..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الهروب إلى الحلم .. الانشداد إلى اللامرئي

زيد الشهيد

تُُدخِلُنا الاشياءُ الدقيقةُ المستدقَّةُ في دوّامة التفرّس ، ويدفعنا الفضولُ المتراغي للذاتِ الباحثةِ إلى العومِ في هيولي رغبةِ التوصّل ادراكاً للسابحِ في ملكوتِ اللامرئي . نتوه في مهمّةِ التشبث بمسحوقِ الهواء سعياً للتلمُّس والخروجِ بمعنى . فالبشري منّا جُبل على هاجسِ البحثِ والاكتشاف ، تربّى على هَدي أنْ لا يتركَ النائي البعيد بعيداً إنّما يتحرك بكلّ عدّته الفضولية للوصول ، حتى وإنْ تعثَّر ، حتّى وإن كُبِح . إنّه يجتاز أطرَ بيئتهِ الماثلة الحقيقية متّجِهاً إلى الماوراء متوخيّاً القبض على معالمِ المستحيل التي هي / الذي هو من عداد اللامرئي ، ويصبح العقلُ المُبتلى بجموعِ الاسئلة مَرتَعاً للهياج واللا اصطبار فيقفز بطريقةِ التحرّي المصحوب برغبة القبض إلى عوالم الميتافيزيقيا عبرَ بحرِ الفلسفة المقرونة بالتحرك خطوةً ليقرنها التراجعُ خطوات ، وهي محصّلة آلت إلى الاعتراف بمجهولية اللامرئي وعجز ادراك تخومِه الآيل إلى احتوائه . يبقى اللامرئي حدثاً عجائبياً يرفع شعار اللامألوفية بما يحتويه من أبجدية  ، حيث " الأشياء والاحداث والعناصر التي يتكون منها الحدث العجائبي تأتي غير طبيعية وغير مألوفة ، في وضعٍ طبيعي واقعي موضوعي . "(1) تبحث فيه " الأنا " عن  " اللا أنا " قِدُما لإدراك الـ " نحن " المتصيّر تشيئات تسبح في هلام اللا تحقُّق .

وحين يغدو اللامرئي لا مرئياً تنسحبُ الذات على هَدي الحيرةِ ومتواليةِ تقهقرِ الاستفهامات  فتتَّخذُ من الأطيافِ السابحةِ في ربقةِ الخيال ايقونةً للتعبير ، نعنونُها بـ " ايقونة الحُلم " .

تستحيل الايقونةُ ملاذاً لفصولِ البهجة التي تلوّنها اجنحةُ الفراشات المخيالية المستمدّة من سماوات البَهَت وسحابات الذهول ، ويفعمها التوقُ للتحليق على خطى انسام الرؤيا المتّجهة صوبَ تخوم التكينن وفراديس الغيب استعانةً بالحلم . إذْ الحلمُ المفردةُ المتألهةُ التي تنفتحُ على مدياتٍ لا تُحد . الجغرافيةُ المتَّسِعةُ لأيَّما توقٍ ورغبةٍ وشغفٍ يُتوجّه إليها :

لدى الطفل تعني اقتناءَ متطلباتِ اشباع الذات في اللعب .

بِعُرف المرأةِ الجمالُ الذي تتهالك عند قدميه جموعُ المنبهرين .

عند الرجلِ المالي التهافتي ثروةٌ لا تنتهي وجاهٌ لا ينضب .

في حين عند الخلاّق المرتدي معطفَ الوعي يتَّخذ الحلمُ هيئةَ الرؤيا ، فيستحيل جملةََ مرايا تجمع فيوضَ الآمال وتعكس تراغي الدواخل . يتبارى احتداماً أو انسياباً / تقدماً أو تهالكاً / بهجةً ولوعة / هموداً واحتراق . يغدو بديلاً للامرئي ، ذلكَ الذي يبقى أمنيةً يسبح في اللامتناهي من الرؤى . والخلاّقُ في فيضِ الكتابة يستعينُ بالحلم ، أو هو في الواقع " حالم كلمات ، حالم كلمات مكتوبة . " (2) يعبر عن تأملاته بالكلمات التي تكرِّس بمجموعها شكلَ الحلم . وبالحلمِ والكلمات يبدأ التعبير ، ومعهما تتبارى خَلقية الصورة المستحيلة من حدود اللا مرئي صوبَ مسار الرؤية المتشكِّلة فتتبارى الفلسفة بأدواتها لتصنع حالةَ اقناعٍ لعقلٍ هو في ارهاصٍ ثم حالةَ رؤيةٍ تتصيّر مثولاً يحمل مبرراتِ الاقناع .

فيلسوفُ الشدَه والانتباه ، رجلُ التساؤلات والردود ، دالُّ المسير ومدلولُ التواصل  " نيتشه "  ! توافقاً مع توصيفهِ وحواريتهِ القصيرة المبتسرة " نحو الاعلى " يقول .. ويرد :

•-       كيف بامكاني صعود هذا الجبل بافضل طريقة ؟

•-       لا تتساءل واستمر بالصعود .

إلى أين يقودُنا الصعودُ ؟ إلى أين تتجّه الخطى ؟ لماذا ، وماذا ؟ .. لا تتساءل ! يهمس لنا ؛  وهو الأدرى انها رحلةُ البحثِ عن اللامرئي . هو المتفرسُ في جذرِ الوجود ، الراهص على ارجوزةِ التواصل ، فلا بدَّ للخطى من وصول ، وليس من بداية لا تتكينن لها نهاية .. نخسرُ الكثير لكنها خسارةُ العمل ، وتتهاطل مزنُ العرق لكنّه عرقُ الكينونةِ الناجزة . وفي " المزدري " يقول :

            

              إني أترك بالفعل أشياءً كثيرة تسقط وتفلت مني

            ولهذا فإنكم تصفوني بالمزدري

            ولكن من يشرب من كؤوسٍ

            مليئة جداً، فإنه سيترك الكثير يسقط ويفلت

            لكن ليس لهذا يمكن أن نقول عنه بأنه يزدري النبيذ .

من يدخل الواقعَ سينهلُ الكثير . مِن وفي النهلِ سنخسرُ كفاعليةٍ تستحقُّ الجهدَ وعمل يتطلب النَّيل .. وفي هذا وذاك هو الحلم .. قيدُ الحصولِ على المرام ، واقتناءُ البارقِ الذي يمرُّ خطفاً .

   يتعالى الحلم لدى النفس المتأججة بالخَلق  / يكبر ويتَّسِع ؛ لكنَّ المحيط يضأل وينكمش  فينحسر . وبين الحلم والمحيط تتبارى افضاءات الخلاّق متزاحمة لا تسعها حدودُ المدى العيني المُقيَّد . تجدُ الروحُ كينونتها المتوحدةَ المنفرِدة المتفرِّدة في حالةِ ضيقٍ من المتشيّئات المتكرِّسة أنّى تحركَ وكيف نظر ،  وحاجة إلى الانفتاح متى تأمَّل وأينَ خطا . وبودلير يدخلُ في حواريةٍ بين الذات والموضوع . يترجمُ الموضوعَ على أنه المقيِّد المُربك المتجهِّم ، ويرى إلى الذات على أنَّها المترهِّصةُ المتأجِّجة الرافِضة للموضوع غير المتناسب وحاجةِ المحيط . هو الحالمُ بالتغيير / المكبَّل باصفادِ الماثل / المكبَّد بالرفضِ المتوالي .. يريدُ التحليقَ باجنحةِ الحريّة أداةً ، وبفضاءِ الحلمِ عالماً ، واقتناء الغيوم كأبجديةٍ للروعة :

          

                 " ماذا تحب أيها الوحيد الفريد ؟ ..

                 أحب الغيوم .. قطع السحاب .. .. هناك ..

                 في الاعالي .. الغيوم الرائعة ... " *

                                           من نص " الغريب "

  

  

وهي محطُّ اثارةِ الشعراء هذه التي تتسلل إلى مكامنِ الضجر لتثيرَهُ في نفوسهم ، وتُحيي فيها نوازعَ الرفض احتماءً بالرغبةِ القادمة على اجنحة البوح ، و" تحرير الانسان من ربقة العالم الموضوعي الطبيعي "  (3) .. هي الحرية التي تجد فيها الذات المترهصة رفيقةً لها ومطلباً ليومياتها التي تعيش جزئياتها . وهي التي تمنح الحلمََ بطاقةَ التوالد والتوسّع وتجعل من الشاعرِ روحاً لا تقتني الاستكانةَ ، ولا ترتضي الاعترافَ بواقعِ الحال ؛ وحين يختلي الشاعرُ بقرينتِه التي يفسّرها نصفه الثاني تبدأ ترجمةُ الحرية ، ويتخذ  مُهرةَ البوح شروعاً للتجسد . يقول افضاءً علنياً خلوّا عن الصمت ، اقتراناً بالامنية :

  

             كنتُ اقولُ لها وأنا ارسل

             نظراتي إلى الافق البعيد .

             هناك نتكىء على الرمال الزرقاء  

             وننام صامتين حتى الصباح . (4)

  

هما الحلم والحرية .. اللامتناهيان اللذان لا يأتيان إلا حين يغدو الواقعُ من عِداد عدم التحقّق وما بعدهما تتمثل أبجديةُ التابوات التي تُبعثر مطباتها في طريق الحياة الموهوبة للجميع أولاً ومسروقة من الجميع آخراً ، وهذا ما يدركه الماغوط لذلك يعمد إلى استخدام مفردة " هناك " جاعلاً إيّاها حدّاً فاصلاً بين جلوسه المؤقت مع الحبيبة بلا مستقبل أخضر وبين اتكائهما على الرمال الزرقاء رمال العيش الابدي الذي يدري الشاعر أنّه على نقيض مع واقع الحال ؛ فتجيء عبارة " حتى الصباح " لتكون مرموز القادم من الايام ، الذي لن يكون مشرقاً . يعلمُ ذلك بفراسته وتقييمه ومعطيات يومه الذي يعيش ، ملتجئاً إلى الحلم / عالم اللامرئيات .

  

ترائيـات .. رغبةُ الامساك بالنائي

  

اللامرئي باعث الحلم ؛ مثير ذائقة البحث . والمتعةُ تأتي نتاجاً لأبجدية البحث ورديفةً للمعاناة القادمة مع رفع الخطى وحَتَم الدرب . ففي " سماء حية " لغارثيا لوركا يتنبأ الشاعر بالقادم الآتي من تخوم اللامرئي الذي ما زال في عِداد الغيب .. القادم الذي لن يحقق المبتغى ؛ بل سيعتصر جذوة الروح خلقاً للألم . لكنَّ الشاعر لن يشكو . والشكوى تنتفي لعدم مقدرة اللسان على البوح وعجز القلب عن مواربة ابواب الافضاء . إنما تبقى المتعةُ نتاج الوله الغامر لروحه ، والرمال المشكِّلة مساراً للخطو .

وهو " تورجنيف " الذي ذهبَ حالماً  يبحث في المرئي عن اللامرئي ، واستمر على متوالية الاعوام الاربعين يمنّي النفس في القبض على " باولين فياردو " . أربعون عاماً صرفها بحثاً عنها ؛ هي المغنية الفرنسية التي زرعت في روحهِ بذرةَ الوله والتعطّش والعشق ، ودعته في ظلِّ غوايتِها له أنْ يبقى أسيرَ امتلاكها مع درايته أنها تعيشُ في كنفِ زوجٍ لا يفكر بتركها . غوايةٌ كانت من التمثّل بهيمنتها كغيمةٍ ماطرة تنثر فوقَ أيامِه وأعوامه رذاذَ التعلّق بها حتى لو تطلَّب منه أن يكونَ ذليلاً حدَّ البكاء عند قدمي قناعتِها به ، ورضاها عنه ، هارباً من شمسِ الواقع إلى ظلالِ الحلم لعلَّ الحلمَ يتجسد يوماً بهيئة " باولين فياردو " ليبثّها صورة البحث الطويل كمحصّلة غريزية ديدنية كانت تعيش مع البشر منذ رفع رأسه من طين " الاستاتيك " باعثاً بعينيه إلى فيافي " الديالكتيك " غارقاً بِحيرةِ الماثل وساعياً لنيلِ الحاصل . 

وهو " وليم بليك " - أيضاً - الذي كان يهيمُ في طرقاتِ لندن وسط بَهت المارّةِ وهم يتطلعون لرجلٍ صاروا يعرّفونه بالمجنون لكثرة ما كان يومىء ويؤشر كما لو كان يُحدّث أشخاصاًَ مرئيين أمامه . رائياً يحاور اللا مرئيين ، ومتبصراً يدخلُ في حديثِ الغائبين في سُدم القادم من الزمن ؛ هو الذي كان يقول أنهم معي : الرب والأنبياء والملائكة .

كذلك المتنبي ؛؛ يأتيه الوجدُ فيتيه على توالياتِ رغبته في حيازةِ الامنية . ويغرقُ في حمّى تمثُّلِ النأي فيحترقُ شوقاً إلى اللقيا . يقف ليعملَ مفارقةً تأمّلية تعتمدُ تبادلَ الرؤى وتغيير حجر الحاصل . ففي الوقت الذي هاجَ لديه الوجد لاحتضان الأمنية كانت هذه الامنية بعيدةَ المنال . ولأنّها نائية كان على الوجد أن يتفاقم وتتأجج نيرانه ويزداد سعيره ، فتتم المنادة بـ ( ليتَ ) التي لا تدنو من ( لعلَّ ) لأنَّ الـ ( ربّما ) لن تقترب من دائرةِ التحقق . عندها يترك الشاعر للكلمات الاصطفاف ، ممنّياً النفس برجاءِ تغيير الاحجار وتبادلها خَلقاً لحالةٍ يرومها . هي تحقيق ما لم يتحقق بفعل ( النأي ) الذي يتضاد مع ( الوجد ) والذي يعيش في الخيال . الخيال الذي يجعل النائي مرئياً في الامنية / لا مرئيا في اللحظة .. لحظة التكلم برغبة التصيّر :

       لقد حازني وجدٌ بمن حازهُ بُعدُ

       فيا ليتني بُعدٌ ويا ليتـه وجـدُ

وأمنيةُ النفس لا تقتصر على المتنبي في افضائه إنما تتعدى إلى الفرزدق ورغبتهِ في اللقاء . واللقاءُ الذي يرومه هو اللامرئي الذي يريد له انْ يستحيلَ مرئياً ، ماثلاً  . هذا المثول سيحققُّ حالةَ شفاءٍ غير موجودة لحظةَ النطقِ فهي من عِداد الامنية ، آن يغدو اللقاءُ تعبيراً عن الشفاء من داءٍ ودواء يحققه . والاثنان المتضادان ( الداء والدواء ) موجودان في كينونةٍ واحدةٍ أرادها الفرزدق حبيبةً يدخلُ من خلالها إلى غرضٍ ابتغاه في مدحٍ أو فخرٍ أو رثاء :

       أبيتُ أمنّي النفسَ أنْ سوف نلتقي

       وهل هو مقـدورٌ لنفـسٍ لقاؤها

       وإنْ ألقـها أو يجمـع الله بيـننا

       ففيها شفاءُ النفـسِ منّي وداؤها .

  

  

  

الرائي .. ارتداء غيوم الفلسفة

  

في تساؤله المديد وتأملِهِ الراحل بعيداً يضيق الرائي بالذي حوله فيجوبُ طرقات البحث ، فتوصله إلى محطاتِ الشَّده . شدهٌ يُفاقمُ التساؤلات ، ويناسلُها ، ويشظّيها . يملأ فيها فضاءََ العقلِ فيضيقُ لديه المحيط تاركاً للرؤية الاتساع . إنّه يرومُ الانطلاق اكتشافاً . لا تسعه الأرضَ بما حوت ولا السماء بما شكّلت لديه سدّاً يحجب عنه شيئيات ، ومعادلات ، وصورَ الما وراء ، الما بعد ؛ لأنَّ النفسَ واسعةٌ تبحث عن الواسع ؛ والفكر متّسع يبغي الاتساع أكثر :

      حتى فسيح الجّو ليس بواسعٍ

      روحي فها هو بالسما محدودُ

      إني سئمتُ من السماءِ كأنها

      سدٌّ مدى نظري بها مسدودُ (5)

هذه السدود التي تمثّل نموذجَها السماءُ تستحيلُ بعين الرائي تابواتٍ تُعيق اكتشافَه وتكبح حمّى رغبته في الوصول . إنها تؤجج في نفسه نزوعَ الغيظ والحقد . فلا يكتفي هذا الشاعر الذي اسمه " الصافي النجفي " بغضبِه على السماء بل يتجاوزه إلى رغبة أنْ يمزق هذه السماء الحاجبة المعيقة ( فلئن تصل يديَ السماءَ قلعتها ) لأنَّ ما وراءها الكثيرُ من الابهام ، ومما لم تصلها مداركُ الانسان ؛ فهو يريد أن يكون رائياً حقيقياً وسيع الرؤيا ، تتكشف اللامرئيات أمامه بصيغةِ التهافت وصولاً إلى اقيوناسات الحقيقة المبهمة . ويندفع في نقده للمحيطِ القميء الضيق المحدود إلى أنّه يرى في الظلام الزائل لزرقة السماء الحاجبة مدىً فسيحا للنظرِ الذي يقوده إلى الرؤية ثم الرؤيا . ففي الظلمةِ تنعدمُ الحدودُ ويظهرُ المطلقُ على حقيقته وصيرورته الماثلة : أقماراً ونجوماً ومديات وهيولي فسيح . لا بل يذهب إلى اعتبار أنَّ " الضرير " أكثر نظراً في فسحةِ المدى من " البصير " حيث الحدودُ أمامه تتَّسع ممدودةً بلا قيود .

        ولذا اشتاق الظلام الظلامَ لأنه

        ما أن يُحَدُّ محيطُهُ الممــدودُ

        سعُدَ الضريرُ فليس دونَ خيالِه

        حـدٌّ وليس لفكرِهِ تقــييدُ

        أمّا البصـيرُ فكلُّ مرئـياتهِ

        أبداً حـدودٌ جمّةٌ وقيــودُ (6)

  

  

هكذا إذاً ...

  العبورُ من المرئي إلى اللامرئي يحتاجُ  إلى جسورٍ نهندسها أولاً في ذواتنا كحاجةٍ تحتّمها مهمةُ الوصول ؛ ونبنيها ثانياً كيما نعبرَ قناطرَ التهجّس والتردد والخشية من عدم ادراك المبتغى .

ويومُ نعبر من المرئي إلى اللامرئي اعتماداً على جسورٍ معنوية يقيمها العزمُ ويُقرُّها التصميمُ يكون اللامرئي قد استحال مرئياً .. نكون نحنُ قد بلغنا مرتبةَ النَّيل .. ويكونُ الاكتشافُ مُحصّلةً قيميةً للذات ، تقودُ نحو اكتشافاتٍ أخرى للامرئيات أُخر .

هي الذاتُ الباحثةُ دوماً ..

هو المبهمُ المُبهم أبداً ..

  

                                           

 

 

 

 

•(1)   الغرائبية في العرض المسرحي - د. ناجي كاشي - دار الخيّال للطباعة والنشر والتوزيع - ص59

•(2)   شاعرية احلام اليقظة - غوستاف باشلار -

•(3)   العزلة والمجتمع - نيكولا برديائيف - ترجمة فؤاد كامل - دار الشؤون الثقافية ، بغداد -1986 - ص24

•(4)   الاعمال الشعرية / محمد الماغوط - دار المدى للثقافة والنشر -  ط2 ،2006 - ص162

•(5)   شعراؤنا - الصافي النجفي - بقلم عبد اللطيف شرارة - اصدار دار بيروت للطباعة النشر - 1981 - ص71

•(6)   نفس المصدر  

  

                                                                                                                                                                                 

 

زيد الشهيد


التعليقات

الاسم: عقيل هاشم الزبيدي
التاريخ: 26/04/2010 21:37:57
الفاضل زيد الشهيد المحترم
السلام عليكم---ليس عليك بالجديد فانت المجرب في السرد العراقي المعاصر ---لقد اثريت المادة الحكائية بشعرية العالم بمساليك الحبكة ومرجعيات ماوراء النص ،فلقد اغنيت ووصلت مادتك الى المتلقي بالسهل الممتنع ؟
تمناتي لك بالمزيد وردف الذائقة الثقافية بالمزيد من الدراسات الرائعة--

الاسم: قاسم والي
التاريخ: 26/04/2010 09:54:37
الحبيب الاستاذ زيد الشهيد
كنت قريبا من القلب وما زلت
متماسك كحبكة من الدمقس موضوعك هذا
اشعر تماما بالانجذاب المندهش للتوصيف البالغ الدقة للروح الهائمة التي تتملك انصاف الآلهة
في نصي الموسوم (التمادي بالتمادي) كنت أقارب شيئا مما أردت /
أحاولُ إعادة َاكتشافي
فيحتويني الصلصالُ
يا لفجيعةِ السماواتِ بابتعادي
أنا الكائنُ الوحيدُ المؤهلُ
للتعاملِ معَ اللا نهاياتِ
أحاولُ كيلَ الشتائم
فانشغلُ باجتراحِ الوساوس
كمْ هُما شاسعتانِ...
عينايَ اللتانِ استغرقتا المجرات
يا للتمادي بالتمادي
خالص المحبة والتقدير
قاسم والي

الاسم: سلام نوري
التاريخ: 26/04/2010 05:33:27
سلاما لروعة ماكتبت
محبتي

الاسم: خزعل طاهر المفرجي
التاريخ: 26/04/2010 04:13:56
مبدعنا الرائع زيد الشهيد
دراسة رائعة ومفيدة وجادة
وما احوجنا لمثل هذه الدراسات
دمت تالقا
احترامي




5000