..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


اختفاء تفيس أبو خنه

د. رياض الاسدي

خرج في ظهيرة يوم لاهب، لا يلوي على شيء، كان مضطربا قليلا، ربما بحثا عن عمل - كما تقول أمي- بعد أن فصل من مكبس التمور. لم يقل لي لماذا فصلوه؟ رجل قليل الكلام عموما. كان يرتدي دشداشة بيضاء هفهافة جديدة، وكوفية بلون الثلج، وخفا زبيريا ثقيلا، وليس في جيبه غير دينار ازرق واحد هو كلّ ما نملك. غاب. وضع ما يكفي من المسك على رقبته-يومئذ- وتحت أبطيه لكي تذهب عنه رائحة "الصنان" الدائمة. ثم ابتسم بطريقة تنمّ عن كثير من الآتي: لم تفسّر أمي تلك الابتسامة الغامضة. ويبدو انه كان يستعد لرحلة لا نهاية لها. لم يكن يفعل ذلك من قبل. غاب غاب. كانت السماء تشبه صحفه لماعة من نحاس أصفر أيضا. 

رجل اسمر سامق، يشبه "العبد" إلى حدّ بعيد، لكنه لم يكن عبدا تماما: كانت أمه سوداء فقط، وأبوه من غواصي اللؤلؤ القدامى: غاص بحثا عن رزقه ثم لم يظهر على السطح بعد ذلك؛ قيل يومئذ إنه عمل على قطع حبل السحب بنفسه بواسطة سكين صغيرة تستعمل لإخراج اللؤلؤ من المحار، وليستقر جسده في جوف البحر إلى الأبد. لا أدري كيف استطاع الزواج مني. ربما قام بما يكفي من جلب الرجال الفقراء لبيت خالي. قيل له: إنها يتيمة، ووحيدة، ومهيضة الجناح، وصغيرة- كان عمري ثلاثة عشر عاما- فماذا يمكنك أن تقدم لها يا أبا خنه؟ هكذا كان ينادى دائما، ومن الصعب معرفة أسمه الحقيقي وقتذاك، إذ لم يكن يملك جنسية أو شيئا ثبوتيا يؤكد هويته. ولم يكن ذلك مهما في عقد الزيجات السريعة بين الفقراء. كانت مجرد زيجة بين معدمين لا يهتم بها أحد. أما أسمه فقد كان(عبد الله مرزوق) لكن لقبه (أبو خنه) هو الأشهر في (كمب)(1) دور الطين القريب من مقبرة اليهود.

لم يكن تضايقه تلك الألقاب التي أطلقت عليه بعد ذلك مثل الأسود الطويل أو شرموخ أو تفيس، أبدا؛ كان يعمل حركات بهلوانية في عينيه وفمه ابتهاجا بها؛ روحه ضاحكة دائما وأسنانه بيض لاصفة ولم اجد فيه إلا بحر من الحنان. احببته من كلّ قلبي فقد كان الرجل الوحيد في حياتي. وكنت اناديه: عبودي ابو البمبر وهو أسمي المفضل، وكان يقول : عبد عبودي شنو يعني، كلنا عبيد الله في النهاية، نجلس عند فخذه الأيمن ويداعبنا كأولاده تماما.

الرجل الأسمر لا يمكنه أن يفعل السؤ، له تاريخ من الخوف والطاعة. لا شكّ أن خطأ ما قد حدث. ربما شيئا اكبر من الخطأ أيضا. هل اختفى من على وجه الأرض هكذا بغتة؟ كانت القضية الكبرى التي واجهتني بعد اختفائه لمدة أربع سنوات هي دخولكما إلى المدرسة. يآآآآآآآآه كم كان ذلك مؤلما بالنسبة لي، فقد وجدت ذلك شبه مستحيل حقيقة في إخراج وثائق جنسية لكليكما: ولد وبنت بلا شهادات ولادة و(ملجه)(2) شفهية غير رسمية. أيّ حظ غائص في المياه الآسنة حظي؟

فلم يكن أسم والدكما كما يرد في الجنسية ناظم جبر علو: هذا أسم (الفورمن)(3)  في مكبس التمور حيث (أستقعدني)(4) عشر سنوات، ليمنحكما أسمه فقط. ولم يدخل إلى البيت فلسا واحدا؛ كان يأتي بذكره مشحونا.. هكذا تدبرت حالي أخيرا، وسجلتكما في المدرسة القريبة: كنتما تشقان مقبرة اليهود كل يوم وصولا إلى تلك البناية الصغيرة القابعة وسط النخيل.. يآآآه كم كنت سعيدة. أصبح لدي طفلان يذهبان إلى المدرسة أخيرا. لم أكن في أي يوم سعيدة من قبل. يومئذ هللت طويلا وأنا أذهب إلى السوق لبيع الخضار والمكانس وليف الحمام والإبر والكنديرات. أنا لم أجرب السعادة من قبل أبدا إلا بعد خروجكما إلى المدرسة في ذلك اليوم وانتما تسيران على الطريق الترابي. لكن هذه البنت الزنجية - مثل أبيها- لم تصمخ في المدرسة يوما واحدا. جنية. بنت لا تعرف الثبات مذ كانت في بطني. وكانت تبكي طوال الدوام حتى جيء لي بها وقالوا: إنها بنت رعناء أو متخلفة لا ترسليها إلى المدرسة بعد ذلك. أما أنت - أيها الولد الوسيم- فقد تعلمت القراءة والكتابة بسرعة، ثم عملت في مخبز أبو كريم أثناء العطل بعد أن حصلت على الشهادة الابتدائية. يمه كان عيدا حقيقيا أخر. أووووي! عندي ولد نجح بالبكالوريا هللن يا عبدات السيمر!

كنت أرى ذلك البدين الذي يشبه وجهه نبات الشوندر وهو يأتي ليلا كلّ خميس وأحيانا الخميس والجمعة، وأمي تضع الحنة وتفرك أسنانها بالديرم. في البداية، كنا نظنه أبانا الذي خرج لنا من البحر، هكذا قالت أمي، لكننا عرفنا قضية (الاستقعاد)(4) تلك بعد مدة. يآآآآآآآآه: كان أبوكم أبو خنه شخصا أخر، مختلفا، غريبا؛ هذا الشوندري أبوكم بالجنسية فقط وأكاد لا أعرفه. ورغم ذلك لم (يملج) عليّ يوما واحدا. كلب. كان أبوكما الحقيقي أبو خنه الحياة نفسها؛ لسانه يقطر شهدا، لم يسمعني كلمة جارحه واحدة طوال السنوات القليلة التي قضاها معي؛ بل إنه لم ينهرني مرة واحدة حتى قبيل رحيله في ذلك النهار. لست أدري ما الذي جرى؟ ثمة أشياء تحدث في الدنيا ولا نعرف ما هي؛ تبقى مستغلقة إلى الأبد. غدا سيخبرنا الله بها. يعلم الله بكلّ مصائب البشر. مرات يمدّ يده لمساعدتهم ومرات يفضل مراقبتهم؛ أنا لم يساعدني يوما وهو يعرف ذلك.

هكذا هي الأمور غالبا. يا إلهي لم يحدث لنا كلّ هذا؟ هنا مكمن اللوعة. دائما. لوعة ما يحدث لنا. ولوعة لماذا غاب أبو خنه، هكذا، فتركني وسط هواجس مختلفة؟ لماذا جعلني انتظر قدومه سنوات ليفتح باب الصفيح ويطل علي بدشداشته البيضاء وكوفيته التي يرتبها على رأسه بطريقة الهرم. لم تكن تلك عادته. والله. ولم يكن له أعداء. أبدا. كان رجلا واضحا كالشمس لكنه اختفى مرة واحدة مثل الزعيم(*) اووووي: هذا همّين له قصة وطركاعه. هل مات هكذا كما يموت الذباب الطنان؟ لا معنى لذلك أبدا. ربما قال ذات ليلة أنه سيعبر الحدود إلى الكويت من اجل فرصة عمل أفضل لنا. لا أذكر ذلك. كان يفكر بتحويل (الخص)(5) الذي يجمعنا إلى بيت لبن. هذا ما قيل لي عنه أيضا من الناس ولم يقل لي أنا شيئا. ربما. لم أعد أتذكر كلّ ما كان يقول.. وقد أكون أتخيل أقوالا من نفسي. حرت وحيرني زماني. يا ألهي لم يحدث ذلك لي؟ هذا كلّ ما يود أن يحققه في حياته: بيت من لبن جنوب مقبرة اليهود؟ لكنه غاب كطيف.. من الصعب أن يكون هذا هو السبب. ربما قتل ودفن في المقبرة من جماعته الحشاشين والعرقجيه. يجوز. كلّ شيء ممكن. لست أدري ربما تخيلته وهو يتلقى تلك الطعنات ثم يدفن بعد ذلك. يا رب ساعدني من اجل هذين التوأمين النزقين. وربما قال أن له أعداء.. لم أعد أتذكر يا الهي.. أنت وحدك من تسجل عنا كلّ شيء وأنت تعلم بكلّ شيء.  لست متأكدة - الذكريات تنفلت مني- من كل الكلام الذي جري بيننا في الأشهر الأخيرة ومن وجوده معي؛ إنه سيذهب للعمل من اجل أن يحول الخص إلى لبن، لكنه خرج على حين غرة في ذلك اليوم ولم يعد.

يوووووووووه! كان بيع (السويكه)(6) هو ما أعمل به في النهاية وهو لا يفي بمتطلبات العيش لكلينا فكيف بوجود طفلين تؤمين.. هرب من إعالة أطفاله؟ ربما.. لا لا لايفعلها أبو خنه أبدا كان يحبهما حبا جنونيا.. قتله الحشاشون في مقبرة اليهود.. او اكلته الذئاب وهو يعبر الحدود. طالما رفض عملي في السوق لبيع الخضار والخبز اليابس وهذا الانتقال السريع من مادة لأخرى. كان (تفيس) أبو خنه يغار علي من الهواء نفسه. يحبني موووووت! وطالما أسمعني كلمات إطراء لم أسمع بها من جنس مخلوق من قبل والعبآآآآآآس! لست ادري ما الذي جرى: أنا مجرد امرأة سيئة الحظ ولا ألحق بالنساء دائما: عوبه عوبه! ألآني يتيمة يحدث لي كلّ ذلك؟

اختفى أبو خنه كطنطل غريب. ولم تعد أمي تذكره أبدا، وهي تخرج ليلا للعمل في مكبس التمور القريب. سكتت عن ذلك مرة واحدة. كما أن النساء الفضوليات في المكبس لم يعدن يسألنها عن أبي ومتى يعود لأنها تذرف في كلّ مرة دموعا حرى ولا تحري جوابا. كما أننا لم نكن نتحدث عن أبينا تفيس أبي خنه كثيرا بيننا. ليس لأننا لم نره، أو أن الوالدة كانت لا تريد أن تسمع بسيرته وسرّ اختفائه في العقود الأخيرة من حياتها؛ لكنه أصبح بمرور الزمن شيئا محظورا طوال نصف قرن. نحن لا نعرف عنه الكثير سوى ذلك الخروج المبهم في ذلك النهار من آب حتى ماتت الوالدة وهي تلهج: وينك وينك وينك تفيس؟

الأم وحدها كانت محور الأحاديث دائما. وطوال الليل كنا نقرأ سورة الفاتحة لها. لم نقرأ الفاتحة مرة لأبينا. كنا نحسب أننا نحسن صنعا من اجل ذلك الاختفاء المر وتلك الميتة في مستشفى بغداد بعد إصابتها بالسرطان. لكنها لم تلبث أن أصبحت أحاديث قصيرة لا معنى لها بعد شهرين أو ثلاثة من خبر وفاتها. ثم سكتنا عن كلّ شيء مرة واحدة - أنا وأخي- وبلا إنذار مسبق لكلينا: أنا وهي وفي ليلة واحدة بعد أن تقرفصنا تحت بطانية "فتاح باشا" متهرئة.

لم تعد الأم مهمة أيضا بعد حفنة من السنين بعد موتها في مستشفى المجيدية ببغداد. ولم نعد نسأل أبدا لم جنت؟ وعما إذا كان لأبي علاقة بذلك؟ لم نزرها إلا مرات قليلة في تلك المستشفى البعيدة على أية حال. كنا نملك القليل من النقود. وبعد عامين أو أكثر بكت الأخت وطلبت الذهاب لرؤية الأم في المجيدية. سنذهب في القطار فهو الأقل أجرة ولن ننام في فندق سنذهب في الصباح الباكر ونركب السيارة إلى المجيدية ونعود في المساء في القطار. لن يكلفنا ذلك كثيرا. ادخرت بعض المال لهذه السفرة لماذا أنت هكذا؟ هل أنت مصنوع من خشب؟ لكننا عرفنا من إدارة المستشفى أنها ماتت بالسرطان قبل أكثر من عام وقامت البلدية بدفنها. لذلك من الصعب التأكد من مكان قبرها. ثم عدنا أدراجنا في القطار العادي تحت وطأة الاهتزاز طوال الليل. لم تذرف الأخت دمعة واحدة، وكل ما كانت تفعله هو أنها كانت تشهق بصوت مسموع عند كلّ محطة. لم تنم طوال الليل ولم تفه بكلمة واحدة.

آه، ذلك الأب الذي خرج في نهار رطب ثم لم يعد إلى المنزل المكون من غرفتين طينيتين بعيدا عن الأحياء الفقيرة. وبعد خمسين عاما أو يزيد، وبعد أن ساءت حالة أختي الصحية بسبب السوفان وآلام المفاصل والعجز في القلب، وسلسلة الهواجس المريرة بزيارة الموت أو الوقوع في حبائل الجنون، سألت:

- أمازلت تكتب هذه القصص؟

- اجل، لم؟

- ما فائدتها؟ ماذا جنيت كلّ هذه السنين؟

-  لست أدري.

- ألم تستهوك قصة أبي يوما؟

- ماذا؟!

- أقول: قصة أبي.

-  نامي أيتها السوداء نامي الآن!

لم يكن أبا ومن الصعب تخيله بذلك الموقع بالنسبة لنا. كيف يمكنني أن اكتب قصة عنه؟ وما فائدة ذلك؟ نامي نامي. أبوها. كان ذكرى غائمة. فقط. شيء يرحل كدخان طيّار. قصة. لم نره حتى في ذكريات أمي. وكل ما عرفناه عنه كان في أشهر جنونها الأخيرة قبل أن تصبح عدوانية وتصاب بالسرطان: طويل القامة طنطليا. له صوت جهوري يأتي بالتائه. أبو خنه الفريد كان يغني بلغة لا أعرفها؛ يقول أنها لغة أمه في حارات البصرة القديمة. أفريكاني. غامض. لكنه كان حنينا جدا، وهذا ما يؤلمني، ويؤكد لي عدم قدومه على تركي هكذا بلا سبب معقول.

قال لي احدهم ذات مرة شيئا عجيبا:

•-         هل تريدين معلومات عن زوجك؟

•-         إي إي!

•-         هل فتش الشرطة داركم؟

•-         لا عيني لا.

•-         زوجك سياسي.

•-         سياسي شنو؟

•-         ضد الحكومة.

•-         أبو خنه!!

•-         إي. كان يجتمع بالمقبرة.

•-         في المقبرة قتله الحشاشون.

•-         لا! كان سياسي.

 لا يمكن أن يكون قد تركنا هكذا بلا إشارة واحدة منه. شياشي مدري شنو يقول هذا؟ كذاب كذاب. يا ألهي لماذا كلّ هذا؟ ربما مات في الطريق إلى الكويت أو أكله ذئب أثناء العبور، أو قتله أحدهم ظنا منه أنه يمتلك نقودا، من يدري؟ لم يكن في جيب دشداشته الجانبي غير دينار واحد. يقول شاشي: شنووو؟ يا له من أب عجيب تفيس أبو خنه. هل كان يريد لنا أن نحيا من ما تكسبه أمي من مكبس التمور؟ ألم يقل لها عن النساء اللواتي يعملن في المكبس إنهن مكسورات الجناح ولا والي لهن؟ عاملات مناضلات: هذه الأخيرة لم افهمها. كيف أمكنه أن يفعل ذلك؟ وهو يعلم تماما أننا مقطوعان من شجرة ولا احد لنا في هذا العالم. لا شجرة لنا. يا ألهي نعيش بلا شجرة طوال هذه السنين.

هي لم تفعل شيئا وأنا تعلمت كتابة القصص. يا له من رجل قاس، أبو خنه هذا، أبانا، تركنا مثل الزعيم.. غاب غاب! ويقولون عنه سياسي. كان أميا يجمع صور الممثلين. وكان يحب ثمر البمبر بشغف مثلي. ويحب الزعيم. الزعيم لا يعرف البمبر. طبعا. الزعيم لم يذق البمبر مرة واحدة في حياته، ولم يسمع به حتى. لكنه هو كان يعرف كلّ شيء، أبو خنه ذاك. وحتى وإن مات رغما عنه؛ أو اختفى؛ أو قرر قرارا خارج إرادته، كان يمكنه أن يؤجل ذلك على أية حال! من غير العدل دائما أن يغيب الأب بهذه الطريقة المفجعة.

- أما زلت لا تستطيعين الحركة يا أختي؟

- اجل؟

- هل ستموتين مثل أمك وتتركيني وحدي؟

- ربما.

- ألا تخشين أن يحدث لك ذلك؟

- وماذا يمكن أن يحدث؟

- فراقي. في الأقل.

- لا، نحن لم نلتق .. من قبل.. حتى.. أبدا.

- كيف؟؟ أنت شجرتي الوحيدة.

- .... شجرتك، أية شجرة هذه؟!

- هل نسيت أنك أختي وعشنا معا؟

- كلانا لم نعش،

-  لا أفهم. هل تهلوسين؟ أنا اكتب القصص الآن.

- القصص!  

كانت الغرفة التي نؤجرها في الطابق الثاني من بيت قديم تطل على شجرة بمبر وحيدة. وكان ذلك النزل من أفضل الأماكن التي سكناها طوال سبعين عاما. ويوجد سلم حديد يوصل إلى جانب جذع الشجرة. وحدها أختي كانت تحب ثمر البمبر اللزج. أهبط الدرج بتؤدة لأحضر كمية منه في إناء "فافون" صغير. هل يسعفني ما تبقى من الوقت للقيام بهذه الأعباء؟ كانت تنام مثل تمثال فرعوني ولا ترمش بتلك العينين إلا نادرا. وجدت صعوبات كثيرة في الوصول إلى الحمام في الأيام الأخيرة لكنها بقيت تحاول وحدها. عنيدة. دائما. يحتاج من يعاشرها طوال ستين عاما إلى ما يكفي من الصبر. لم أعد أستطيع معاونتها في هذه السن المتقدمة. إنها توأمي مهما قالت. ولو أننا كنا في بلد أجنبي لأصبح الأمر أقل صعوبة لوجود دور لكبار السن نظيفة. هكذا يقال لنا في القصص. وبدت أكثر عنادا وهي تسير متوكئة على تلك العصا السوداء التي أحضرتها لها في العيد الصغير.

كانت تسير متباعدة الخطى متعثرة كأنما ثمة نوابض دائمة في قدميها. الأخت التؤام الغاضبة دائما. (التفسه) تشبه أباها كما تقول أمي. تغادر إلى الحمام. أوه ربما كان من المبكر الحديث عن اليوم التالي لنا. لم تكن الأيام متشابهة بعد أن زادت حالتها سؤا في الأشهر الماضية.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كمب: حي

(2) ملجه: زواج خارج المحكمة

(3) فورمن: رئيس عمال

(4) الاستقعاد: علاقة جنسية غير شرعية طويلة الأمد غالبا.

(*) الزعيم عبد الكريم قاسم مؤسس الجمهورية العراقية 1911- 1963 أعدم في انقلاب عسكري يوم 8 شباط لا قبر له.

(5) الخص: بيت من قصب. واللبن: طابوق متيبس غير مفخور.

(6) السويكه: مضغه من نبات تحت الفم تعد مهدئة قليلا.

 

 

د. رياض الاسدي


التعليقات

الاسم: د. رياض الاسدي
التاريخ: 18/02/2010 18:44:45
أيها الشويلي الرائع.. انتم الشويلات كما اعرفكم دموعكم غالية وكبيرة، لم يعد لدي بعد جميع الرحلات الجنونية غير هذا الألق البعيد الذي تمنحوني أياه.. الأصدقاء القدامى ماتوا اوفقدوا أو جنوا او هاجروا وبقيت وحدي اروي حكاياتي ..مهنة صعبة لكنهاآخر ما أعرف..شكرا لكلماتك حبيبي!

الاسم: كاظم الشويلي
التاريخ: 18/02/2010 04:05:02
يااااااااااااه

رغم قسوة قلبي فقد قاضت دموعي

هنا فقط

ويتوقف الابداع

سوف اتابع قصصك بشغف استاذنا الكبير

الاسم: د. رياض الاسدي
التاريخ: 17/02/2010 22:44:49
العزيز السماوي حبيبي ذاكرتنا بعد الخمسين تشبه صوت قرقرة الماء أثناء الغرق هذه محاولة يائسة صدقني لا حلول ممكنة ربما يكون اتصالنا هذا نوعا متقدما من المحاولة شكرا لك وتقبل احترامي من خرائب البصرة

الاسم: يحيى السماوي
التاريخ: 17/02/2010 19:01:00
قصّ ثرّ عميق الدلالة كهذا ، لايقرأه غير سبعة أنفار ؟ أمرٌ يبعث على الدهشة .. ثمة خلل ما !!

لا عجب ... ختى الذائقة يمكن أن تدخل مرحلة سبات أحيانا !




5000