..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
إحسان جواد كاظم
.
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جدلية المفارقة والتغريب في القص العراقي

محمد ونّان جاسم

يعد التغريب شكلاً أساسياً من أشكال المفارقة، لما يحمله من دلالة التضاد الواضحة، إذ أنه يعني جعل المألوف غريباً1، فالتضاد الحاصل من اجتماع دالتي المألوف والغريب ينتج مفارقة ومن هنا عد الباحث التغريب شكلاً من أشكال المفارقة، وعكس الأمر يعد مفارقة أيضاً، أي جعل الغريب مألوفاً وهذا نجده كثيراً في قصص الخيال العلمي، حيث يهيمن على بنيتها السردية وشاح الواقعية.
إن وظيفة التغريب خلق الصدمة وإثارة دهشة المتلقي وإرباك قناعاته وخلخة مسلماته مما يدفعه إلى إعادة النظر فيه، وقد ذكر شجاع العاني نمطين للتغريب هما2:
1 أحدهما ينبع من نزعة تعليمية إصلاحية يحفل بها القص الواقعي من دون أن يكون للقاص قصدية في التبعيد أو التغريب الذي عرفه المسرح الملحمي.
(2 النمط الذي ينبع من منهج فني وتعبيري واع ومقصود للتغريب.
وستنصب دراستنا على رصد التغريب النابع من منهج فني وتعبيري واع، أما القصدية فتعد في الآن الحاضر جزءاً من مفاهيم الفلسفة وتختلف بحسب نظرية القراءة الحديثة من النية، ولقد اخترنا النمط الثاني، لأنه يحقق شعرية وهدف دراستنا ملاحقتها وبيان آلية اشتغالها.
ونلاحظ أن التغريب المنتج للشعرية يمكن تتبعه من خلال العلائق السردية الآتية:
1البنى السردية التي تنفي الإيهام.
2- التقطيع السردي.
3- الموازاة.
4- موجهات القراءة:
أ - العنوان ب - السارد جـ- المتلقي
5- استخدام الخطابية والغنائية.
6- اللغة الخارقة.
7- استخدام الهوامش.
8- النهايات المفتوحة.

وسنتناول من خلال أمثلة التطبيق الشعرية المتحققة في النص السردي عبر علائقه السردية المذكورة آنفاً، أي أن دراستنا ستكون ذات سمة شعرية وأسلوبية في الآن نفسه، وهنا لا بد أن نشير إلى أن الجمال الذي يحصل عليه القارئ المتذوق لا يكمن في استشعار الزخرف الفني في العلاقة الأسلوبية المميزة بقدر ما هو متمثل أساساً في إدراك الفارق بين الاستعمال اللغوي التقليدي كما سنته المؤسسة اللغوية وبين الاستعمال العدولي عنها 3، أي أننا سنبحث في الشعرية التي تعني إخراج القول على غير مخرج العادة 4.

السمة الضرورية للتغريب
وقد أشار بريخت إلى أن تأثير التغريب يحدث حين يتغير الشيء المطلوب فهمه ولفت النظر إليه بوصفه شيئاً عادياً معروفاً جيداً في الوقت الحاضر إلى شيء متميز ومدهش وغير متوقع 5.
والسمة الضرورية للتغريب هي لا بد من إيجاد تضاد ما6، إي ينبغي وضع عقل المتلقي القارئ - المتفرج في حالة معاكسة لما يقال وعلى سبيل المثال ما نراه في قـصة « اهتمامات عراقية » للقاص جمعة اللامي7، إذ اختتمت القصة بمقطع سردي أربك قناعات المتلقي وخلق تضاداً بين ما قيل سابقاً وما يقال الآن في النص نفسه، وقد أدى هذا المقطع وظيفة أفادت التغريب الذي تشكلت مبنية عليه المفارقة السردية وهذه الوظيفة هي نفي الإيهام وفصل المتلقي عن الحدث وجره إلى منطقة في القراءة متضادة مع المنطقة الأصل.
يبدأ المقطع كما يأتي: « دعونا نتصارح: هذا الكاتب مختل الذهن تقريباً، وهو يريد من خلال جنونه أن يطرح الحسين كشهيد.
أوه ... هل صحيح أنه كتب عن الحسين فقط؟
إني أشك!
اقرؤوا القصة مرة أخرى، ثم تساءلوا ما علاقة الحسين بالزنج ورجل بوليفيا والرجل الآخر الملتحي الشرقي الذي لم يقدم بعد.
ترى لماذا يتعب جمعة اللامي نفسه هكذا »8، هذا المقطع أدهش المتلقي وخلق الصدمة في ذاته، وقد تحقق التغريب حين أفصح السارد عن وجهه مذكراً المتلقي بأن كل ما قيل هو نسج مؤلف، ذاكراً في الوقت نفسه الخرق السردي الوارد في نفسه من خلال مشاركة شخصيات لم تعش فترة زمنية واحدة مثل الزنج ورجل بوليفيا.
إن التغريب لا يعني إقناع المتلقي بأوهام العالم بل مسألة خداعه وجعله يتصور تلك الأوهام ثم صدمه وإعادته إلى وضعه الطبيعي حين يقول له النص أن ما تلقيته كانت أوهاماً، وقد أطلق مالكوم برادبري وجيمس ماكفارلن على هذا النوع من المفارقة اسم المفارقة الظاهرية 9.
وهنا لا بد من القول أن المفارقة عموماً والتغريب خاصة تلاحظ وتحدد في النص الأدبي اعتماداً على مرجعيات جاهزة في ذهن المتلقي تراكمت ووفرها لديه التاريخ، وهذا الأمر يجعلنا نبتعد قليلاً عن الرؤى النقدية لآيزرو هوسرل وانغاردن « الذين استبعدوا المعرفة السابقة وعلقوا التاريخ »10.
في قصة « المأوى » للقاص محمد خضير تؤدي تقنية الموازاة دوراً هندسياً في بناء التغريب ومثال ذلك ما نراه في المقطعين السرديين الآتيين من تواز:

1- فأنا أجلس في المكان الذي أريده بالضبط، بمواجهة نوافذ طابق علوي لفندق عبر ممر السوق وبالتحديد بمواجهة نافذة مفتوحة هي النافذة الوحيدة التي يصدر منها الضوء بين مجموعة النوافذ العديدة المغلقة »11.
2- « هذا المقهى يبقى عادة أخر ملجأ في الليل بعد أن تكون مقاهي السوق الداخلية الأخرى قد سدت أبوابها على التوالي» 12.
نلاحظ أن الموازاة قد بنيت عل التشابه الجزئي معتمدة في بنائها على ثنائية الغلق / الفتح والترسيمة الآتية توضح التوازي:
المقاهي سدت جميعاً إلا مقهى واحد / النوافذ أغلقت جميعاً إلا واحدة
وقد قلنا التشابه الجزئي، لوجود اختلاف في الجنس بين المقهى والنافذة ويؤدي السارد وهو أحد أهم موجهات القراءة دوراً مهماً في تثبيت بنية التغريب ومن ثم خلق المفارقة السردية ومثال على ذلك تعمد السارد في قصة « غرفة في درجة 45 مئوي » للقاص محمد خضير إلى إرباك قناعات المتلقي حين يقول له: « هكذا تبتدئ قصة عنوانها « التنور الحديدي » - لم تكتمل بعد- »13 ثم ينقل جزءاً من القصة ويترك المتلقي في حيرة ليعاود الحديث عن غرفته التي يسكن فيها، إن هذا القطع السردي حقق تغريباً من وجهتين هما:
1- إن الخط السردي لم يستمر وخرق زمانياً ومكانياً توقف منتقلاً إلى عالم آخر.
2- لم يكمل السارد القصة المضمنة بل أعطى لمحة سردية عنها ثم أمسك تاركاً المتلقي في دهليز من التوقعات.
وفي القصة نفسها تتحقق مفارقة أخرى مبنية على الدهشة والغرابة إذ يقوم السارد بوصف سبع غرف وصفاً دقيقاً ثم يصدم المتلقي إذ يقول: « ولن أقول لكم ماذا سيحدث في الغرف السبع فأنا نفسي لا أعرف»14، إن إضفاء السارد عدم المعرفة على نفسه يعد مفارقة تحققت مبنية على الدهشة.

التغريب في خلق المفارقة:
في قصة « خريف البلدة » يؤدي التغريب دوراً مهماً في خلق المفارقة أيضاً، على الرغم من اشتغال الفنتازيا على المحور الدلالي للنص واشتغال التغريب على المحور التركيبي كما سنرى ذلك من خلال التحليل التطبيقي، وقد أدى السارد دوراً مهماً في إبراز شكل التغريب، إذ فرض دليلاً للقراءة وجه بوساطته المتلقي إلى تتبع سير قراءة واحدة ولم يترك له الخيار في إتباع طريقة أخرى، للقصة التي قسمها على قسمين أعلى وأسفل واحتوى القسمان مضموناً واحداً فتحقق بذا التغريب في محوره التركيبي، وقد أطلق اسم « دليل القراءة» على توجيهه التغريبي هذا إذ قال « ضرورة قراءة القسم الأعلى في القصة قبل القسم الأسفل و لا يصح قراءة القسمين في أن واحد »15 وعلى الرغم من أن القاص ألمبدع أحمد خلف جعل مضمونها ينطوي على غرابة موت الأب وضرب البيت بالمنجنيق والبحث عن الذي ضربه إلا أن النصين اختلفا مما يدل على اختلاف الساردين في كلا القسمين، أي أن القصة نفسها قد رويت على لسانين مختلفين وليس لساناً واحداً وهذا تحقيق لمظهر آخر من مظاهر التغريب فضلاً عن تلك التي أثبتناها آنفاً وفيما يأتي تبيين لأوجه الاختلاف في كلا القسمين:
1- هيمن الجد على الأحداث وكان سارداً مشاركاً في القسم الأعلى، أما في القسم الأسفل فقد هيمنت المرأة الفاتنة.
2- استهلال القسم الأعلى بدأ بفعل ماض « حط الخريف » ألحق بأفعال ماضية أخرى ذبلت، وتساقطت، وتغري، ووضع، وتجردت أما استهلال القسم الأسفل فقد بدأ بفعل مضارع ألحق بأفعال مضارعة أخرى يختفي، يتلاشى، أناديه، يسمعه ، والملاحظ أن أفعال الاستهلال الماضية والمضارعة في كلا القسمين جاءت متوائمة في دلالتها مع دلالة الخريف التي لها علاقة وثيقة بالتساقط والعري والتلاشي.
3- لم يأخذ الخريف في القسم الأسفل حيزه الدلالي مثلما هي الحال في القسم الأعلى وحلت محله ثيمة « التعري »، وهذا الأمر جاء مناسباً للمهيمنين في القسمين، أي أن الخريف ناسب الجد، لكونهما مذكرين، بينما ناسب التعري المرأة الفاتنة، ولا يفوتنا أن نذكر أن العلاقة بين الخريف والتعري وثيقة جداً والثيمة المشتركة بينهما الخلع.
ساعد التغريب في خلق المفارقة ثنائيات عدة منها: أعلى / أسفل، ماض / حاضر، صحراء / ، بلدة، رجل / امرأة، حياة / موت، ذكور / إناث.
ومن صور التغريب الأخرى التقطيع السردي واعتماد السرد على حركة لولبية، مبتعداً عن الخط السردي المستقيم ومثال ذلك استهلال قصة « المداخل الأربعة لبصرياثا » للقاص محمد خضير إذ يقول السارد « يروي الرواة عن المدن القديمة أحداثاً وعجائب منطوية، لكنني أروي عن كتاب بصرياثا عما هو معلوم ومدبر في سطور القدر»16 لقد بدأ السرد في هذا المقطع بالحديث عن المدن القديمة وكان المتوقع أن يتحدث عن المدن الحديثة بعد دالة « لكن » التي تفيد الاستدراك لكن السارد قطع السرد ليتحدث عن كتاب بصرياثا وهنا تحقق التغريب من وجهتين:
1- أبعد ذهن المتلقي على أن تكون بصرياثا مدينة حقيقية مشتقاً اسم المكان من المدينة الأصل « البصرة »، وهذا ما أشرنا إليه في بداية المبحث باحتمال أن يؤدي العنوان دوراً مهماً في تحديد ملامح المفارقة التغريبية.
2- المقارنة بين شيئين لا رابط بينهما وهما « المدينة » و« الكتاب» .
فضلاً عن ذلك فقد أفاد عنوان المجموعة القصصية بصرياثا تحقيق التغريب، إذ أبعد الإيهام عن ذهن المتلقي خوفاً من أن يتخيل أنها مدينة حقيقية مشتقاً لها اسماً قريباً من المدينة الأصل البصرة معتمداً في ذلك على وسيلة المرآة التي سبق أن أشرنا إليها، فهذا الكتاب بصرياثا هو مرآة متخيلة في ذهن السارد عن المدينة الأصل البصرة، إن اختيار بصرياثا عنواناً بدلاً من عنوان صريح خلق دهشة أفادت السرد في إنتاج مفارقته التغريبية، وهذا ما ذكرناه في بداية المبحث في أداء العنوان دوراً سردياً في إنتاج المفارقة مشاركاً في ذلك مع بقية موجهات القراءة الباقية « السارد والمتلقي»، بل قد يصل الأمر إلى غلاف المجموعة القصصية تصميماً ورسماً، فقد لا يهمل الغلاف في أداء وظيفة سردية مثلما الحال في غلاف مجموعة « صراخ في علبة » للقاص أحمد خلف، إذ تظهر على الغلاف مجموعة من الرؤوس البشرية الموضوعة في علبة أو في قعر علبة بشكل لافت لكنها صامتة لا تصرخ، وبذا حقق تصميم الغلاف مفارقة، لتضاد العنوان مع التصميم.
ويبقى كسر أفق التوقع الثيمة المشتركة في جميع مواطن بروز المفارقة عنصراً وتشكيلاً، فعلى سبيل المثال المقطع السردي الآتي من قصة « الحريق » للقاص محمود جنداري: « كان صوت التراب والتبن الذي ينسحق تحت دوران القضيب الحديدي، يمنحه قدرة غريبة على الإصغاء والتسمع، وكان التراب الناعم الذي يتساقط فوق أصابع قدميه بارداً رطباً يشعره بلذة عظيمة لم يكن ينفك من تحريك أصابع قدميه ليجعل التراب يتغلغل بينهما بصورة أوسع، وكلما دار المقبض يشعر أن رطوبة التراب تقل، وبرودته تتلاشى وذات يوم ومثلما بدأ العمل تحت إلحاح العين، وجد القضيب الحديدي يسرع على غير عادته في الدوران ويحدث صوتاً مسموعاً في الجهة الأخرى، فعرف أنه قد اخترق الجدار، وأن تراباً أقل برودة بدأ ينثال من الفتحة الصغيرة، سحبه بهدوء، ومسح عرقاً كان يسيل مثقلاً بالتراب الناعم ويقترب من عينيه المحمرتين، سحبه بسرعة واعتقد أن الشمس ستدخل فوراً، لكن الظلام كما هو، خانقاً متماسكاً لا يشكل فيه هذا الشق إلا نقطة صغيرة أكثر ظلاماً ودهشة، لكن حماسه لم يفتر رغم كذا أنه شعر بالارتخاء التام في كل جسده وأعصابه وخرج ليرى أين ذهبت الشمس ولماذا لم تدخل؟! بالكاد تلمس باب الغرفة ودفع قدميه المتربتين إلى الخارج، فأبصر سماء زرقاء نقية مرقطة بنجوم لا حصر لها»17.
لقد تحقق التغريب في هذا المقطع بسبب كسر أفق التوقع الذي ظهر مرتين فيه و كالآتي:
أ - كسر أفق توقع الشخصية التي ظنت أنها فشلت في إيصال الضوء إلى داخل الغرفة، لكن الحقيقة كانت مضادة لتوقعها إذ أنها؛ أي الشخصية أتمت فتح الجدار ليلاً، فبقي الظلام على ما هو عليه.
ب- كسر أفق توقع المتلقي الذي تبع الشخصية في توقعها.
ويبدو لي أن النهايات المفتوحة للقصص ترسم تغريباً واضح الملامح، لأن المتعارف عليه في القصة أن لها بداية ومتن ونهاية واضحة للأحداث التي يتضمنها المتن الحكائي، أما أن تترك النهاية مفتوحة، فهذا الأمر يعد مفارقة؛ لأن النهاية حتماً لن تكون واحدة بل متعددة ومن المؤكد أن التوقعات ستكون متضادة وفي تضادها تحقيق للمفارقة وعلى سبيل المثال ما نراه في قصة « العيون المطفأة » للقاص فهد الأسدي، إذ كانت النهاية مفتوحة ولم يحسم موضوع المتهم الريفي « كريم الفاهم » الذي أودع السجن متهماً بقتل أخته وأعترف أمام قاضي التحقيق بأنه قتلها غسلاً للعار وحقيقة الأمر أنه لم يقتلها، بل ساعدها على الهرب مع عشيقها إلى مكان غير معلوم، وما كان اعترافه الكاذب إلا تزييناً لصورته أمام العشيرة لقد رجا المتهم « كريم الفاهم» المحقق أن يبقيه في السجن وأن يصدر حكماً عليه وجاء قرار التحقيق مفتوحاً ليشكل نهاية القصة « يبقى المتهم كريم الفاهم على ذمة التحقيق لحين ظهور أدلة جديدة في القضية تقرر مصيره» 18.
وفي قصة « منزل النساء » للقاص محمد خضير يأتي التغريب متحققاً في شكل النص السردي، حيث يقسم النص على قسمين أعلى وأسفل، وقد احتوى النص أيضاً على أسطر بيضاء تاركاً حرية إملائها للمتلقي، إن كلا القسمين يتحدثان عن منزل النساء الذي تديره عوفة السوداء ومجيء ابن عواشة إلى هذا البيت، لكن الرؤية مختلفة بينهما ففي القسم الأعلى جاء السرد بضمير الغائب أما في القسم الأسفل فالسرد نسج مبنياً على ضمير المتكلم، وقد لاحظنا إن القسم الأسفل يعد مكملاً للقسم الأعلى الذي سبقه بالأحداث ودليلنا ما يأتي: إن الحوار الذي جرى بين عوفة السوداء وابن عواشة في القسم الأعلى دل على غيابه الطويل عن المنزل:
« - لقد نسيت، نسيت تلك الغرفة فوق. هل أنتم فيها!
ثم وهو يتقدم قال: نسيت تلك الغرفة تماماً.
ثم أردف أمي عوفة... كيف حالك؟ هل تراني عيناك بوضوح؟ أنا ابن عواشة.
صفنت برهة ، ثم تساءلت : ابن عواشة... أنت ابن عواشة؟
قال الرجل: نعم... ابن عواشة.
قبلته بشفتيها الضخمتين اللامعتين ببلل اللعاب وهي تقول بإنهاك:
ابن عواشة... أين كنت كل هذا الوقت... تعال هنا فوق عن البرد» 19.
من خلال قراءة المقطع السردي نستشف أن ابن عواشة قد غاب فترة طويلة عن منزل النساء إلى الحد الذي لم تعرفه مديرة المنزل عوفة السوداء، وقد أكد هذا الاستنتاج إقرار الرجل ابن عواشة في القسم الأعلى نفسه بذلك إذ قال « مضت سنتان لم أدخل فيهما هذا المنزل »20، بينما ورد على لسان الشخصية نفسها ابن عواشة في القسم الأسفل ما يأتي:
شحوب ظلام السماء
« إني ذاهب الآن تحت غطاء الليل الشامخ، إلى بيت أهملت زيارته طيلة الأسبوعين الماضيين»21، هذه الزيارة جاءت بعد زيارته الأولى التي وردت في القسم الأعلى، مما تقدم يتضح لنا أن القسم الأسفل مكمل وتابع للقسم الأعلى، وأن شطر القصة على قسمين لعبة سردية تغريبية حققت مفارقة، إذ لا داعي أن يتخذ السرد هذا الشكل النصفي إلا بهدف إثارة دهشة المتلقي وتحفيزه، واللافت للنظر أن القصة في قسمها العلوي ركزت على ثيمة الظلام التي هيمنت على النسيج السردي مثل: « كوة مستديرة مظلمة / شحوب ظلام السماء / النقاوة الداكنة للسماء / الزوايا المظلمة / النوافذ المطفأة / مساحات داكنة / أرض ذات عثرات غلفها وهم الظلام / أظلمت الأورقة / المجهولات المظلمة / دهليز مقبر معتم / وغاب في الظلمة / ضوء شحيح / يتصل الظلام / ظلام / كل شيء يتلاشى في القمة / تخترق الظلمة / يجلسن في شبه ظلمة ».
بينما هيمنت الأصوات في القسم الأسفل على النسيج السردي، ولم يأخذ الظلام الحيز السردي الذي أخذه في القسم الأعلى: « على وسادة محشوة بالنواح واحتضارات الكائنات القائمة: شخير أبي وتنهدات أمي وصرير الأبواب وأذان الفجر وصياح الديكة ونباح الكلاب وشكايات العجائز وتكسر العيدان في التنانير وارتطام العجين بالراحات الماهرة وبحة الأمهات المزكومات المتخمات بالكراث والفجل وماء الأنهار المسدودة وأهازيج جامعي التمر وصفعات الأجسام العارية لماء الأنهار والهلاهل والدرابك والولائم العشائرية وطلقات البنادق وانبجاس الدم »22.
يتضح لنا هيمنة الأصوات على هذا المقطع السردي وقد كانت هذه الهيمنة مغلفة بإطار فانتازي المتمثل بأن جميع الأصوات قد وضعت وحشيت في وسادة.
إن الاختلاف بين القيمتين المهيمنتين في كلا القسمين حقق مفارقة أخرى تواءمت مع المفارقة التخمينية والمفارقة الفانتازية، كما أنه قد وضحت الوحدة الدلالية الكبرى للنص، لأن الوحدة الدلالية عمومـاً لا تدرك إلا بانتظامها في علاقة خلافية بوحدة أو وحدات مختلفة 23.
وفي قصة « أخوة يوسف » للقاص أحمد خلف تتضح المفارقة المبنية على شكل التغريب وسنؤجل التحليل التطبيقي للقصة بكاملها إلى مبحث التناص، لكون التغريب قد تداخل وتماهى مع التناص فولدا مفارقة أنتجت شعرية نصية.
ومن طرائق التغريب في القصة السرديةاستعمال الهوامش التي جاءت على وفق صيغتين هما:
1- هوامش توضيحية حقيقية، لا تؤدي دوراً في تطور السرد ونموه داخل المتن الحكائي وهذا ما وجدناه على سبيل المثال لا الحصر في مجموعة القاص محمد خضير « بصرياثا - صورة المدينة »24.
2- هوامش لها علاقة وطيدة بتطور المتن الحكائي للسرد، وسنأخذ مثالاً على ذلك قصة « بئر الآبار » للقاص أحمد خلف: يقول السارد في متن القصة:
« عشرة قرون مضت على ما حدث في تلك القرية وعشرة مثلها تقدمت، لكي يهدأ بعدها كل شيء، ويعود إلى سابق عهده »25، وقد وضع السارد إشارة الهامش على كلمة قرية الواردة في المقطع السردي المذكور آنفاً ليقوم بسرد المقطع السردي الآتي في الهامش: « سأسميها قرية لأن الحفريات والدساتير والوثائق التي استخرجت منها وأشارت إلى موقعها لم تحدد بصورة حاسمة طبيعة تكوينها الطبوغرافي أو حالة الطبقات المتناحرة ولا الشخصيات المؤثرة فيها لم تكر التنقيبات التي أجريت أخيراً شيئاً مهماً عن تكوينها. لم تتوصل إلى تشخيص مساحتها الكلية ونوع تربتها ولا فاعلية عوامل التعرية والتغيير المفاجئ فيها. لم تذكر الحفريات المتأخرة شيئاً عن قوة الرياح وعمق الرطوبة وعلى الأرجح أنها مجرد قرية صغيرة تعرض محصولها السنوي إلى الموات، بعد أن جف ماء نهرها الوحيد، والحقيقة أن ولع التنقيب قد حدا ببعض منقبي الآثار للمبالغة، وهو ولع خاص بمجموعة من الأفراد المعنيين باكتشاف المجهول والعجيب والغريب بل والغامض في الحياة، فالقرية بالمواصفات التي التقطت عنها لا تختلف عن أي قرية أخرى أو بلدة تطمح أن تصير مدينة، ولكن ما يعزز رغبة البحث فيها وولع التنقيب في حياتها: هو ما جرى لها وما حدث»26.
نلاحظ من خلال قراءة مقطع الهامش أن السرد فيه كان فاعلاً ومؤثراً وله علاقة وثيقة بمجريات الأحداث في المتن، إن اعتماد الهامش لعبة سردية أخرى أثارت دهشة المتلقي إذ لم يكن هامشاً توضيحياً ولا هامشاً مقطوعاً عن المتن الحكائي، بل كان جزءاً منها وكان باستطاعة الباث تضمين الهامش في المتن، لكن لضرورات الصدمة والتغريب الشكلي جاء هذا الهامش، وقد أشار شجاع العاني في تحليل هوامش قصة « بئر الآبار » إلى أن هذه الهوامش قد تناولت دراسات علمية وأبحاث، إلا أنها دراسات وهمية يختلقها الراوي27.
مما تقدم يتضح لنا أن التغريب يختلف عن الفنتازيا بكونه يهتم بالمحور التركيبي بينما تهتم الفنتازيا بالمحور الدلالي، لذا كان للتغريب دور مهم في تحديد شكل النص الأدبي ومن ثم تمييز المفارقة من غيرها.
ومن أوجه التغريب التي تحقق مفارقة استخدام الغنائية والخطابية28 و لاسيما في المقاطع الوصفية إذ يبرز فيها صوت يبعد الإيهام عن المتلقي وينزاح الجو السردي خارج القصة، ليظهر بعد ذلك صوت السارد مهيمناً على النسيج السردي، والمفارقة هنا تنتج لعدم مواءمة الحال للفظ المكتنز غنائياً وخطابياً ومثال ذلك المقطع الوصفي الآتي من قصة « أخوات القمر » للقاصة لطيفة الدليمي: « النهايات حمراء من فرط خطأ البدايات، النهاية دم، موسيقى، النهاية غبار وموسيقى وماء، النهاية موشومة بالدم، عصر القمر يمطر حروباً على مصائرنا نحن النساء الثلاث »29، تتضح الغنائيات في المقطع من خلال العلاقة الشعرية بين المسند والمسند إليه فقد زاوج النص بين المحسوسات واللا محسوسات مما نتج عن ذلك ترابط شعري حل اللا ترابط الذي وشحها قبل نسجهما في سياق النص:
النهايات ← حمراء / البدايات ← تخطأ / النهاية ← دم، موسيقى / عصر القمر ← يمطر / الحروب ← تمطر .
ومن التغريب أيضاً الإحالات الخارجية التاريخية، إذ قد تسرد لنا قصة عن زمن مضى عليه قرون، لكن التاريخ المثبت في نهاية القصة يصدمنا ويعيد إلى أذهاننا إن ما نحن فيه ليس عالماً حقيقياً وإنما عالم متخيل منتج مثال ذلك قصة « الخروج من البحر الأحمر » للقاصة بثينة الناصري، إذ ثبت المقطع الآتي أسفل عنوان القصة « جرت أحداث القصة في القرن الثالث عشر قبل الميلاد و لا صلة له بالزمن الحاضر »30 ثم ثبت في نهاية القصة « كانون الأول 1972 ».
مما تقدم يتضح لنا أن التغريب المحقق للمفارقة السردية له علاقة وثيقة بعناصر البناء السردي وكذا له علاقة بالمحور التركيبي ومن خلال تفاعله مع العناصر السردية وأشكال المفارقة الأخرى وتماهيه معها ينتج شعرية نصية.

الهوامش:
1 - بريخت: رونالد جراي: ص 92، وينظر مفهوم التغريب عند بريخت مقال د. إبراهيم حمادة: مجلة الأقلام، ع1، ص1977، ص: 27.
2 - التغريب مقال : د. شجاع العاني، مجلة الموقف الثقافي، ع14، س 1988، ص: 85.
3 - التلقي والتأويل مدخل نظري مقال : محمد بن عياد، مجلة الأقلام،ع4،س 1988،ص:8.
4 - الإنحراف في لغة الشعر - المجاز والاستعارة - مقال : طراد ** ، مجلة الأقلام، ع8، س 1989، ص:40.
5 - بريخت، ص: 92.
6 *
7 - المصدر نفسه، ص:92.
8 - موضوع النص استشهاد الإمام الحسين عليه السلام.
9 - الحداثة،2:194.
10 نظرية التلقي: د. بشرى موسى صالح،ص:34.
11،12- مجموعة في درجة 45 مئوي، ص: 48.
13 - مجموعة في درجة 45 مئوي، ص: 32.
14 - المصدر نفسه، ص: 35.
15 - خريف البلدة، ص: 25.
16 - بصرياثا، ص: 11.
17 - الحصار: 152-154.
18 - مجلة الأقلام، ع12،س 1985، ص: 40 وما بعدها.
19 - مجموعة في درجة 45 مئوي، ص: 40.
20 - المصدر نفسه، ص: 41.
21 - المصدر نفسه، ص: 39.
22 - مجموعة في درجة 45 مئوي، ص: 44.
23 - في الخطاب السردي: محمد الناصر العجيمي، ص:92.
24 - تنظر الصفحات 21، 48، 64، 86، 102، 119، 150.
25 - مجموعة خريف البلدة، ص: 17.
26 - المصدر نفسه، ص: 17.
27 - التغريب وانفتاح النص مقال : د. شجاع العاني، ع14، س1998، ص: 90.
28 - ***: على سبيل المثال: الشاحنة: محمود جنداري، ابتسامات للناس والريح: غازي العبادي، النافذة: أحمد خلف، ثمن الصحو: موسى كريدي، زليخا .. البعد يقترب: جليل ***
29 موسيقى صوفية:ص 126.
30حدوة حصان، ص:51 وص:

 

 

محمد ونّان جاسم


التعليقات

الاسم: علي أحمد علي
التاريخ: 02/05/2010 18:41:18
سلمت أناملك النقدية في زمن شحّ فيه النقد الأصيل

الاسم: توفيق حسين
التاريخ: 30/04/2010 20:51:41
هذه دراسة نقدية تطبيقية ممتازة أرجو أن لا تتوقف عند حدود النشر على النيت وأن تأخذ مكانها الذي يليق بها.

أهنئك أستاذ محمد ونان من كل قلبي وأتمنى لك المزيد من العطاء

الاسم: صباح محسن كاظم
التاريخ: 30/04/2010 06:01:53
الفاضل د-محمد المحترم..
تحية لك على هذه الدراسة المهمة والرصينة والنافعة...




5000