.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


موسوعة اعلام الصائغ الثقافية / باب المصطلحات حرف النون تتمة ( نزع )

أ. د. عبد الإله الصائغ

خاصة بموقعي النخلة والجيران ومركز النور   

ستة من كتب الصائغ  وهي بعض من مراجع موسوعته الثقافية  

 

النـزعات الأدبيــــــة العربية   

 كنا في الفرزة السابقة  من الموسوعة قد تحدثنا عن فكرة النزعة ومقارنتها بالمدرسة او المنهج  ورصدنا النزعات الغربية بوصفها اكثر نضوجا واشد وضوحا فضلا عن كثرة الكتابات فيها وعنها ومنها فبدأنا بالواضح مع انه غريب وها نحن نردف موضوعنا وهو الأقل وضوحا وأعني النزعات الأدبية العربية فاقول انه لم ترق الوثائق النقدية التي بين أيدينا إلى تعزيز فكرة وجود نظرية أدبية عربية يعتد بها فالعرب ميالون لصناعة النص الشعري أو النثري وليسوا ميالين إلى تقعيد الأدب والآراء النقدية، فضلاً عن أنهم يرون إلى أنفسهم سادة الإبداع في الدنيا ولا ادري من اين جاءتهم هذه الفكرة وهم قلما اطلعوا على آداب الأمم الأخرى ولكنها روح البدوي المستعلية !  فلم يركزوا على ترجمة آداب الأمم الأخرى والنظريات النقدية، ومنذ العصر الجاهلي كان التقليد المتبع هو  أن يقرأ الشاعر قصيدته على جمهور عريض من الناس أو يلقي الناثر نصه! وقلما فكّر الناس في أهمية تقويم النصوص، وربما كان الشاعر ينقد نصه بنفسه أو يستأنس برأي ناقده في تقويم بيت، وثمة مؤشرات تنم عن أن المبدع العربي كان يعرف عدداً من الطرائق التي يصون بها شعره من الخلل.. والسؤال:

 هل كانت للعرب نظرية نقدية؟

 والجواب ليس يسيراً، فالنظرية النقدية لم تتشكل بعد: لقد بدأ السلف مشروع هذه النظرية، بيد أن الخلف لم يكمل المشوار وهانحن أولاء نذكر بعض الإشارات التي تشكّل إرهاصات لظهور نظرية نقدية عربية.

 

العصر الجاهلي

 1-معيار الصورة:  إذا لم تكن الصورة الفنية عيار الناقد؛ فأيّ عيار سواها كان يعتمد؟ ربما يقال أن سلامة الذوق أو ما اصطلح عليه (الحاسة الفنية) هي العيار، فكيف السبيل إلى تحققها؟ لقد فضّلت أم جندب شعر علقمة على شعر زوجها امرئ القيس وعللت التفضيل على أساس الصورة، صورة فرس علقمة كريمة خلافاً لصورة فرس زوجها ، وعاب ناقد آخر قول امرئ القيس في رسم صورة الفرس: وأركب في الروع خيفانة كسا وجهها سعف منتشر فقد غطى الشعر الكثيف الشبيه بالسعف وجه فرسه الذي يشبه الجرادة، وهذه الملامح لا تحبذ لصورة الفرس الكريم ، ولم يغب عيار الصورة عن النابغة حين اعترض شعر حسان بن ثابت: لنا الجفنات الغرّ يبرقن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما فقد قلل جفانه وسيوفه وبياض فرسه ولو قال يلمعن في الضحى لأصاب ولو قال يجرين لجوّد ، وأخذ طرفة بن العبد على خاله الملتمّس أنه استنوق الجمل أي أنه استعار صورة الناقة للجمل في قوله: وقد أتناسى الهمّ عند احتضاره بناج عليه الصيعرية مكدم ولم يغب كذلك عيار الصورة عن زهير حين أجاز لابنه كعب قول الشعر بعد أن اعتسفه واختبره في إكمال الأبيات وصورها الفنية ، لكن حسان بن ثابت لم يعتسف ابنه عبدالرحمن، فما إن وصف النحلة التي لسعته (كأنها ثوب حبرة) حتى هتف الأب قال ابني الشعر ورب الكعبة ، وقد اتخذ الأعشى ابنته ناقدة لشعره فهي تستحسن أو تستهجن وفق اقتراب الشعر من الصورة أو ابتعاده عنه، ولنا أن نلتفت إلى ألقاب الشعراء المقترنة بالصورة من نحو المهلهل والمحبر والكيس والشويعر والذائد والمفصِّل وعويف القوافي كما نلتفت إلى اختصاص كل شعر بوصف ما، فامرؤ القيس وأبو دؤاد الإيادي وطفيل الغنوي برعوا في صورة الفرس وأوس بن حجر وكعب بن زهير وسواهما أجادوا رسم الناقة بكلماتهم بينا تفنن الأعشى في جماليات صورة المرأة ومجالس اللهو .

2-السرقات الشعرية:  قال النقاد القدامى أن السرقات باب لا يدّعي أحد من الشعراء السلامة منه! وكانت السرقات مقصورة في الغالب على الصور الفنية والصور الفنية أدخل في باب المعاني، والمعاني مبذولة للكافة كما يقول ابن المقفع ومن ثم الجاحظ فعبد القاهر الجرجاني!! وتعكس هذه النظرة تساهل النقد القديم مع السرقات الشعرية، ولصوص الشعر إنما يسرقون البديع الذي يخترعه الشاعر وجمال البديع في الصباغة والتصوير وهم (النقاد) يغفرون للشاعر السارق إذا أحسن التصرف بما سرق (وركّب عليه معنى ووصل به لطيفة ودخل إليه من باب الكناية والتعريض والرمز والتلويح، فقد صار بما غير من طريقته واستؤنف من صورته) ، وقد يجد الناقد صورة مشتركة بين شاعرين فلا يدري من المسروق ومن السارق! فيلجأ إلى عنصر الزمن لحسم الأمر.. فلو اشترك عامر بن الطفيل وأبو دؤاد الإيادي في صورة سائدة وألفاظ واحدة فالنقد يلاحظ الأقدم زمناً والأكثر قدرة ثم يضع في حسبانه احتمال وقوع ذلك مصادقة ، وقد سئل زبان بن سيار ت154هـ: أرأيت إلى الشاعرين يتفقان في المعنى ويتواردان في اللفظ دون أن يلتقي أحدهما صاحبه أو يسمع شعره؟ فأجاب: تلك عقول رجال توافت على ألسنتها.إ.هـ وقد عرض لنا الشعر الجاهلي (السرقات الشعرية) واعتدّها هماً يكابده الشاعر.. ووردت مصطلحات تتصل بالسرقة الشعرية من نحو: الاجتلاب والإغارة والانتحال!! قارن: يا أيها الزاعم إني أجتلب-وإنني غير عضاهي أنتجب-كذبت إن شر ماقيل الكذب ، وقال طرفة: ولا أغير على الأشعار أسرقها عنها غنيت وشرّ الناس من سرقا ثم قارن ما قاله الأعشى: فما أنا أم ما انتحالي القوا ف بعد المشيب كفى ذاك عارا

 3-النقد الانطباعي : القائم على الذوق الخاص تارة والملاحظات اللغوية أخرى ومطابقة الصفة للموصوف، فقد فضل، النابغة شعر الأعشى على شعر الخنساء دون أن يسوّغ لنا التفضيل وحينما اعترض عليه شاعر وقال له إنك تعلي نفسك وتنـزل غيرك لأنك شاعر قبض النابغة على لحيته وقال له: يا ابن أخي إنك لا  تستطيع أن تقول كقولي: وإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

4-انتخاب الشعر الجميل  من نحو انتقاء المعلقات والاتفاق على هذا الانتقاء، فلابد والحال هذه من أن تكون قواعد ذات قواسم مشتركة قوامها الذوق السائد قد تشكلت، إذ لم نقرأ ان أحداً انتقص من قيمة المعلقات أو شكك بجمالياتها؛ وتخبرنا المصادر القديمة أن النعمان بن المنذر ملك الحيرة كان ينتخب القصائد الجميلة التي تمجّد حكمه وتشيد ببني لخم قبيلته ويقول لمستشاريه علقوها، وأنهت المصادر الأخرى أن المختار الثقفي بعد النجاح المؤقت الذي حققه ضد الأمويين دخل القصر الأبيض فأخبره بعض الفضوليين أن في باحة القصر كنـزاً عظيماً فاحتفر الباحة وعثر على صناديق فيها طنوج تمثل انتقاءات النعمان بن المنذر.

 5-هناك مقولات شائعة   لا يهمنا مدى انطباقها على الواقع بقدر ما يهمنا أنها آراء مبنية على الاستقراء والاستنباط مهما كانت العملية بسيطة ومن هذه المقولات: أغزل بيت قالته العرب وأهجى بيت وأشعر بيت، وبيت القصيد، وأخنث بيت وأرثى بيت وسمط الدهر.

. 6-الوعي الإيقاعي  قد كانت للشعراء وسائل كثيرة يستعملونها حين يَزِنون أشعارهم مثل النصب والركباني والترنّم والترسم وكانوا يعرفون الأقواء: وأشيع أن شاعرين كبيرين كانا يقويان بشر بن أبي خازم وقد نبهه أخوه فما عاد إلى الإقواء ثانية أما النابغة.. فقد كانت منـزلته كبيرة.. فاحتالت عليه يثرب أن دعته إلى ليلة غناء. فاستجاب إليها.. وفي الحفلة وجد مغنية جميلة ذات صوت عذب تصدح بشعره وتحديداً داليته المشهورة: من آل مية رائح أو مغتدي عجلان ذا زاد وغير مزودِ ثم وصلت إلى قوله: زعم البوارح أن رحلتنا غدا وبذاك خبّرنا الغراب الأسودُ وحين وصلت إلى الأسود مدت بصوتها.. وظهّرت الرفع في الدال.. فانتبه النابغة وقال لها ماذا تفعلين ياجارية؟ فقالت هذا فعلك يا سيدي.. فقال لها غنّي (وبذاك تنعابُ الغرابِ الأسودِ) وسئل الخليل الفراهيدي هل كانت العرب تعرف العروض قبلك؟ فقال نعم.. ثم حكى لهم أنه ذهب إلى مكة للعمرة فوجد شيخاً يضع ظهره على الحائط ويدرّس الصبيان طريقة التنعيم.. وهي تعتمد (لا+نعم+نعمن) = (اه +ااه +اااه) قولك فعولن = نعم لا. فاعلاتن=لانعم لا...

 7-تقسيم الشعراء الجاهليين إلى ثنائيات  تنم عن أن الذائقة النقدية الجاهلية قد استقرأت واستنبطت قارن هذه الإشارات
: 1.الشعراء المطبوعون: الذين يأتي شعرهم رقراقاً رقيقاً فكأنهم يغرفون من بحر
. 2.الشعراء المصنوعون: الذين يأتي شعرهم ثقيلاً مبهظاً فكأنهم ينحتون في حجر.
3.الشعرءا المتألهون: وهم الذين يدعون إلى تأمل خلق الله ويترفعون في لغتهم ويتعففون في عواطفهم.
4.الشعراء المتعهرون: الذين لا يستحون من قول أي شيء يريدون قوله دون أن يمنعهم وازع داخلي أو خارجي..
5.شعراء المدر وشعراء الوبر وشعراء الثغور والشعراء الصعاليك والأغربة والفرسان.

8-الألقاب التي أسبغت على بعض الشعراء المشهورين وهي ألقاب تحيلنا إلى اختصاصات كل شاعر مثل المهلهل والمرقش والمنمّق والكيس وعويف القوافي زد على ذلك استقرار الرأي على مهارات الشعراء فمنهم من عرف بوصف المرأة أو الخمرة أو الحرب أو الفرس أو الطبيعة.

9-الأسر الشعرية:   فثمة أسرة أوس بن حجر التي تخرج فيها زهير وابنه كعب وتلميذه جرول وخؤولة طرفة، فخاله الملتمس؛ وأسرة الأعشى الكبير التي تخرّج فيها ابنه وابنته؛ وأسرة الخنساء وتخرج فيها أولادها وكلهم شاعر، واسرة حسان بن ثابت التي تخرج فيها ابنه عبدالرحمن.

 10-تمثّل الصياغات القديمة التي ورثها الشعراء:   وهي صياغات نعرفها على سبيل العقل وليس على سبيل النقل إذ لا يمكن مجرد التخيّل أن الشعر الجاهلي جاءنا ناضجاً دون أن تكون له مقدمات أو تمهيدات، ولدينا إشارة ربما تكون وحيدة، وهي قول امرئ القيس: عوجا على الطلل المحيل لعلنا نبكي الديار كما بكى ابن خذام وثمة النظرية الشفاهية التي جاء بها مونرو وتقول النظرية أن هناك قوالب جاهزة يتمثلها الشاعر حين يكتب فهي مثل القوالب وما على الشاعر إلا أن يستثمرها ويصب فيها سبائكه..

 11- فن المنافرة  الذي ساد في العصر الجاهلي  ويعتمد ضرباً من المفاضلة بين شخصين يقبلان بشخص موثوق به يحكم بينهما.. مع حضور جمهور غفير يشهد المنافرة، وقد يقول المحكم راياً فينفّر هذا على هذاك.. ويعترض الجمهور على حكم الحَكَم فكيف يحكم الرجل بين شخصين؟ وكيف يقول هذا أفضل من هذاك إذا لم تكن تحت يديه مقاييس يعتمد عليها في الموازنة، ومثال ذلك المنافرة التي دارت بين خصمين هما ينتميان لعمومة واحدة، عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة.. فالمنافر يكثف عبارته وينتقي الصور المؤثرة والمكر الفني والمناورة...الخ.

12-ونظر الجاهليون إلى أثر المكان والحرفة والوضع الاجتماعي   في الشعر فضلاً عن الحالة الشعرية، فقالوا أشعر الناس النابغة إذا رهب والأعشى إذا طرب وامرؤ القيس إذا رغب ويقولون (شاعر خشن العبارة لأنه شرب حليب النوق وأكل الشيح ومسح بالقيصوم.. وشاعر لان شعره وثقل لسانه لأنه أكل البقول ) (عدي بن زيد كان يسكن الحيرة ويدخل الأرياف فثقل لسانه) و(أمية بن أبي الصلت يأتي بألفاظ كثيرة لا تعرفها العرب يأخذها من الكتب المتقدمة) .. وقد مر بنا أن مهلهلاً إنما سمي مهلهلاً (لأنه هلهل الشعر أي رققه وكان فيه خنث) وثمة شعراء رصدت آثار حياتهم في المدن البحرية مثل طرفة: عدولية أو من سفين بن يامن يجور بها الملاح طوراً ويهتدي إن هذه الإشارات وسواها تثبت لنا أن هناك وعياً نقدياً تشكل في العصر الجاهلي وهو وعي بسيط بالنسبة لوعينا النقدي الآن (يناير2000)أما بالنسبة لمقاسات الوعي عهدذاك؛ فهو عميق فضلاً عن أنه يفي بمتطلبات المركز والأطراف / النص والآراء فيه وكان بالإمكان نشوء نظرية نقدية لو أن الجاهليين دونوا أشعارهم بأنفسهم ودونوا كذلك الآراء النقدية التي سادت في زمانهم وفسحوا للنقد أمكنة أوسع، غير التي تمتع بها النابغة في الأسواق وأم جندب في المجالس الرجالية منقّبة أو من وراء الحجاب..

ومع كل ذلك فقد تركوا لمن يأتي بعدهم إرثاً نقدياً لا يستهان به . العصر الإسلامي. وصلنا عن العصر الجاهلي كم ونوع في النقد مهمان، والآراء النقدية الإسلامية تعد قفزة نوعية إذ طرحت بعض الأفكار التي تستدعي الجدل وإعمال الفكر من نحو مكابدة مثل هذه الأسئلة :

سؤال :هل الشعر إلهام أم صناعة؟

سؤال : أهو ضرورة أم كمال؟

سؤال :هل الشعر حلال أم حرام؟

سؤال :وإذا كان الشعر حراماً، أهو حرام كله؟

سؤال :وإن كان حلالاً؛ أهو حلال كله؟

سؤال :وأي الشعر حلال وأي الشعر حرام؟؟

سؤال :وهل لنا أن نصرف النظر عن الشعر الجاهلي؟

سؤال :أم ننتقي منه شعر المروءة والتعفف والغزل البريء الذي تسمعه العذراء في خدرها فلا تستحي!

سؤال :وما موقف القرآن الكريم من الشعر؟

سؤال :موقف النبي الأمين (ص) من الشعر والشعراء؟

سؤال :موقف الصحابة والتابعين والفقهاء والعلماء أيضاً؟

   الجواب ببساطة شديدة : من المستحيل على مثلي او سواي ان يكون مستعدا للجواب دون الوقوع في المحذور ! فهذه الاسئلة لاتصدر عن ذهنية بدائية متخلفة ! أرني كيف تسال أرك من انت ! السائل موجود في السؤال ! والنظرية تفتقر الى الاستقرار والشعور بالحاجة اليها لاستعمالها وليس لترقينها ! والحضارة كما يقول ادورد تايلر (هي أسئلة لا متصلة تتكاثربالانشطارولا حاجة للسؤال إلى جواب فالسائل أكثر قدرة على الإجابة في هذا المضمار ! الحضارة تبدأ بسؤال وتنمو بسؤال!)  ولكنني سأجرؤ على المحاولة لأننا لن نستطيع تجسير محطاتنا البحثية وعبورها مغمضي العيون فالنزعة النقدية العربية لن تكون تحت سقف التابو الاسلامي ولهذا ساتلبث قليلا ثم امضي الى موضوعي ومن الله التوفيق .

 

موقف الإسلام من الشعر ؟

حدث جدل نافع بين طرفين الأول كان مع الشعر والآخر ضده وقد ناقش عدد كبير من الأساتذة موقف الإسلام من الشعر، فجمعوا وحللوا وقالوا رأيا ، وقد كان شهاب الدين أحمد ابن عبدربه الأندلسي رحمه الله سبّاقاً إلى مناقشة موقف الإسلام من الشعر والآراء النقدية المهمة التي فهمت من قول النبي الأمين (ص) والخلفاء الراشدين (رض) وأثبت رحمه الله، أن الإسلام لم يحرم الشعر ولن يحرمه، فإذا وقف ضد الشعر الداعر والمتهتك والشعر الذي يخرّب الحياة ويدعو إلى التفرقة فذلك موقف يتصل بموضوع الشعر وليس بطبيعته ونهد بعد قرابة المئة والأربعين عاماً إمام اللغة والتقعيد الكبير عبدالقاهر الجرجاني فجمع وأوعى، وحلل وقعّد وأثبت بالشواهد والأدلة أن روح الإسلام العظيم لن تقمع الشعر الذي يدعو إلى المحبة والخير وحب الحياة، وخصص مساحة مهمة من كتابيه العظيمين اسرار البلاغة ودلائل الإعجاز  لبيان موقف النبي (ص) والصحابة (رض) من الشعر ثم بث كمّاً مهماً من الآراء النقدية (العصر الإسلامي) في خطابه  العتيد ، ولقد استثمرنا إشارات ابن عبدربه والجرجاني من  العلماء القدامى الغابرين و د. يحيى الجبوري و د.العاكوب من العلماء المحدثين وأضفنا إليها إشارات جديدة وعبها كتابنا الجديد الذي صدر عام 1999 وهو الأدب الجاهلي وبلاغة الخطاب وقد طبعته الأكاديمية العربية المفتوحة في الدانمارك طبعة جديدة  .

 

إشارات إسلامية تتصل بالموقف من الشعر

  أولاً :النبي الأمين صلوات الله عليه وعلى آله :   

أعجب لنبي (ص) بكلام الشاعر عمرو بن الأهتم (إن من البيان لسحراً وإن من الشعر لحكماً).

ثانيا -سمع النبي (ص) السيدة عائشة (رض) تنشد شعراً لزهير بن حباب:

 ارفع ضعيفك لا يحل بك ضعفه   يوماً فتدركه عواقب ما جنى

يجزيك أو يثني عليك فإن من  أثنى عليك بما فعلت كمن جزى

فقال (ص) : صدق يا عائشة، لاشكر الله من لا يشكر الناس.

ثالثا : وأنشد الرسول (ص) قول شريك بن عامر المصطلقي:

لا تأمنن وإن أمسيت في حرم إن المنايا بجنبي كل إنسان

فاسلك طريقك تَمْشِ غير مختشع حتى تلاقي الذي منّى لك الماني

فكل ذي صاحب يوماً مفارقه وكل زاد وإن أبقيته فان

والخير والشر مقرونان في قرن  بكل ذلك يأتيك الجديدان

 فقال (ص) : لو أدرك هذا الإسلام لأسلم.

رابعا -وأنشد (ص) أيضاً:

تركت القيان وعزف القيان وأدمنت تصلية وابتهالا

وكرّ المشقّر في حومة ونثني على المشركين القتالا

أيا رب لا أغبنن صفقتي  فقد بعت مالي وأهلي بدالا

فقال (ص) : ربح البيع ، ربح البيع..

 خامسا : -وأنشد النابغة الجعدي رسول الله (ص):

 بلغنا السماء مجْدَنا وجدودنا  وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

فقال له (ص) : إلى أين يا أبا ليلى؟ فقال إلى الجنة فلما بلغ قوله:

ولا خير في حلم إذا لم تكن له نوادر تحمي صفوه أن يكدّر

ولا خير في جهل إذا لم يكن له احليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

فقال (ص) لايفضض الله فاك. فعاش مئة وثلاثين سنة لم تنقص له ثنية.

سادسا : وأنشد ابن عباس النبي (ص) أبياتاً لأمية بن أبي الصلت يذكر فيها حملة العرش فتبسم النبي(ص) كالمصدّق له

رجل وثور تحت رجل يمينه  والتيس للأخرى وليث ملبد

والشمس تطلع كل آخر ليلة فجراً ويصبح لونها يتوقّد

تأبى فلم تطلع لهم في وقتها إلا معذّبة وإلا تجلد

سابعا : وأردف النبي (ص) ابن الشريد فقال له أتروي من شعر أمية بن أبي الصلت شيئاً؟ فقال نعم وأنشده وجعل يقول بين كل قافيتين هه يا شريد. فأنشده مئة قافية فقال (ص) : هذا رجل آمن لسانه وكفر قلبه.

 ثامنا : قال (ص) لحسان بن ثابت (رض): شن الغطاريف حملة شعرية  على بني عبدمناف، فانهض لها ياحسان فوالله لشعرك اشد عليهم من وقع السهام في غبش الظلام فقال حسان: والذي بعثك بالحق نبياً لأسلنّك منهم سلّ الشعرة من العجين،. ثم أخرج لسانه فضرب به أرنبة أنفه وقال: يا رسول الله إني لو وضعته على حجر لفلقته وعلى شَعَر لحلقته فقال (ص) : أيّد اللهُ حسانَ في هجوه بروح القدس.

تاسعا : قيل إنما أسلمت قبيلة دوس فرقاً (خوفاً) من شعر كعب بن مالك صاحب النبي (ص) وهو القائل في دوس:

 قضينا من تهامة كلّ نحبن وخيبر ثم أغمدنا السيوفا

نخبّرها ولو نطقت لقالت  قواضبهنّ دوساً أو ثقيفا

وقال له النبي (ص) : لقد شكر الله لك قولك:

زعمت سخينة أن تغالب ربّها  وليغلبنّ مغالب الغلاب

 عاشرا : وقال (ص ) لعبدالله بن رواحة: أخبرني ما الشعر يا عبدالله؟ قال شيء يختلج في صدري فينطق به لساني قال (ص) فأنشدني فأنشده:

 قبلت لله ما آتاك من حسن  قفوت عيسى بأذن الله والقدر

احد عشر: لما نـزل (ص) الصفراء وأمر عليا (رض) فضرب عنق النضر بن الحرث بن كلدة بن علقمة ابن عبد مناف صبراً بين يدي رسول الله، فبلغ الخبر أخته قتيلة فهرعت نحو النبي فوجدته ركب راحلته يريد المضيّ، فأمسكت بخطام ناقته باكية وأنشدت:

  

 يا راكباً إن الأثيل مطية من صبح خامسة وأنت موفّق

 أبلغ بها ميتاً بأن تحية ما إن تزال بها النجائب تخفق

مني عليك وعبرة مسفوحة جادت بواكفها وأخرى تخنق

هل يسمعن النضرُ إن ناديته  أم كيف يسمع ميّتٌ لا ينطق

أمحمد يا خير صنو كريمة في قومها والفحل فحل معرق

ماكان ضرّك لو مننت وربما منّ الفتى وهو المغيظ المحنق

والنضر أقرب من أسرت قرابة وأحقهم إن كان عتق يعتق

ظلت سيوفُ بني أبيه تنوشه لله أرحام هناك تمزّق

صبراً يقاد إلى المنية متعبا  رسف المقيد وهو عان موثق

فقال (ص) لما سمع شعرها: لو بلغني هذا الشعر قبل قتله ما قتلته.

اثنا عشر : قال أبو جرول الجشمي وكان رأس قومه: أسرنا النبي (ص) يوم حنين فبينا هو يميز الرجال من النساء إذ وثبتُ بين يديه وأنشدته:

 أمنن علينا رسول الله في حرم فإنك المرء نرجوه وننتظر

أمنن على نسوة قد كنت تُرضعها  يا أرجح الناس حلماً حين تختبر

إنا لنشكر للنعما إذا كفرت وعندنا بعد هذا اليوم مدّخر

 فقال (ص) : أما ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لله ولكم؛ فقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لله ولرسوله .

ثلاثة عشر: لما كان يوم حنين رأى البراء بن عازب النبي (ص) والعباس وأبا سفيان ابن الحارث وهما ممسكان بلجام بغلته وكان (ص) يقول:

أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

اربعة عشر : قال النبي (ص): لا يدع العربي الشعر، حتى تدع الإبل الحنين.

 خمسة عشر : قال كعب بن مالك:

مقاتلنا عن جذمنا كل فخمة  مدرّبة فيها القوانس تلمع

 فقال له (ص) : لا تقل عن جذمنا ولكن قل عن ديننا.

ستة عشر : قال كعب بن زهير:

إن الرسول لنورٌ يستضاء به مهنّدٌ من سيوف الهند مسلولُ

فقال له (ص) : قل وصارم من سيوف الله .. فأصلحها كعب..

سبعة عشر : وسأل قومٌ رسول الله (ص) : من أشعر الناس؟ فقال ائتوا حسان فآتوه فقال لهم: ذو القروح (امرؤ القيس) فرجعوا إليه فأخبروه فقال (ص) لقد صدق، ذو القروح رفيع في الدنيا خامل في الآخرة، شريف في الدنيا وضيع في الآخرة، وهو قائد الشعراء إلى النار.

ثمانية عشر : قال (ص) : أصدق كلمة قالها لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لامحالة زائل

تسعة عشر : قال علي (رض) : لما أتينا بسبايا طيء؛ كانت في النساء جارية حمراء؛ لعساء؛ لمياء؛ عيطاء؛ شماء الأنف حوراء العينين، معتدلة القامة ردماء الكعبين؛ خدلجة الساقين؛ لفّاء الفخذين؛ خميصة الخصر؛ ضامرة الكشحين؛ مصقولة المتنين! فلما رأيتها أعجبت بها وقلت لنفسي لأطلبنها من رسول الله ليجعلها من فيئي، فلما تكلَّمَت أنسيت جمالها لما سمعته من فصاحتها!! فقالت : يامحمد، هلك الوالد وغاب الوافد، فإن رأيت أن تخلي عني فلا تشمت بي أحياء العرب، فإني ابنة سيد قومي، كان أبي يفك العاني ويحمي الذمار ويقري الضيف ويشبع الجائع ويفرّج عن المكروب ويطعم الطعام ويغشي السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنابنت حاتِم طيء. فقال لها رسول الله (ص) : ياجارية هذه صفة المؤمن، لو كان أبوك إسلامياً لترحمنا عليه، خلّوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق والله يحب مكارم الأخلاق.إ.هـ. (قارن الأغاني 16/93).

عشرون : قال (ص) : ما وصف لي أعرابي في الجاهلية وأحببت أن أراه إلا عنترة ثم طلب إلى أبي بكر (رض) أن ينشد له بيتين لعنترة فأنشد:

وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مثواها

ولقد أبيت على الطوى وأظله  حتى أنال به كريم المأكل

 واحد وعشرون : عن أم المؤمنين عائشة (رض) : أن النبي أعجب بقول الأعشى:

قلدتك الشعر يا سلامة ذا التفـ ـضال والشيء حيثما جعلا

 ويكرر النبي (ص) : نعم والشيء حيثما جعلا.. وأعجب (ص) : بقول طرفة بن العبد:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود

 ويقول النبي (ص) : حين يسمع هذا البيت: إنه من مخايل النبوة!!

ويمكنني الإستناد الى خبر تاريخي متواتر هو ما نقل عن الشاعر كعب بن زهير بن ابي سلمى المُزني ! فهو لم يسلم ولم يمسك لسانه عن هجو المسلمين ! وحين عجز المسلمون عن كسبه او كبحه شكوه الى الرسول ص وبعد مشاورة اهدر النبي دمه أي من حق كل من يراه ان يقتله دون قود أو دية ! وحين وصل نبأ اهدار الدم الى المعني به كعب بن زهير ضاقت الدنيا على وسعها في عينيه فاستنجد بأخيه فلم ينجده واستنجد بمزينة فلم تنجده واستنجد بالصعاليك من صحابه فتخلوا عنه ! وكان قد سمع قولا ماثورا عن امير المؤمنين علي بن ابي طالب وهو ( إذا خفت من شيء فقع فيه ) فقرر ان يقع في الخطر وتنقب حتى لم يعد يعرفه احد ووضع حصاة تحت لسانه كي يتغير صوته ودخل مجلس النبي واستأذنه بإنشاد قصيدة مديح فيه فأذن له وكان كل الصحابة حضورا  والقصيدة مشغولة بمهارة فنان فالروي لام  مشبعة الضمة  والبحر بسيط  والصور الفنية زاهية جذابة والغزل تقليدي مبهر وفيه جرأة ان يتغزل بسعاد  فيصف شفتيها ويشبه رضابها بالماء المشاب بالخمرة ولايتحرج في وصف غنتها والغنة فيها رمز جنسي فالحبيبة تستعمل الغنة في الوصل ! والغريب ان كعبا كان يريد  بسعاد قبيلة النبي قريشا ويصفها بالمتقلبة ويصف السعاة بأخباره الى النبي  كذابين  وفوق كل ذلك اهتز النبي طربا وحين اسفر عن وجهه وقال انا كعب اراد بعض المسلمين قتله فزجرهم النبي وقبل توبة كعب ورضي بإسلامه واستحسن قصيدته كثيرا ومنشدة  اعجابه بالقصيدة خلع النبي جبته الخضراء ووضعها على كتف كعب فتمناها كل من في المجلس فأن يكسو النبي احدا جبته التي يرتديها فهذا يعني مطلق الغبطة والتكريم وقد شاهدت تلك الجبة بعيني في واحد من متاحف استانبول بتركيا ولنقارن قصيدة كعب :

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول   متيم إثرها لم يفد مكبول

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا   إلا أغن غضيض الطرف مكحول 

هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة   لا يشتكى قصر منها ولا طول

تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت  كأنه منهل بالراح معلول

شجت بذي شيم من ماء محنية   صاف بأبطح أضحى وهو مشمول

تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه  من صوب غادية بيض يعاليل

 فيالها خلة لو أنها صدقت  بوعدها أو لو ان النصح مقبول

لكنها خلة قد سيط من دمها  فجع وولغ وإخلاف وتبديل

فما تدوم على حال تكون بها  كما تلون في أثوابها الغول

وما تمسك بالعهد الذي زعمت  إلا كما يمسك الماء الغرابيل

فلا يغرنك ما منت وما وعدت  إن الأماني والأحلام تضليل

كانت مواعيد عرقوب لها مثلا  وما مواعيدها إلا الأباطيل

أرجو وآمل أن تدنو مودتها  وما إخال لدينا منك تنويل

أمست سعاد بأرض لا يبلغها  إلا العتاق النجيبات المراسيل

ولن يبلغها إلا عذافرة  لها على الأين إرقال وتبغيل

من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت  عرضتها طامس الأعلام مجهول

ترمي الغيوب بعيني مفرد لهق  إذا توقدت الحزان والميل

ضخم مقلدها فعم مقيدها  في خلقها عن بنات الفحل تفضيل

غلباء وجناء علكوم مذكرة   في دفها سعة قدامها ميل

وجلدها من أطوم ما يؤيسه  طلح بضاحية المتنين مهزول

حرف أخوها أبوها من مهجنة  وعمها خالها قوداء شمليل

يمشي القراد عليها ثم يزلقه   منها لبان وأقراب زهاليل

عيرانة قذفت بالنحض عن عرض  مرفقها عن بنات الزور مفتول

كأنما فات عينيها ومذبحها  من خطمها ومن اللحيين برطيل

تمر مثل عسيب النخل ذا خصل   في غارز لم تخونه الأحاليل

قنواء في حرتيها للبصير بها   عتق مبين وفي الخدين تسهيل

تخدي على يسرات وهي لاحقة  ذوابل مسهن الأرض تحليل

سمر العجايات يتركن الحصى زيما  لم يقهن رءوس الأكم تنعيل

كأن أوب ذراعيها وقد عرقت  وقد تلفع بالقور العساقيل

يوما يظل به الحرباء مصطخدا  كأن ضاحيه بالشمس مملول

وقال للقوم حاديهم وقد جفلت  ورق الجنادب يركضن الحصا قيلوا

شد النهار ذراعا عيطل نصف  قامت فجاوبها نكد مثاكيل

نواحة رخوة الضبعين ليس لها  لما نعى بكرها الناعون معقول

تفرى اللبان بكفيها ومدرعها  مشقق عن تراقيها رعابيل

تسعى الغواة جنابيها وقولهم إنك يا بن أبي سلمى لمقتول

وقال كل صديق كنت آمله  لا ألهينك إني عنك مشغول

فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم  فكل ما قدر الرحمن مفعول

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوما على آلة حدباء محمول

نبئت أن رسول الله أوعدني  والعفو عند رسول الله مأمول

مهلا هداك الذي أعطاك نافلة الـ  قرآن فيها مواعيظ وتفصيل

لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم  أذنب ولو كثرت في الأقاويل

لقد أقوم مقاما لو يقوم به  أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل

لظل يرعد إلا أن يكون له  من الرسول بإذن الله تنويل

حتى وضعت يميني ما أنازعه  في كف ذي نقمات قيله القيل

فلهو أخوف عندي إذ أكلمه  وقيل إنك منسوب ومسئول

من ضيغم بضراء الأرض مخدره  في بطن عثر غيل دونه غيل

يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما  لحم من الناس معفور خراديل

إذا يساور قرنا لا يحل له  أن يترك القرن إلا وهو مفلول

منه تظل سباع الجو نافرة  ولا تمشى بواديه الأراجيل

ولا يزال بواديه أخو ثقة  مضرج البز والدرسان مأكول

إن الرسول لنور يستضاء به  مهند من سيوف الله مسلول

في عصبة من قريش قال قائلهم  ببطن مكة لما أسلموا زولوا

زالوا فما زال أنكاس ولا كشف  عند اللقاء ولا ميل معازيل

شم العرانين أبطال لبوسهم  من نسج داود في الهيجا سرابيل

بيض سوابغ قد شكت لها حلق  كأنها حلق القفعاء مجدول

ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم  قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا

يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم  ضرب إذا عرد السود التنابيل

 لا يقع الطعن إلا في نحورهم  وما لهم عن حياض الموت تهليل

 

الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والشعر :

يتفق كل المسلمين على صرامة الخليفة العادل عمر بن الخطاب وعدم تهاونه في تطبيق الشريعة الاسلامية ! فإذا كان الشعر حراما مثلا كما يقول السفهاء العميان فكيف يرتضيه الخليفة عمر ؟

اولا : قال (رض) : كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصحّ منه.

 ثانيا : وقال (رض) احفظوا الشعر وطالعوا الأخبار فإن الشعر يدعو إلى مكارم الأخلاق ويعلم محاسن الأعمال ويبعث على جميل الأفعال ويفتق الفطنة ويشحذ القريحة وينهى عن الأخلاق الدنيئة ويزجر عن مواقف الريب ويحض على معالي الرتب .

 ثالثا : وقال (رض) : ارووا من الشعر أعفّه ومن الأحاديث أحسنها، ومن النسب ما تواصلون عليه وتعرفون به، فرب رحم مجهولة قد عرفت فوصلت، ومحاسن الشعر تدل على مكارم الأخلاق وتنهى عن مساويها..

 رابعا : سئل (رض) : عن أشعر الشعراء فقال: امرؤ القيس سابقهم، خسف لهم عين الشعر.

خامسا : ويرى (رض) : زهيراً بن أبي سلمى اشعر العرب لأنه لا يعاضل بين الكلام ولا يتَّبع حوشيه ولا يمدح الرجل إلا بمافيه. وقال (رض) : لابنة هرم بن سنان حين فاخرت ابنة زهير المزني: أبوك كان يعطيهم الأموال وأبوها كان يعطيكم الشعر، لقد ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم.

سادسا : خرج (رض) : وفي بابه وفد غطفان فسألهم أي شعرائكم الذي يقول: وليس وراء الله للمرء مذهبلمبلغك الواشي أغشُّ وأكذبعلى شعث أيّ الرجال المهذّب حلفت فلم أترك لنفسي ريبةلئن كنت قد بلغت عني رسالةولست بمستبق أخاً لا تلمه قالوا: النابغة يا أمير المؤمنين فقال: ومن القائل: وراحلتي وقد هدت العيونكذلك كان نوح لا يخونعلى خوف تظن بي الظنون إلى ابن محرّق أعملت نفسيفألفيت الأمانة لم يخنهاأتيتك عارياً خلقاً ثيابي قالوا : النابغة يا أمير المؤمنين! قال فمن القائل: قم في البرية فاحددها عن الفند إلا سليمان إذ قال المليك له فقالوا : هو النابغة يا أمير المؤمنين، قال (رض) : فهو أشعر شعرائكم.

سابعا : سمع (رض) : قول الحطيئة: تجد خير نار عندها خير موقد متى تأته تعشُ إلى ضوء ناره فقال عمر (رض) : كذب الشاعر.. بل تلك نار موسى نبي الله.

 ثامنا : ويأنس (رض) : لقول زهير أداء أو نفار أو جلاء فإن الحق مقطعه ثلاث فيقول أن زهيراً قاضي الشعراء.!!

تاسعا : ويأنس أيضاً لقول زهير ويقول (على هذا بنيت الدنيا). والعيش شح وإشفاق وتأميل المرء ساع لأمر ليس يدركه

 عاشرا : وكان إذا أراد التحقق من دلالة محددة لبيت من الشعر استدعى خبيراً نظير ما حدث عندما شكا الزبرقان بن بدر من الحطيئة حين هجاه فاستشار حسان بن ثابت وترك له القول الفصل.. احد عشر : قال (رض) : لكعب الأحبار وقد ذكر الشعر: يا كعب هل تجد للشعراء ذكراً في التوراة؟ فقال كعب: أجد في التوراة قوماً من ولد اسماعيل، أناجيلهم في صدورهم ينطقون بالحكمة، ويضربون الأمثال لا نعلمهم إلا العرب .

  

أمير المؤمنين علي بن ابي طالب رضي الله عنه والشعر

يمكن القول أن عليا (رض) : كان أقرب الخلفاء الراشدين إلى دائرة الشعر فهو يقرض الشعر ليعزز به الكينونة الإسلامية ولينشر الحكمة والفضيلة وقد جمع شعره في ديوان يتضمن 1500 بيت شعر وهو أيضاً ناثر موهوب، وله خطب تحاكي اللوحات الفنية، فجمعها الشريف الرضي ت406 في كتاب فخم سمّي (نهج البلاغة) حققه وشرحه  الشيخ المعتزلي ابن أبي الحديد ت656هـ وأهداه الى الإمام النحرير إبن العلقمي نور الله ثراه ! ثم حققه في العصر الحديث الشيخ محمد عبده إمام الأزهر الكبير وداعية التنوير !  ثم صديقنا الفذ الشيخ الخطيب عبدالزهراء الحسيني

أولا : قال رضي الله عنه :

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته    يوماً على آلة حدباء محمول

ثانيا : إذا أراد (رض) المبارزة لبس الجبة الصفراء وهي دالة الغضب! وارتجز:

أيّ يوميّ من الموت أفر

يوم لا يقدر لا أرهبه

          يوم لا يقدر أم يوم قدر

ومن المقدور لا ينجو الحذِر

ثالثا : وسئل (رض) : من أشعر الشعراء فقال: إن الشعراء لم يجروا في حلبة حتى  تعرف الغاية عند قصبتُها! فأعيد عليه السؤال وأمسك عن الجواب وفي المرة الرابعة قال: فإن كان ولابد فالملك الضليل ويعني امرأ القيس !! وسئل عن مسوّغ القول فقال: لأنه يكتب الشعر لا عن رغبة ولا عن رهبة ! وقد كان استاذنا وصديقنا الدكتور داوود سلوم يقول لنا لو تعلم الشعراء العرب هذا الميزان لكنا اشعر الأمم ! .

رابعا : قال سعيد بن المسيب: كان أبو بكر شاعراً وعمر شاعراً وعلي أشعر الثلاثة .

خامسا : قال علي (رض) : الشعر ميزان القول

سادسا : قال (رض) : في امرئ القيس: فإني رأيته أحسنهم نادرة وأسبقهم بادرة.

سابعا : قال ابن رشيق 1/34: وكان علي مجوداً في الشعر.

ثامنا : قال رضي الله عنه

محمدٌ النبي أخي وصهري  وحمزةُ سيد الشهداء عمّي

 وجعفر الذي يمسي ويُضحي يطير مع الملائكة ابن أمّي

وبنت محمد سكني وعُرسي مسوط لحمها بدمي ولحمي

 وسبطا أحمد ولداي عنها فأيكمو له سهم كسهمي

سبقتكم إلى الإسلام طراً      صغيراً ما بلغت أوان حلمي

تاسعا : من يقرأ خطب علي في نهج البلاغة ويجتزيء مقاطع فيها شعرية عالية وصور تشبه الفلاشات سيصل دون عناء الى ان مشروع قصيدة النثر انطلق من نهج البلاغة مثلا :

فوا عجبا من اجتماع هؤلاء على باطلهم وتفرقكم عن حقكم فقبحا لكم وترحا حين صرتم غرضا يرمى يغار عليكم ولاتغيرون !

ايها الناس المجتمعة ابدانهم المختلفة اهواؤهم كلامكم يوهي الصم الصلاب وفعلكم يطمع فيكم الاعداء تقولون في المجالس كيت وكيت فإذا جاء القتال قلتم حيدي حيادي

اللهم اني اعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الهل والمال .

كاني بك ياكوفة تمدين مد الديم العكاظي تعركين بالنوازل وتركبين بالزلازل .

إنما بدء وقوع الفتن اهواءٌ تتبع وأحكام تبتدع .

اما إنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم مندحق البطن ياكل ما يجد ويطلب ما لا يجد الا وانه سيامركم بسبي والبراءة مني فاما السب فسبوني فغنه لي زكاة  ولكم نجاة وانا البراءة فلا تتبرأوا مني فغني ولدت على الفطرة .

يا اهل العراق فإنما أنتم كالمرأة الحامل حملت فلما أتمت أملصت ومات قيمها وطال تأيمها وورثها ابعدها .

وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتاتي آمنة يوم الخوف الأكبر وتثبت على جوانب المزلق

طوبى لنفس ادت الى ربها فرضها وعركت بجنبها بؤسها وهجرت في الليل غمضها حتى اذا غلب عليها الكرى افترشت ارضها وتوسدت كفها .

محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عنه السيل ولايرقى اليه الطير .

 

السيدة عائشة رضي الله عنها والشعر

ذكر ابن قتيبة في كتابه عيون الأخبار -كتاب النساء- أخباراً مهمة تبين قدرة السيدة (رض) : على تحليل الشعر وانتقائه، وكانت أكثر أبناء عصرها حفظاً للشعر واستيعاباً.. وكانت تنشد النبي شعراً في مناسبات تتطابق مع معانيه فيأنس النبي ويعلّق.. ونقلت كتب الصحاح جميعاً.. أحاديث نبوية شريفة تتصل بموقف النبي الأمين من الشعر :

سمعت مرة قول الشاعر  لبيد العمري

 :اولا 

ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيتُ في خلف كجلد الأجرب 

فقالت صدقت يا أخا بني عامر.. ثم بكت وانتحبت وقالت: كيف بك يالبيد لو أدركت زماننا ؟ ! ويقال إنها كانت تروي جميع شعر لبيد وكثيرا من شعر الخنساء !

ثانيا : ونقل عنها (رض) : الشعر فيه كلام حسن وقبيح فخذ الحسن واترك القبيح.

ثالثا : عن عائشة (رض) : أن النبي (ص) بنى لحسان بن ثابت  رضي الله عنه في المسجد منبراً ينشد عليه الشعر

وبعـد ايها القاريء العزيز لموسوعة مصطلحات الصائغ اصدقك القول انني غير راض عن هذه الفرشة ولسوف اعاودها في موضوعات النقد ربما ! فيا سيدي القاريء إن التنقيب عن المقولات المتصلة بالشعر يفضي بنا إلى كنوز من الآراء النقدية لا تقدّر بثمن  فابن رشيق 1/33 يقول في عمر (رض) (وكان من أنقد أهل زمانه للشعر) وليته شرح لنا القواعد النقدية التي اعتمدها عمر أو علي (رض) في تقويم الشعر.. أما العصر الأموي فكان عبدالملك بن مروان ناقداً للشعر خطيراً.. فلديه موهبة في تحليل الشعر لا تضاهى.. وجاء العصر العباسي.. مقولات نقدية وقواعد تحيلنا إلى كنوز تمثل إرهاصات عالية القيمة بميلاد نظرية أدبية نقدية إلا أن أسباباً كثيرة أسهمت في تغييب تلك الإنجازات ولم تتبلور هذه عن نظرية متكاملة بيد أن عدداً من النـزعات التي تشبه المدارس أو مناهج تحليل النص يمكن أن نميزها عهدذاك ومازال أثرها ماثلاً بيننا حتى اليوم.. وها نحن أولاء نؤشر أهمها:

النزعات  الأدبية العربية

1-نـزعة القدامة  

  2-نـزعة الحداثة  

3-نـزعة النص

 4-نـزعة الألفاظ (النظم)     

 5-نـزعة المعاني               

 6-نـزعة الطبقة

7-نـزعة الكم          

 8-نزعة الموازنة

اولا : نزعة القدامة: نـزعة قارة في ذائقة الكثير من النقاد العرب أمثال أبي عمرو بن العلاء 154 والأصمعي216 وابن الاعرابي 231 وكان أبو عمرو بن العلاء لا يخفي ضيقه من الاتجاهات الحديثة في الشعر ويعدّها سبباً لرداءة الشعر، مهما كانت درجة الجودة، وقد لوحظ أنه خلال عشر سنوات بتمامها من إلقائه المحاضرات لم يستشهد ببيت شعر محدث واحد !! وهو القائل: لو أدرك جرير والفرزدق يوماً واحداً في الجاهلية لما أعليت عليهما أحداً !! وأُحرج ذات مرة بسؤال عن الشعر المحدث فقال (لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى هممت بأن آمر صبياننا بروايته) وثمة الكثير من الآراء النقدية المتشددة للأصمعي وابن الاعرابي وسواهما ممن يتعصبون للقدامة ويحنقون على الحداثة، وقد بلغ النـزاع بين أهل القدامة والحداثة.. أن أبا تمام صنع كتاباً في الحماسة فسح فيه المجال للشعراء المحدثين فترسّم تلميذه البحتري صناعته للحماسة، ووضع حماسة أخرى أقفلها بوجه الشعراء المحدثين، فتأمل أن البحتري يقول والله ما أكلت الخبز إلا بفضل أستاذي أبي تمام.. وتغلبه القدامة فيناكف أستاذه .

ثانيا : الحداثة: ظهرت فئة من الشعراء المجددين وعلماء الشعر المحدثين تتحمس للحديث وتطالب بإجراء تعديلات على بنية القصيدة التقليدية، وقد أسهم في بلورة هذا الاتجاه الشعراء أبو تمام وأبو نواس ومسلم ابن الوليد والعتابي وبشار وعدد غفير سواهم!! أبو نواس كان يسخر من محاكاة القصيدة الجاهلية بالوقوف على الأطلال والرسوم الدارسة: .

أ- عاج الشقي على رسم يسائله وعجت اسال عن خمارة البلد

ب- قل لمن يبكي على رسم درس واقفاً ماضرّ لو كان جلس

وكان الشاعر الظريف أبو العِبر محمد بن أحمد بن عبدالله الهاشمي ت250 هـــ يجلس تحت جسر الكرخ ببغداد ويسمع كلام الناس ويصنعه شعراً يفتقد الرابط السبـبي فيذكّرنا بالشعر السوريالي!! أما أبو العتاهية ت211 هــ فكان يكتب شعره على أوزان غير معروفة، وحين قيل له أنك تخرج على العروض وعلى الخليل:

قال مغاضباً: أنا أكبر من العروض ومن الخليل!! وقد احتج الآمدي ت370 هــ على الحداثة فقال قالته المشهورة  (أبو نواس ومسلم بن الوليد هذان شاعران خرجا على عمود الشعر) !! وانتصر عدد من القدامويين للحداثة على سبيل اعتلاء الموجة فقال ابن قتيبة ت 276 وهو قاض مشهور (.. رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله ويرذل الشعر الرصين ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه أو أنه رأى قائله، فكل قديم حديث في عصره وكل شريف خارجيه في أوله، فقد كان جرير والفرزدق والأخطل وأمثالهم يعدون محدثين، ثم صار هؤلاء قدماء عندنا ببعد العهد منهم)..لكن ابن قتيبة لم يقرن القول بالتطبيق!! فهو قداموي أشفق على الحداثة وأراد إنصافها متأثراً بوظيفة القضاء التي كان يحترفها!!.

ثالثا النص: وكان حصيلة احتدام الجدال بين القدامويين والحداثويين أن تبلور موقف قديم كان خافت الصوت فبدا عالياً وهو: قيمة الشعر كامنة في الشعر، وليست في الشاعر أو أي شيء آخر.. ولعل أول إشارة وردت إلينا هي عن أم جندب (ناقدة جاهلية) فقد فضّلت شعر علقمة بن عبده وهو من عامة الناس على شعر امرئ القيس وهو ابن ملك كندة، استناداً إلى جمال النص أما الإشارة الأخرى: قال الأصمعي: كان النابغة يضرب له قبة حمراء من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها وأول من أنشده الأعشى ثم حسان بن ثابت ثم الخنساء ثم أنشدته الشعراء.. فقرأ حسان ميميته:

لنا الجفنات الغر يبرقن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

ولدنا بني العنقاء وابني محرّق فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابنما

فقال النابغة: لولا أن أبا بصير (الأعشى) أنشدني آنفاً لقلت أنك أشعر الجن والإنس فقام حسان وقال : والله لأنا أشعر منك ومن أبيك فقال له النابغة يا ابن أخي أنت لا تحسن أن تقول

فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

خطا طيف حجن في حبال متينة تمدّ بها أيد إليك نوازع

وللراوية بقية.. والذي يهمنا مما أوردنا تمحور النقد حول النص..  وقال ابن قتيبة (فكل من أتى بحسن من القول ذكرناه له وأثنينا به عليه ولم يضعه عندنا تأخّر قائله أو فاعله أو حداثة سنه، كما أن الرديء إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدّمه)..

رابعا الألفاظ: نـزعة قديمة. فكثير من النقاد كان يرى أن المعاني مبذولة في الطريق للقاصي والداني وإنما الشاعر المجلي هو الذي يصوغ المعاني بألفاظ تميزه وتميز شعره! وكان ابن المقفع ت142 يشبه المعاني بالزهور والشاعر بالنحلة والشعر بالعسل، فالزهر موجود كثير والعسل مفقود قليل ! الشاعر هو الذي يمج الزهر ليعطينا شعراً يحاكي العسل مذاقاً !! وبعد قرابة القرن جاء الجاحظ ت255هـ ليصوغ آراء سلفة ابن المقفّع ضمن نظرية مهمة أسماها نظرية النظم التي تعوّل على صياغة المعاني بالألفاظ وتدرك العلاقات بين أجزاء الجملة من اسم وفعل وحرف.. وتحدد موقف النياقدة وفق الشكل والمعنى بثلاثة مواقف.. الأول ينتصر للألفاظ وينتقص من قدر المعاني ،  والآخر ينتصر للمعاني وينتقص من قدر الألفاظ ،  أما الموقف الأخير فهو توفيقي.. يضم حسنات الشكل إلى  مزايا المعنى  وكان المرزباني مولعاً بتكرار عبارة بعينها حين يحلل شعراً لا يعجبه (من الأبيات المستكرهة الألفاظ المتفاوتة النسج القبيحة العبارة التي يجب الاحتراز من مثلها)  .

خامسا المعاني: إنها تبحث عن وضوح وجه الشبه بين طرفي التشبيه كما تبحث أيضاً عن مطابقة الصفة للموصوف فضلاً عن أن المعنى لدى هذه النـزعة هو المحور الذي تدور حوله الألفاظ، وذلك يعني التساهل في جماليات الشكل..  وقد عاب طرفة على خاله المتلمّس أنه (استنوق الجمل) أي أنه وصف الجمل بأوصاف الناقة حين قال:

 وقد أتناسى الهمّ عند احتضاره بناج عليه الصيعرية مكدم

وكان أبو عبيده (معمر بن المثنى) ت210هـ معتزاً برأيه في الشعراء الكبار، وهم عنده (الذين هجوا فوضعوا قدر من هجوه، ومدحوا فرفعوا قدر من مدحوه، وهجاهم قوم فردّوا عليهم فأفحموهم وسكت عنهم من هجوه مخافة التعرّض لهم وسكتوا عن بعض من هجاهم رغبة بأنفسهم عن الرد عليهم) والأصمعي ت216 متأكد من أن الشاعر الكبير هو (الذي يجعل المعنى الخسيس  بلفظه كبيراً ويأتي إلى المعنى الكبير فيجعله خسيساً أو ينقضي كلامه قبل القافية فإذا احتاج إليه أفاد  به  معنى) وكان جواب غيلان بن عقبة (ذي الرمة 117هـ) لمن عاب عليه رثاثة صورة ناقته في شعره قبالة بهاء صورة ناقة الراعي النميري ت90 في شعره (إنما وصف الراعي ناقة ملك ووصفت أنا ناقة سوقة)   وتذكر الأخبار ان خياطاً في سوق المربد كان يدّعي العلم بالشعركدأب مدعي النقد في كل زمان  فقرأ عليه ذو الرمة مرة :

أيا ظبية الوعساء بين جلاجل   وبين النقا آ أنت أم ام سالم

فقال له الخياط وقد أمسك بتلابيبه والناس مجتمعون: ياغيلان يامجنون  وانشد مناقضة ساخرة تنم عن غباء مستفحل

أأنت الذي شبّهت عنـزاً بقفرة لها ذنب فوق استها ام سالم ورابك

 وقرنان أمّا يلزقانك يتركا بجنبيك يا غيلان مثل المواسم

جعلت لها قرنين فوق شواتها ورابك منها مشقة في القوائم

قال أبو عبيدة أنشدت بشاراً بيتاً من شعر  الأعشى:

وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا

فأنكره بشار وقال هذا بيت مصنوع ما يشبه كلام الأعشى... فجعلت حينئذ أزداد عجباً من فطنة بشار وصحة قريحته وجودة نقده للشعر .

سادسا نزعة الطبقة :    تعوّل هذه النـزعة على منـزلة الشاعر في قومه ونفسه وكان المرزباني يقول (بدأ الشعر بملك وختم بملك) ويقصد امرأ القيس ثم أبا فراس الحمداني، وقال سواه بل بدأ الشعر بكندى وانتهى بكندى ويعنى بدأ بامرئ القيس وختم بالمتنبي !! وقال حسان (اشعر الناس الأعشى ورهطه الزرق من قيس بن ثعلبة) وقد قسّم ابن سلام الجمحي الشعراء إلى فحول وغير فحول، وجعل للفحول طبقات ولسواهم طبقات فكان كتابه طبقات فحول الشعراء.. وأصدر الأصمعي كتاباً باسم فحولة الشعراء وكذلك فَعَل ابن قتيبة في الشعر والشعراء وأبو زيد القرشي في جمهرة أشعار العرب وشاعت فكرة توليف الكتب على أسس طبقية مثل:

(1) القبائل:   أ- شعراء تميم     
                 ب-شعراء هذيل    
                 جـ-شعراء بكر    
                 د-شعراء عدنان
  
                
هـ-شعراء قحطان.

(2)اللون:  أ - الشعراء السود    
              ب-أغربة العرب
.

(3) المستوى المعاشي:  
             أ- الشعراء الصعاليك    
             ب-ذؤبان العرب   
            جـ-شعراء الكدية
         
   د-الشعراء العبيد.

(4)الوجاهة: أ - الشعراء الفرسان   
                 ب-الشعراء الفتيان    
                جـ-الشعراء الأمراء
.

(5)المكان: مثل شعراء نجد، والعراق ، والثغور، واليمن، والوبر، والمدر.

(6) الدين:  أ - شعراء الحنيفية    
               ب-شعراء النصرانية.   
               جـ-شعراء يهود
.

إن هذه التقسيمات .. كما يبدو مدرسية أكثر منها واقعية فهي غير ملزمة للشاعر أو جمهوره أو نقاده فضلاً عن اختلاف وجهات النظر في مقولة الطبقة، فابن سلام ذكر عدداً من فحول الشعراء مخالفاً بذلك رأي الأصمعي في فحولة الشعراء.. وهما (الأصمعي/الجمحي) يمتلكان وجهتي نظر مغايرة لوجهة نظر أبي زيد القرشي في الجمهرة.. والخلاف يدل على حرية التفكير والاجتهاد في الذهنية الأدبية العربية وعدم تبلور المفهوم!!.

سابعا نزعة الكم : هذه النـزعة مطّردة عند معظم النقاد؛ فالشاعر هو الذي يتواصل مع الشعر وينجز عدداً من القصائد الجياد، وكمية الشعر الجيد تحدد منـزلة الشاعر أما الشعراء المقلّون فهم يُذكرون على سبيل الاستئناس والاستطراف، حتى عرف نمط بأنهم شعراء مقلون وآخرون بأنهم أصحاب الواحدة، ويتأول بعض النقاد في تسويغ القياس على كم الشعر. إن الكم يعكس النوع فالمكثر إذا كبا فهو متميز والمقل إذا أصاب فهو خامل، لأن (قليل الكثير كثير وكثير القليل قليل)‍! قال أبو عمروبن العلاء في الأعشى (شاعر مجيد كثير الأعاريض والافتنان، فهو أشبه بالبازي الذي يصيد بين الكركي والعندليب) وأيده فيما بعد عبدالقاهر البغدادي فقال يسوّغ أهمية الأعشى (سلك في قوّة كل مسلك وقال في أكثر أعاريض العرب وليس ممن تقدّم من الفحول أكثر شعراً منه) وذكر أبو عبيدة (قال بشار: لي اثنا عشر ألف بيت عين، فقيل له هذا مالم يكن يدّعيه أحد سواك! فقال لي اثنا عشر ألف قصيدة لعنها الله ولعن قائلها إن لم يكن في كل واحدة  منها بيت عين) .

ثامنا نزعة الموازنة .. فكرة الموازنة تقوم على ملاحظة أوجه الشبه والاختلاف بين شاعرين لمعرفة أيهما أشعر.. وأيهما تأثّر بالآخر. فكانوا يوازنون بين القصائد المتشابهة في البحور والقوافي أو القصائد المتشابهة في الأغراض وقد تتم الموازنة بين شاعرين على أسس الجودة والابتكار دون النظر إلى   التشابه في البحور والقوافي أوا لمعاني، كما كان يفعل النابغة في سوق عكاظ وقد أدخل ابن رشيق القيرواني الموازنة في باب السرقات ويكون الفضل دائماً للشاعر الأسبق زمناً أو الأطول عمراً أو الأوسع شهرة وسئل أبو عمرو بن العلاء عن شاعرين يكتبان في معنى واحد وبحر واحد وقافية  واحدة دون أن يقرأ أحدهما الآخر أو يراه أو يعيش في زمانه فقال يمكن حصول ذلك على سبيل توارد الخواطر (تلك عقول رجال توافت على ألسنتها) وسئل أبو الطيب المتنبي في ذلك فقال يحصل ذلك دون أن يكون هناك سارق أو مسروق (الشعر جادة وقد يقع الحافر على الحافر) ثم ظهرت كتب في الموازنات والوساطات مثل الموازنة للآمدي والوساطة للجرجاني ونقل عن القاضي  الجرجاني ت366 أنه قال (شلشل الأعشى فسلسل مسلم بن الوليد وقلقل المتنبي). وفي العصر الحديث (ستينات القرن  العشرين) أدخلت جوليانا كريستيفا الموازنة في باب التناص وأدخلت مدرسة الأدب المقارن الأمريكية الموازنة في باب الأدب المقارن!!

مسك الختام في حديثنا عن النزعات الادبية العربية : فنحن نأمل أن تنهض روابط الأدباء في وطننا العربي ونقاباتهم ومجلاتهم وصحفهم.. وكذلك كليات الآداب والتربية واللغات ومؤسسات الإعلام ومجامع اللغة العربية.. وبيوت الشعر أو القصة أو النقد ومواقع الانترنت المعنية بالأرشفة والموسوعية او السيرة نأمل من كل هؤلاء أن ينهضوا وفق حميمية وموضوعية في التنسيق لعقد الندوات المكثفة البعيدة عن الروح الاحتفالي والمزايدات الجوفاء للبحث في شجون النظرية النقدية العربية.. على أن ينهض بالأمر ذوو الخبرة والثقافتين التراثية والمعاصرة والمسكونون بهاجس البحث عن نظرية عربية حديثة في النقد الأدبي  والله من وراء القصد  

مشيغن المحروسة

 الثامن من جولاي تموز 2007

  

أ. د. عبد الإله الصائغ


التعليقات

الاسم: زمن
التاريخ: 01/01/2012 22:54:42
شكرا على هذه الجهود الخيرة كان انتقاء هذه الموضوعات جدا موفق

الاسم: شعيب الرجب
التاريخ: 02/04/2011 20:44:38
مرحبا جيد ولكني أريدالفخر والمعاناة عند الفرسان والصعاليك

الاسم: اية
التاريخ: 11/04/2009 19:58:21
السلام عليكم

كان الموضوع جميلا استفدت منه الكتير وانا اشكركم جداا جدااا




5000