..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


سبوت أو ذو البقعة السوداء

علي سالم

   قصة جاك لندن 

That Spot


سبوت أو ذو البقعة السوداء  

 ترجمة : علي سالم

 

لم يعد ستيفن ماكايي يعني لي شيئاً بعد الآن، رغم إني كنت أحلف برأسة وأحبه مثل أخي تماماً ، بل أكثر من أخي . والآن لو قابلتة مرة أخرى ، فسيكون لي معة شأن آخر. إنني أعجز عن فهم كيف يمكن لرجل مثلة تتقاسم معة الزاد والملح والفراش ، وتسافر معة على طريق تشيلكوت الرهيب أن يفعل بك مافعل . لقد أعتبرتة على الدوام رجلاً منصفاً، ورفيقاً طيب القلب ، لايحمل في سريرتة ذرة واحدة من الحقد أو الخبث . لكني بعد أن إطلعت على حقيقتة في نهاية المطاف لم يعد بإمكاني أن اثق بالناس ، كما كنت أفعل من قبل . لقد إعتنيت بة عناية الأخ لأخية عندما كان مصاباً بحمى التيفوئيد، وعانيت معة الجوع والفاقة والحرمان عندما كنا نخيم عند منابع ستيوارت ؛ ولم يكن هو مقصراً في حقي أيضاً، فقد أنقذني من الموت في نهر ليتل سلمون. والآن ، بعد كل هذة السنوات التي عشناها معاً ، وكل تلك الذكريات والمحن ، لايمكنني إلا ان اقول بأن ستيفن ماكايي كان أحقر رجل عرفتة في حياتي .

كنا قد شددنا الرحال الى كلوندايك للبحث عن الذهب في خريف عام 1897 ، لكن خروجنا كان متأخراً جداً إذ تجمد ممر تشيلكوت قبل أن يتسنى لنا عبورة. فحملنا أمتعتنا فوق ظهورنا لجزء من الطريق ، وعندما بدأ الثلج بالهطول ، إضطررنا الى شراء مجموعة من الكلاب وزلاجة لإكمال بقية الطريق، وكان من بين هذة الكلاب كلب مزين جسدة ببقعة سوداء كبيرة ، أطلقنا علية لقب ذو البقعة السوداء ، وقد دفعنا من أجل الحصول علية مئة وعشرة دولارات ، وهو ثمن باهض ، قياساً ببقية الكلاب ، إلا أنة بدا لنا بأنة كان مستحقاً لمثل هذا الثمن الباهض لتمتعة بمجموعة من المزايا الجيدة التي شجعتنا على شراءة ، منها وزنة البالغ ستين رطلاً ، وجمال طلعتة ، بالإضافة الى مزايا أخرى عديدة كانت تؤهلة لأن يكون كلب زلاجات حقيقي . في العادة عندما تقتني كلباً ، ينبغي أن تعرف شيئاً عن أصلة وفصلة ، لكنة لم يكن ينتمي ، كما يبدو ، الى فصيلة معينة ، مثل فصيلة كلاب هسكي ، أو كلاب لاماموت ، أو كلاب خليج هدسن ، أو حتى مايسمى بكلب الرجل الأبيض . كنا نجهل جنسة الحقيقي ؛ لكنة كان يجمع كل مزايا الفصائل الأربعة الآنفة الذكر ، دون أن يكون نسخة مطابقة لأي منها. كان كل هذة الأنواع جميعاً دفعة واحدة ، وفي نفس الوقت ليس واحداً منها على وجة التحديد؛ أما لونة فقد كان خليطاً من عدة ألوان وهي الأصفر والأحمر والأبيض والبني ، تتوسطها تلك البقعة السوداء الفاحمة التي يقارب حجمها حجم جردل ماء ، وهي السبب الذي جعلنا نطلق علية أسم سبوت أو ذو البقعة السوداء.

كما قلت في البداية ، كان جميلاً وقوياً ومحاطاً بهالة من القوة والذكاء تجعلة يبدو لك وكأنة أكثر كلاب آلاسكا ذكاءاً وقوة ، حتى إن المرء ليظن بأنة قادر على أن يبز ثلاثة كلاب من نفس وزنة دفعة واحدة في سحب أي زلاجة. قد يكون هذا الأمر صحيحاً ، لكني لو اردتم الحق، لم اشاهدة يفعل ذلك. نعم لم اشاهدة يفعل أي شيء سوى السرقة، وهو في ذلك بارع كل البراعة ، ويتمتع بغريزة عجيبة في إكتشاف مخابيء الطعام أنى كانت . وكذلك كانت لدية نفس البراعة في التملص من العمل ، والتسلل بعيداً عن الأنظار ، والعودة من جديد بعد نهاية العمل. لكنك لو أجبرتة على العمل لما فزت منة بشيء أبداً ، لأنك ستجدة قد تحول الى مجرد كتلة جلاتينية رجراجة وغبية تدمي القلب.
بعد أن شغلني امرة ، رحت أجهد نفسي للوصول الى تفسير لسلوكة الغريب المتمثل بكرهة للعمل ، ووجدت بأن مرد ذلك ليس الى غبائة، وإنما الى إقتناعة بأن العمل يسيء الى كرامتة ، مثلة في ذلك مثل بعض الناس الذين يعتقدون بأنهم يتمتعون بقدر كبير من الذكاء والحكمة لايخولانهم التنازل الى مستوى مزاولة الإعمال كبقية الناس . مثل هذة التحليلات كانت تقودني أحياناً الى الشك في أنة ربما قد يكون بحق أكثر منا ذكاءاً. لاأدري ، لعلة توصل بعد تفكير طويل الى نتيجة مهمة وهي أن التملق الينا بين الحين والآخر سيكون أهون علية وأحفظ لكرامتة من مزاولة أي عمل . ولكي أكون منصفاً ،أعتقد بأنة كان مؤهلاً للوصول الى هكذا نتيجة، نظراً لذكائة الكبير كما يبدو. صدقوني لو كان هذا التحليل صحيحاً ، فليس من الغريب أن يتوصل كلب مثلة الى هذة النتيجة ، وهي تفضيل التملق على العمل. جلست مرة وحدقت في عيني هذا الكلب طويلاً حتى أصابتني رعدة في جسدي ، وشعرت بقشعريرة من البرد تسري في عمودي الفقري وتجعل نخاع عظامي يسيح كالخميرة . يالة من ذكاء ذلك الذي رأيتة يشع من عينية . إنة يجل عن الوصف . لاأدري كيف أصف لكم مارأيت في عينية. لقد حدقت بعينية طويلاً حتى شعرت بأني كنت أحدق بروح كائن بشري ؛ لقد أرعبني مارأيت في أعماق عينية ، وأعاد الى ذاكرتي جميع ماقرأتة أو سمعتة عن تناسخ الأرواح وكل هذة الامور الغريبة. صدقوني لقد شعرت بوجود شيء كبير يتحرك داخل عيني ذلك الحيوان ، شيء أشبة برسالة، نعم رسالة ، رسالة كبيرة لم يستطع فهمي المحدود فك رموزها . قد تظنون الآن بأني رجل أحمق ، يخرف باشياء غير معقولة، لكني متأكد مما اقول، متأكد من أني رأيت في عينية رسالة ما لازالت تحيرني حتى الآن ، ولايمكنني أن اجزم بأني استطيع الإتيان بأي فكرة أو تفسير لمارأيت ذلك اليوم في عيني ذلك الحيوان؛ كان ثمة شيء في عينية بالتأكيد، شيء كالنور ، لكنة لم يكن نوراً، ولم يكن لوناً ، كما قد يتبادر الى أذهانكم ؛ بل شيئ ما لا أدري ماهو ، لمحتة يتحرك في داخل الأعماق السحيقة لتلك العينين الساكنتين . رغم ذلك ، رغم رؤيتي لما رأيت ، داخلني الشك بأن الشيء الذي لمحتة يتحرك داخل عينية لم يكن يتحرك فعلاً ، لأني لم اشاهدة يتحرك بالفعل ، بل ، لو شئنا الدقة ، أحسست بة يتحرك . لقد كان تعبيراً من نوع ما - وهو ماكان علية في الواقع - تعبير ولد لدي إنطباع أو إحساس ما . لكن كلا ، لم يكن مارأيت مجرد إنطباع عن تعبير ما لمحتة في عينية، المسألة كانت أكبر من مجرد تعبير. لكن رغم كونة تعبيراً ، الا أنة لم يكن كأي تعبير . لقد كان تعبيراً من نوع خاص ، لانة جعلني أحس بوجود صلة ما ، صلة قرابة تربطني بذلك الحيوان. كلا ، لاأقصد قرابة عاطفية بالمعنى الذي قد يتبادر الى أذهانكم ، بل قرابة من نوع آخر ، قرابة في المنزلة المتساوية، قرابة من ينظر اليك بعينين لاتشبهان عينا كلب تبصبصان ، ولا عينا غزال تتوسلان ، مثلاً ، بل عينان مفعمتان بالتحدي . كلا لم يكن تحدياً بالمعنى الدقيق للكلمة ، لأن عيناة أوحيتا لي بإنطباع يؤكد وجود إقراراً هادئاً بالندية وتساوي المنزلة أكثر منة تحدياً . كان يفعل ذلك بعفوية ، ودون قصد ، وكل ظني إنة لم يكن يعي مايفعل ، لأن ذلك الشيء ، ذلك الإشعاع كان موجوداً هناك، ، داخل عينية، شاء هو أم أبى، ولم يكن بوسعة منعة من أن يتألق في أعماق عينية. كلا ، لا أقصد بأنة كان يتألق أو يشع بهذا المعنى ، لأنة في الواقع لم يكن يشع ؛ كان يتحرك فقط. أعلم بأنكم قد تقولون هذا هو الأحمق يهذر من جديد بكلام لا معنى لة، لكنكم لو أتيحت لكم الفرصة للنظر في عيني ذلك الحيوان كما نظرت انا ، فستفهمون معنى كلامي . وصدقوني ، لست وحدي في ذلك ، فقد تكرر الامر نفسة مع ستيف الذي شعر بمثل ماشعرت. حسناً ، إسمعوا هذة ، لقد حاولت مرة قتل ذلك الكلب سبوت ، لأنة أثبت بمالايقبل الشك بأنة كان بلا فائدة، وبعد أن تأكدت مما أنا مقبل علية ، إقتدتة معي الى الغابة. وسار هو معي ببطء وتردد ، وكأنة كان على علم بما كان يجري . وتوقفت في مكان مناسب ووضعت قدمي على الحبل وسحبت مسدسي الكولت الكبير. أتعلمون ماذا فعل ؟ لم يفعل شيئاً سوى الجلوس على الأرض والنظر في عيني بكل هدوء . صدقوني لم يكن يتوسل. كان ينظر فقط. وشاهدت في عينية أشياء كثيرة تتحرك، نعم تتحرك. لم اشاهدها تتحرك فعلاً، بل ظننت بأنها تتحرك، لأني أحسب ، كما قلت من قبل، باني شعرت بها فقط . ليس هذا هو المهم ، ما أريد قولة ، هو إن تلك الاشياء تغلبت علي في النهاية وجعلتني أحجم عن تنفيذ ماقررت تنفيذة، لأني شعرت بأني كنت مقبل على قتل إنسان، إنسان نبيل وشجاع ، إنسان مدرك لقيمتة ومكانتة ، لانة أخذ ينظر الى مسدسي بهدوء بارد ولسان حالة يقول " ها ، من منا الخائف؟".
كانت عيناي في هذة اللحظة مثبتتان في عينية ، ثم ظهر ذلك التعبير ، أو تلك الرسالة ، من جديد ، وبدلاً من أن اسحب الزناد ، توقفت قليلاً لأرى إن كنت أستطيع قراءة شيء من رموزها ، لكي أفهم ماكان يحاول أن يسرة لي . كانت الرسالة تنتصب أمام ناظري ، لامعة وسط عينية، وأنا مسمر أمامها ، محاولاً الولوج الى سرها. مكثت على هذة الحال مدة من الزمن الى أن شعرت بأن أوان قتلة قد فات ولم يعد بإمكاني أن افعل شيئاً . ثم تسلل الخوف الى نفسي ، و سرت في جسدي قشعريرة باردة وإضطربت معدتي ورحت اتقيأ، فجلست على الأرض ، لكني لم أتوقف عن النظر الية ، وكان هو بدورة ينظر لي ، حتى شعرت باني كنت على وشك الجنون. هل تود أن تعرف ماذا فعلت بعد ذلك؟ حسناً ، لقد ألقيت بالمسدس على الأرض وهرولت عائداً الى المخيم مذعوراً . وعندما شاهدني ستيف أخذ يضحك مني هازئاً، لكنة قام ، بعد أسبوع ، بإقتياد سبوت الى الغابة لنفس الغرض ، ولم يتمكن من تحقيق المهمة ، إذ عاد وحيداً بعد حين الى المخيم ، وبعد مرور فترة من الوقت عاد سبوت ثانية.
لقد ذكرت لكم في البداية كرة سبوت للعمل، رغم الثمن الباهض الذي دفعناة لة وهو مئة وعشرة دولارات ، وربما تظنون بأنة كان يكرة العمل فقط ، كلا ، لم يكن ذلك وحدة ، الشيء الآخر إنة كان يرفض أن يُسرج الى الزلاجة كبقية الكلاب . لقد حاول ستيف في البداية إستخدام اللين معة، عندما أسرجناة لاول مرة ، لكنة لم يتصرف كبقية زملائة ، وأخذ يرتعد ويترنح ككتلة كبيرة رجراجة من الجلاتين ، ورفض التحرك من مكانة قيد أنملة ، مما اغاظ ستيف الذي قرعة بالسوط ، لكنة لم يتحرك من مكانة على الاطلاق ، وإكتفى بالنباح ، فقرعة ستيف بالسوط ثانية ، وقد إزداد غيظاً منة ،فشرع يعوي ، كالذئاب . وهنا تملك ستيف غضب جنوني وراح يجلدة بعنف مما جعلني اهرول خارج الخيمة لمنعة من التمادي في عقابة للكلب. لكن ستيف كان مغتاظاً ولم يستسغ ماقلتة لة ، وأجابني بكلام خشن ، رددت علية بمثلة ، وبدأنا نتلاسن فيما بيننا ، وكانت تلك المرة الاولى التي نتلاسن فيها بهذا الشكل. رمى ستيف السوط في الثلج بغضب وتركني مع الكلب . إلتقطت السوط وتوجهت بة الى سبوت الذي أخذ يرتجف ويترنح خوفاً مني ، حتى قبل أن أمسة بالسوط ، لكنة مع أول لسعة للسوط ، شرع يعوي بشكل حزين كروح ضائعة . في اليوم التالي وجدتة ممداً في الثلج ، فقمت بإسراج بقية الكلاب بالزلاجة ، ثم إنطلقت بها ساحباً إياة معنا مما إضطرني الى جلدة بالسوط ، فإنقلب على ظهرة ، وراح يحرك قوائمة الأربعة في الهواء ، ويعوي بصوت أليم وكأنة حُشر داخل ماكنة فرم. عاد ستيف مرة أخرى وأخذ يضحك مني ، وإعتذرت لة عما بدر مني بحقة من كلام غير لائق .

وهكذا فشلنا فشلاً ذريعاً في تشغيل سبوت ، الذي لم يكن يزاول أي نشاط غير الأكل فقط . كان شديد الشراهة كخنزير. ولم تكن عملية الحصول على الطعام مسألة معقدة بالنسبة لة ، نسبة لذكائة ومهارتة الشديدة في السرقة ، التي لم يكن ثمة سبيل لإيقافها أو الحد منها، مما أدى الى حدوث تداعيات صحية خطيرة بالنسبة لنا ، كادت تودي بنا في منطقة نهر ستيوارت. لقد أتى على كل مالدينا من شرائح لحم الخنزير ، التي كان يسرقها في الصباح الباكر قبل وقت الفطور ، لأنة كان إهتدى الى جميع المخابيء التي كنا نخزن فيها الطعام ، وهكذا بتنا نتناول الفطور دون لحم ، ولم يكن الفطور شيئاً ذا بال لأنة كان مجرد البقايا التي تعافها نفسة. اشك في أن سبوت كان سارقاً ، لكنة كان سارقاً عادلاً، لأنة لم يكن يسرق منا فقط ، بل من الجميع ، أي لاشك في عدالتة بهذا الخصوص . كان الطعام شغلة الشاغل ، حيث تراة دائب الحركة ، لايستقر على حال ، بحثاً عن الطعام . وكان هذا الهاجس الطعامي يدفعة للإغارة على الجميع ، ولم يسلم من غاراتة أي مخيم من المخيمات الواقعة ضمن دائرة الخمسة أميال المحيطة بمخيمنا . لقد كلفتنا تلك الغارات الطعامية الكثير ، لأن سكان المخيمات الأخرى التي كان سبوت يسرق منها كانوا يأتون الينا ويطالبوننا بتسديد فاتورة سرقاتة ، وهم محقون في ذلك ،حسب القانون السائد في هذة الأصقاع والذي يتفق علية الجميع ؛ لكن ذلك كان يكلفنا الكثير ؛ خصوصاً خلال شتائنا الأول في تشيلكوت ، حيث أُُجبرنا على تسديد أثمان كميات كبيرة من لحم الخنزير المقدد لم يدخل منها شيء في بطوننا. كان سبوت مقاتلاً شرساً ، أيضاً ، لكنة كان يمقت العمل بشدة ، كما تعلمون ، ولم أشاهدة يقوم بأي عمل، مهما كان ، طوال مدة معرفتنا بة ، لكنة كان متسيداً على القطيع بأكملة . كان يقود بقية افراد القطيع ويرصفهم حسب مشيئتة ، يتنمر عليهم ويخيفهم ، ومع ذلك لايسلم أحد منهم من إنيابة ومخالبة الحادة ، التي كان يترك آثارها على جلودهم . لكنة لم يكن متنمراً فقط ، بل شجاعاً بحق ، ولايخشى أي كان يسير على أربعة. إقتحم مرة فريق غريب من الكلاب ، دون أن يقوم أحد من تلك الكلاب بالتحرش بة أو إستفزازة ، وقام بتخريب وعرقلة كل شيء . هل ذكرت لكم شيئاً عن شهيتة للطعام ؟ بالطبع ، لكني لم اذكر بأنة إلتهم سوطاً مرة . صدقوني . كان قد بدأ يأكلة ، وعندما حظيت بة كان قد وصل الى المقبض ، ولم يتوقف عن الأكل حتى أتى على السوط كلة.
لكنة كان كلباً وسيماً . وقد ساعدتنا وسامتة في نهاية المطاف على بيعة لسرية من سرايا الشرطة الخيالة بمبلغ خمسة وسبعين دولاراً. في العادة سرايا الخيالة مربوا كلاب جيدين. وكنا نعلم بأنة سيكون بعد تدريبهم لة وسفرة معهم لمسافة ستمئة ميل وهي المسافة التي كانوا يزمعون قطعها الى داوسن ، كنا نعلم بأنهم سيجعلونة كلب زلاجات ممتاز. أقول كنا نعلم لأننا كنا قد بدأنا للتو نتعرف على سبوت. ومرت فترة بسيطة من الزمن كدنا ننسى فيها أمرة ، وبعد مرور سبعة أيام إستيقظنا على صوت قتال شرس للكلاب لم نسمع بمثلة من قبل. وعندما هرعنا الى الخارج مسرعين شاهدنا سبوت هناك وهو يقوم بإعادة تنظيم الفريق بكل حزم وشراسة. صدقوني لقد سببت لنا عودتة مزيداً من الغم فتناولنا فطورنا بقلوب مثقلة بالكآبة، ؛ لكننا إبتهجنا بعد ساعتين وذلك عندما تمكنا من بيعة ثانية الى ساع بريد حكومي ، كان متوجهاً الى داوسن لنقل بعض المراسيل الرسمية . ولم يتأخر سبوت هذة المرة كثيراً ايضاً ، فقد عاد بعد ثلاثة أيام ، وإحتفلنا بة أيما إحتفال . وهكذا أمضينا فصلي الشتاء والربيع في هذا المكان، بعد ذلك قمنا بنقل أمتعتنا عبر المضيق، وقمنا كذلك بنقل أمتعة البعض ؛ وربحنا من جراء ذلك بعض المال. وجنينا مبالغ أخرى بسبب سبوت أيضاً، لانة كلما بعناة كان يعود الينا لنبيعة مرة أخرى ، ولم يكن ثمة أحد يأتي للمطالبة بثمنة. لم نكن بحاجة الى الأموال التي كان بيعة يدرها علينا، لأننا أنفسنا كنا مستعدان لدفع أي مبلغ لأي كان حتى نتخلص منة الى الأبد. كان لابد من التخلص منة ، ولم يكن بوسعنا منحة
وإستمر الوضع على هذا المنوال طيلة فصلي الشتاء والربيع قبل أن نغادر مكاننا الذي كنا فية ، بعد ذلك نقلنا أمتعتنا عبر المضيق، وقمنا كذلك بنقل أمتعة بعض المسافرين؛ وربحنا من جراء ذلك بعض المال. وكنا نجني المال أيضاً من بيع سبوت وعودتة الينا كل مرة ، لانة كلما بعناة كان يعود الينا لنبيعة مرة أخرى ، والممتع في الأمر أنة لم يكن ثمة أحد يأتي للمطالبة بثمنة. لكننا في الواقع لم نكن بحاجة الى الأموال التي كان بيعة يدرها علينا، لأننا أنفسنا كنا مستعدان لدفع أي مبلغ كان من أجل التخلص منة الى الأبد. كان لابد من التخلص منة ، لكن المشكلة إننا لم نكن قادرين على منحة أو إهدائة ، لأن مثل هذا الصنيع كان سيثير الشكوك. لذلك إكتفينا ببيعة لأنة كان كلباً جميلاً ولم تكن ثمة صعوبة في بيعة. " غير مستخدم" هكذا كنا نقول للمشترين، الذين كانوا يدفعون فية أثماناً عادية ، لأننا كنا نقبل بأي ثمن. لقد بعناة باثمان مختلفة ، مرة بخمسة وعشرون دولاراً ، ومرة بمئة وخمسين ، وهو أعلى سعر ، وقد أعادة الشخص الذي إشتراة منا بهذا المبلغ الينا بنفسة ، ورفض المطالبة بمالة ، رغم إننا حاولنا إعادتة الية ، وإكتفى بصب سيل من الشتائم واللعنات على رأسينا ، قائلاً بأننا كنا أرخص من ثمن الكلب نفسة، ولم نعترض على قولة لأننا شعرنا بأنة كان محقاً فيما قال ، لذلك لزمنا الصمت وبلعنا الإهانات القاسية التي تلقيناها على يدية، والتي أثرت بي أنا أيما تاثير بحيث جعلني التحقير الذي نلناة على يد ذلك الرجل أفشل في كل المحاولات التي بذلتها لإستعادة الإحساس بكرامتي المهدورة .
عندما أشرف الشتاء على النهاية وشرع جليد البحيرات بالذوبان، وضعنا أمتعتنا في قارب بحيرة ليك بينيت وتوجهنا الى دوسن. مع فريق جيد من الكلاب ، كنا قد كومناة بالطبع فوق الأمتعة وسط القارب . وكان سبوت معنا ، إذ يستحيل التخلص منة؛ ولم يترك الرحلة تسير بسلام كعادتة ، حيث أخذ يتشاجر مع بقية الكلاب ، ويقوم لأكثر من عشر مرات بإلقاء هذا الكلب أو ذاك في الماء نتيجة ضيق المكان. كان المجال داخل القارب ضيقاً حقاً، ولعمري سبوت كلب لايحب الضيق . في اليوم التالي قال ستيف " دعنا نلقي بة على ساحل الجزيرة " .
وقمنا بذلك فعلاً ، والقينا بة على الشاطيء عند تقاطع كاريبو. وعندما تم لنا ذلك ، قفز من القارب كلبان آخران ، من كلابنا الجيدة ، وتبعاة ، مما كلفنا يومان كاملان للبحث عنهما ، لكن دون جدوى. لقد إختفى هذان الكلبان دون أن يتركا أي أثر خلفهما ، مع ذلك شعرنا بإرتياح بالغ ، لأن إختفائهما كان بمثابة ثمن لتخلصنا من سبوت ، أي اصبحنا مثل الرجل الذي إشترى سبوت منا وأعادة الينا ثم رفض المطالبة بثمنة لأنة إعتبر ذلك ثمناً للتخلص منة . وفي الحقيقة لايساوي ثمن الكلبان شيئاً أزاء الهدوء والإرتياح الذي خلفة غياب سبوت. فشرعنا أنا وستيف نغني ونرقص لأول مرة منذ شهور . لقد كنا هادئين وسعيدين كسمكتين من اسماك البطلينوس. لقد ولت الأيام السود، وإنتهى الكابوس برحيل سبوت.
وذات صباح ، بعد مرور ثلاثة اسابيع ، عندما كنت أنا وستيف نقف على ضفة داوسن، لمحنا قارباً صغيراً يقترب من الشاطيء قادماً من بحيرة بينيت. جفل ستيف واطلق صوتاً مزعجاً ، جعلني أضطرب. وعندما نظرت الى حيث كان ينظر؛ شعرت بدهشة كبيرة وانا أشاهد سبوت يجلس منتصب الأذنين في مقدم القارب . قررنا في الحال التسلل بعيداً عن الضفة ، ككلبين هجينين، أو كلصين جبانين داهمتمهما العدالة على حين غرة . في هذة الأثناء كان ثمة ضابط من ضباط البوليس يقف على مقربة منا ، وعندما شاهدنا ننسل خائفين ، ظن بأننا مجرمين هاربين من وجة العدالة ، فلم يدخر وسعاً ليكتشف جلية الأمر ، وأخذ يتعقبنا،حتى قادتنا اقدامنا الى أحد الحوانيت ، وهناك القى القبض علينا . وبدأنا نشرح لة قصتنا ، متعمدين سرد التفاصيل المملة ، لإطالة الوقت في التوضيح ، مخافة أن يطلق سراحنا ويدعنا نعود الى قاربنا حيث اللقاء بسبوت. وأخيراً طلب الضابط من شرطي آخر كان معة أن يقوم بحراستنا حتى يتسنى لة الذهاب الى القارب والتأكد من أقوالنا. وفي النهاية أطلقونا ، وهكذا عدنا الى كوخنا ، لكن ياللعجب ، وجدنا سبوت يجلس هناك في المدخل بإنتظارنا. والآن باللة عليكم خبروني كيف عرف بأننا كنا نسكن هناك؟ كيف ميز مكاننا من بين جميع الأماكن التي يقطنها أربعون ألف نسمة وهو عدد سكان داوسن ذلك الصيف ، كيف إستطاع تمييز كوخنا من بين جميع الأكواخ ؟ وبما أني عاجز عن الإجابة على هذين السؤالين، فسأترك الأمر لكم . لكن لاتنسوا ماسبق لي قولة بخصوص ذكائة وبخصوص ذلك الشيء الخالد الذي لمحتة يلمع وسط عينية.
وهكذا كما ترون أسقط في أيدينا وأضطررنا الى التخلي نهائياً عن فكرة التخلص من سبوت . لم يعد بالإمكان بيعة مرة أخرى في داوسن ، وذلك لوجود العديد الناس الذين كانوا قد إشتروة منا في تشيلكوت، وكل واحد منهم كان يعلم بقصتة. لقد وضعناة على متن نصف دزينة من القوارب البخارية المتجهة الى يوكون؛ لكنة كان دوماً ينزل الى الشاطيء بكل بساطة عند أول مرفأ ويخب مسرعاً نحو الضفة. لقد عجزنا عن بيعة ، عجزنا عن قتلة ( أنا وستيف معاً) ولم يتمكن أحد غيرنا من قتلة . كان يتمتع بحياة مسحورة. لقد شاهدتة مرة يقاتل مجموعة كلاب تتألف من خمسين كلباً دفعة واحدة في شارع البلدة الرئيسي . لقد إنقضوا علية جميعاً ، لكنة تمكن من تفريقهم ، وخرج من المعمعة منتصباً على قوائمة الأربع ، دون ان يصاب بخدش واحد، والنتيجة قيامة بقتل إثنين من تلك المجموعة .
مرة سرق قطعة كبيرة من لحم الموظ من مخزن لحوم دويندي . كانت قطعة اللحم كبيرة جداً ، لكن كبر حجمها لم يشكل عائقاً أمام هروبة بها من طباخة السيد دويندي الهندية التي تبعتة حاملة فأساً ، لكنها مع ذلك لم تتمكن من اللحاق بة . واصل هروبة بقطعة اللحم تلك حتى حملها الى قمة تل ، وهنا لم تجد الطباخة بداً من التخلي عن المطاردة ، لكن سيدها الميجر دويندي كان أكثر حزماً وعناداً منها ، لأنة خرج بنفسة حاملاً بندقيتة الوينتشستر، وراح يمطرة بوابل من الرصاص ، لكنة لم يتمكن من أصابتة ، حتى نفذت جميع الطلقات من المخزن ، مما أثار أحد رجال البوليس الذي تقدم من الميجور دويندي وألقى القبض علية لقيامة بإطلاق النيران داخل حدود بلدتة ، فدفع الميجور دويندي غرامة مالية للشرطي لتخليص نفسة من الإعتقال ، لكنة عاد الينا وأجبرنا على دفع ثمن اللحم أنا وستيف بنسبة دولار للرطل الواحد ، مع العظام وكل شيء آخر ، لإرتفاع سعر اللحم ذلك العام.
كل ماقمت بسردة عليكم حتى الآن حوادث شاهدتها بأم عيني . مرة شاهدت سبوت يسقط في إحدى حفر الماء. كانت الحفرة المتصلة بحفرة المستشفى مغطاة بطبقة كثيفة من الجليد تبلغ ثلاثة أقدام ونصف ، لكنة سقط فيها وجرفة التيار الى الأسفل مثل قشة، لكنة خرج من حفرة ماء المستشفى الأكبرحجماً من الأولى والغائرة في باطن الأرض على عمق ثلاث مئة ذراع . عندما خرج من حفرة المستشفى أخذ يلعق جسدة المبلل بالماء ويقضم الجليد الذي تشكل بين أصابعة ، وعاد يخب الى الضفة مرة اخرى ليخوض نزاعاً كلبياً ضد كلب ضخم من كلاب نيوفاونلاند يخص حاكم المقاطعة تغلب فية علية.
في خريف عام 1898 سافرت بالقارب أنا وستيف في نهر يوكون قبل أن يتجمد بالكامل ، متجهين الى نهر ستيوارت صحبة جميع الكلاب ، عدا سبوت الذي قيدناة داخل الكوخ . لقد أتعبنا كثيراً ، وكلفنا فوق طاقتنا من الطعام والمال ، خصوصاً في تشيلكوت، ولم نجني منة غير المتاعب. وعندما وصلنا مصب نهر إنديان في الليل، خيمنا هناك ، وكانت ليلة سعيدة ، أضحكني فيها ستيف كثيراً ، وهو بالمناسبة شخصية هزلية جداً . كنت قد جلست للتو ، متلفعاً ببطانياتي ، ومستمتعاً بهزليات ستيف ، عندما ضرب الإعصار المخيم. ولم يكن هذا الإعصار سوى إقتحام سبوت لمخيمنا وهجومة على الكلاب وتلقينهم مافاتهم من تأديب إثناء غيابة. والآن دعونا نفكر معاً ، كيف تمكن بحق السماء من تحرير نفسة ، وكيف إستطاع عبور نهر كلوندايك ، ساعدوني رجاءاً في البحث عن جواب لهذا اللغز . إنة لغز حقاً. طيب، كيف عرف بأننا سافرنا على نهر يوكون؟ هل تفهمون قصدي ؟ لقد سافرنا في النهر كما قلت ، فهل من المعقول إنة تشمم آثارنا على الماء؟ هذا غير ممكن أبداً. لقد بدأنا نتطير من ذلك الكلب. لقد أرهق اعصابنا ، ولاأخفيكم سراً ، بدانا نشعر بالخوف منة.
واصلنا السفر بعد حلول موسم الإنجماد حتى وصلنا الى مصب هندرسن كريك، وهناك بعناة بكيسين من الطحين لكتيبة من الجند كانت متجهة الى هوايت ريفر للبحث عن النحاس. بعد مدة وصلتنا أخباراً بأن تلك الكتيبة قد ضلت الطريق ، وضاعت دون أثر . لقد أختفت هي وجنودها وكلابها ، وزلاجاتها ، وعدتها من على وجة الأرض حتى أصبحت قصة إختفائها سراً من الأسرار الغامضة في تاريخ ذلك البلد. سافرنا أنا وستيف في أعالي نهر ستيوارت، وبعد مرور ستة أسابيع زحف سبوت الى داخل المخيم. كان قد تحول الى هيكل من الجلد والعظم، وقد وصل الى المخيم زحفاً ، لكنة وصل في النهاية. والآن ليخبرني أحدكم كيف عرف بأننا كنا نخيم في أعالي نهر ستيوارت؟ كان بإمكاننا أن نكون في ألف مكان آخر غير هذا المكان ، فكيف عرف بذلك ؟ الإجابة متروكة لكم.
لقد أخذنا بمرور الأيام نزداد قناعة بعدم إمكانية التخلص منة، وعندما وصلنا خلال سفرنا الى منطقة مايو تشاجر مع كلب ضخم يعود لأحد الهنود الحمر . فهب الهندي للدفاع عن كلبة ضد سبوت ، وضربة بفأس ضخمة كانت في يدة لكنة أخطاة بإعجوبة ونزلت الفأس على كلب الهندي وقتلتة. تحدثوا ماشئتم عن السحر وعن الطلقات التي تنحرف عن مسارها ، لأني شخصياً لاأؤمن بذلك ، بسبب إعتقادي بأنة من غير الممكن أن تنحرف تلك الفأس التي كانت تمسك بها يد ذلك الهندي العملاق عن مسارها وتخطيء الهدف. ومع ذلك ، فهذا ماحدث بالفعل ، رغم يقيني الكامل بأن ذلك الهندي لم يكن ينوي الإجهاز على كلبة. فسروا لي ذلك.
لقد ذكرت لكم كيف كان سبوت يسطو على مخزن لحومنا، وكيف كاد ذلك أن يقتلنا جوعاً ، بسبب شحة اللحم الذي كان عماد بقائنا على قيد الحياة ، وقلة الطرائد ، نتيجة لهجرة غزلان الموظ لمسافة عدة مئات من الأميال ، يتبعها الهنود. وكانت تلك هي حالتنا . كان الربيع قد حل ، وكان علينا إنتظار ذوبان الجليد في النهر وقد تمكن منا كان الهزال والضعف ، فقررنا سراً أن تقتات على الكلاب، على أن يكون سبوت أول كلب نأكلة. أتعلمون ماذا فعل ؟ لقد تسلل هارباً قبل أن نتمكن من إلقاء القبض علية. والآن باللة عليكم كيف عرف بأننا كنا قررنا إلتهامة؟ بعد ذلك قضينا ليال طويلة ننصب لة الكمائن، لكنة لم يعد أبداً، فأكلنا جميع الكلاب في القطيع وسلم هو .
والآن لنأتي الى الخاتمة. أتعلمون ماذا يعني ذوبان الجليد في نهر كبير ؟ إنة يعني تحول النهر الى ملايين من قطع الجليد المتحركة التي تتناطح وتتطاحن وترتطم ببعضها البعض. في هذا الوقت بالذات شرع ستيوارت بالذوبان، وأخذ يهدر ويزمجر ، وهنا شاهدنا سبوت في منتصفة. كان قد علق هناك وهو يحاول العبور ليصل الينا. عندما رأيناة ، أخذنا أنا وستيف نصرخ ونصيح بصوت عال مبتهجين ، ونركض جيئة وذهاباً على الشاطيء، ونقذف قبعاتنا في الهواء . وكانت بهجتنا الكبيرة تجبرنا على التوقف أحياناً لكي نعانق بعضنا البعض . لقد كانت فرحتنا بمشاهدة نهاية سبوت تفوق الوصف. لم يكن لدية فرصة واحد بالمليون للنجاة من النهر . بل لم يكن لدية أي فرصة للعيش على الإطلاق. بعد أن ذاب الجليد تماماً ، ركبنا زورقاً من نوع " كنو" وإنطلقنا أسفل نهر يوكون ، ومن هناك الى داوسن ، حيث توقفنا لتناول الطعام وللإستجمام لمدة إسبوع في الأكواخ الواقعة عند مصب نهر هندرسن كريك. وعندما وصلنا ضفة داوسن وجدنا سبوت يجلس هناك، بإنتظارنا، وأذناة منتصبان ، هازاً ذيلة، وعلى وجهة إبتسامة عريضة، تعبيراً عن ترحيبة الكبير بنا. يالها من حيرة ، كيف تمكن من إنقاذ نفسة من ذلك الجليد؟ كيف عرف بقدومنا الى داوسن، بنفس الساعة ونفس الدقيقة، لكي يخرج ويجلس لنا على الضفة بإنتظار قدومنا ؟
لقد حيرني سبوت هذا ، وكلما أطلت التفكير في أمرة ، إزدادت حيرتي وقناعتي بوجود أشياء كثيرة في هذا العالم يعجز العلم عن تفسيرها، لأني لااستطيع الإهتداء الى أي طريقة علمية أستطيع على ضوئها تفسير سلوك سبوت هذا . أغلب الظن أنة يشكل ظاهرة نفسية، أو حالة باطنية، إن صح التعبير ، ممزوجة بنسبة كبيرة من الثيوصوفية والغموض . لقد حرمني من فرصة الثراء في كلوندايك، ذلك البلد الطيب. كان بإمكاني أن أعيش هناك، وأن أصبح مليونيراً، لولا تدخل سبوت هذا. لقد دمر أعصابي بعد سنتين كاملتين من الصبر علية ، لكن صبري نفذ في النهاية ، كما أظن ، وكان ذلك في صيف عام 1899 حيث رحلت دون أن أخبر ستيف. لقد خرجت سراً، لكني رتبت الأمر جيداً، وتركت رسالة لستيف مرفقة بعلبة من سم الفئران من نوع " رف-اون-راتس" وضحت لة فيها طريقة الإستعمال. لقد ارهقني سبوت كثيراً وجعلني ابدو جلداً على عظم، وأصبت بحالة عصبية شديدة جعلتني ألتفت الى الوراء متوهماً سماع صوتة خلفي ، حتى وإن كان ذلك خارج النطاق المعتاد لسماع الأصوات. إندهشت بعد عودتي من السرعة التي إستعدت بها عافيتي وصحتي بعد خلاصي منة . وعندما وصلت الى سان فرنسيسكو إستعدت عشرون رطلاً من وزني الضائع ،ثم إنطلقت الى أكلاند بالعوامة، وهناك إستعدت وزني القديم بالكامل، حتى إن زوجتي شعرت بخيبة كبيرة لعدم رؤيتها لاي تغيير في وزني.
وبعد مرور مدة من الزمن جائتني رسالة من ستيف مرة، بدا فيها متضايقاً جداً مني ، ومعاتباً لي على تركي لة وحدة مع سبوت . وجاء في الرسالة أيضاً بأنة كان قد إستخدم قاتل الفئران حسب التعليمات تماماً، لكنة لم يأت بنتيجة. ومر عام عدت خلالة الى عملي في الدائرة ، ورحت أتقدم وازدهر على جميع الصعد، حتى إني أصبحت بديناً بعض الشيء. ثم جاء ستيف. وإستغربت عدم قيامة بالبحث عني ، رغم علمي بوصولة من خلال قراءتي لإسمة في قائمة ركاب القارب البخاري، مما أثار الشك في نفسي عن سبب قدومة. لكن شكي لم يدم طويلاً ، لأني عرفت بالخبر اليقين في الصباح ، عندما نهضت لأجد سبوت مربوطاً الى عمود بوابة بيتي ، والى جانبة بائع الحليب الذي كان يقف متسمراً على مبعدة منة خوفاً من الإقتراب . كان ستيف قد ربطة هناك ورحل الى سياتل ، كما علمت ذلك الصباح . توقف وزني عن الصعود ، وأجبرتني زوجتي على شراء طوق ورقعة أسم لسبوت . وخلال ساعة أبدى لها عرفانة بالجميل من خلال قتلة لقطتها الفارسية. ياآلهي لايمكن التخلص من سبوت ، لأنة حتماً سيظل معي حتى يرسلني الى القبر ، لأنة هو نفسة لايموت.
تدهورت شهيتي منذ وصولة، حتى زوجتي إنتبهت لذلك وكانت تقول بأني كنت أبدو مرهقاً جداً. ليلة أمس أغار على قن دجاج المستر هارفي ( هارفي جاري المباشر ) وقتل تسعة عشر دجاجة من أفضل ماعندة . يجب علي تعويضة . أما جيراننا من الجانب الآخر فقد تشاجروا مع زوجتي ثم غادروا الحي ، والسبب في ذلك سبوت طبعاً. لهذا خاب ظني بستيفن ماكايي ، لأني لم أكن أملك أدنى فكرة عن كونة رجل حقير بهذا الشكل. 


 

 


 

علي سالم


التعليقات

الاسم: علي سالم
التاريخ: 24/05/2011 00:43:58
العزيزة خلود يسعدني هذا التواصل الجميل ، محبتي

الاسم: خلود اوراهم
التاريخ: 23/05/2011 21:20:59
اضحكتني هذه القصة على اساس شرَّالبلية مايضحك
لربما لم افهمها جيدا اهو القدر الذي لايستطيع احد الفكاك منه فنحن العراقيين نضحك على مصائبنا

تحياتي خلود




5000