




5000