.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
.
عبدالجبارنوري
د.عبد الجبار العبيدي

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حوار في كتاب أجراه وديع شامخ مع باسم فرات /الحلقة الرابعة

وديع شامخ

 

باسم فرات
باسم فرات   

 

تقديم الناقد الدكتور حاتم الصكر 

 

س21: لكل حقبة مجلة ثقافية ترعى وتحتضن المبدعين كتابة ونقدا وتبشّر بهم، يساهم في تأسيسها وتحريرها وإدارتها غالباً نخبة من مبدعي تلك الحقبة، كما حصل مع مجلة شعر، والآداب والفكر العربي في بيروت، والكلمة وشعر 69 في العراق. في عراق الثمانينيات والتسعينات كانت تصدر مجلات ثقافية مثل الأقلام، الثقافة الأجنبية، والثقافة والطليعة الأدبية وأسفار وغيرها. ما أهمية وجود مجلة ثقافية رصينة لإحتضان المبدعين، وهل ساهمت مجلة ما في إحتضان كتاباتك؟

شخصياً لا يمكن لي نكران فضل مجلات الأقلام والطليعة الأدبية والثقافة الأجنبية والمورد والتراث الشعبي وآفاق عربية والأديب المعاصر وأسفار عليّ، هذه مجلات حين نرفع بعض المواد التي كانت مفروضة من قبل النظام عنها، تكون مجلات جادة فعلاً، وأساطين الثقافة العراقية كتبوا فيها، وكذلك العربية ونقل لنا مترجموها روائع أدبية، بل من خلال نبشي بين مكتبات بغداد وغيرها وجدت أعداداً قديمة لمجلات الأقلام والطليعة الادبية، هذه المجلات مع ما كان يصلنا رغم ندرته من البلدان الناطقة بالعربية، أفادتني كثيراً (لا يعني هذا التقليل من أهمية الكتب)، ورغم عدم نشري في أي منها، ولكني تربيت عليها، وأعترف إن لا وجود لمجلة احتضنتني لأني لم أنشر سوى مرتين في العراق وذلك عامي 1987 و1989، وتركت العراق في نيسان عام 1993.

س22: هل من نبذة عن حياتك ومراحل تنقلك بين العواصم والمدن، وما أهم الإنعطافات في مسيرتك نحو الإبداع الشعري؟

عشت طفولة بائسة مليئة بالحرمان، ومازالت صور الحرمان تلاحقني، وأما تناقضاتها فما زالت آثارها باقية، مازلت أفتقد كلمة "أبي" وحتى والدتي التي إنتقلت للسكن معها كان إنتقالي وأنا في الخامسة عشرة من عمري، والعمل الشاق والتجارب والقراءات أنضجتني قبل الأوان، ولهذا لم أشعر بها كأم شعوراً تاماً، بالرغم من كونها كأي أم عراقية تنضح محبة وحناناً وعاطفة أمومية كريمة، ولكني ربما أستطيع أن أعد عدد المرات التي تلفظت فيها بكلمة "ماما" قبل أن أعيش معها، لأني قضيت كل طفولتي وجزءاً بسيطاً من مراهقتي بعيداً عنها، ولكن إنتقالي للعيش مع والدتي فتح لي أبواباً منها إني إبتدأت الإتصال بمثقفي كربلاء، وعملي في مجال التصوير بعد إنتقالي بعام وبضعة أشهر، هذا العمل الذي رافقني منذ ذلك الوقت وليتحول الى هواية أخرى لي، بل إن محل التصوير الذي عملت فيه وهو عائد لزوج خالتي، تحول الى ملتقى للأصدقاء ممن تملكهم الأدب وأغواهم الكتاب، وصار ديدنهم القراءة، فاستوديو الفنون وهو إسم محل التصوير الذي عملت فيه كان بالنسبة لي بحق خير معين على القراءة ولقاء الأصدقاء وما يتخلل اللقاءات من نقاشات لا تنتهي بل إن هذه النقاشات واللقاءات كانت تغوينا للقراءة والبحث والمتابعة أكثر وأكثر.

كنت أزور بغداد بين مدة وأخرى ولبغداد مكانة خاصة في روحي، إنها بحق عاصمتي الثقافية والروحية والوطنية، وربما لا أبالغ إن قلت إنني أحببت بغداد بذات القدر الذي أحببت مدينتي كربلاء، وقبل خروجي من العراق بأيام ذهبت إليها وتسكعت بشوارعها وزرت مقهى حسن عجمي وشارع المتنبي وغيرها من الأماكن، ربما هو الإحساس بأني مفارقها لزمن طويل، وها أنا منذ أن غادرتها في الثالث والعشرين من نيسان 1993 وللآن لم تغادرني إنها وكربلاء جنباً الى جنبٍ تتبختران في فراديس روحي.

في عَمّان التي وصلتها فجر الرابع والعشرين من نيسان 1993 وغادرتها ظهر التاسع عشر من آيار1997 قضيتها غالباً في العمل، وكنت أعمل أكثر من تسعين ساعة في الإسبوع، حالت دون أن أشارك في أي نشاط ثقافي، سوى النشر، نعم نشرت في عدد من الصحف والمجلات الصادرة في لندن وسواها.

حين وصلت الى نيوزلندا في الحادي والعشرين من آيار1997 وبعد أن استقرت بي الأمور بدأت نشاطي الشعري فيها وبالأخص في العاصمة ولنغتن التي عشت فيها، وأصبحت فاعلاً في وسطها الثقافي، بل إن حقبة ولنغتن كانت الأكثر إشراقاً في حياتي الشعرية من ناحية التفاعل والنشاط، مما حدا بالجماعات التي تدافع عن المهاجرين واللاجئين في نيوزلندا وعلى رأسهم وزير الهجرة النيوزلندي أن يعتبروني المثال الذي يفاخرون به كنموذج للاجئ الذي يجلب ثقافته معه ويضيفها الى ثقافات نيوزلندا فتصبح نيوزلندا بلداً متعدد الثقافات حقاً، رغم إني لست من دعاة تعددية الثقافات بل تزاوج الثقافات، وأعتبره المصطلح الأكثر دقة وإنسانية وخدمة للوطن الواحد، ورغم ما عانيته من إستغلال ماديّ بشع في العمل مع الشركة التي عملت فيها، ولكن تبقى نيوزلندا لها مكانة رائعة في روحي، لا أستطيع أن أقول إني نيوزلندي تماماً فأنا عراقي ومشكلة العراقية إنها في الدم تجري وليست وطناً فقط، ولكني فعلاً أعشق نيوزلندا بل ممتن لها ولكل أدبائها ومن ساعدني ودعمني فيها وبالذات الشاعر والناشر النيوزلندي الرائع مارك بيري، والشاعر الامريكي لويس سكوت، فالآخير قدمني للوسط ودعمني، والأول دعمني كثيرا  ومازال دعمه وتعضيده مستمراً لي.

أما هيروشيما، فهي أول مدينة أختارها بمحض إرادتي، وبدأت علاقتي بها منذ البداية، شعرت فيها بروحية مختلفة، هذه الروحية أثرت على تجربتي الشعرية، فكتبت نصوصاً أعتبرها أفضل إنعطافة شعرية للآن، ربما نتيجة للعلاقة الحميمة التي تربطني بالمدينة، فهيروشيما ومعناها الجزيرة الواسعة أو العريضة، عبارة عن دلتا فيها ستة أنهار.وكذلك ألتقي بمجموعة كل إسبوعين مرة نقرأ شعراً ولنا صفحة في موقع هيروشيما.

س23: البعض يرى إشكالية حقيقية في الإزدواجية التي يعاني منها المبدع العراقي المغترب، ومنها إزدواجية الجنسية واللغة والبيئة وكيفية تمثّل الوافد الجديد لثقافات ضاربة في عمق أوطانها، وأنت تقول بأنك من أنصار تزواج الثقافات لا تعددها، هل ترى أن إستلهام أو الإشارة الى بيئتك الثانية هو مجرد تثاقف وإستعراض، أم هو فعلاً نتاج تجربة روحية وعملية أثرت في حياتك وأردت أن تنقلها بشكل عفوي ؟

هي فعلاً إشكالية حقيقية، والدليل إن مئات المبدعين قد هزمهم المنفى أو المكان الجديد، مئات كانوا مشاركين فعالين في الثقافة العراقية، ولكن وصولهم لبلدان اللجوء والهجرة، سلب منهم هذه الفعالية، وعلى العكس من هؤلاء، الفئة التي أنتمي إليها، حيث آمنت إن "بلدي الجديد" أما أن يكون مقبرة لطموحي الثقافي، أو أن يتحول الى محطة إنطلاق لهذا الطموح.

إيماني بأن الحفاظ على عراقيتي لم يكن يتنافى أبداً مع دعوتي لتزاوج الثقافات، إذ إنني إبن ثقافة مختلطة متزاوجة، وإنغمست بفاعلية في الوسط الثقافي النيوزلندي، دون أن أنسى مساهمتي في الوسط الثقافي العربي، من خلال نشري في وسائل الإعلام الناطقة بالعربية في العالم العربي وفي المهاجر.

لم أكتب قصيدة أو مقطعاً واحداً عن نيوزلندا حال وصولي أليها، بل إن المتتبع لما كتبت سوف يلمس إن السنوات الاولى كانت تجربة مريرة فيها الحنين الجارف، وهي نتيجة طبيعية لعدم تأقلمي مع المكان الجديد، ولكن بفعل ما كانت تحققه مشاركاتي الشعرية نشراً وأماسيَ، وتوطد علاقاتي بالوسط الثقافي، الأمر الذي أسس لي عالماً خاصاً، بكل ما يحويه من صداقات وذكريات، بدأ يشعرني بعلاقة مع المكان بل مع تاريخ نيوزلندا نفسه، بما في ذلك أساطيرها الماورية، وهنا أصبحت مفردات نيوزلندية خاصة تتسلل الى نصوصي، مثل الالهة الماوْرية والأمكنة ورموز أخرى مثل طائر الكيوي، وشجرة البوهوتوكاوا، وإوي وغير ذلك، وتجدها واضحة في "هنا حماقات هناك...هناك تبختر هنا"و"شيء ما عنك..شيء ما عني"و"أنا ثانيةً".

إذا كنت قد إحتجت الى أكثر من خمس سنوات لكي أزاوج بين ثقافتي والثقافة النيوزلندية، فاليابان لم تأخذ مني سوى بضعة أشهر، حتى كانت أول قصيدة لي وهي "الساموراي"، ربما لأن هيروشيما هي أول مدينة أختارها، ولم أجبر على العيش فيها.

في أحد مهرجانات الشعر النيوزلندية، التي اشتركت فيها، عجبت لشاعر ضيف، قرأ قصيدة عن المدينة التي أُقيمَ فيها مهرجان الشعر، وهو لم يمض أكثر من ثلاثة أيام فيها وفي البلد ككل، شخصياً أعيش تجربة روحية وحياتية مع كل مدينة أو ثقافة أو موضوع أكتب عنه، حتى قصيدتي "هيروشيما ومُدُن أخرى" التي صدرتها بعبارة "لمناسبة هيروشيما، ناغازاكي، كيوتا، كوبه ونارا"، كانت في غالبيتها عن هيروشيما، التي أخذت مساحة تزيد عن تسعين بالمئة من القصيدة.

أما قصائد مثل "قلعة هيروشيما، تلاميذ هُندوري، متحف السلام في هيروشيما" وغيرها فقد كتبت عن تجربة روحية وحياتية عشتها في هذه الأماكن الثلاثة، إذ إن هُندوري هو سوق مُسَقّف يشبه أسواق العراق القديمة، وكتبتها بعد عامين وثلاثة أشهر من وجودي في هيروشيما، والسوق لا يبعد عن بيتي سوى 18 دقيقة مشياً على الأقدام.

الشعر الذي يفقد تلقائيته يتحول الى صنعة فقط، وهذا هو شعر العلماء كما اصطلح عليه نقادنا القدامى، وأظن إن القارئ المحترف يفرق بين الإستعراض وبين العفوية في العمل الإبداعي.

س24: هناك شجن خاص يقترب من القنوط أحياناً في نصوصك، هل للبيئة التي نشأت فيها وعلاقتك الأسرية أثر في هذا البوح الساخن؟

كربلاء التي ولدت وعشت وأهلي بها غنية عن التعريف، فهي مملكة الدموع بحقّ، وحياتي مثل حيوات ملايين العراقيين، ممن شاء حظهم العاثر أن يولدوا أو يعيشوا في زمن العنف، وصعود الروح البدوية للتسلط على مقدرات المدينة، لا أحد له أن يفهم ما عانيناه إلا من عاش جحيمنا، نحن الناجين من المحرقة، من دوامة العنف، من أكلة لحوم البشر، كيف نكتب عما عشناه، نحن أحفاد ذلك الشاعر العراقي الذي وقف يرثي البلاد قبل عدة آلاف من السنين، حين كتب لنا "لقد نفتنا الآلهة" نعم نفتنا الالهة، وأرض سومر وأكد وبابل وآشور ما زالت تلعق جراحها وما زال البدو يحكمون، فليس أمامنا الا الشجن الذي يقترب من القنوط، العراق ضحية تاريخه وجغرافيته، ضحية بداوتين سهلية وجبلية تَنقَضّانِ عليه، وإنْ كانت ميزته إنه رغم ما يعاني منهما، ولكنه يروضهما ويصهرهما في بوتقته الحضارية، لأنه أرض العبقرية حسب الكاتب غالب الشابندر، ولكن ما أن يتسلق الوهن إليه حتى تعود دورة العنف مرة أخرى ويكون محرقة لأبنائه، بسبب موجات البداوة التي تجتاحه من صحرائه وجباله.

س25: البعض يصمك بإنتفاخ أنوي، هل ترى الشعر يحتاج الى هذه النرجسية والأنوية؟

لم أكن يوماً نرجسياً، بل أنا من يلوم ويشفق على ذوي الأنا المنتفخة، وإن كان البعض فسرَ كثرة ترداد مفردة "أنا" ابتداءاً من أول قصيدة في ديواني الأول "أشدّ الهديل" والتي عنوانها "رمادكِ ياأناي تعويذة " وليس إنتهاء بعنوان ديواني الثالث "أنا ثانية " فهو في حقيقته نقيض للأنا المنتفخة، "وها أنت حولت الحوار الى بوحٍ "، إنه الضعف الانسانيّ، وقلق الأنا المربك.الإكثار من إستخدام مفردة "أنا" لا تعني بالضرورة إنتفاخها أو نرجسية عالية، بل شخصياً أراها العكس، خصوصاً حين لا يرافق هذا الإستخدام، تبجح وإستعلاء على الآخرين، ووهم وداء العظمة الذي يستفحل في السلوك اليومي.

الأنا هنا صرخة منكسر، يواجه الظلام أعزلَ إلا من أناه.

س26: هناك فجوة ماثلة في المشهد الشعري العراقي تحديداً، بين ما أصطلح عليه بالأجيال، فالستينيون يرون إنهم البداية والنهاية وكذا السبعينيون والثمانينيون والتسعينيون؟ هل هذه قطيعة معرفية صحية، أم هو الداء العضال الذي أصاب المجتمع العراقي بتكرار البدايات وأنتقل الى حقل الإبداع؟

التنوع والإختلاف، التجاوز والمنافسة، إلغاء الآخر أثناء الكتابة فقط، والقطيعة المعرفية، كلها تحمل الوجهين، فحين يتم الإستخدام الأمثل لها، تكون ثراءً للمشهد الشعري العراقي، ولكن حين تتحول الى مماحكات إجتماعية، والإلغاء يتعدى لحظة الكتابة بل إنه يبتعد عن لحظة الكتابة الى سلوك إجتماعي للآخر، فهو الداء العضال، ومما يؤسف له إن الكثيرين أدخلوا الوجه الساذج والمتخلف والسلبي والسطحي لهذه المفردات أو المصطلحات، وصار تهميش الآخرين وإلغاؤهم الوسيلة الوحيدة للصعود والبروز والتفوق، وكأنما لا يمكن أن يحقق البعض ذاته الا بالحط من الآخرين إبداعاً وإنسانيةً.

لا أحد بإمكانه إلغاء الآخر وتهميشه مهما أوتي من قوة، باستثناء قوة الإبداع الخلاّق، وما حدث هو تراكم معرفي وشعري، كلنا استفدنا منه، ولا يمكن أن نغفل عشرات الأسماء الشعرية المهمة التي ظهرت في العراق بعد تأسيس الجمهورية، وهؤلاء في غالبيتهم العظمى ممن ولد بعد عام 1948م.

الإبداع الحقيقي بقدر ما هو إبن الزمكان، بقدر ما هو خارج نطاقهما، ومَن يرى إنهم البداية والنهاية، إنما هم أوفياء لمراهقة ثقافية.

قلت في موضع آخر من هذا الحوار، إن العشائرية والريفية اللتين أصيب بهما المجتمع العراقي، لم ينجُ منهما الوسط الثقافي العراقي، حيث ألقتا بظلالهما الكئيبة عليه، وهو ما جعل ما يسمى بالأجيال تلغي من سبقها ومن أتى بعدها.

س27: اللغة بوصفها وعاء للمقدس المسكوب في أوعية أدمغة كما الأواني المستطرقة، أو اللغة التداولية والإستعمالية والنفعية؟ أو اللغة العلة والمعلول معاً؟ أو اللغة بوصفها الغاية والوسيلة معاً، اللغة كأداة لفضّ الإشتباك بين العقل ومنطقه وبين الشارع وجهله؟ كيف رأيت حاجتنا الى لسان آخر للتعبير عن أنفسنا في ظل محيط لا أثر ماثل به للغتك؟

يجب التفريق بين اللغة الأم واللغة الأولى، حيث يُخلط كثيراً بينهما، فقد تكون اللغة الأم هي الأولى أيضاً كما في حالة الناطقين بالعربية في البلدان الناطقة بالعربية، بينما نجد إن غير الناطقين بالعربية في هذه البلدان، تكون العربية أما لغةً أولى أو وفي حالات قليلة ثانية، ومثالنا هم بعض جماعة كركوك، الذين أبدعوا بالعربية رغم إنها ليست اللغة الأم بل هي لغتهم الأولى، كما ان هناك الكثير من النماذج في البلدان الأخرى الناطقة بالعربية.

وفي الجانب الآخر نجد إن هناك أدباء، نتيجة للاحتلال الفرنسي مثلاً كتبوا بلغة فرنسية وأبدعوا فيها، ومنهم من كان يعتبر نفسه منفياً في اللغة التي يكتب بها، وبكل تأكيد لا يمكن أن يردد هذا الكلام غير الناطق بالعربية في العراق وبلاد الشام، حين يكتب باللغة العربية، لأن الوضع يختلف تماماً، وهنا سوف أستشهد بما نقلته لنا كتب التاريخ والتراث، لأن له دلالة بالغة تؤكد ما أذهب إليه، وهي "إن مَرامر بن مرَّة، وأسلم بن جَدْرة، وهما من أهل الأنبار. وقيل: أول من كتب بالعربية حرب بن أمية بن عبد شمس، تعلَّم من أهل الحيرة، وتعلَّم أهل الحيرة من أهل الأنبار.." وهو ما يذهب اليه الإمام الشعبيّ وأما إبن دريد في أماليه فيقول"عن عوانة قال: أول من كتب بخطِّنا هذا وهو الجزم مَرامر بن مرَّة وأسلم بن جَدْرة الطائيان، ثم علَّموه أهل الأنبار، فتعلَّمه بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك الكندي صاحب دومة الجندل، وخرج إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان، فعلَّم جماعةً من أهل مكة، فلذلك كَثُرَ من يكتب بمكة..." وللعلم فأن دومة الجندل وهي تقع اليوم شمال المملكة العربية السعودية، وقد ذكرتها المصادر الآشورية في القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد تحت اسم أدوماتو أو أدمو، وفيها موقع التحكيم بين الامام علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان.

مما تقدم نستشف ان اللغة العربية إبنة بارة لمنطقة الهلال الخصيب، وقد أبدعت فيها كل مكونات الهلال الخصيب حتى إن الشعر الهلال خصيبي المكتوب بالعربية من وجهة نظري هو الأغزر والأهم فيما دُوّنَ بالعربية من شعر، وليس إعتباطاً أن نجد معظم حركات التجديد في الشعرية العربية ـ إن لم تكن كلها ـ خرجت من منطقة الهلال الخصيب، بما في ذلك الموشح الذي لأبي نؤاس وغيره تجارب فيه، وليس مروراً بالبند وقصيدة التفعيلة والقصيدة الحرة وقصيدة النثر، بل إن النص المفتوح الذي يعتبر الشاعر فاضل العزاوي أول من مارسه ربما في العالم كله وليس على مستوى اللغة العربية، وكذلك نصوص الأديبة لطفية الدليمي المفتوحة والتي ابتدأت مع نص موسم الماء، وتم نشره في مجلة الأقلام عام 1978، ولكن مع شديد الأسف لم يتم الإحتفاء بهما كعادتنا نحن العراقيين في عدم الإحتفاء بمبدعينا إلا بعد الموت ربما، على عكس إحتفائنا بالبعيد والغريب، ودور مجلة شعر البيروتية، ومجلات أخرى في العراق وبقية مناطق الهلال الخصيب، ودور سعدي يوسف في كتابة قصيدة تعتمد لغة النثر مرجعاً ونسقاً لها، وما أنجزه سركون بولص في القصيدة الشَرَكية التي أشرت لها في موضع آخر من هذا الحوار، والقصيدة المدورة، وتجارب شعراء رائعين لايمكن حصرهم جميعاً في هذا الحوار.

أما الآن وقد امتلأت المنافي بأدباء العالم العربي، وإنفتحت أمامهم آفاقٌ رحبة، فتعلم اللغة لابد منه لأنه الخطوة الأولى للاندماج بالمجتمع الجديد، وأنا شخصياً من المؤمنين إن الفرد أو الجماعة مهما كانت خلفياتهم الثقافية عليهم الإندماج بمجتمعهم إن كانوا أقلية في وطنهم الأم أو كانوا في وطن جديد هاجروا إليه، والإندماج لا يعني الذوبان ونسيان ثقافتهم ولكن أن تعتبر هذا المجتمع مجتمعاً لك، وتعتز به وبتنوعه، وألاّ تشعر بلغته الرسمية على أنها لغة غازية وتعلمها يعني نفياً لنا، بل هي لغة وطنية شقيقة للغتنا الأم.

س28: يذهب خزعل الماجدي الى أنه من الأوائل الذين كتبوا النص المفتوح في ديوانه خزائيل، فكيف يتفق هذا وزعمك إن فاضل العزاوي ولطفية الدليمي هما من رواد النص المفتوح؟

نعم هو من الأوائل، والرجل لم يدع أنه أولَ مَن كتب النص المفتوح، وبهذا لا يتناقض وما ذكرته أعلاه بخصوص فاضل العزاوي ولطفية الدليمي، ورغم هذا فالثلاثة أحياء يرزقون، كما إن نتاجاتهم وتاريخ نشرها متوفرة، وليست بعيدة عن أي باحث، وهو لا يقلل من منجز الشاعر خزعل الماجدي، الذي نفسه لا يمكن له أن يغفل منجزات الآخرين، ومنهم المصري أدور الخراط الذي كتب النص المفتوح في ثمانينات القرن العشرين، وديوان خزائيل، محصلة طبيعية لتطور كتابة النص المفتوح، ولهذا جاء النص المفتوح لدى خزعل أقرب للشعر منه للسرد، عكس فاضل العزاوي.

 

وديع شامخ


التعليقات

الاسم: ,وديع شامخ
التاريخ: 10/05/2010 13:01:21
الاستاذ المبدع صباح محسن كاظم
اثجلت صدري بخبر حصولك على النسخة الورقية للكتاب ، وهذا يدل على اهتمامك الجدي بكل النتاجات العراقية ومنها حوارنا ، الذي اردناه ان لا يكون تقليديا .. وحسبي اننا نجحنا وانت شاهد من أهلِها ............
مودتي ومحبتي لك ايها الرائع

الاسم: ,وديع شامخ
التاريخ: 10/05/2010 12:57:47
الاستاذ العزيز رحيم الحلي
ان متابعتك للحوار هو قيمة ثقافية عالية ، وانا سعيد جدا بهذا التلقي الراقي من قبل ذائقتكم الرفيعة
شكرا لصديقنا العزيز رحيم الحلي
ومودتي كبيرة

الاسم: رحيم الحلي
التاريخ: 10/05/2010 05:06:17
الاستاذ الشامخ الوديع
تحية طيبة
اود ان اقدم لك تقديري الكبير لشخصك ولدورك الفكري الهام ، شكرا لانك عرفتنا عبر هذاالحوار بهذا الشاعر المثقف الرائع باسم فرات ، والشكر للدكتور حاتم الصكر على تقديم هذا الحوار ، انه حوار شيق ومثمر وممتع .

الاسم: صباح محسن كاظم
التاريخ: 08/05/2010 22:48:12
الاستاذ المبدع وديع حصلت على الكتاب القيم قبل شهرين واعجبت اشد الاعجاب بالحوار مع الشاعر باسم فرات...




5000