.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حوار في كتاب أجراه وديع شامخ مع باسم فرات / الحلقة الخامسة

وديع شامخ

 باسم فرات
باسم فرات

تقديم الناقد الدكتور حاتم الصكر

 

س29: القراءة هي إحدى أهم مكونات الكائن البشري وهي بعد الذاكرة، تقع في الخندق المتقدم لحصانة العقل وزينة الرؤية، بل إنها الفعل الحتمي لإنتصاب الإنسان عقليا  بعد أن حرره العقل من التقوس والإنحناء بيولوجياً كما يقال "العمل خالق الإنسان ومحرره، وهو الكفيل بإنتقاله من مرحلة القردية الى الإنسانية؟ ولو اختلفنا على مراحل تطور الإنسان وإنتصاب قامته، وما دور العمل في ذاك، فهل لك أن تقصّ علينا حكايتك مع القراءة، ودورها في إنتصاب الكائن الإنساني والإبداعي فيك؟

القراءة هواية وحاجة وسلوك، ومثلما وجدت نفسي أعشق الشعر وأكتبه وأنا في الابتدائية، كذلك وجدتني أقرأ بِنَهْمٍ كل ما يقع تحت نظري، وما زلت أتذكر كيف كنت أغتنم فرصة، إرسالي لشراء جريدة "طريق الشعب" فأقضي طريق العودة للمحل الذي كنت أعمل فيه، قارئاً الجريدة، وكم إصطدمت بالناس، والإشياء أثناء ذلك، وشكراً للحظ الذي أسعفني، برب عمل ليس صديق والدي فقط وإنما كان الرجل يرسلني في الوقت الذي يزوره أصدقاؤه، مما يعني أنه ينهمك بالحديث معهم وهذه فرصة لي، آمنتني من عقابٍ بسبب التأخير.

وأما جاري الذي التهمته حرب السنوات الثمانِي فصوته الغاضب مزمجراً لم تمحه الأعوام رغم مرور أكثر من ثلاثين عاماً ربما، بعد أن ساعدني في الحصول على كتابٍ كان يتهادى وسط النهر، فابتلّ هو كما الكتاب، مطلقاً دعاءه الذي يعبر عن وضع سياسي مأزوم في البلاد خصوصاً وكنت لا أترك ورقة في الأرض إلا وحملتها متفحصاً ما تحوي " يارب في يوم تلتقط منشوراً شيوعياً وتُمسك، لكي تترك هذه العادة للأبد".

ولي مع القراءة والكتاب الكثير من النوادر، مثلاً كنت أذهب إسبوعياً لبغداد منتصف ثمانينات القرن العشرين، حاملاً ما تجمع في ثلاث محال للتصوير الفوتوغرافيّ، من طلبات تكبير بحجوم غير متوفرة لدينا، وكانوا يمنحونني مبلغ خمسة دنانير، ثمن الرحلة ووجبة طعام، وكنت غالباً ما اقضي وقتاً في مكتبات شارع السعدون، وأقتني بعض الكتب، وأحياناً بعض المجلات الأدبية التي لا تصل لكربلاء لأنها مستوردة أصلاً بكميات قليلة، وفي يوم صرفتُ كل ما معي من مالٍ على الكتب، معللاً النفس، إن أجرة الطريق تكفي ولست بحاجة لطعام أو شراب، وما هي إلا ساعتان وأصل إلى البيت وبعد الأكل والشرب يصبح الجوع والعطش ماضياً بينما الكتب تبقى، ولكني عانيت من جفاف وجوع أربكني لدرجة أنه قبل وصولي للبيت بعدة مئات من الأمتار، شاهدني أحد الأصدقاء فظن إني أسرفت في احتساء الخمر، ولم يخفف قوة الصداع والوهن شيء ما طوال اليوم.

منذ البداية كنت أنوّع قراءاتي، ولم أقرأ الإبداع فقط كالشعر والقصة والرواية والمسرحية بل قرأت الكتب الدينية إسلامية ومسيحية وبعض الشيء عن اليهودية، إضافة الى التاريخ والفلسفة والميثولوجيا.

تتبعي لمرجعيات الشعراء والأدباء الذين احببتهم كما أسلفت في موضع سابق من الحوار، نفعني كثيراً في تنوع قراءاتي، كذلك كنت وما زلت حين اقرأ كتاباً جيداً أحاول قدر الإمكان الحصول على بعض مصادره المعتمدة.

أحببت التاريخ منذ طفولتي، ولم أجد يوماً صعوبة في حصصه المدرسية، وأؤمن إنه أُس المعرفة، وقد لاحظت وجوده في كل مكان، فلا وجود لمن دَرَسَ الشعر والأدب عموماً وكل أنواع الفنون والعلوم إن لم يدرس شيئاً عن تاريخها.

هناك مجموعة كبيرة من الكتب التي تعد دراسات علمية وليست سرداً تاريخياً، كما في مقدمة في تاريخ الحضارات، والحياة اليومية في بابل وآشور، ولمحات اجتماعية، والعراق الطبقات الاجتماعية، ومشكلة الموصل، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، والكرد لباسيلي نيكيتين، علما إن أغلب هذه الكتب لا تخلو من الأدب والميثولوجيا وغير ذلك.

ولو أخذنا مشروع محمد عابد الجابري "نقد العقل العربي" ونقد جورج طرابيشي له، سوف نجد التاريخ والفلسفة والأدب واللغة والدين، جنباً الى جنب، في عملين مهمين رغم الكثير من تحفظاتي على عمل الجابري، بينما أجد إن جورج طرابيشي قد كتب كتاب عمره في نقد نقد العقل العربي، هذا السِفر الذي علمني الكثير مع ما قرأت لطه باقر وعلي جواد الطاهر وجواد علي وعلي الوردي وعباس العزاوي وعبدالرزاق الحسني ومحمد الحسين كاشف الغطاء وعبدالجبار عباس وحاتم الصكر وعبدالجبار داود البصري وفاضل ثامر ومحمد مبارك ورضا الطيار وطراد الكبيسي وفاضل حسين وسيار الجميل ورشيد الخيون ومحمد الجزائري وطه حسين ونصر حامد ابوزيد وسيد محمود القمني ومحمد جواد مغنية ومحمد حسين فضل الله وخليل عبدالكريم وأبكار السقاف وكمال أبو ديب وحسين مروة وهادي العلوي وأسد حيدر وعشرات آخرين من النقاد والمؤرخين والمترجمين والباحثين عرباً وغير عرب.

أول عهدي بالقراءة كان الشعر القديم بكل عصوره، وأذهلني طرفة بن العبد بمعلقته وسيرته وكذلك الأعشى ووفاء أصدقائه له، من العباسيين ثلاثة كانوا الأثيرين الى نفسي شعراً وثقافة وهم "أبو نؤاس، المتنبي، المعري"، التقطت من السياب ترداده لحلمه بقراءة الفلسفة التي أعتبرها مشروعه، ومن الجواهري تصريحه إنه يقرأ كل ما يقع تحت ناظره من الكتب المترجمة، أحببت المعتزلة كثيراً وأراهم العقل المفكر في حضارتنا، لو قدر لهم الإستمرار والتطور لما وصلنا الى ما نحن فيه من إنتكاسة، تعاطفت لفترة طويلة مع القرامطة، بينما المتصوفة سلبوا لُبّي بنصوصهم.

جماعة كركوك أقرب إليّ من جماعة شعر، وكان الجواهري والسياب والبياتي وسعدي يوسف وبلند الحيدري وحسين مردان وأدونيس وحسب الشيخ جعفر ويوسف الصائغ وعيسى حسن الياسري ومئات الشعراء الاخرين ممن ظهروا بين نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب العراقية الايرانية، قد شكلوا وعيي، وإن لم يبق من غالبيتهم سوى حقيقة إني قرأت لهم في يوم ما، ولكني لا أنكر دورهم، مثلما لا أنكر إن منهم من ما تزال بعض نصوصه مشعة في الذاكرة بشعريتها العالية.

لفترة قصيرة تعاطفت مع شعر المقاومة، ولكن إستنساخ بعضهم بعضاً وخطابيتهم وقاموسهم الضيق، ولعدم كتابة أي من شعرائها للقصيدة التي تتفق وفهمي للشعر، فقد اعتبرت تلك الفترة على قصرها هي نزوة لا غير.

قرأت كثيراً من الأدب المترجم، إضافة الى عشرات الكتب المترجمة في النقد والفلسفة والتاريخ والمعتقدات والميثولوجيا ..إلخ، وأحببتُ الأرض اليباب ل تِ أس إليوت، بشكل خاص، مثلما أحببت الكثير مما دونه يسينين والكسندر بلوك ورامبو وبودلير وأراغون وسان جون بيرس ووالت وايتمان وناظم حكمت ولوركا وبابلو نيرودا وكافافي وريتسوس وجاك بريفير وإيلوار وأبولينير وسواهم.

وإذا كان كتاب الشاعرة نازك الملائكة "قضايا الشعر المعاصر" أول كتاب نقدي وتنظيري للشعر الحديث أقرأه، وكنت في المتوسطة، فقد توالت الكتب النقدية لنقاد عراقيين وعرب، وكذلك مجموعة من الكتب المترجمة من لغات عالمية عديدة.

ديوان السياب هو أول ديوان أقرأه كاملاً وذلك عندما كنت في السابعة عشر من عمري، مع مجموعة من الكتب النقدية عنه لعبدالجبار داود البصري وعيسى بلاطة وعبدالجبار عباس وحسن توفيق، وما وقع تحت يدي من دراسات على شكل فصول في كتب أخرى ـو في مجلات أدبية، أي بمعنى قراءة منجز الشاعر وبعدها مباشرة قراءة كل ما كتب عن الشاعر وتوصلتُ إليه.

من الأمور التي تعلمتها من أساتذتي المباشرين وغير المباشرين، أعني من درّسَني فعلاً أو أشرف على كتاباتي الأولى، وغير المباشرين ممن قرأت كتبهم، إن الكتابة مسؤولية كبرى، وكل كلمة تحسب على كاتبها، الكتابة عملٌ خلاقٌ وأخلاقي، والقراءة لا تقل مسؤولية عنها، لأن القراءة الصحيحة هي عملية خلْقٍ أخرى، وهذا ما خَلَقَ لديّ ذائقة نقدية صارمة في القراءة والكتابة معاً.

س30: في الوسط الادبي دائماً يشاع عن فلان بأنه صعلوك، ومن الصعلوك تندرج تصانيف تقترب حيناً وتبتعد أحياناً من التوصيف الحقيقي لمفردة صعلوك قاموسياً وواقعياً. لفت نظري أنك مستعد لسرقة كتاب وتصفها "بأنبل السرقات" فهل هذا إقتراب من الصعاليك، أم تعكز على ما فشلت أن تكونه في الحياة والادب؟

لا أظن إن في وسطنا الأدبي صعاليك بالمعنى الدقيق للكلمة، وإنما غالبيتهم أو غالبية سلوكهم، سلوك مدمنين وشحاذين، وقد استفادوا من المطاطية التي يتمتع بها مصطلح الصعلكة كما جميع المصطلحات، وانحدروا في سلوكهم وأخلاقياتهم.

ولهذا السرقة حادثة عابرة ما زالت عالقة في بالي، وقصتها إني ذهبت الى معرض بغداد الدولي للكتاب منتصف الثمانينات، وقد إخترت حوالي خمسة عشر كتاباً جلها في النقد، ووقفت منتظراً دوري لكي أدفع، وخلفي كان شابٌ يكبرني بحوالي عشر سنوات (هو الشاعر أردال حسن إسماعيل)، سألني ماذا إخترت فأريته ورحنا نتحدث، وإذا بموظف الدفع، يعلن إنها فترة غدائه، وأغلق المكتب، فاحترنا حقيقة، كانت إحدى بوابات المعرض بقربنا، وسألت موظفة ما أين أذهب، فإذا بها تقول من هنا وأشارت الى البوابة، مع كلمات لعن للمعرض وللقائمين عليه، فقال الشاعر أردال حسن إسماعيل، هيا بنا، ومن الطريف لم يفتشنا أحد، وخرجنا، كانت هذه أكبر صفقة لي، هذه هي سرقتي الكبرى.

لكني مثلي مثل غالبية المهتمين بالقراءة,طالما دخلت مكتباتنا الخاصة كتبٌ لأصدقاء نسيناها أو انهم سافروا، أو حدث إنهم لم يرجعوا ما استعاروه فبقي ما استعرته منهم في مكتبتي.

ولقد أضعت كتباً كثيرة، بل إنني مرة شاهدت كتاباً يباع في السوق، وحين تصفحته قرأت إسمي عليه وتاريخ الإقتناء، ومازلت أتذكر كتباً استعارها الأصدقاء ولم يرجعوها.

س31: يقول الفيسوف الألماني فريدريك نيتشة: "كثير من الناس يفشل في أن يكون مفكراً أصيلاً وذلك لأن ذاكرته متفوقة".ما دور الذاكرة في حياة الشاعر إنساناً ومبدعاً؟ وما دور مرجعياتك الفكرية والحياتية في تشذيب شجرة الشعر لديك، وتسميدها بما هو صالح للبقاء والنمو؟

عندما كنت في المتوسطة قرأت ديوان أبي نؤاس وحياته، ومما تعلمته من هذا الشاعر، جملة قالها له أستاذه بعد أن حفظ لعدد كبير من الشعراء وقرأ بكل تأكيد عشرات المرات أضعاف ما قرأ، "انسَ ما حفظت" هذه الجملة لا تعني أن تلغي ثقافتك، بل إنه حين تكتب عليك أن تكون أنت لا سواك.

الذاكرة جد مهمة لكل شاعر كما لغيره، فآفة العلماء النسيان كما جاء في الأثر، وتنقسم الى قسمين، ذاكرة متلقية فقط أو ببغائية، تهلك صاحبها، لأنها ترسل له جملاً ونصوصاً ومصطلحاتٍ كلما تكلم أو كتب، ولهذا لا نجد له شخصية إبداعية خلاقة في كتابته أو حديثه.

فلا تخلو جملة أو فقرة من إستشهاد بالآخرين لدرجة اننا نلاحظ بكل سهولة أنه لا يستطيع أن يربط كلامه إلا بمقولات الاخرين، وهو حتى لو كتب عن التراث أو عن شاعر ما قبل الإسلام، فلا بد للمصطلحات الغربية وجمل نقاد وفلاسفة الغرب أن تتسللَ الى كتابته.

وذاكرة هاضمة أو منتجة، وهي التي لا تخزن لكي تجتر، وإنما تهضم وتتفاعل فيها كل القراءات، والمشاهدات والتجارب والإنصات والأحلام، لتنتج نصاً إبداعياً لا يشبه سوى منتجهِ.

الشاعر الذي لا يملك ذاكرةً حيويةً، لن يتمكن من كتابة نصوص خلاّقة، وسوف يبقى يدور في فلك الآخرين، أو على الأقل يبقى في الهامش السلبي، لأن الهامش الإيجابي معناه التغريد خارج السرب مما يلفت الانظار إليك.

س32: أعني هل مارست عملياً قطيعة معرفية مع ما سبق، أم إنك إمتداد للآخرين؟

القطيعة المعرفية، عمل وإنجاز جماعي، تتوضح صورتها ببطء من خلال تراكم إبداعي يصرّ على التجاوز، وتتفاوت خطوات التجاوز من شاعر الى آخر.

أحاول مثلي مثل عشرات الشعراء الآخرين، ممن أصبحت الحداثة همهم الأول، أن نخلق قطيعة معرفية مع ما سبق، وبكل تأكيد لكل مفهومه للقطيعة، وشخصياً أفهمها على أنها تَمَثلٌ وهضم للمنجز الشعري ككل، ومحاولة تجاوزه، لخلق نسق شعري بقدر ما هو إمتداد بقدر ما هو تجديد في البنى الإسلوبية، وماهية الشعر.هي تراكم إيجابي وليس تراكماً إنشائياً. لا أجرؤ على القول إني مارست قطيعة معرفية مع ما سبق، فهذا ادعاء لستُ من أهله، والحكم فيه للقراء.

س33: لقد مرّ الشعر العربي بمراحل تطور متعددة بدءا من شعر العمود الذي إمتد عمر إنتاجه من معلقات العصر الجاهلي ومروراً بكل جهود الشعراء أفرادا وجماعات في التجديد في المشرق العربي ومغربه وفي الأندلس كما جاء في الموشحات، وعبر جهود المبدعين الكبار كأبي نؤاس وبشار بن برد وأبي تمام والمتنبي وأبي العلاء المعري وغيرهم. الى أواخر القرن التاسع عشر بظهور محاولات جديدة في صياغة الشعر بشكل التفعيلة، والخروج من أصفاد البيت العربي القديم بتفعيلات شطره وعجزه المكررة وحرف الروي الى فضاء ابتدأ بمحاولا ت خجولة كمحاولات علي أحمد باكثير وجماعة أبولو والمهجريين، حتى وصولها الى فضاء تعبيري أرحب على يد السياب ونازك أولا ثم جاء البياتي وبلند الحيدري ومحمود البريكان، وغيرهم من شعراء العربية في مختلف الأقطار والأمصار، وفي ستينيات القرن العشرين بدأت شرارة التحرر الفعلي من الوزن والقافية، وجاء الوليد الجديد المختلف على توصيفه وشرعيته في إكتساب البنوة لآلهة الشعر العربية وأعني ما سمي بقصيدة النثر وصولاً الى المقترحات المتعددة في كتابة الشعر كالنص المفتوح والومضة ...إلخ ؟ أنت شاعر نثر أي أنك تستخدم حرية النثر لكتابة الشعر، كيف تنظر الى إشكاليات وجود عدة أنماط للبوح الشعري وهل تعدها ظاهرة إبداع طبيعية أم هي تنكر لسيرة السلف الصالح ونتاجهم العقلي والأدبي ؟

لا تنكر البتة، وإنما هي محاولات ومشاريع أبداعية خلاّقة تريد أن تضيف للمنجز الثر للشعرية العربية، وتعدد الأنماط والأشكال، إنما تدل على غنىً، فكل تنوع هو ثراء للثقافة.

التنكر الحقيقي للتراث، بل الإساءة له، حين ننسج على منواله، الاف الصفحات، التي هي عبارة عن إنشاء ممل لكثرة تكراره.

كثيراً ما تساءلت مع نفسي: "ماذا لو أن جمرة الترجمة زمن المأمون لم يخفت وهجها، واستمرت بالتوهج والتوسع لقرون تلت زمن الإنطلاقة الكبرى" حتماً كنا سنجد كل شيء في نسقنا الثقافي مختلفاً جداً، ولكان من المضحك النقاش بخصوص قصيدة النثر كما يطلق عليها، هل هي ضمن الشعر أم لا.

التنوع في الكتابة الشعرية، دليل عافية الخطاب الشعري، وإن كان أغلب ما يكتب هو مجرد إنشاء، لا أجد فيه شعراً ولو بنسبة ضئيلة، ولكن لابد من التنوع، لأنه الظاهرة الصحية والطبيعية لهذا التاريخ الشعري الطويل الذي تحفل به اللغة العربية.

أن يرى البعض استخدام حرية النثر لكتابة الشعر، أو تعدد أنواع الكتابة الشعرية، مروقاً وتنكراً لسيرة السلف الصالح، فهذا شيء طبيعي، ولكن مسيرة التطور البشري هي التي تقول كلمتها في النهاية، لأن هذه المسيرة ماضية في طريقها، ولن تلتفت للوراء، وما الإعتراضات الا لصعوبة هضم الجديد والغريب، والإستئناس بما تعودت عليه الذائقة وألفته الأذن، وأما الإتهامات ضد دعاة التجديد وحاملي لواء الحداثة، التي تأخذ أحياناً مع شديد الأسف سمة دينية فهي نتيجة لضعف منجز مدعيها أمام ما يحققه الشعر الحديث بانواعه؛ التفعيلة والحر وقصيدة النثر والنص المفتوح وقصيدة الومضة..الخ من تَسّيد للمشهد الشعري المكتوب بالعربية.

بفضل هذا التنوع والإنفتاح على ثقافات اللغات الأخرى، أصبح لدينا في القرن العشرين من الشعراء الكبار ما لم نحظَ به خلال قرون طويلة، فان كان القرن التاسع عشر أعطى فرنسا شعراءَ كباراً يتجاوز عددهم العشرة، مثل بودلير، رامبو، لوتريامون، مالارميه، فيكتور هيغو، والفريد دوموسيه، ولامارتين، فان القرن الذي تلاه أعطى اللغة العربية أضعاف هؤلاء عدداً، نعم التنوع الكتابي والحداثة من خلال الإنفتاح على تجارب أخرى منحتنا عدداً كبيراً من الشعراء المهمين، فوجود أكثر من عشرين أو ثلاثين شاعراً مهماً، ليس بالأمر الهَيّن، بل هو معجزة حقيقية، عدا عشرات الشعراء الذين تنمو الآن تجاربهم ومواهبهم ربما خلال العشرين سنة القادمة تنضج تماماً حلقاتهم الإبداعية.

س34: يعرف الجميع أن الشاعر والمفكر العربي علي أحمد سعيد "أدونيس" قد فَجّرَ سجالاً طويلاً في كتابه الثابت والمتحول عن الحداثة العربية وإشكاليات الاتباع والإبداع إذ يقول "" لا يمكن أن تنهض الحياة العربية، ويبدع الإنسان العربي إذا لم تنهدم البنية التقليدية السائدة للفكر العربي، ويتخلص من المبنى الديني التقليدي الاتباعي ".، ولقد استمر الرجل في تبني مفهوم الحداثة شعرياً، وقد جاء في كتابه زمن الشعر " يمكن إختصار معنى الحداثة بأنه التوكيد المطلق على أولية التعبير، أعني أن طريقة أو كيفية القول أكثر أهمية من الشيء المقول، وأن شعرية القصيدة، أو فنيتها هي في بنيتها لا في وظيفتها"، ولكنه في " الشعرية العربية "، الذي يعد امتدادا للثابت والمتحول يحصر أوهام الحداثة في عدة محاور وهي" 1 ــ وهم الزمنية الذي يتمثل في ربط الحداثة الشعرية باللحظة الراهنة، أي التعبير عن قضايا معاصرة؛2 ــ وهم الإختلاف عن القديم، وذلك بتناول ماهو جديد من الأفكار واختيار صيغ مخالفة للصياغة القديمة دون أن تكون شعرية حقيقية نابعة من الذات؛
3 ــ المماثلة مع الغرب، وذلك بتمثله والإقتداء به لتأسيس الحداثة الشعرية.ويعني هذا أن الغرب هو مصدر الحداثة، فلا حداثة خارج الشعر الغربي ومعاييره، أي لا حداثة إلا في التماثل مع الغرب؛4 ــ التشكيل النثري والمقصود به أن يتمرد الشاعر عن البنية الإيقاعية الخليلية ويتمثل الكتابة النثرية لخلق الحداثة الشعرية، بينما هناك نصوص إيقاعبة أكثر حداثة من القصيدة النثرية، والعكس صحيح أيضا؛5 ــ الاستحداث المضموني كما نجده عند شعراء النهضة كأحمد شوقي وحافظ إبراهيم ومعروف الرصافي، وذلك حينما تناولوا المخترعات الجديدة بالوصف كالسيارة والقاطرة والثلاجة والطائرة"... ويختم أدونيس بالقول "" فليست الحداثة أن يكتب الشاعر قصيدةً ذات شكل مستحدث، شكل لم يعرفه الماضي، بل الحداثة موقف وعقلية، إنها طريقة نظر وطريقة فهم. وهي فوق ذلك وقبله ممارسة ومعاناة، إنها قبول بكل مستلزمات الحداثة: الكشف، والمغامرة، واحتضان المجهول." ما فهمك للحداثة في الفكر والشعر العربي ؟

الحداثة مصطلح مطاط كباقي المصطلحات، بل ربما يكون مع مصطلح "حق تقرير المصير" أكثر مصطلحين تعرضا للاشكالية واختلاف الفهم والتفسير وعدم الدقة.

أتفق مع الراحل سركون بولص في قوله إن مفهوم الحداثة يختلف من شخص الى آخر، فهذا كلام فيه الكثير من الدقة والواقعية، فلا يمكن أن تتطابق نظرتي تماماً وفهمي لها مع نظرتك وفهمك لها، كما إنها بكل تأكيد تختلف مع الشخص المتدين، الذي يقيس كل شيء بمدى تطابقه أو على الأقل عدم تعارضه مع قوانين معتقده، إن كان هذا الدين سماوياً أو وضعياً أي الايديولوجيا.

ماذكره أدونيس هو تطوير وتعميق لما ذكره عباس محمود العقاد قبله، حيث كان الأخير يأخذ على الاحيائيين، فهمهم القاصر للحداثة، لأنها ببساطة تعني ألاّ تسمح لنفسك وموهبتك أن تتحول الى مستنسخ ومُلصِق جمل وعباراتٍ تحت مسميات الحفاظ على التراث والوفاء للسلف وما أبدعوه، الحداثة تستخرجك من ظلمات الماضي الى آفاق المستقبل، وفيها ترى ذاتك، مبدعاً بالغاً وحكيماً لأنك لا تحتاج الى مَن يدلك على نمط كتابيّ لتنظم على منواله، فالحداثة لا نظمَ فيها، وإنما كتابة ابداعية اجتراحية وليست اجترارية.

الحداثة لا تهدم التراث، فالتراث باق وله رونقه، ولكنها تضيف له، بل إنها عملية ضخ الروح في أنساقنا الثقافية، والثقافة هنا بمعناها الحقيقي الشامل لكل شيء من ملبس ومأكل ولغة ونمط تفكير وما جرى عليه العرف...إلخ، فهذه الأنساق في الكثير من فروعها أصبحت تستهلك نفسها وتجترّ ماضٍ كان في يوم ما ذهبياً، وهو كذلك في زمنه، ولا يمكن بعثه، لأن الأموات لا يبعثون، وإنما علينا جميعاً أن ننقد الماضي كما الحاضر، مع انفتاح حقيقي على منجزات الشعوب الأخرى شرقاً وغرباً، وبدون حساسية وتخوف، على شَرطيْ الهضم والتمثيل لا الإستنساخ الساذج.

هناك من يرى الحداثة غزواً ثقافياً غربياً لنظمنا الثقافية، ويتخوف منها، ويتهم المشتغلين بها بشتى التهم، أخفها ربما الإبتعاد المبالغ فيه عن التراث، أو أن دعاة الحداثة يعيشون في أبراج عاجية، تمنعهم من قراءة حركة المجتمع ناهيك عن التفكير، بينما هي ضرورة من ضرورات سيرورة التاريخ، ولا يمكن الاّ أن نمرّ بها إن عاجلاً أو آجلاً، ولو نظرنا الى ستين عاماً خلت، سوف نرى أن لا أحد كان يصدق أن شعر التفعيلة سوف يصبح كلاسيكياً اليوم، وأن "قصيدة النثر، والقصيدة الحرة، والنص المفتوح، والومضة" قد انتشرت بشكل جماهيريّ إن صح التعبير (الشعر فنٌّ نخبويٌّ، والجماهيرية هنا تعني أن هذه الانواع من الشعر أصبحت مقبولة حتى من قبل مَن لا يمارسونها) وكتّابها اكثر من كُتّاب العمود والتفعيلة.

شخصياً لست مع استنساخ التجربة الغربية أو سواها، وإنما مع تعريب الحداثة، أي بمعنى أن نجعلها تلبس لبوساً عربياً، كما فعلت اليابان حين ألبست الحداثة الاوربية لباساً يابانياً، والعروبة هنا ليست عرقاً، حيث لا وجود لعرق عربي نقيّ، وإنما العروبة هي ثقافة ونسق معرفي وفضاء حضاري متكامل اختلطت مع جميع ثقافات المنطقة وتزاوجت معها وتكَوّنَ نتيجة ذلك ما ندعوه بالثقافة العربية والعالم العربي، وهذه الثقافة حتى في مراحلها الأولى لها تاريخ طويل مع الترجمة والتأليف والعمارة والنظم الثقافية عموماً، فعمر الترجمة يزيد على الألف وأربعمائة عام، وهناك إشارات تؤكد أن ترجمة لأسفار وأجزاء من العهدين القديم والجديد تمت قبل ظهور الإسلام، حيث إن العرب الذين تزايد اعتناقهم لليهودية والمسيحية في غمرة إزدياد حاجتهم لدين، وتنافس المبشرين من كلا الدينين بينهما قد تعلم بعضهم السريانية والعبرية وترجم ما شاء له أن يترجم للغة الضاد.

فتعريب الحداثة، إذن هو تطويعها لتتلاءم وروحية العالم العربي، وهذا لن يتم ونحن اما منبهرون بها وأما رافضون خائفون منها، ما نحتاجه هو التعامل العقلاني مع الحداثة، لأن كلا الأمْرين، الأنبهار والرفض تتحكم بهما العواطف، بينما الحداثة منهج علمي صارم، لايؤلّهُ الأشخاص والكل تحت مشرط النقد، لأجل الإندفاع نحو الإمام وإرتياد المجهول بحثاً عن مناطق لم يطأها العقل والفكر والخيال الانساني.

الحداثة هي موقف فكري يشمل السياسي وغيره، وعليها أسست معارضتي لنظام الحكم في بلدي، وهي معارضة لنسق ثقافي يحكم البلد، وليس لأشخاص ما أن يزاحوا عن كرسي الحكم حتى أقبل واتفق مع القادمين الجدد، موقفي السياسي يختلف عن موقف أكثر من تسعين بالمئة ممن عارضوا النظام السابق، وأثبتوا أنهم عارضوا لعدة أسباب لا يوجد بينها معارضة النسق الثقافي الذي تَحَكمَ في أجهزة الحكم على إمتداد عشرات السنين، عارضوا لأجل المعارضة لاغير، عارضوا لأنهم تضرروا من النظام السابق وهاهم ينعمون بخيرات النظام الحالي في جزء منهم على الأقل، عارضوا لأن نشأتهم العقائدية فرضت عليهم معارضة الحكم المختلف معهم أما لغوياً أو دينياً أو مذهبياً أو سياسياً، عارضوا نتيجة الإشاعة، أي تأثراً بالأهل والأصدقاء، وعليه فأنا معارض، ما زال النسق الثقافي الذي عارضته لم يتغير.

وما ينطبق على السياسة بكل تأكيد ينطبق على باقي مناحي الحياة، مثل الدفاع عن حقوق المرأة، والطفولة، والبيئة، وحقوق الإنسان....الخ.

 

وديع شامخ


التعليقات

الاسم: رؤيا رؤف
التاريخ: 19/05/2010 16:51:08
الصديق المبدع والإنسان الرائع باسم فرات ... حقيقة فراتنا العذب... بثرائه الأدبي والفكري ألهمنا الكثير وأعاد لنا ذاكرتنالأسماء كثيره من العباقره في الإبداع الأدبي والفلسفي وكافة الميادين القيمه للثقافات المتنوعه والميثولوجياالتي هي الأساس في اشعاع الفكر والإحساس والتعمق الخيالي المذهل لثراء النتاجات الإبداعيه القيمه .. جميل هو لقائك وسردك الرائع يا فراتنا العذب الشبيه بعذوبة نصوصك وإبداعك ...

مع الشكر الجزيل للأستاذ المبدع وديع شامخ وهذه المحاوره الجميله التي هي أشبه بالسمفونيه..التي داعبت أفكارنا بمعلومات قيمه لمراحل عديده

الاسم: ,وديع شامخ
التاريخ: 17/05/2010 14:14:27
الصديق المبدع خالد خضير
الحوار عندي نتاج ثقافي لايقل اهمية وخطورة عن اي نتاج آخر .. فهو أعادة تقديم الآخر والأنا معا في وعاء من الحب رغم اختلاف وجهات النظر او تقاطعهما .. وكان ديدني ان اكون محاورا للعديد من المبدعين الاصدقاء بغض النظر عن مدى مقبوليتهم وفقا معايير الامزجة والمهاترات .
اتمنى ان انجز كتابي الحواري الذي اجريته مع العديد من المبدعين العراقيين .

الاسم: خالد خضير الصالحي
التاريخ: 17/05/2010 13:05:54
الاخ المبدع وديع شامخ
قد يسهر الكاتب المحاور ليال ليقدح زناد فكره بابتداع عدد مة الاسئلة التي لا تتجاوز اصابع اليد فاذا انت في لقاء واحد كنت تطرح عشرا الاسئلة التي لا يقل احدها ابداعا وجدة عن الاخر، اني اتذكر، ايام كنا في عمّان، عندما كنت عندما كنت تسهر اشهرا لتقرا (كل) ماكتب سعيد الغانمي من اجل ان تنجز مقابلة معه، ان هذا دلالة كبيرة على احترامك الشديد للاخر، ولعملك مهما ظهر عند الاخرين عملا روتينيا...
فتحية لك ايها العزيز اينما كنت واينما انت الان وحيثما ستكون ما دمت حيا...

الاسم: رحيم الحلي
التاريخ: 16/05/2010 18:51:54
الاستاذ النبيل وديع شامخ
تحية محبة وتقدير وبعد :
سلسلة اللقاءات مع المبدع الشاعر الجميل باسم فرات جعلتني اتعرف على شاعر هام مثل فراتنا العذب فهو غني بكل الوان المعرفة وميادين الكتابة انها سلسلة محاضرات قيمة في التاريخ والشعر والفلسفة اي انه ومن خلالكم والحوار الذي قدمه الدكتور جاسم الصكر فقد ذقنا كعكة معرفية معجونة بكل هذه المعارف عجنت بماء الفرات العذب .
بودي لو ضممتكم وطوقتكم بذراعي حباً وثناءاً لما قدمتموه في هذه السلسلة الحوارية .
فائق محبتي وتقديري
رحيم الحلي




5000