.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
.
....
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
رفيف الفارس
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


اللهب المزدوج إيروس والحب في شنغهاي بيبي

سعد محمد رحيم

أستعير عنوان كتاب لأوكتافيو باث ( اللهب المزدوج )*.. لا العنوان وحسب، وإنما المحتوى أيضاً.. تلك النصوص المكتوبة برهافة شاعر وألمعية مفكر وخبرة إنسان حاد الذكاء.. تلك المجموعة من الأفكار المدهشة عن الحب والجنس والإيروسية وقد دوّنها الشاعر المكسيكي، وكانت عصارة تجاربه في الحياة، وخلاصة قراءاته المتنوعة والعميقة حول الموضوعات آنفة الذكر.. استعير العنوان بدلالاته الظاهرة والكامنة، وقدرته على الاشتغال وتوليد الأفكار والصور. وأرى كيف سيشتغل ذلك كله في أثناء قراءتي لرواية ( شنغهاي بيبي )** للروائية ( وي هيوي )، ومقاربتي لها.

   الاثنان.. الكاتب والشاعر المكسيكي ( باث ) والروائية الصينية ( هيوي ) يتعاطيان مع الموضوعات نفسها. كل على وفق رؤيته وطريقته وأسلوبه، وكذلك في إطار الجنس الكتابي الذي يستخدمه.. الأول ينجز دراسة منهجية ذات رصانة تبدو في جانب منها وكأنها نص أدبي ( أو حزمة من النصوص ) يتصف بعذوبة اللغة وسلاسة الأسلوب. فيما الثانية ( الروائية الصينية ) تبني عالماً سردياً فيه ثقل الواقع وخفة المخيلة ( عنصران أساسيان من بين عناصر أخرى تتطلبها الرواية الناجحة ). 

  الجنس والإيروسية والحب هي، بحسب باث، مظاهر مختلفة للظاهرة ذاتها. وتعبيرات عمّا نسميه؛ الحياة.. وإذا كان الجنس هو المنبع الأصلي فإن مقصده، في النهاية، هو التناسل "أما الإيروسية والحب فشكلان مشتقان من الغريزة الجنسية.. تبلُّرات، تصعيدات، انحرافات وتكثيفات تحوِّل الجنس وتغيّره". ونبقى مع باث الذي يخبرنا أن الجنس "كما في حالة الدوائر المتمركزة، هو مركز وقطب هذه الهندسة العاطفية". لكنه دائماً نفسه، فيما الإيروسية ابتكار وتنوع مستمر.

   الإيروسية هي الحب الذي يبغي اللذة المحض، لا التناسل.. إنها الجنس العقيم. وهي في منظور باث "جنس وطبيعة؛ وثقافة كذلك من حيث هي إبداع، ومن حيث وظائفها في المجتمع.. ترويض الجنس وإدماجه في المجتمع هو أحد أهداف الإيروسية". والإيروسية هي الجنس مع معونة المخيلة.. هذا الانطلاق إلى ما وراء الحد الحيواني، واستثمار ما هو وحشي وبدائي بمنظور ووسائل الحضارة. وهنا يتحدث باث عن العلاقة بين الإيروسية والشعر، إذ يجد في الأولى "استعارة من استعارات الجنس". أما الشعر فليس سوى "ضرب من شهونة اللغة".

   تضع ( وي هيوي ) مقولة للروائي التشيكي ( ميلان كونديرا ) نصب عينيها. وهي تكتب روايتها المثيرة للجدل ( شنغهاي بيبي ).. مقولة تضمنتها رواية الأول ( الوجود خفيف الوزن غير المحتمل ):

   "ممارسة الحب مع امرأة والنوم مع امرأة هما عاطفتان منفصلتان، إنهما ليستا مختلفتين فقط ولكنهما متناقضتان. إن الحب لا يجعل من نفسه محسوساً في الرغبة في المضاجعة ( رغبة يمكن أن تمتد إلى عدد لا نهائي من النساء ) ولكن في الرغبة في مشاركتها في النوم ( رغبة محصورة مع امرأة واحدة فقط )".

   تتحدث هيوي عن شنغهاي المعاصرة. المدينة التي عانت طويلاً من الغزوات والتخريب. وتزدهر، الآن، مادياً، على الأقل، في عصر الخصخصة والعولمة. وبطلة روايتها ( كوكو ) تمثل جيلاً جديداً من شباب الصين.. صين ما بعد ماو بقبضته الحديدية، ما بعد الثورة الثقافية، والاشتراكية الصارمة ومعسكرات العمل الإجباري والاعتقال.. صين التي تنفتح على العالم بعد عقود من الانغلاق العقائدي والسياسي. صين حديثة بالمعنى الواسع والبراق لهذه الكلمة، بازدهارها المادي ونزعتها البرجوازية الاستهلاكية، وتناقضاتها التي هي تحصيل حاصل لتلك الانقلابات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي حدثت ببطء ظاهر في البدء مخلفة آثاراً وعقابيل ربما لم يكن بعضها في الحسبان.. جيل جديد، وشبان متحررون من سطوة الماضي إلى حد بعيد. يقلدون الغرب بقصّات شعورهم، وأزيائهم، وأغانيهم المفضّلة وأثاث بيوتهم وسياراتهم. وحتى ثقافتهم ولغتهم.. جيل جديد في عالم جديد معولم، له تحدياته وصراعاته وخياراته، وقد أجرى إزاحة صادمة في مفاهيمه عن الأشياء والظاهرات، ومنها؛ الحب والجنس والإيروسية.

   واستدراكاً لما قلنا لابد من توضيح أمر. وهو أن نيكي أو باسم دلعها؛ كوكو ( بطلة الرواية، وراويتها ) تنتمي إلى الطبقة البرجوازية الصاعدة والمحظوظة. لا إلى مئات الملايين من الفلاحين الذين ما يزالون يكابدون في أنحاء البلاد المترامية الأطراف، من أجل قوت يومهم. وهذا ما ستشير إليه كوكو في موضع ما من الرواية. وكوكو هذه صحافية وقاصة وروائية. وهي ما تزال في الخامسة والعشرين من عمرها.. تركت وظيفتها في إحدى المجلات لتعمل نادلة في مقهى! وهناك تتعرف على شاب ( تيان تيان )، وفي أول ملامسة جسدية بينهما تكتشف انه عاجز جنسياً. وربما تكون لذلك علاقة بحياة الشاب الشخصية حيث تعيش أمه في أسبانيا مع عشيق أسباني وترسل إليه النقود من هناك. بعدما مات أبوه، شاباً، في ظروف مريبة. وقد بقي في شك من أن تكون لأمه ضلع في حادثة وفاته التي تقول عنها التقرير الطبي بأنها بسبب شروخ قلبية.

   تصف كوكو حبيبها ( تيان تيان )؛ "لطيف، محب،ومُطَمْئِن كالدولفين، لقد كانت تركيبته المزاجية هي التي اصطادت قلبي الجامح والوحشي". وعلى الرغم من فوران جسدها المتطلب فإنها تستمر في علاقتها معه. وتجد في مداعباته هدية ربانية يستطيع بها أن يجعلها تطير وتحلّق.. إنها تغرق في حبه.. إنه من ذلك النوع الذي تريد أن تشاركه في النوم. لقد سحرها بطريقة ما، بجمال وجهه.. تقول؛ "إن وجه تيان تيان لم يكن يتوقف عن التجوال ذهاباً وإياباً في عقلي". وعوداً إلى أكتافيو باث نجده يقول؛ "الحب الذي يفتقر إلى الجمال يرغب في الجمال... يولد الحب من النظر إلى الشخص الجميل... إن الحب هو أحد الأشكال التي يتم إبراز الرغبة الكونية وهو ينشأ من الانجذاب نحو الجمال الإنساني". وبطبيعة الحال لابد من التذكير بأن معايير الجمال نسبية زماناً ومكاناً.. تختلف من شخص إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر، ومن زمن إلى آخر. وكان حب كوكو لتيان تيان عشقاً، على الرغم من جانبه الحسي غير المكتمل وغير المشبع. أقرب ما يكون إلى الحب العذري ( الأفلاطوني ). كان تيان تيان فناناً بارعاً في الرسم، وقارئاً نهماً للكتب. وحبه كان يعطي ما يسميه باث الطريقة الأرفع للتوالد ومؤداها؛ "إن الروح تنجب في روح أخرى أفكاراً وأحاسيس. والذين يحبلون عن طريق الفكر هم أولئك المخصبون روحياً: الشعراء، الفنانون، العلماء. وفي النهاية مبدعو القوانين..".

   في هذه الأثناء ستتعرف كوكو على رجل آخر، ألماني اسمه مارك، سرعان ما يكون عشيقها.. شريكها الجنسي.. سيُسكت بفحولته غلمة جسدها.. وهكذا ستألف نفسها بين رجلين.. واحد صيني تحبه لكنه لا يطفئ نار شهوتها، ولا يستطيع أن يوفر لها الأمان. وآخر ألماني، لا تشعر بأنها واقعة في غرامه، لكنه يوفر لها الإشباع الجسدي.

   تتعامل كوكو مع الجسد فضاءً إيروسياً محتدماً.. طاقة مؤهلة لانفجارات متوالية، لا تنتهي من الشهوة واللذة والألم.. تفعم الحياة بالمعنى وتعطيها زخمها، قيمها ومسارها.. ومن أجل هذا لابد أن تكون حرّة.. حرّة في اختياراتها وفي سلوكها وتفكيرها. ولذا هي مرغمة على تقبل ذلك الفصام الذي تُحدثه الحضارة المادية بمواضعاتها وظروفها وأقدارها، بين الروح والجسد.. بين العاطفة والرغبة.. بين المتعة والعذاب، بين الفرد والمجتمع.. بين الأنا والآخر. وأخيراً بين ما يشد بقوة إلى الحياة وما يسحب بإلحاح نحو الدمار والموت.

   امرأة كهذه ستجد نفسها في حالة تحدٍ مستمرة. وفي دائرة التهديد على الدوام.. لقد اختارت قدرها ويمكنها أن تتحمل النتائج بشجاعة.. امرأة تنضج بسرعة لا بفاعلية ذكائها وحسب وإنما لانغماسها الحر والفريد في خضم الحياة.

   تعي كوكو أن حضورها الجسدي ولغتها يمثلان طرفي وجودها في العالم.. جسدها الذي يبحث عن آخر ( ه )، شريكـ ( ه )، عمّا يكمِّله.. يلقي بنفسه في الفضاء المكهرب الجاذب للآخر ( الشريك ) كما لو أنه مخيّر وغير مخيّر في الوقت عينه. 

   أما لغتها فهي انعكاس لوضعها الجسدي.. رؤيتها لجسدها بعدّه المادة الخام وقد حولتها ( هي )، بكفاح حياتها وثقافتها، إلى ما هو عليه الآن، حضوراً حراً، جميلاً، ومثقفاً منتجاً في بيئة متفهمة أحياناً، وعدائية في أغلب الأحيان.

   ثمة شبه بين مؤلفة الرواية ( وي هيوي ) وبطلتها ( كوكو ) من حيث خرقهما لأعراف مجتمعهما، وعدم اكتراثهما كثيراً بالمحرمات. وهذه الروائية وصمت في الصين الرسمية بأنها كاتبة منحلة، منبوذة وعبدة للثقافة الأجنبية. أما روايتها هذه فمُنعت وصودرت وتم إحراق 40000 نسخة منها أمام الملأ!. وتكاد الرواية تكون سيرة ذاتية لكاتبتها. أو معادلاً موضوعياً لتلك السيرة. فهل كانت كوكو إباحية، في علاقاتها المتعددة، والموضوعات التي تتناولها في سردها؟.

   يقول باث إن الإباحي "يؤكد على اللذة كمبتغىً وحيد مقابل أية قيمة أخرى. وهو يقف بشغف ضد القيم والمعتقدات الدينية أو الأخلاقية التي تطالب الجسد بالخضوع لغاية متعالية". فهل كانت كوكو كذلك؟.

   تخبرنا هي بأن علاقتها مع مارك لم تتغلف لديها بأية توقعات أو أوهام. وإنها لم تشعر بالمسؤولية تجاهها.. ولم ترد أن تقع في حب ذلك الألماني الذي تستخدمه جنسياً حتى وإن توسلت بالخيانة والنقود لحماية نفسها ضد ذلك التهديد بالتورط في الحب.

   "منذ البداية، خشيت حقيقة من الوقوع في حب مارك، ومن كوني غير قادرة على ترك تلك العلاقة السرية الساخنة ـ الحمراء والمغرقة تماماً في الحسيّة". بيد أنها تشعر بالندم أحياناً، وتدرك عمق الشرخ الذي تخلِّفه تلك العلاقة في وعيها وروحها. لم تتخذ من آخر ( ها ) ظلاً من الظلال مثلما هو شأن الإباحي، على حد تعبير أوكتافيو باث، بل واقعاً جسدياً وروحياً تستطيع لمسه والتحدث إليه. لكن ذلك لم يكن، في البدء، حباً أيضاً. ولم تكن تلك جاذبية الحب، والتي هي بكلمات باث "سر مبهم تتدخل فيه كيمياء خفية تنتقل من حرارة الجلد إلى التماعة النظرة، من صلابة النهدين إلى طعم الشفتين.. عن الطعوم لا يوجد شيء مكتوب، يقول المثل الصيني. وعن الحب كذلك لا توجد قواعد".

   ستكشف كوكو للقارئ قبل نهاية الرواية، في اعتراف صريح لقارئها بأن والديها: "لن يفهما أبداً حقاً ذلك العالم التلقائي، الغريزي، والمزعج وضرورته من وجهة نظر ابنتهما. إنهما لم يعرفا أن صديق ابنتهما يتعاطى المخدرات. وأن عشيق ابنتهما سوف يكون سريعاً في طريقه متجهاً إلى الطائرة التي ستقله إلى وطنه في ألمانيا. أو أن الرواية التي تكتبها كانت عبثية وفوضوية، إباحية كاشفة، وممتلئة بالأفكار الميتافيزيقية والجنس النيئ". ً

   بالمقابل انطوى حب كوكو وتيان تيان على بعد روحاني ( أفلاطوني ) لكنه لم يكن كذلك تماماً.. الحب الأفلاطوني "حب مطهّر ومنقى، لا اللذة هدفه ولا الإنجاب.. إنه زهد وفلسفة وجمال". كان لجسد كوكو سلطته عليها.. كان جسداً ساخناً متطلباً. وكانت عواطفها دافئة كذلك.. كانت كوكو تهفو إلى المتعة الحسيّة وتفكر بالإنجاب أحياناً. وفي رأيها أن زراعة جنين في رحم المرأة صورة للكمال. وهي ( كوكو ) قد عاشت لا في العصور الوسطى، حيث ظهر ما يسمى بالأدب العذري والحب الغزل الرهيف، وإنما في عصرنا الحديث هذا، على تخوم القرن الواحد والعشرين ( تجري أحداث الرواية في عام 1999 ).. في هذا الزمن حيث تغيّرت الرؤى، وتعقّدت العلاقات الاجتماعية، وتبدّل وضع المرأة في مجتمعات كثيرة، كاسرة قيوداً لا تحصى.. وهنا تمثل كوكو المرأة المتحررة في أنصع وأعلى نماذجها.

   وإذ يتغير العالم، فإن صورتنا عن الحب، مثلما عن الأشياء الأخرى، تتغير كذلك. ويشير باث إلى أن الثورة الإيروتيكية في نهاية القرن ( العشرين ) غيبت الحب، ونزعت الحداثةُ القداسةَ عن الجسد، والإشهار استعمله كمادة للدعاية. فيما حطت الإباحية الجنسية بأخلاقها، الآن، "من شأن إيروس، وأفسدت المخيلة الإنسانية، وأنضبت الحساسيات، وجعلت من الحرية الجنسية قناعاً لاستعباد الأجساد". ومع هذا لا يدعو باث إلى العودة إلى عصر المنع والحريم.

   لعل بمقدورنا قراءة هذه الرواية، في جانب منها، رمزياً.. هذا التمزق الذي تكابده كوكو ( الشرقية/ الصينية ) بين مارك ( الغربي ) الفحل جنسياً. وتيان تيان ( الشرقي/ الصيني ) الجميل والهش، والقريب من روحها، لكن العنين الذي فشل في إسكات صرخات غريزتها المنفلتة ولو مرة واحدة... إن الصين القديمة ( بقيمها وتقاليدها وانغلاقها ) لم تعد موجودة ( على الأقل عند الطبقة والشريحة التي تنتمي إليهما كوكو ). وهي ( أي الصين )، لا تستطيع، في الوقت ذاته، أن تنزع جلدها وتكون غربية تماماً.. كان مارك سليل الحضارة والثقافة الغربيتين. الناجح في عمله ( مدير شركة إعلانات ألمانية في شنغهاي ). يمتلك قوة جنسية هائلة ( هكذا تعلمنا الراوية ) يخترقها مراراً في كل مرة، يدميها ويترك على جسدها، وفي روحها، آثاره. غير أنه لن يكون لها بأية حال... إنه متزوج ( من ألمانية ) وله طفل، وسيرحل أخيراً حين تتاح له الفرصة بالحصول على درجة وظيفية أرقى في المقر الرئيسي لشركته في برلين. فهل ستحبه، في نهاية المطاف؟ لنصغي لما تقوله هي؛

   "اكتشفت أخيراً بأنني وقعت في مصيدة الغرام التي أعدها هذا الرجل الألماني والذي لم يكن من المفترض أن يكون أكثر من شريك في علاقة جنسية. إنه عبر رحمي استطاع أن يصل إلى قلبي الهش، ومن ثم إلى تلك الحميمية فيما وراء عينيّ".

   في هذا الوقت يموت تيان تيان المحبط والمدمن على المخدرات والواعي لعجزه وعقم حبه المستحيل.. وهو ضحية ( حقيقية ورمزية ) لخيانة مزدوجة/ لخيانتين.. خيانة أمه ( الصينية ) والتي يشك بأنها ربما قتلت أباه ( الصيني ) لتقترن بعشيقها، وفيما بعد زوجها ( جوان الإسباني/ الغربي ). وخيانة حبيبته كوكو التي أسلمت جسدها بلا أي رادع لمارك ( الغربي/ الألماني ). وكلاهما ( تيان تيان وكوكو ) سيجدان نفسيهما ضائعين.. سينتحر تيان تيان بإدمانه المفرط على المخدرات لأنه لن  يعرف نفسه أبداً. ولا ماذا يريد على وجه التحديد. وستظل كوكو تسأل نفسها، حتى نهاية الرواية، من تكون؟ وماذا تريد على وجه التحديد أيضاً.

   إنه الشرق ثانية، الذي يعاني، كما يسميه جورج طرابيشي في كتابه ( شرق وغرب: رجولة وأنوثة ) من عنّة ثقافية وخصاء حضاري. وفي رواية ( شنغهاي بيبي ) فإن المرأة/ الشرقية، بما تمثلها، هي التي ستدفع ثمن ذلك، وهي تواجه الألم والرعب والضياع.

   وفي الجانب الآخر، تصف كوكو نفسها وقبيلتها من الأصدقاء الذين يشبهونها ( لا الصين كلها ) بالعثة التي تعتاش وتتغذى من عظام المدينة. وترى أن"الرومانسية الغرائبية للمدينة والحس الشعري الأصيل فيها قد خلقتها قبيلتنا. البعض يدعوننا بالمنحلين، آخرون يرون أننا زبالة، البعض كان يتوق للانضمام إلينا، ويحاولون أن يقلدونا بكل طريقة يستطيعونها، من الملابس وتسريحات الشعر إلى طريقة الكلام وممارسة الجنس. والبعض الآخر يقوم بلعننا ويأمرنا... أن نختفي من المدينة".

   تخوض كوكو مغامرتها الخاصة. وتخاطر، من غير تردد كبير، لاختبار ممكنات الحياة. وفي النهاية تكتب روايتها، كما لو أنها تمارس نوعاً من التطهّر، وتحاول أن تعرف نفسها ودورها واتجاهها. ومن تكون؟. إن سؤال الهوية يبقى مطروحاً، حتى الفصل الأخير، في هذه الرواية القابلة لقراءات عديدة. وكانت قراءتنا لها اقتراحاً واحداً، محدوداً.

   حسناً فعلت المترجمة ظبية خميس، بخطوتها الجريئة، في نقل ( شنغهاي بيبي ) إلى العربية. وكان عليها ( أو على دار الجمل التي أصدرت الرواية ) عرض النص المترجم على خبير لغوي لمراجعته وتخليصه من الأخطاء الإملائية والنحوية، وبعض الصياغات المربكة للجمل. والتي لم تكن، للأسف، قليلة.

•·       ( اللهب المزدوج ) أوكتافيو باث.. ترجمة المهدي أخريف.. المشروع القومي للترجمة/ مصر.. ط1/ 1998.

•·       ( شنغهاي بيبي ) وي هيوي.. ترجمة: ظبية خميس.. دار الجمل/ ط1/ 2005.

  

 

 

 

 

 

 

سعد محمد رحيم


التعليقات




5000