.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
.
عبدالجبارنوري
د.عبد الجبار العبيدي

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


نص قصصي // يوميات فراشة محنطة

محمد سهيل احمد

يوميات فراشة محنطة (*) 

 

هو الذي قال :

"في ليلية خريفية بلا قمر، تأزف اشد لحظات أفعى الحنكليس إثارة. في غصون هذه الرحلة تطرأ عليها استحالات غريبة. انفها القصير المستدير يصبح مدببا وجسمها يتحول إلى اللون الفضي وهكذا تمضي سابحة في الأعماق قاطعة ألوف الكيلومترات نحو موطنها الأصلي الذي لم تره من قبل. في هذا البحر تضرب مواعيد الغرام وفي أعماقه الخضر المعتمة تقام عشرات الألوف من الأعراس الصامتة.."

ألقت الست(ماجدة) ذراعها الأسمر المكتنز على زجاج المنضدة. التقطت باليد الأخرى جرساً يتدلى من سلك ابيض فوق كتفها اليسرى. ضغطت عليه. مدت ذقنها نحو وسط الغرفة حيث أقف :

- اليوم هدايا.. وفي الغد ماذا؟

رددت بنفسي نغمتها : - ماذا؟ ماذا؟

- يا تلميذة.. لتجربي إلقاء هذا السؤال على نفسك..

في الفضاء المفضي إلى الساحة ألقيت هذا السؤال على (هناء) . رفعت رأسها عن كتاب كان بين يديها :

- ألم تجدي يا (كريمة) في العالم غير زوج من السراويل الداخلية وآخر من الفانيلات تهدينه إلى أستاذ؟! أتعرفين مغزى فعلتك؟!

- أنا لا أعاني ضعفاً في (علم الأحياء).. بالعكس أنا اعشقه!

- أتعرفين يا (كريمة)؟

- ماذا؟

- ما كان ينبغي أن تهديه أي شيء.. أعني من حيث التقولات.

- أنا لا اعبأ بها مطلقاً..

- يا لك من كذابة ! ووجهك المصفر ساعة خروجك من غرفة الإدارة؟ أنت مريضة بالحب أم ماذا؟!

- لا.. ليس الأمر بهذا الشكل.. لم أفكر في مثل هذا الموضوع ..

 

- لعل الهدية فكرت بنيابة عنك..

سألتها لحظة دق الجرس..

- (هناء).. هل تعتقدين أنني ضفدعة مثلاً أو فراشة؟!

- هذا يعتمد على إحساسك الخاص..

- أذن أنا فراشة محنطة..

- حية أم ميتة؟

- بين هذا وذاك..

- أنت غريبة الأطوار.. ولكنك أكثر جرأة مني..

- ليس أمام الست (ماجدة) على أية حال!

فتحت عينيها في تثاقل مخافة أن تقعا على حقائق مؤلمة يزخر بها عالم اليقظة. سيصيح الديك ويرتفع أذان الحاج (جاسم). كان المذياع في يدها يبث أغنية (الأمل) لأم كلثوم. انتظرت طويلاً كيما تهدأ أصوات ساكني الغرف المجاورة. الغرفة الشمالية التي لا مناص من المرور أمامها إذا شاء المرء التوجه إلى المرحاض، تسكنها (أم زامل) ذات الوجه البومائي الذي يبدو كأنه مجبول من طين الخضوع المبهم الوحشي للزمن.. "السرعوفة حشرة خضراء غريبة الشكل مفترسة من مستقيمات الأجنحة يكمن على النباتات بلا حراك لتصعيد الهوام ".

بعد أن رمت المذياع جانباً، اقتطعت قصاصة من مجلة طبية دستها في ملف : "أنا فتاة في مقتبل عمري، أعاني من غزارة في شعر ذراعي واضطراب في الغدد كما أظن.. أعاني أيضاً من مشكلة خجل شديدة.. حدث مؤخرا أن شاهدت في التلفزيون فيلما يدور حول عقدة الرعب - أغروفوبيا - ورأيت في أعراض هذه الحالة بعضا مما لدي، ذلك أنني حالما استقل باصا أو ادخل إلى مكان عام يحل بي الرعب ويظهر ذلك من امتقاع وجهي وغزارة التعرق في ثنايا جسدي.

فما هي علتي؟

المعذبة (ك)

 

خَطَتْ على هيكل (أم زامل) المكوّم الذي تلتف عليه عباءة غطت الجزء الأسفل من جسمها. ترتدي ثوبا اسود طيلة اليوم وقد أقسمت أن لا تنزعه منذ أن ماتت أمها لتعاطيها دواء عن طريق الخطأ (كانت تحتفظ برف تصطف عليه زجاجات بتركيبات سرية قيل أنها تعالج العاقرات وستر خطايا العاثرات من فاقدات غشاء البكارة، حيث أنها، أي

الأم، وبعد أن فقدت بصرها أقدمت على تناول مستحضر افقدها الحياة.. ) في وسع ابنتها (أم زامل) أن تفتح سيرة أي امرأة من أهل (المناوي) حيث تنتشر الإشاعات منطلقة من ذلك البيت المختنق بالبخور الرخيص وعطن الإفرازات الأنثوية وروائح المرق المحتسبة في الغرف.. ولكنها كانت تلجأ إلى الصمت حين يتعلق الأمر بمهنة أمها السرية قبل أن تموت (ميتة جالينوس) على حد تعبير الأستاذ (عبد الأمير) كلما عاد في وقت متأخر من الليل من بار (هافانا) ليقضي ليلة ليلاء في أحضان الوحل! ومن اجل إن تبدد (أم زامل) وحشة الغرفة، استقدمت من وراء نهر (الخورة)

تلك المرأة المهذار (صفية) التي اشترطت للموافقة على الإقامة إصطحاب ديكها الصداح. جعلت هذه العذراء الأبدية التي لم تنقطع يوما عن تخضيب شعر رأسها الأشيب بالحناء تطارد ديكها في ممرات الطابق العلوي أو على درجات السلم المؤدي إلى السطح حتى حسب قاطنو البيت ديكها رجلاً.

 

***

 

إحتوت رأسها المسكون بالهواجس بين يديها. خرجت مخترقة الممر الذي تتكدس فيه كومة من الأجساد ألقت بحصرها وبطانياتها على ارض البلاط ابتداء من عتبات الغرف حتى السياج المطل على الحوش. تشابكت على امتداد السياج نباتات متسلقة وحشية الإشكال . تعثرت بهيكل امرأة أخرى. انطلقت صرخة مكتومة. كأنه حلم من شرخ في رأس نائمة! لبثت للحظات متخشبة في وقفتها. تسللت في خفة منحدرة عبر السلالم كما لو إنها محارة غادرت لتوها قوقعتها. كانت أصابعها تقبض على قطعة طباشير. صفعت وجهها نسائم الفجر. شطبت بالطباشير كتابات الفحم الجدارية ( أم كريمة بائعة اللحم اللذيذ) (أم كريمة تفتح أبوابها ليلا ونهارا فقط). ماءت قطة عبر الساقية. قفلت صاعدة إلى الغرفة وهي تلهث.

الأحد:

يفتح الأستاذ (مشتاق) مختبر المدرسة. نتدافع وراءه إلى الداخل. نتحلق حول منضدة طويلة في الوسط. يتناول مئزرا

ابيض من مشجب في الركن. يرتديه على بذلته المخططة . يقف عند طرف المنضدة مشيرا إلى زجاجات على الطاولة :

- مَنْ منكن من لم تزر مختبرا من قبل؟ لترفع إصبعها .. واحدة اثنتان ثلاث.. أنها الزيارة الأولى. إذن هل ترغبن في أن أحدثكن في أمر هذه الأفعى القابعة في هذا السائل؟ انه موضوع طويل ولكنه لم يأت في أول الكتاب مثلما هي الضفدعة أو هاته الأسماك المتخاطفة في الحوض؟ اعلمن يا بنات أن ما سنتناوله ابتداء من الآن حتى آخر العام الدراسي ليس سوى ذرة في بحر ونحن لا نستعرض إلا نتفا من غرائب هذا الكون. أما عن مدى تشابه سلوكها بالسلوك البشري فهو موضوع متشعب ومعقد وقد أكلف بعضكن بكتابة تقارير حوله. يفتح علبة معدنية. يخرج منها ملقطا ،سكينا ، مقصا ومجموعة من الدبابيس :

- اعرف أنها المرة الأولى.. نحن في سبيل تشريح هذه الضفدعة التي أتت بها زميلتكن (كريمة) من جدول قرب منزلها وقد وعدتني بفراشة محنطة أيضا. كل واحدة منكن الآن حرة في الإنصراف . اقترح لو شعرت أية واحدة بالغثيان أن تشغل عينيها بفراشة (الطائر الصداح) أو ذلك الصقر المحنط الذي تم اصطياده في صحراء (الزبير) أو التأمل في وسيلة الإيضاح التي تصور الجهاز الهضمي في (الفاشيولا). أنها موضوعات ذات منطلقات متشابهة

تتطلب قدرا كبيرا من الدقة والاهتمام...

 

أحد عصاري الخميس

 

زارنا (أبو محمد) بدون سابق توقع. بالنسبة لي على الأقل. كنت مستندة إلى إفريز الشباك أتأمل حلقة من البنات يلهون بلعبة (صندوقا العالي لو طاح وتكسر).. في اللحظة التي هوت فيها (فوزية) ، طرق سمعي صوت بوق سيارة. اصطفت سيارة أمريكية خضراء اللون ذات سقف هاردتوب.. انحدر منها (أبو أحمد). شعرت ببعض الضيق. أغلقت الشباك متهاوية بهيكلي على السرير. عادة يثير قدومه الكثير من الهمس في المحلة. فمثلا وقبل شهرين تقريبا اقتحم (مطرود) الغرفة ناشرا فيها روائح (ديتول) مبعثها المستوصف الذي يعمل فيه. بعد أن اشبع

حديثه لفا ودورانا المح إلى أن ساكني الزقاق ينوون تقديم (مضبطة) ضد أمي إلى محافظ المدينة يشكون إليه كثرة

استقبالها للسيارات الكويتية أملا في ترحيلها. انه في واقع الحال موضوع قديم. ربما كانت أمي كذلك فيما مضى. أما الآن فليس سوى سيارة (أبي احمد)، ولمجيئه غير المرحب بـه سبب أذكره في وقت لاحق. المهم أن (مطرود)

استطاع إيصالي إلى درجة التميز غيظا وهو يثرثر ملحّا إلى أن في استطاعته التأثير على الآخرين وإيقاف ( المضبطة) أذا تم إرضاؤه . لم افهم نوع الإرضاء الذي رمى إليه. صممت على إن لا ينال شيئا ثم أن الناس قد تناسوا هذا الموضوع تقريبا إلا أذا كان هنالك من يتعمد إثارة النوازع لديهم. أمي عالجت الأمر بطريقتها الخاصة . رمت إليه بزجاجة عطر ثم اتجهت إلى باب الغرفة لتفتحه مشيرة إليه أن يغادر المكان فورا. لقد كان وقتذاك اشد

وضاعة من الحال التي نحيا ! تجاهل (أبو احمد) قدح الشربت منتزعا عقاله وكوفيته البيضاء بنقوشها الفاتحة. برز رأسه المدور الحليق. أعاد اعتمار العقال والكوفية بتلويحتين أو ثلاث. تنحنح مرسلا إلى جوفه جرعة من الشربت :

- الآن وصلت..

غرزت أمي الإبرة في رتق ثوبها :

- الحدود زحمة؟

- خلق كثير..

- هل صادفته في الكويت؟

- آه.. هذه المرة سألت عنه في الميناء.. قيل انه عمل هناك فترة من الوقت. اعرف مدير الحسابات ومن اجل خاطري قام بتكليف من يسأل عنه.. وحين راجعوا الملفات اكتشفوا انه كان قد تسلم مكافأته وغادر.. ربما إلى مصنع (الطابوق الجيري).. أو أنه انضم إلى خدم الشيخ (ناصر).. عدا الخروج كلما جاء لزيارتنا، كان دأبي أن أنأى عن متناول يده. إنها تشاركه في الحديث والنقر بشكل خاطف كلما ارتأى أن يؤكد كلمة أو تعبيرا على فخذ من يجالسه أو على كتفه. في السطح لهوت ببضع صفحات من ( عجائب الكون): " عندما يحين الوقت الذي تهرب الفراشة من شرنقتها فأنها تذيب الحرير عند احد طرفيها وتناضل في الخروج من خلال الثقب الذي تعمله.. "

الاثنين :

 

المطر هذا الصباح هو الحقيقة الدافئة الوحيدة!

لا استطيع أن أصادق أثاث الغرفة أن كان ما فيها من حطام يصلح أن يطلق عليه أثاثا. اترك أمي مع أنينها المتواصل وكعبيها المتورمين. اعبر الزقاق الذي تشطره ساقية ذات مياه آسنة.. تبدو البيوت على جانبيه كعجائز يتهامسن بشأني. (هاشم) ابن (الحفافة) يحاول أن يدعسني بدراجته. (عباس) بائع الفحم يخزرني باستمرار. امرأة تغادر عتبة دارها إلى الداخل موصدة الباب في قوة. أهي محض صدفة أم أنني وباء يوشك على الفتك بهم؟ اخفض رأسي منشغلة بأشكال الساقية التي تتقيأ ما في جوفها من أخلاط إلى النهر الذي يطل عليه مغسل الموتى. بينها وبين جداره الجصي ممر ضيق. عبر خط الجدار تشرئب نخلة مصفرة السعفات (ربما لكثرة النواح على الموتى). يمر الجدار بشجرة صفصاف بري تآكل لحاؤها. خيط من النمل يتسلل عبر فتحة الباب في الأسفل. في الغرفة التي تتوسط الجامع والمغسل يصل إلى مسامعي ترتيل القرآن بصوت الملا (شاكر) بوجهه الأبيض المحمر، بتدفق غريب ورخامة موهوبة. الأعجب منهما انه حين يستدعى إلى طقوس الزواج أو مجالس العزاء يتلجلج في الحديث فما أن يحين دوره في القراءة حتى ينطلق متدفقا منسابا دون أي تمتمات، ولكن أين (كريمة) من هذا النقاء وكيف تهدأ الأمواج في بحر ماله قرار؟! "ان كثيرا من أنواع الفراشات ذات الحجم الكبير تنجذب من مسافة بعيدة إلى رائحة

الفاكهة المتعفنة والسماد وأشياء أخرى غريبة كالنار مثلا" .

انحدر الى ضفة النهر الذي توقف عن أن يكون كذلك. تضاءل مجراه حتى كاد أن لا يتجاوز المترين عرضا وصارت السواقي ومؤخرات البيوت تفرغ فيه مياهها الملوثة وتحاصره من الجانبين أعشاب نصف محترقة تحط عليها أو تتطاير منها أوراق ممزقة ، جرائد بهت لون الكتابات عليها، حضائن، ذرات سخام تنفثها محروقات يصعب تحديد مواقعها. الأنهار كالبشر تبدأ نقية وتنتهي ملوثة. تتقافز ضفدعتان هنا وهناك. اجلس على صفيحة فارغة..

اخرج من حقيبتي زجاجة.. ها أنا اكتشف سمكة فضية اللون مغزلية التكوين محشورة بين الطحالب تنبض خياشيمها

في إيقاع صامت وهي تنتفض بين الفينة والأخرى. قد تكون (حمرية) هامت على وجهها فوقعت في هذا الفخ.. لو

كان الأستاذ (مشتاق) موجودا لأخبرني باسمها العلمي. من يقع في الفخاخ غير الأطياب؟! أملأ الزجاجة من ماء النهر. أخضها مزيلة أثار المخللات. فكرة جيدة أن تضحي هذه السمكة في مختبر المدرسة. سأسرع لئلا أثير الفضول. ترتجف السمكة وهي تتلوى باتجاه مقوس يمينا وشمالا.

 

 

تطوي (الست ماجدة) كتاب (أصول الطبخ). تتناول حقيبتها القطيفة. تلقي نظرة على جانب من وجهها عبر المرآة ـ

الحقيبة ، وهي تمشط الجالسات من المدرسات بنظرة باردة ثم تتوقف عنده :

- استاذ (مشتاق).. هذا أمر لم يحدث من قبل..

يمسح نظارته بورق شفاف.

- الحال كما افهمها لا تستدعي كل هذا العناء..

- لا يا أستاذ.. الموضوع يمس كرامة المدرسة..

- أنا لم اطلع بشكل واف على تفاصيل الموضوع.. لنفترض أنها أخطأت. أليس من مهمة المدرسة أن تعالج قبل أن

تعاقب؟

- أنا شخصيا لا يمكن أن أقع في وهم كهذا.. أنا أدير مدرسة لا إصلاحية..

تلتفت جهة المدرسات:

- والله والله صحيح .. انتن لسن بعيدات عما يحدث.. كثيرا ما ضبطت من تغش زجاجات (البارد) في حانوت المدرسة وتخلطه بالماء ومن تسرق الطباشير ومن تضاعف الماكياج أو تلبس (الكعب) العالي.. أمور كهذه يمكن ابتلاعها . أما أن تكون المدرسة ومن فيها حديث المدينة فهذا أمر خطير.. إحدى المدرسات تنفجر مقهقهة. تعطس أخرى. تدمع عيناها :

- العفو ست.. شر البلية ما يضحك..!

يحمر وجه (الست ماجدة) ، بدو وكأنها على وشك الانهيار بفعل ضغط ما. تعقب الست (مريم) مدرسة الكيمياء :

- وما يبكي أيضا!

 

***

ليس من عادتها أن تتأخر في الاستيقاظ. فجر اليوم سمعتْ الصيحة الأخيرة لديك (صفية) واصطفاق أجنحته. عادت إلى الفراش .العتمة تملأ أركان الغرفة ، خيط حليبي اللون من ضياء الفجر يتسلل من شق في إطار النافذة. تناهى إلى مسمعها غطيط أمها وأنينها المكتوم. تقويم قديم يعلوه الغبار يتوسطه إكليل من الزهور. أنها رغم نذر الصباح مضطجعة على ظهرها ولكنها.. نهضت فجأة ثم تخشبت واقفة قبالة الدولاب .امتدت يدها إلى المقبض الأيسر، سحبته. أحدثت حافات الأبواب صريرا. أخرجت ثوب زفاف ابيض بحركة تخلو من القدرة على التوازن. كان قوس

الصدر مطرزا بالتماع عتيق، ثمة خيوط تدلت بلا انتظام. طغت رائحة الماضي تحت سقف مدلهم. كان احد أزرار الصدر مقطوعا . شدت النسيج في جنون.. إلا أنه لم يتمزق. أية اذرع رجالية ضمت هذا الثوب إلى صدورها وأية عيون أشبعته تفرسا؟ عثرت على نفسها فوق سطح البيت أمام التنور في نهار ساطع. كانت بقايا النار بداخله تنتظر من يؤججها وقد فعلت. تصاعد دخان كثيف وتطاير شرر.. ولكنها الآن في سريرها.. تحت سماء السقف المدججة بالظلام تقرصها عقارب الندم وتلسعها أسياخ من الحديد المحمر أسفل بطنها، على الفخذين فوق الحلمتين وقد

ارتطمت الخياشيم برائحة لحم مشوي. أطبقت عليها سجوف من الظلام ولم تنقطع رائحة اللحم المشوي عن الانتشار. من الشباك كان في مقدورها أن تبصر عددا لا يحصى من الرؤوس. هناك رجل غير واضح الملامح توقف عند عتبة الدار مواجها الحشد. لم يفعل شيئا حين تدحرجت كرة من النار لتجتاح امرأة فتية تزينت بإكليل، قامت أيد بلا أجساد برفعها مثلما ارتفعت الصبية اللاهية المفزوعة في (صندوقنا العالي).. أن وجهها في مواجهة السماء ودخانا كثيفا ينبعث من ثوب ملقى.. هبطت أسراب من الطيور بيضاء اللون، غطست في أعماق الدخان ثم غادرته بلون الحداد. أرتفع الصندوق الخشبي الذي كانت مستلقية بداخله. انمحت رسوم السماء وظهرت وجوه (مطرود) وصاحب السيارة الفستقية اللون وناداها (الملا شاكر) داعيا إياها هاتفا "أن تعالي" .. وهي ترد عليه : "أن لا استطيع" ثم ارتفعت الزغاريد من آخر الزقاق . الزغاريد؟ هل اختلطت أيام السعادة بأيام الشقاء؟ حين رفعت رأسها لم تصدق أنها كانت نائمة على ظهرها على نحو متصالب.. وجهها باتجاه السقف الذي تراكمت عليه قشور من الكلس. انتفضت مثل صبية مسختها قوى سحرية. كانت رائحة البيض المقلي تغزو فضاء الغرفة وأمها تخضها بقوة . كانت غارقة في بحيرة من العرق.. وشعرت بجفاف في حلقها !

 

تدفق الصباح بتكاسل عبر الشباك الذي فتحت شراعتاه. أمام البيت (باص) خشبي. تساءلت عن سبب وقوفه هناك. الصق رجل بدين ظهره إلى جدار البيت المقابل. يظهر أنه السائق. قرع باب الغرفة دخلت (صفية) ملقية بعباءتها على ذراع الكنبة :

- صباح الخير يا (أم كريمة).. نزمع الخروج إلى (أثل الزبير).. تعاليا معنا..

 

أقعت أم كريمة على (تختة) تقطيع اللحم. انهمكت بإلقاء حب الدنان خارج طبق الرز :

- أنا مريضة اليوم.. وغير مستعدة أصلاً. .

وتعللت (كريمة) بقرب موعد الامتحانات. حلفت (صفية) برأس احد الأولياء الصالحين أنها لم تنم البارحة والأحرى بها أن تزوره فهو يهب كل من يطلب المراد. ثم اتجهت إلى (أم كريمة).

- تعالي.. لا تتعززي علينا..

انتفضت كقطة وخزها سيخ لاسع.. أغلقت الباب والشباك أشعلت نور الغرفة الذابل.. عادت (صفية) لتتهالك على ( الكنبة)..

- لم ترمين بالطعام الذي ابعثه إليك؟ هل أنا نجسة؟

كان استفزازا غير متوقع. انفجرت أم كريمة :

- أنا من هي النجسة وأنجس من كلبة تلوث في السواقي.

- لا..لا.. حاشاك!

انتضت ثوبها الكحلي المطرز.. تعرت إلا من سروالها البنفسجي اللون الذي ينتهي إلى أعلى الركبة بقليل:

- منافقات.. أنا هي (أم كريمة) الساقطة أم السيارات..

ترجرجت الأماكن المترهلة من جسدها. برزت الأوردة الشاحبة اللون على بشرتها . قالت (صفية) :

- أم كريمة.. لا تقهري روحك.. عندك ضغط ..

- أنا أم البقع واللطخات البثور.. أنا التي لم يدع سفلس (الإفرنجي) بقعة من جسدها دون أن يلتهمه..

- أنا والله ما عندي خبر..

تقدمت (صفية) بتؤدة صوب عرى المرأة المتراعش . بسطت يدها ذات العروق الناشفة باتجاه الصدر.. مررتها على ذلك الجزء:

- ناعم وطاهر إن شاء الله..

ثم دست أصابعها الغليظة في قماش سروالها :

- اجزم انه من الكويت..

أبعدت (أم كريمة) يدها بحركة خلت من ردة فعل وكأنها فعلت ذلك لمجرد مواصلة الانتفاض.ارتدت دشداشتها ثانية

: - انهم يتحدثون بالهمس عني.. اعلم ذلك جيدا.. كل الأوهام والتلفيقات من هذا البيت.. قد يكون بعض ما يقال صحيح و ربما كان.. ولكن خبريني ما الذي تفعله امرأة هجرها زوجها إلى الخمر ومن ثم إلى (الكويت)؟ ها أنا ابعث في طلبه منذ سنتين دونما جدوى. لقد كنت .. نعم كنت خرقاء بلا كلمة زجر.. أتسكع في هذا الشارع أو ذاك خاوية الجيب اجهل درب السلامة من درب الندامة. كان عندي رجل ولو انه حرص على بيته لما ضيعنا وراح إلى حيث لا أدري.. عمل مهربا للخمور وتارة فراشا ولا أدري ما الذي يفعله الآن.. أنت لا تعرفين الرجال يا ( صفية).. لو أنك فقط عاشرت واحدا.. أخذت دموع (صفية) تتدحرج على خديها . كان واضحا أنها مبعوثة من لدن (أم زامل) وأخريات.. من السهل أن

يقرأ المرء في عينيها تلك الرغبة الطفولية العتيقة في الصلح في نشر كل ما قالته (أم كريمة)في نفس الوقت. انها من النوع الذي لا يستطيع أن يكتم وسط جوانحه سرا. بدت (أم كريمة) وكأنها مصابة بنوبة برد. سارت بتخاذل نحو سريرها.. أعانتها (صفية) على الاستلقاء.. غطتها باللحاف :

- أنت مريضة حقا..

في الزقاق ارتفعت ضجة المتدافعات على الباص. اطل من تحت عباءة (صفية) الرجل الوحيد في حياتها. غاصت وسط الحشد لتنهمك بالعراك ومحاولة الاستئثار بالمقعد المجاور للسائق. لم تستطع كريمة رغم اكتئابها منع نفسها من الضحك لمشهد صفية وديكها. ولكنها قهقهت نهارا كاملا حين عرفت إنها فقدت ذلك الديك في (أثل الزبير) فلم تدع بئرا ولا أكمة دون أن تفتشهما بحثا عنه قبل أن يخبرها احدهم بأن عليها أن تجرب المكان الوحيد الذي لم يخطر ببالها : بطون الذين خرجوا إلى (الأثل) !

 

***

 

لماذا تنكمشين مثل قنفذ؟ أنت تبترين اندفاعاتك. أمر حسن. أنت عاقلة .أمر سيء! أن أمرا كهذا ليقود روحك إلى الشلل. سيذبل جسدك مثل رمانة مقتطفة. ستنطفئين كجمرة في الماء ..تدق الساعة الجدارية دقة واحدة. الرابعة والنصف. يقرع باب الغرفة. قومي وافتحيه. يطل وجه أمك مكفهرا. كأن أحدا ركلها في معدتها. تلهث في تعسر. تعلن في اقتضاب أنه يوم نحس. صودرت مهنا ثلاثة سراويل وزجاجتا عطر (ياسمين) وزجاجة (خروع) كانت قد حاولت إخفاءها بعيدا عن المعروض لعجوز تصنع تعويذات الأطفال وتدعى أنها تطيل رموشهم بذلك الخروع.

تتهالك على السرير . تنتضي فردتى جوربها. تتأوه. تلتقط جردلا فارغا. تملؤه بالماء . تشعل (البريموس). تقلب الجردل على قاعدته. تنتشر في الغرفة رائحة خانقة. تفتحين الباب والشباك على أوسعيهما .انها تلقي بحفنة من الملح إلى ماء الجردل وهي تواصل تأوهها :

- ويلك يا كريمة.. أنا جائعة.

- كيف؟ ألم تأكلي في السوق؟

- الظاهر إنك لم تطبخي لقمة رز..

- كنت نائمة.

- لا تشبعين من النوم أبداً!

تردين بجنون :- وأنت لا تشبعين من التسكع!

تتشاجران ساعة. تتعالى صرخاتك دونما وعي. كنت تشتمين كل من حولك.. أمك والدنيا وكل شيء. تهددك بشق ثيابها والخروج الى الشارع . أنت تفكرين في إشعال النار في جسدك فيما أذا وصلت الإمور إلى حافة الانهيار.. تقذف بماء الجردل عبر الشباك :

- لن أبيع سلعة بعد الآن لمن؟ لهاته الوجوه؟ لمن يستأهل ومن لا يستأهل؟ غدا تلتهمين التراب وتشربين الهواء.. قومي وجدي لك عملا.. افعلي شيئا .. أي شيء.. تزوجي .. إذهبي إلى جهنم.. ولكن دعيني أمت في راحة بال واخلصي بذلك من صخرة على صدرك.

 

***

 

قلبت (الست ماجدة) أوراقا في ملف أمامها :

- هيا (كريمة).. حدثينا عن أصل الحكاية ..

- أية حكاية؟

- الهدية..

- آه.. أصل الموضوع.. لا أدري كيف بدأ.. كان الأستاذ (مشتاق) يجلس قربي في باص المصلحة وحين غادرت

الباص اكتشفت نسيان كيس من النايلون يحتوي على تلك الأشياء..

 

- زوج من الفانيلات وآخر من السراويل؟

 

- وكتاب قواعد اللغة العربية في طياته ورقة رسمية..

- ورقة رسمية بشأن من؟

- انها ورقة طلاق..

 

- طلاقك؟

- العفو (ست).. أنها أمي.. نعم.. اسألي الأستاذ.. ولشدة فرحي وتقديرا لشخصه وجهوده في التدريس طلبت منه وبإلحاح أن يستبقي كيس النايلون لديه معتبرا ما في داخله هدية وقد كان في نيتي أن أقدم له هدية أروع..

- أصحيح هذا يا أستاذ (مشتاق)؟

- حدث هذا الأمر حقا ولكنني لم اكشف محتويات الكيس إلا بعد انصرافها.

  

اقتطاع من مجلة عاطفية / تحت زاوية (نبض القلوب)

 

"عزيزتي محررة الصفحة :

أنقذيني أرجوك من عذاب القلب. لي من العمر عشرون عاما ولم تتفتح أزاهير شبابي بعد. لا تعجبي لو أخبرتك أنني حقيبة ملأى بالمفاجآت والعقد.. أسكن حيا معظم قاطنيه من بسطاء الناس . دعيني افتح قلبي بكل ما فيه من تشققات وندوب ..لا، لا. لن أطيل عليك. أنا طالبة ثانوية. وقعت مؤخرا في حب أستاذ لي هو مدرس لمادة (علم الأحياء) هو يبادلني الحب أيضا ولو بتحفظ. يخيل إلي أحيانا أنه حريص على سمعته على نحو أناني. لعلي واهمة فيما يتعلق بهذا الشعور ولكنني واثقة من أنني أحبه حتى الموت.. عقدتي هي أنني لا أرغب أن يزور البيت.. ولا المحلة برمتها . سيعرف من أنا و في أية تربة زرعتني الأقدار وكيف كانت عليه أمي.. وهذه الأخيرة عقبتي الكأداء.. جعلت أبي يهيم في الشوارع مخمورا بسبب لسانها ثم ما لبث أن رحل الى الكويت قبل أكثر من عامين دون أن يرسل شيئا سوى ورقة طلاق ممهورة بختم البصرة ولا أدري أن كانت ورقة حقيقية أو مزيفة. هي أخذت تمارس بيع السلع المهربة. كان المفروض أن تتدفق الأرباح على البيت وأن تعوض هذه المهنة بعضا مما نفقده يوميا من ماء وجه.. ما ربحنا ولا حفظناه! مما يزيد في الطين بلّة أننا نقطن غرفة بائسة في بيت آيل للسقوط. تقطنه ثلاث عائلات أو أكثر. يكاد الهمس حول أمي أن يصير استنكارا لولا تساهلها في أثمان السلع.. أنها تحمل الماضي بكل إثقاله على رأسها وأنا أنال الحصاد المر. من يفكر بابنة امرأة لها ماض وحاضر معا؟ انه الختم الناري الذي يطبع على فخذ بقرة. أنني اكرهها.. اكرهها مثلما يكره العاشق يوما مطيرا يمنعه من لقاء من يعشق ، وكما يبغض المرء ساعة نحس المّت به. أن من تمتهن الدلالة ترتبط عند الناس بحياة من نمط خاص وسيول من المال.. انها المرأة التي تستطيع أن تطلق وان تزوج وتجعل العاهر قديسة وتحيل الحجر إلى معدن نفيس.. أين أمي من ذلك كله؟ نحن في شظف من العيش لا أدري كيف ستؤول بنا الأحوال من بعده . لم اعد احتمل.. أريد أن أنتحر. يزورنا من وقت لآخر رجل عجوز يدعي بقرابته لأبي قد أضاع عنوانه في الكويت مؤخرا. اكرهه لأسباب ليس اقلها كونه يزيد من نار الهمس اشتعالا وهو لا يفتأ يتشبب ويتصبب عرقا ولا يخرج الدينار إلا مخنوقا لكنه يطمع في صبية ولم يلق أمام ناظريه سواي وأنا أريد الانتحار ما رأيك سيدتي المحررة بهكذا انتحار؟ سيكون نهاية جميلة . أليس كذلك؟ انتظر

ردك على أحر من الجمر؟

 

(ك)

 

 

عند جسر (النور) تقف فتاة في ظل شجرة ذي كثافات متباينة متكسر على الرصيف. يتطاول الظل منكفئا بتصالب على الشريط الكونكريتي للنهر ومن ثم يهوي في شبه تلاشٍ إلى نسيج النهر المترجرج الذي تتهاوى فوقه ظلال هلامية التكوينات للفندق المجاور لدار السينما وأشجار (يوكالبتوس) و(دفلى)شتكوم اطراف تنورتها البيضاء المنقطة بالأحمر. تجلس في أناة على الشريط المحاذي للنهر (في منطقة الظل أيضا). يبدو وجهها بين الفينة والفينة ملتهبا بلفح الانتظار. انه أشبه بتفاحة حمراء توشك على الوقوع بأول هزة غضن . عيناها متلامعتان وشفتاها ممتلئتان رغم أن عودها يشوبه قدر ضئيل من الانحناء. تتأمل لوحة الفيلم للحظات . تنحدر ببصرها إلى رواد السينما. بنات

بأحسن زينة. شبان ببدلات كاملة.. مراهقون يتحلقون حول أكشاك الشطائر وهم يلتهمونها في شراهة قد توحي للمتأمل أن مبعثها الجوع أو لأنهم يتعجلون دخول السينما. عبَرَ شارع السينما إلى ذلك المكان المظلل شاب ذو مظهر رصين ونظارات طبية . أخرج منديلا أزرق فرشه على الشريط الكونكريتي وجلس عليه :

- كريمة.. هل أبدو مثل عاشق حقا؟

- أنت أميل أن تكون معشوقا.

يخرج من جيب سترته الجانبي بطاقتين :

- وصلت متأخرا.. فيلم جيد. من المؤسف أنهم سيهدمون هذه السينما..

- ستكون هناك شوارع جميلة. .

- عشرات الأفلام شاهدتها في هذه الدار ..

ـ أستاذ مشتاق..

- دعينا والإستاذية.. لن القي محاضرة عن الخلايا مثلا هنا..

- متأسفة.. آه .. تذكرت .. السمكة التي وعدتك بجلبها إلى المختبر..

- ماذا؟ هل أفلتت منك؟

- كلا.. أنا أفلتّها بنفسي..

فجأة غمر المكان ظلام. تحولت الكتل المتحركة في الشارع إلى أشباح تلاشت معالم الوجوه.. ابتعدت عنه قليلا.. آه ..يا لحظي!

- تريثي..

حدق في ساعته الفوسفورية :

- تذكرت الآن.. أنها غارة وهمية.. أعلنوا عنها في التلفزيون.. انظري.. ذابت الوجوه.. الظلام أحيانا نعمة.. وها

هي النجوم تبدو اشد لمعانا..

- شأنها شأن الحب.. يتألق على نحو أشد في ظلام الكراهية..

- يا له من تعبير جميل.. أنت تكتبين؟

- أحيانا.. ولكنني اقرأ أكثر مما اكتب..

- ماذا كتبت عن الحب؟

- أجمل نقطة ضعف في حياة الإنسان..

- ألا يكون مصدر قوة مثلا؟

- ربما.. هذا جميل..

ـ أنت لم تخبرينني أين تسكنين؟

أشاحت بوجهها بعيدا عن سطوة نظراته.. أفلتت حقيبتها. التقطتها. عوت صفارة إنذار. تلاها انفجار. صلصلت

أجراس سيارة إطفاء. تراعشت السنة نار.. ظللت الساحة المجاورة للمكتبة العامة سحابة من دخان!

- وكأنها حرب..

- لا عليك.. كل شيء سينتهي في دقائق..

وفيما هما يعبران الشارع، عادت الأنوار من جديد.. أسرعا بالدخول وهما يتعثران بظلام الصالة.. خفتت ضوضاء

المشاهدين. ظهر عنوان الفيلم (روفائيل الفاسق).. ماذا تعني كلمة (اورور) يا لأستاذ (مشتاق)؟.. لا أعرف الفرنسية كثيرا.. آه .. أنها تعني (الفجر).. اقرئي الترجمة.. أنت ساهمة.. لماذا؟ حين تعشق (اورور) الوقوع في النار تعمّد جسدها بالعذاب وهي تهبه لرواد أزقة (مارسيليا) حيث بحارة مخمورون، متشردون وقطط بلا مأوى. القلب قطعة من ربيع راحل. الطفولة منديل منسي في أقبية الزمن، لقد عرفت البطلة أن حقيقة اندماجها بحياة المدينة مبعثها الرغبة في عناق الوحل. دفعتها أيد ديناصورية إلى استرخاص جسدها. أن (روفائيل) المثقل بالفسق وعذاب الضمير

ليس أحسن حالا منها.. أن نفس اليد تجرفه إلى وهاد العبث. حين تخبره (اورور) أنها لو أرادت الانتحار يوما ستقدم على الزواج من رجل عجوز، تفعل ذلك حقا. أما (روفائيل) فيعد لنفسه مصيرا اشد قسوة وجمالا وتأثيرا. يتفق مع قناص أجير على أن يقوم بإطلاق النار على مهرج ملثم يسير على حبل أمام جمهور في حديقة غناء. لم يكن ذلك المهرج سوى (روفائيل) بلحمه ودمه وقد تدبر لروحه هذا الوقوع المفجع من حالق، إلى أحضان قدر لاه..

 

السبت 24 نيسان /

توقفت عن الذهاب إلى المدرسة استعداد للامتحانات النهائية. اصعد في العادة إلى السطح مرتين في اليوم، مرة عند الفجر والأخرى عند وقت الأصيل. وحين جعل الصيف ينسل في تؤدة وازدادت الحرارة لفحا للوجوه، نقلنا أسرتنا المعدنية الهزيلة بنوابضها المتقطعة البالية والكنابل الخفيفة ، إذ صرنا نبيت ليالينا على السطح الواسع المنشطر بسياج

من ألواح (الجينكو) المسندة بشكل عمودي قرب بعضها. فعلنا ذلك بعد أن عصف بنا اليأس من البقاء في غرف خانقة تحت سقوف تمطر الجص والسحالي وندوفا من سحب الظلام فإذا بنا تحت سماء مرصعة بالنجوم نستروح النسائم الباردة قبل أن يهبط البق الذي لا يختلف عن العشق فكلاهما يتركانك تتقلب في مقلاة. أشعر بالضيق الشديد حقا وينزلق ذهني بعيدا عن المعادلات واللوغاريتمات.. ان انقطاعي عن مشاهدة الأستاذ (مشتاق) لشديد الوطأة على قلبي..

 

اليوم بعد الظهر ارتفعت صرخات (أم زامل) وحين استطلعت الأمر عرفت أنها سمعت ارتطاما على سطح فوق غرفتها مباشرة ولما صعدت اكتشفت اختفاء قميصها الداخلي. وكانت من قبل قد ارتابت في اختفاء من سراويلها الداخلية. وسبق لي أن فقدت أربعة من سراويلي مرة إلى أن توقفت عن نشرها على حبال السطح كذلك حدث الأمر نفسه لأمي إلى حد تبادل الاتهامات. البيت الذي نسكن فيه متصل بسطحين آخرين لبيتي (مطرود) المضمد و (صبري ) الخباز. ولكن قياسا للارتفاع نسبي لحائط السطح يتطلب الأمر قطة أو شخصا ذا عضلات مرنة للقفز.

يظهر أن السرقة قد تمت في وقت اختير بعناية : في عز الظهيرة أو قبل ذلك بقليل، ذلك أنني أملأ السطح جيئة وذهابا إلى أواخر الضحى مستظلة بحاجز (البيتونة) وإن غبت فــ (صباح) أبن الحداد يقرأ للامتحان في النصف الآخر من السطح. انه يسكن الغرفة الغربية في نفس الطابق العلوي الذي نسكن، إلا أنه مثل أبويه وأخته العانس ميال إلى الانطواء. لا نعرف متى يخرج الأب أو الابن على السطح. في ليالي الصيف، حين يفارقني النوم، اسمع لهاثا

يحلق في الفضاء حتى يكاد أن ينقلب إلى صراخ مبحوح فأتخشب مرعوبة بانتظار أول خيط من خيوط الفجر. انهم لفرط انطوائهم اثروا اختيار شطر السطح الأصغر دون أن يتيحوا لأم (زامل) أو (صفية) مشاركتهم فيه، إلا أن المرأتين لم يكونا بذلك الإصرار على النوم في أسرة تجاور أسرتنا. احتجت أولاهما بالبق والثانية بالخوف على ديكها من الهررة. كان ذلك في الصيف الماضي، اعتادتا على النوم داخل الغرفة الضيقة.. حين يحلو الجو، أو الارتماء على أرض الممر أحيانا أخرى.

 

الأحد /

بعد أن رحل الربيع، عاد الشتاء ذات ليلة من جديد. هطلت أمطار غزيرة.. استبدلت منامتي بأخرى أخف إذ كان الهواء راكدا فيه رطوبة .في البدء، وكالعادة كنا على السطح عندما أخذت هوائيات التلفزيونات بالاهتزاز وانتفخت الناموسيات مثل أشرعة سفن توشك على الرحيل. طوينا المقاعد و ثقلناها بالطابوق ثم هبطنا في حذر من السلم المعتم مستعينين بالبرق المتلامع عبر الكوى والشقوق في تثبيت أقدامنا على الدرجات. اشتد قرع المطر واندفعت ريح قوية حتى الم بنا الفزع . اهتزت النوافذ وتلاطمت الألواح فخيل إلينا أننا على مركب بليت أخشابه وهو يغرق.. أتت أمي بطست وضعته تحت خيط من الماء يتسرب من السقف:

- اخشي أن ينهار السقف علينا..

اقترحت ملقية كتابي جانبا :

- لو أننا أزحنا السرير إلى الزاوية الأخرى..

- لا داعي لذلك ولكن لتطوي الفراش وحسب.. ما يخر السقف إلا لكثرة الإقدام على السطح.. أنا أسويه بالتراب والرماد وأنت تصهلين رائحة جائية مثل عاشقة مفلسة..!

خرجت وأنا اشعر ببعض الضيق . جلست في الممر في معية النور الحائطي الذابل تحت (أبي بريص) والصراصير. عبر السياج، عند الغرفة الغربية أخذ أهل الحداد يطلعون بأثاث الغرفة إلى الممر. يبدو أن الشرخ الذي أحدثه المطر في السقف غرفتهم كان أكثر اتساعا. اتجهت نحوهم وفي نيتي مساعدتهم. في تلك اللحظة بالضبط،وحين صرت على مبعدة أمتار من (صفية) التي انبرت هي أيضا لتمد لهم يد العون، أبصرت في يد (صباح) حقيبة

كان يحاول إغلاق حزامها. ويبدو أنه ترك قفلها سائبا فإذا بها تفرغ ما في جوفها على أرض البلاط . كانت محشوة بملابس مهلهلة، لم تخف كومة أخرى من الملابس الداخلية التي استطعت بعد تحديق، لم يطل زمنا، أن اعرف بعضها. أطلقت صرخة لا إرادية. أما (صفية) فقد انقضت على عنق (صباح). ملأ الولد الضخم الجثة ذو الشعر الأجعد أرجاء البيت بعويل حيواني متقطع بفعل قبضة (صفية) إلا أنه استطاع الإفلات والاتجاه إلى باب السلم المؤدي إلى خارج البيت. في اليوم التالي غادرت أسرة الحداد الغرفة ليسكنوا عبر النهر في بيت من الطين حتى أنهم توقفوا عن ابتياع الخبز من مخبز الزقاق وأخذوا يقطعون المسافات الطويلة إلى مخبز آخر ،أما (صباح) فقد أنقطع عن الخروج وهرب مرة مني.. ثم اختار السكنى في كراج أبيه وقبل ذلك كله هجر المدرسة إلى الأبد.. يا للمسكين!

الخميس / أبكرت في النهوض، قليت بيضا وطماطم. انسابت أغنية صباحية لــ (أسمهان). شعور مبهم يتسلل إلى القلب، رغم انجلاء الصباح، كنهر يتدفق في إيقاع رتيب نحو بحر. سألتني أمي اخفاض صوت المذياع. لم تنم البارحة أيضا، حالتها تسوء يوما أثر يوم. توقفت تماما عن الذهاب إلى السوق. قبل أسبوع تقريبا باعت آخر سلعة لديها وكانت منامة نسائية مستعملة. طرق باب الغرفة بشكل مفاجئ لتلج معه نسيمة هواء ثم يدخل (أبو احمد) بلا استئذان منهارا على الكنبة معلنا وفاة أبي في الكويت. شهقت أمي. فقدت الوعي. نفضت أنا عن وجهي التراب

ونهضت بعد حين من الزمن لا أعرف مقداره. كان حشد من أهالي المحلة يتجمع أمام البيت. تسلق (مطرود) سقف السيارة. رفع التابوت مع الآخرين إلى حيث أيد تلقفته بثبات. لم أجرؤ على الاقتراب. اكتفيت بالاستناد إلى جدار هش وأنا انتحب دون أن القي بالا إلى العباءة التي ألقتها (صفية) على كتفي إلا فيما بعد. عبر باب المغسل أخذ سطر من النمل بالدبيب نحو الأسفل حيث التقاء أساس المغسل بالأرض ومن ثم إلى مرقد الجثث. جذبت كتفي يد ثقيلة. أدرت وجهي فإذا أرى وجه (مطرود) المعصور وعينيه الحمراوين. رجاني العودة إلى البيت منوها إلى أنه سيقوم بكل ما يتعلق بمجلس العزاء. للمرة الأولى أحسست بصدق مشاعره التي نمت عن خؤولة لم أكن أعهدها فيه من قبل و ربما كنت واهمة بسبب الخزي الذي كان ومازال يعمل على تطويقي بشرنقته. أو شكت على أن القي عليه سؤالا. ذاب كدمعة في بحر. قفلت راجعة إلى البيت. ارتقيت السلم الذي بدا وكأنه مكون من ألف درجة. أطللت على أمي.. كانت تحملق في الفراغ بعينين جاحظتين وهي تتمتم في تعسر.

 

السبت /

 

اليوم الأول للامتحان النهائي ، المادة اللغة العربية. تركت الدفتر ألامتحاني فارغا خلا موضوعا واحدا في (الإنشاء).في آخر الليل قدمت (صفية) لتسري عن أمي التي تفاقمت عليها نوبات التشنج وقد ابرز موت أبي مدى تعلقها بسراب. ألقيت على جسمي ثوبا غامق اللون. ألقيت بكتاب اللغة الانجليزية جانبا . أخرجت (صفية) من محفظة متهرئة أوراقا مالية ألقت بها إلى حضن أمي وهي تغادر الغرفة إلا أنها نفضتها بعيدا عنها. وظلت ساهمة تحلق في الفراغ..

 

الاثنين /

 

لم أصادف الأستاذ (مشتاق) في الأماكن التي اعتدت على أن أراه فيها. ثم جاء يخبرني بأنه تزوج الست (ماجدة) ! لقد عرفني جيدا إذن: اسمي، عنواني الكامل ونوعية الحياة التي أحيا.. خاف على سمعته.. لم اصدق في بادئ الأمر.. سألت (هناء) فأكدت خبر الزواج..

 

الثلاثاء /

 

ألغيت فكرة تأدية بقية مواد الامتحان. حلمت لثلاث ليال متكررات بغجريات قدمن إلى مدينتي. رقصن حتى الإعياء ثم دعونني إلى الرحيل معهن إلى آخر الدنيا. ها أنا واحدة من فراشاتك المحنطة في مختبر المدرسة يا أستاذ حسبما وعدتك.. قررت الانتحار.. (أبو احمد) قادم الخميس لا ريب.. عزيزتي هناء : لا تستهجني فعلتي أرجوك. ليس هينا أن تقتلع نبتة من جذورها وتزرع في صحراء .هنا في الكويت أسكن بيتا شديد الزحام. ولكن لي ملحقا مستقلا. الرجل العجوز يقلبني كدجاجة حفظت في صندوق ثلج. ما الذي سأفعله الليلة أو غدا لا ادري.. الآن.. معي الكتاب الوحيد الذي لا انقطع عن قراءته (عجائب الكون) "حين تصبح الحياة مستحيلة بالنسبة لحيوان(اللايمنج) الخجول وحين تتأزم الأمور بسبب الانفجار السكاني لدى الحيوان، تقذف قوافل (اللايمنج) بنفسها إلى أمواج البحر.. فلا يصل منها إلى الشواطئ المقابلة سوى القليل.. أن هذا الحيوان لا يجد أمامه سوى طريقة واحدة هي الانتحار.." هل تذكرين (اورور) بطلة الفيلم الذي حدثتك عنه؟! وحيدة أنا يا (هناء) لا احد أحدثه بشأن مناديل البحر وأنثى الحنكليس واللوامس والأسماك التي تتسلق الأشجار، والقلب المعذب الوحيد ...

--------------

 

(*) النص حول الى تمثيلية تلفزيونية عرضت على الفضائية العراقية

(**) محمد سهيل احمد : كاتب عراقي متعدد الاهتمامات : قاص له ثلاث مجموعات قصصية

( العين والشباك ) 1985 ، ( الان او بعد سنين ) دار الشؤون الثقافية ، بغداد 2005و( اتبع النهر) قيد الطبع . ترجم اعمالا مطولة لكل من تنيسي وليامز ، ايفتوشينكو ( رواية ) وآخرين .

عمل في الصحافة الكويتية والاردنية . كما يكتب في النقد الادبي . ومنشغل بانجاز رواية .

 

 

محمد سهيل احمد


التعليقات

الاسم: سلام نوري
التاريخ: 19/03/2010 16:01:32
محمد سعيل احمد
وسرد جميل ورائع
دمت

الاسم: فاتن الجابري
التاريخ: 19/03/2010 10:27:58
الاستاذالاديب والناقد
محمد سهيل احمد
نص رائع

وسردجميل

دمت متالقا
مودتي وتقديري




5000