.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
.
عبدالجبارنوري
د.عبد الجبار العبيدي

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حوار في كتاب أجراه وديع شامخ مع باسم فرات / الحلقة الثامنة

وديع شامخ

باسم فرات
باسم فرات 

تقديم الناقد الدكتور حاتم الصكر

س37: في دراسة عميقة عن الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار عن الشعر ولاسيما الشاعرين الفرنسيين لوتريامون ومالارميه كتبها الباحث المغربي سعيد بوخليط ..لاحظت أن غاستون باشلار قد صنّفَ الشعراء إلى صنفين: فئة تعيش فى زمان عمودى حميمى وباطني، بينما تتماهى فئة ثانية مع زمان حي، محول، ومتوقد مثل سهم...أين تجد نفسك ؟ وفي السياق ذاته اين أنت من مفهومي الغموض والعمق في الشعر ودور الخيال في استخدامهما لصالح بناء نص شعري محكم وكبير ؟

أنا شاعر حياة، أهضم ما أقرأ وما أعيشه، لستُ شاعرَ كتبٍ وأبراج عاجية، رغم عدم إيماني بالتصنيف، الذي أراهُ تحجيماً للشاعر، الشعر لديّ ينبع من تجربةٍ معيشة، يُشَعرنه الخيال وتُشذبه الخبرة.

الشعر شعرٌ، إن كان واضحاً أو كان غامضاً، وليس كل وضوحٍ مباشرة وتسطحاً مثلما ليس كل غموض يعني العمق، الشاعر الحقّ هو الذي يكتب نصه، لأن الكتابة لديه ضرورة وحاجة ملحة، وعندما يكون الغموض تلقائياً وضمن متطلبات النص، وليس مقحماً واستعراض عضلات فهو حتماً يمنح النص تأويلاً وتعدد قراءات.

في قصيدتي "قلعة هيروشيما" استخدمت كلمة "سامورائيون" ولأنها جديدة ولم تستخدم من قبل، بل إني اجترحتها، ولكوني أنتمي لبلد لم يكتشف الكتابة فقط، بل هو أيضاً مَن علمّ الناس الكتابة بالأبجدية العربية، وهو من قَعّد العربية ووضع لها علومها من نحو وبلاغة ...الخ كما وضع المعاجم حتى أصبح للغة العربية مدرستان في النحو هما الكوفة والبصرة وكلاهما عراقيتان، وحين حاول البعض أن يدمجهما خرجت علينا مدرسة بغداد، أقول أمام كل هذا التاريخ الزاخر لما قدمه أجدادي، حرصت أن أكون دقيقاً حين اجترحت هذه الكلمة، فارسلتها لمن أثق بهم من شعراء ونقاد، فكان مع الاستحسان جملة جميلة تكررت وهي "شكرا لك لقد جعلتني أعيش في عوالم سحرية للمكان كما في الواقعية السحرية" هذه الجملة وإن كانت بصيغ مختلفة وصلتني ولكن فحواها واحد، وضربت بها المثل، لأعبر عن دور الخيال وأهميته في النص، فلولا الخيال لما وصلتنا نصوص كبار الشعراء وبلغات عديدة.

النص المُحكم هو المبني على الخيال والتجربة ويحتمل القراءة المتعددة، ويمنح قارئه متعة حقيقية ولذة بحيث يعلق بالذاكرة على الأقل اسم الشاعر، وأقول اسم الشاعر لأنه من الصعوبة أن تقرأ عشرات النصوص لشاعر ما وكلها تبقى في الذاكرة، قد تنسى عناوين بعض القصائد ولكن الأجواء الشعرية عموماً تسحرك، فمن منا من لم تبلله أنشودة المطر وتغرق سفنه في بويب، بينما الأخضر بن يوسف يدلنا على مدينة أين، والحياة قرب الأكربول نجد فيها مهيار ينشدنا شيئاً من "لن والرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" راكباً حصان العائلة ينوي الرحيل الى الشجرة الشرقية ليقابل سيدة التفاحات الأربع ويغتبط بزيارة السيدة السومرية رغم حزنها في ضوء القمر على طائر آخر يتوارى خلف جنائن آدم بمسائه الشخصيّ وهو يتلو قصيدة صور مستمتعاً بفصول من رحلة طائر الجنوب مغرداً للغبار..لشمدين..لأدوار الفريسة وأدوار الممالك، حالماً بالزوال وأوراقه مقرظاً الطبيعة....... وغيرها من المجاميع الشعرية التي حفرت لها مكاناً مميزاً في ثقافتنا وذائقتنا.

لا إبداع بدون خيال، وشاعر مبدع وكبير يعني شاعراً كبيراً ذا خيالٍ واسع ونص كروي وما أعنيه بالنص الكَرَوي، هو النص الذي يشبه الحقيقة كلّ يراها من منظاره، وهكذا النص الكَرَوي كل قارئ يراه ويُؤَوّله من خلال زاوية نظره، أي فهمه وخياله وأدواته النقدية والمعرفية.

س38: هل تؤمن بدور الإشاعة في صنع شاعر؟ وهل تختزن ذاكرتك من هؤلاء الشعراء صوراً، بالإمكان استعادتها الآن لتصحيح التقويم الشعري، وهل تختزن أسماءً في الضد طمستها الإشاعة وساهمت في تهميش تجربتها الشعرية؟

الإشاعة ظاهرة تملأ حيواتنا في كل المجالات، وليس الشعر وحده، وقد خلقت الكثير من الأسماء التي لا تستحق عُشر ما حصلت عليه، على الأقل في بداية مشوارها كما في شعراء المقاومة الفلسطينية، فشعراء السلاطين هم مَن تسيدوا المشهد وأصبحوا نجوماً، والسلاطين هنا من مفردة سلطة، فهي لا تعني الحكام فقط وإنما هناك شعراء لولا أحزابهم ومنظماتهم لما وصلوا الى ما وصلوا إليه، فالحزب سلطة بما يملكه من اعلام وإمكانيات، وهناك المراهقة السياسية وسلطتها القوية رفعت من شأنهم، مثل دعاة اليسار أو القومية، فتعاطف جمهور عقيدة ما بكل طبقاتها من القيادة الى القاعدة، تتكاتف أو تأتيها الأوامر فترفع شاعر القبيلة، وإن أصبح أبناء القبيلة الحديثة لا ينتمون الى جد أعلى، وإنما الى عقيدة وفكرة سياسية أَلّهوها.

مما يؤسف له نجد أن الكثير من القرّاء تبهرهم الأسماء اللامعة، وينظرون بقدسية أو بإحترام كبير على الأقل لكل ما تنتجه الأسماء المشهورة التي ترسخت بفعل الإشاعة، وكم من خطبة سياسية جوفاء، لا تمتّ للشعر بصلة، راح الجمهور يتناقلها ووسائل الإعلام، وبعض النقاد يكتبون المطولات في تأويلها، بينما هي سطحية وتضرب عادة على وتر العاطفة، حتى أصبح المساس بهذه الأسماء من باب المحرمات.

وإن كنت لا أحبذ ذكر الأسماء، ولكن ألا ترى أن جمهور محمود البريكان وأدونيس وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وسركون بولص وعبدالرحمن طهمازي ومؤيد الراوي وأحمد الباقري وعيسى حسن الياسري والقائمة تطول، ربما لا يصل الى واحد بالمئة الى جمهور نزار قباني ومحمود درويش، ولو استثنينا أدونيس، فان الأسماء المذكورة نادراً ما حظيت بجائزة أو تكريم يليق بها.

بعض الشعراء يجيدون الحديث عن أنفسهم لمناسبة ومن دونها، ويضخمون ما يقال عنهم ولديهم قدرة عجيبة على عرض بضاعتهم رغم أنها في كثير من الأحيان أقل من العادية، وحين يلتقون بشخصية أدبية مشهورة، فكأنما اللقاء بها تقريض على أنهم ولجوا الإبداع بأدواتٍ مكتملة، ولا أكتمك إشفاقي على هذه النماذج وهي تلهج ليل نهار بحمد نفسها وتمجيد ما تكتبه، لتصل الى درجة الوهم، وكيف أن لهم تلاميذ وأتباعاً... الخ ويحدثونك عن سرقات يتعرضون لها، بحيث أصبحوا يخشون نشر نتاجاتهم.

هذه الفئة وللأمانة التاريخية موجودة في كل زمان ومكان، وبعض الشعراء الجيدين أصيبوا بها، ومردّ ذلك الى العقل البدوي، المؤمن بشاعر القبيلة، فكم من شاعر حداثوي، يتمنى أن يلهج بذكره الجميع، وأن تقف نسوة القبيلة صرعى حبه، ويُحتفى به كما كان يُحتفى بولادة شاعر قبل خمسة عشر قرناً، ولا أعلم كيف لا يلاحظون التناقض بين دعوتهم للحداثة التي من أبرز مميزاتها إنها لا تؤمن بالشاعر الأوحد والأعظم وأمير الشعراء، وبين سلوكياتهم.

نعم هناك شعراء أساءت لهم الإشاعة وطمست منجزهم عن الإعلام، ولكن القارئ المحترف وهو الذي أبحث عنه وأعتبره مبدعاً آخر للنص، لا يمكن أن يلتفت لشعراء الإشاعة، مثلما وبكل محبة يحتفي بمنجز من غُبنَ وتمّ تجاهله.

الحديث عن الإشاعة، لا يمكن إختصاره بإجابة مهما كانت طويلة.

س39: أنت هنا تتحدث عن الإسماء المسوّقة والمعروفة ولا تذكر أسماء  من الشعراء الذين همشوا ولديهم مشاريع شعرية حقيقية، لم تتطرق الى أسماء الشعراء الذي سبقوك أو جايلوك أو جاءوا بعدك .... أليس هذا إهمالاً مقصوداً ؟

ليس إهمالاً، بل إن الاسماء من الكثرة بحيث يصعب عدها، كما أن مفهوم التهميش يختلف من شخص لآخر، لقد سمعت مَن يقول إن سليم بركات هُمّش، وعزوا الأمر الى تطرف قومي يسود الثقافة العربية، وكذا قرأت لشاعر آخر ممن يكتبون بالعربية، وكتابته تكاد تكون تقليداً لشاعر من إثنيته، ولكنه يريد أن يحتفي الإعلام العربي به، وهؤلاء يجهلون حقيقة وهي إن ما حصل عليه سليم بركات من شهرة لا يمكن مقارنتها بشعراء عرب بل ومنهم مَن يمتّ مثلا بوشائج قربى ومناطقية ومذهبية وقومية مع النظام السابق في العراق، ومع ذلك مات مجهولاً في العالم العربي، وأعني به الشاعر رعد عبدالقادر، هذا الشاعر الذي كتب عنه أحد الشعراء المجايلين له أو أكبر قليلاً، إنه لم يسمع به قبل موته، فهل هناك فاجعة أكبر من هذه، أليس جهل معظم الشعراء العرب برعد عبد القادر في حياته، تهميشاً، يكون أمامه الرأي الذي يرى أن الشعراء غير العرب ممن يكتبون بالعربية مهمشون، رأياً أبعد ما يكون عن الدقة.

من الصعب إعطاء رأي شخصي في الشعراء، نعم هناك شعراء أحتفي بتجاربهم، ولكني أحاول أن أنأى عن ذكر الأسماء، لأن الذاكرة مهما كانت قوية فلا بد أن تغفل أسماء عدة، كما لايمكن تجاهل ظاهرة تضخم الأنا بشكلها البدويّ - السلبي، فنسيان اسم ما، يعني فقدانه، والوقوع في إشكالية إجتماعية تسقط اوارها على ما هو إبداعي، كما إني بعيد عن العراق منذ نيسان 1993 وهذا يجعل الأمر أكثر صعوبة، فحتماً هناك تجارب خلاقة ولكنها ظلمت لأسباب شتى، وذكر غيرها يعني المساهمة غير المتعمدة في تهميشها.

إن ظاهرة تخلي أغلب الشعراء عن الشعر، أو انطفاء بريقهم بعد سنّ الأربعين أو قبله بقليل، ليجعل من غير الحكمة الإستعجال بإطلاق أحكام على مّن هم دون سن الخمسين بسنوات، أو في الغالب الأعم من لم يتجاوزوا الأربعين.

ربما من سار في رحلة اللاعودة، ممكن الحكم عليه، ولكن البقية لَهُوَ أمر صعب فعلاً، فعشرات الشعراء الذين إستمتعنا بنصوصهم وهم في النصف الأول من الثلاثينات، قد تخلوا عن مشروعهم، بعد سن الخامسة أو الثامنة والثلاثين، وكأنهم تعبوا، أو سرقتهم الصحافة منا أو التجارة، وربما العائلة والشعور بعدم الجدوى، فمن يُصَدق أن صاحب الأب في مسائه الشخصيّ، سوف يتوقف ويعلن إن عدم الجدوى هي السبب، ومثل زاهر الجيزاني ينطبق المثل على عشرات ربما لم يحققوا عُشر ما حققه الجيزاني، أو ربما ضعف ما حققه.

س40: يحتاج الشعر الى أكثر من عمر على حد تعبير الشاعر الراحل محمود البريكان، وهو الذي مات ولم يترك سوى مجموعة من القصائد المتناثرة في مجلات وملفات محدودة، ترى هل تصح هذه المقولة فيك وأنت الذي أنجزت ثلاث مجموعات شعرية والرابعة قيد الإنجاز؟

وسركون بولص يؤمن أن الشعر يستحق أن نخصص له أكثر من حياة، وأتفق مع الاثنين فيما ذهبا إليه، أما بخصوص النشر، فعلينا أولاً أن نؤمن بحقيقة وهي وجود شعراء مكثرين وشعراء مقلين، وشعراء بين بين، بل وشعراء مسرفين بالكتابة، وأكرر ما أردده دائماً، وهو إني شاعر وَثَنيّ ولا أتبع سوى نفسي، وهذه ليست نرجسية وإنما هذا ما أراه لكي أتجاوز الجميع بما فيهم باسم فرات ذاته، فإن نشر البريكان مجموعة أو لم ينشر وإن نشر سركون بولص ستّ مجموعات أو ست عشرة مجموعة، وإن نشر سعدي يوسف مجموعة واحدة أو خمسين مجموعة، وإذا وصل أدونيس الى المجلد العاشر أو إنه لم ينشر سوى بضع قصائد، هذه لا تعنيني إطلاقاً، لأني بدون نموذج ولا أؤمن بمثال لي، شيخي الأكبر والأهم هو باسم فرات الذي أؤنبه دائماً وألومه وأراه مقصراً في كل الأمور.

هذا من ناحية أما من الناحية الأخرى، فعلينا أن نميز بين مجموعة شعرية وأخرى، من الناحية الكمية، فمجموعتي "أنا ثانية " عدد صفحاتها هو 64 صفحة فقط، بينما هناك مجاميع تتجاوز المئتي صفحة، أي صفحات مجموعة واحدة يفوق مجموع صفحات مجاميعي الثلاث.

وإذا قارنا بين السياب والبريكان وكلاهما من البصرة ومن الرواد وولادتهما متقاربة جداً ولكن الفرق أن الأخير عاش ثلث قرن على الأقل أكثر من السياب، في حين إن منجز السياب الكمي أضعاف منجز البريكان، وأهمية وتأثير السياب في الشعرية العربية أكبر بدون أدنى شك، كما أن منجز أدونيس الكمي وهو يكبر البريكان بعام واحد، لغاية وفاة الأخير هي أضعاف أضعاف ما نشره البريكان، وكذا الحال ينطبق على منجز سعدي يوسف الكمي رغم ان سعدي يصغر البريكان بثلاث سنوات، ولا يمكن لأحد أن يشكك بأهمية أدونيس وسعدي على الأقل مقارنة بالبريكان وتأثيرهما في الشعرية العربية، إذن لا علاقة بين الكم والنوع، فكم من شخص نشر بضع قصائد خلال سنوات عديدة ولكنها لا تستحق الورق الذي كتبت عليه، بينما نجد أحياناً من كتب عشرات القصائد خلال فترة قصيرة، وفيها شعرية خلاّقة، الإبداع شرطه الموهبة والإخلاص والمثابرة والشعور بالمسؤولية والإصرار على التجاوز، وهناك من هو مكثر وهناك من هو مقلّ، وطالما سمعتُ من يراني مقلاً.

أؤمن أن الشعر يستحق أن نتفرغ له تماماً وإن ننظر إليه كمقدس يستحق أن تكرس له حياتك، وهذا قليل بحق الشعر.

س41: أنت من المعجبين بتجربة الشاعر الراحل سركون بولص، وهو من يعتنق اصطلاح القصيدة الحرة بديلاً عن المفهوم الشائع عن قصيدة النثر، وأنت توافقه أيضاً، ولكن سركون لم يتخل تماماً عن الوزن وهو يميل إليه أحياناً في إنجاز نصوص رائعة، بوصفك شاعراً "حراً بواسطة النثر"، ما أهمية وجود أو انعدام الوزن في نصك الشعري؟

أنا شاعرٌ وثنيّ وإعجابي بسركون لا يختلف عن إعجابي بعشرات الشعراء غيره ممن يكتبون بالعربية أو بغيرها، ولو قلتُ ان سركون هو الشاعر الوحيد، فهذا تأليه غير مبرر يناقض فهمي الوثنيّ ــ المتعدد للشعر، وفهمي للحداثة المبني على عدم التأليه والفردانية في أي مجال من مجالات الثقافة.

أما عن مفهومي، لما نكتب من أنه قصيدة حرة وليست قصيدة نثر في معظم المنجز المكتوب بالعربية، فهو متأتٍ من المتابعة الحثيثة وغزارة قراءاتي للتراث، مما شَكّلَ أو نَمّى لدي أذناً موسيقيةً ترهف السمعَ بدقة، ولهذا أجد في ما نكتبه وزناً من نوع اخر، بل موسيقى لا تخطئها الأذن المتمرسة، وإن كان سركون بولص وعبدالقادر الجنابي وآخرون وأنا منهم نؤمن أن هذا هو الشعر الحرّ وليس قصيدة نثر، فهنا لابد من ذكر محادثات بيني وبين الشاعر وسام هاشم، الذي يطلق عليها القصيدة الصوتية، أذكرها لكي لا يضيع حقه، ومعنى الصوتية هي تلك القصيدة التي تقرأ، وليست الخطابية النبرة كما في معظم ما يسمى بشعر المقاومة، ويكون لصوت الحرف علاقة بالكلمة، والكلمة بالجملة، والجملة بالقصيدة ككل، وأرى انها فكرة تؤسس لقطيعة إيجابية مع التراث، وتعطي القصيدة الحديثة مكانة في ذائقة المستمع العربي الذي أدمن الصوت وأعتاد عليه، وأرى أن وسام هاشم وطالب عبد العزيز خير من يمثلان هذه القصيدة.

رغم انحيازي التام للحداثة، ولكني أجد لزاماً على كل شاعر أن يكون له إطلاع جيد على علم العروض، وأن تكون قراءته للتراث جيدة، فليس كل التراث منظومة إنشائية، بل إننا لو وضعنا في تصورنا الفترة الزمنية التي أنتج فيها سوف نجد حداثة تفوق في حالات معينة حداثة أغلب شعرائنا، فحداثة أبي نؤاس وبشار بن برد وسواهما أفضل بما لا يقاس من كل منجز الإحيائيين، وأما التصوف فقد فتح للغة آفاقاً رحبة، وما زلنا نقرأهم وجمرة الإبداع تلفعنا.

شخصياً كتبت نصوصاً موزونة، وكانت مجموعتي الأولى "أشدّ الهديل" تحوي أكثر من قصيدة موزونة، ولست ضد الوزن، ولكني مع الجملة الحداثوية، جملة خطاب تجبرنا على الإعتراف بتفردها، لا أن تكون جملة تقليدية أُشبِعَتْ استهلاكاً، وتصيبنا بالغثيان.

س42: في إجابتك التباس واضح في حدود مصطلح " القصيدة الحرة" وأنت تقول "ولهذا أجد في ما نكتبه وزناً من نوع آخر، بل موسيقى لا تخطئها الأذن المتمرسة"، هل تعني أن القصيدة الحرة تخلصت من الأوزان الخليليلة وإيقاعاتها وأسست لها أجنحة وأقفاصاً أخرى، أين هي بالتحديد أوزان وإيقاعات القصيدة الحرة التي تكتبها؟

لا أؤمن بالآلهة ولا أعبد أصناماً، فالشاعر هو محطم الأصنام وسارق الأزل من الآلهة، وما فعله الخليل بن أحمد الفراهيدي بقدر ما هو إنجاز يحسب له، بقدر ما هو تقعيد للاوزان يكبلها بالنمذجة، وكل تقعيد تكبيل، وكل نمذجة لابد للشاعر الهازئ بآلهة قومه وأصنامها، أن يرفضها، الشعر أكبر من أن تحده أوزان معدودة، وأن يحيط به شخص واحد أو عدة أشخاص ليقولوا هذا هو الطريق الأصوب والأوحد فاسلكوه.

الشعر عالم قائم بذاته وهو غاية الغايات بلاشك، وما دعوة كبار الشعراء الى أن الشعر يحتاج الى تخصيص حياة كاملة أو حيوات له، إلا لأنه لا حدود له، ولهذا نجد الثورات الدائمة والخروج على النمطية، ففي الوقت الذي تقيأت المطابع لنا مئات المجاميع الشعرية ذات الصراخ العالي والخطابية وكأنها مناشير سياسية وليست قصائد تنبع من ذات قلقة متمردة على السائد والمألوف، كان ثمة شعراء يجترحون أنماطهم الشعرية، متخلصين من وصايا الخليل وقوانينه المحدودة، مؤمنين أن أوزان الشعر وموسيقاه لا يمكن حصرها في أشكال معينة، وهكذا أسسوا أوزانهم الخاصة بأجنحتها التي لا يمكن لقفص أن يحتويها.

ألم تخبرنا كتب التراث عمن كان يرد على النحويين والنقاد بقوله: علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا، أو: أنا أكبر من العروض. نعم الشاعر أكبر من العروض وله أن يقول وعلى الآخرين أن يتأولوا، ولولا هذه الحرية المعطاة للشاعر لما استمتعنا بالمنجز الهائل والمتنوع للشعر.

إذا اعتبرنا الأوزان والإيقاع هو ما جاء به الخليل لا غير، وهو النموذج الوحيد والأوحد فبكل تأكيد، أن ما أكتبه لا وزن له ولا إيقاع، بل إن منجزاً مهماً في الشعرية المكتوبة باللغة العربية، هو ابن غير شرعي مما يستدعي طرده خارج القبيلة، ولكن الأمر سوف يختلف تماماً حين ننظر لكتاباتنا على أنها خروج على النمذجة، وتحطيم للأصنام، وكفر بالآلهة، من هنا سوف ننظر للأمور بمنظار جديد، سوف ننظر بعيوننا، ونسمع بآذاننا، ونتذوق الإبداع بملكاتنا ووعينا وثقافتنا، لأنهم ببساطة يريدوننا أن نفعل كل شيء من خلال الأموات، نطرب للموسيقى الشعرية التي قررها لنا الأسلاف - الأموات، ونكتب حسبما رسموه لنا، ونميز بين الشعر وبين اللاشعر من خلالهم، فأين نحن إذن؟، من هنا يكمن جوهر فهمي لكل شيء وليس للشعر فقط، أفهم وأتذوق وأحب وأميز وأستمتع بوعيي وحواسي أنا لا بوعي وحواس الآخرين.من خلال ما أسلفت أستطيع القول إن ما يكتبه غيري وأنت منهم وأكتبه، تنبع موسيقاه من ذات النص، لا من نمذجة الآخرين.

 

وديع شامخ


التعليقات

الاسم: ,وديع شامخ
التاريخ: 30/05/2010 14:06:59
الاصدقاء رحيم الحلي وشهد عامر
الحوار ثقافة ووعي ومسؤولية
اشكركما على هذا الاطراء الجميل وهو غاية ما نصبو اليه
ان يكون حوارانا بهذا العمق
مودتي

الاسم: رحيم الحلي
التاريخ: 29/05/2010 17:02:41
لإشاعة ظاهرة تملأ حيواتنا في كل المجالات، وليس الشعر وحده، وقد خلقت الكثير من الأسماء التي لا تستحق عُشر ما حصلت عليه، على الأقل في بداية مشوارها كما في شعراء المقاومة الفلسطينية، فشعراء السلاطين هم مَن تسيدوا المشهد وأصبحوا نجوماً، والسلاطين هنا من مفردة سلطة، فهي لا تعني الحكام فقط وإنما هناك شعراء لولا أحزابهم ومنظماتهم لما وصلوا الى ما وصلوا إليه، فالحزب سلطة بما يملكه من اعلام وإمكانيات، وهناك المراهقة السياسية وسلطتها القوية رفعت من شأنهم، مثل دعاة اليسار أو القومية، فتعاطف جمهور عقيدة ما بكل طبقاتها من القيادة الى القاعدة، تتكاتف أو تأتيها الأوامر فترفع شاعر القبيلة، وإن أصبح أبناء القبيلة الحديثة لا ينتمون الى جد أعلى، وإنما الى عقيدة وفكرة سياسية أَلّهوها.
مما يؤسف له نجد أن الكثير من القرّاء تبهرهم الأسماء اللامعة، وينظرون بقدسية أو بإحترام كبير على الأقل لكل ما تنتجه الأسماء المشهورة التي ترسخت بفعل الإشاعة، وكم من خطبة سياسية جوفاء، لا تمتّ للشعر بصلة، راح الجمهور يتناقلها ووسائل الإعلام، وبعض النقاد يكتبون المطولات في تأويلها، بينما هي سطحية وتضرب عادة على وتر العاطفة، حتى أصبح المساس بهذه الأسماء من باب المحرمات.
وإن كنت لا أحبذ ذكر الأسماء، ولكن ألا ترى أن جمهور محمود البريكان وأدونيس وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وسركون بولص وعبدالرحمن طهمازي ومؤيد الراوي وأحمد الباقري وعيسى حسن الياسري والقائمة تطول، ربما لا يصل الى واحد بالمئة الى جمهور نزار قباني ومحمود درويش، ولو استثنينا أدونيس، فان الأسماء المذكورة نادراً ما حظيت بجائزة أو تكريم يليق بها.
بعض الشعراء يجيدون الحديث عن أنفسهم لمناسبة ومن دونها، ويضخمون ما يقال عنهم ولديهم قدرة عجيبة على عرض بضاعتهم رغم أنها في كثير من الأحيان أقل من العادية، وحين يلتقون بشخصية أدبية مشهورة، فكأنما اللقاء بها تقريض على أنهم ولجوا الإبداع بأدواتٍ مكتملة، ولا أكتمك إشفاقي على هذه النماذج وهي تلهج ليل نهار بحمد نفسها وتمجيد ما تكتبه، لتصل الى درجة الوهم، وكيف أن لهم تلاميذ وأتباعاً... الخ ويحدثونك عن سرقات يتعرضون لها، بحيث أصبحوا يخشون نشر نتاجاتهم.
هذه الفئة وللأمانة التاريخية موجودة في كل زمان ومكان، وبعض الشعراء الجيدين أصيبوا بها، ومردّ ذلك الى العقل البدوي، المؤمن بشاعر القبيلة، فكم من شاعر حداثوي، يتمنى أن يلهج بذكره الجميع، وأن تقف نسوة القبيلة صرعى حبه .
الشاعر باسم فرات اهنئك على هذه الصراحة والشجاعة ، بدر شاكر السياب اهمل في زمانه ، من قبل بعض قيادات الاحزاب العراقية وتم تفضيل شاعر اخر لا اريد ذكر اسمه احتراما لرحيله ولانه ختم حياته بموقف نبيل ضد ديكتاتورية
صدام ، تم تفضيل هذا الشاعر على بدر لاسباب حزبية وصار يدرس في جامعات موسكو في قسم الاداب الشرقية بينما كان بدر يعاني من مرض ينخر رئتيه وبحاجة للعلاج خارج العراق ، حتى القوميون لم يهتموا به الا لغاية في نفس يعقوب لم يهتموا به لا بعد ان امتلاء قلبه غيضاً وهو يرى الاهمال المتعمد لشخصه ولحقه الانساني في العلاج ،السلاطين ولاحزاب اللاديمقراطية لم تحترم الانسان نفسه فالانسان لايمكن طرده من الديوان في لحظات كما تطرد القبيلة احد المخالفين لاحكامها ، محمود درويش حين ساله احد الادباء لماذا يحضر المربد في ظل حاكم طاغية يقمع المثقفين والادباء؟! قال : لا اريد ان اموت كما مات السياب شحاذاً ، السياسة عندما تستخدم الشعر فانها تهينه وتصغره ، فالشعراء المروضون هم احصنة السلاطين ويصهلون في اصطبلاتها ، لكن لايمكن ان يكون الشعر صهيلاً .
اتذكر ان شاعرا تدلل كثيراً من قبل بعض الاحزاب وافرغت له المراكز الثقافية وبعد ثلاثين عاماً من الرعاية والتسمين بقي هزيلاً كالشبح بالكاد تستمع اسرته لقصائده الخالية من الحياة .
تحية لك شاعرنا العذب باسم فرات ، تحية وتقدير للاستاذ الجليل وديع شامخ ، وللدكتور جاسم الصكر.

شكرا لهذه الدراسات الثمينة انها محاضرات رائعة في الفكر والثقافة .
رحيم الحلي

الاسم: شهد عامر
التاريخ: 29/05/2010 14:46:11
استمتعت كثيرا واستفدت أكثر بهذه المحورة الشيقة بين محاور فصيح مطلع وبين شاعر أعشق كلماته بلا حدود صديق منذ زمن ...




5000