..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


ترجمة قصة الصمت الابيض للكاتب الامريكي جاك لندن

علي سالم

الصمت الابيض 

جاك لندن   

The White Silence

by Jack London

 

ترجمة علي سالم

 

جنوب السويد

 

" أراهنك على أن كارمن لن تعمر أكثر من يومين " قال مايسون وهو ينظر الى الكلبة المريضة بأسى ، ثم شرع يقضم الجليد الذي تشكل بين أصابعها بقسوة، ويبصقة في الهواء .

وعندما إنتهى من مهمتة هذة دفع بالكلبة الهزيلة جانباً وتابع قولة " ما رأيت في حياتي كلباً بمثل هذا الأسم المخنث لايخذلك عند الحاجة . إنها كلاب لا تملك القدر الكاف من المسؤولية، لأنها تتخلى عنك وتقرر الموت في اللحظة التي تكون أنت في أمس الحاجة اليها، على العكس تماماً من الكلاب ذات الأسماء المعقولة مثل  كاسيار ، او سايواة ، أو هسكي ، التي تختلف تماماً عن هذة الشاكلة من الكلاب. هل توافقني على ذلك؟ خذ مثلا شوكوم هذا ، إنة ..."
وقبل أن يكمل مايسون قولة ، نط علية الكلب شوكوم مكشراً عن أنيابة الحادة ، محاولاً نهشة من رقبتة .
قال مايسون " هل تريد أن تعضني ؟ خذ !" وسدد إلى الكلب ضربة حادة بمقبض السوط  على إحدى أذنية  طرحت الحيوان أرضاً وجعلتة يرتعش ويريل لعاباً أصفراً من  أنيابة .
ثم تابع قولة " كما قلت لك قبل قليل ، أنظر فقط الى شوكوم هذا .. إنة يتمتع بروح وثابة . أراهنك على أنة سوف يلتهم كارمن قبل نهاية الأسبوع ".
رد علية مالاموت كيد وهو يعرض الجانب الآخر من الخبز المتجمد على النار لكي يزيل عنة الإنجماد ويصبح صالحاً للأكل  " أما أنا  فسوف أراهنك على شيء آخر، وهو إننا سنقوم بإلتهام شوكوم نفسة قبل أن نصل الى نهاية هذة الرحلة ، أليس كذلك ياروث ؟ " .
وحولت المرأة الهندية التي كانت تذيب قطعة من الثلج لإعداد القهوة  وتتابع حديث الرجلين بصمت ، نظراتها من مالاموت كيد الى زوجها ، ثم الى الكلاب ، لكنها لم تفة بشيء. لقد بدى لها من باب البداهة التي لاتقبل الجدل أن تمتنع عن الإدلاء بأي شيء بخصوص هذة التوقعات، لأنهم كانوا يخططون للسفر لستة ايام على هذة الطريق الممتدة لمسافة مئتي ميل ، بمؤونة شحيحة لاتكاد تكفيهم هم ، ناهيك عن الكلاب ، مما سيجعلهم حسب رأيها ، أمام خيار واحد ، لاثان لة، وهو الإضطرار الى إلتهام بعض الكلاب، إتقاءاً للموت جوعاً. كانوا قد توقفوا لتناول وجبة مابعد الظهر ، وكانت هي منشغلة بإعداد القهوة عندما تحلق الرجلان حول النار ، وعندما أتمت عملها جلست معهما ، وشرع الثلاثة في تناول طعامهم الهزيل ، تاركين الكلاب ، التي كانت ماتزال مقيدة بسروجها ، ترقد في الثلج وتعاين بحسد كل لقمة يزدردونها  .
قال مالاموت كيد " علينا ترشيد الطعام ، لأن هذة الوجبة ستكون آخر وجبة غداء نتناولها . ويجب علينا كذلك مراقبة الكلاب جيداً .. لإنها تزداد شراسة يوماً بعد يوم، وأظن أنها ستلتهم ، لوأتيحت لهاالفرصة ، واحداً من رفاقها."
كانت عينا مايسون مثبتتان على غيمة البخار الصغيرة المنبعثة من حذائة المصنوع من جلد الموكاسين ، والذي كان يقوم بتجفيفة على النار المستعرة ، ولم يكن يبد علية أنة كان يتابع أقوال زميلة مالاموت كيد . لقد كان غارقاً في حالة من التأمل الحالم وقال وكأنة يحدث نفسة " عملت مرة مدرساً في إحدى مدارس الأحد عندما كنت رئيسا مرة لإحدى جمعيات إبوورث (الكنسية) ." بالطبع لم يكن لهذا التصريح أي علاقة بما كان يقولة مالاموت كيد، لأن مايسون كما قلنا كان غارقاً في حالة من التأمل الحالم ، لكنة إنتبة أخيراً عندما تقدمت روث منة لتصب لة المزيد من القهوة .

عاد مايسون الى تأملاتة الحالمة ، وشرع يقول "الحمد لله ، لدينا الكثير من الشاي ! لقد شاهدتهم يزرعونة في تينيسي عندما كنت هناك. أة كم أنا مشتاق لرغيف من خبز الذرة الساخن الآن ، يخيل الي بأني قد أدفع كل ما أملك مقابل رغيف خبز واحد فقط ! لاعليك ياروث ، لن أجعلك تعانين من الجوع طويلاً وأعدك بأنك لن ترتدين أحذية الموكاسين طيلة حياتك أيضاً".
طيبت هذة الكلمات خاطر المرأة وجعلتها تحس بنوع من الإنشراح، وطفحت عيناها بأمواج من الحب والحنان لزوجها ، الذي كان أول رجل أبيض تراة في حياتها .. وأول رجل يعاملها كإنسانة لها قيمة ، وليس مجرد شيء لايختلف كثيراً عن البهائم أو  الحيوانات التي تستخدم لحمل الأثقال.
" نعم ، ياروث " تابع زوجها الحديث معها بلهجة الماكارونيك التي كانت اللهجة الوحيدة التي يستطيع التفاهم بها معها .  "  إنتظري حتى تتحسن الأمور ونذهب للعيش في الولايات المتحدة . سنذهب بالمركب الى منطقة سولت ليك ؛ لن يكون السفر بقارب الرجل الأبيض سهلاً ، كما ترين ، لأن مياة البحيرة سيئة وعنيفة ، ومحاطة بالجبال الشاهقة التي تعلو وتهبط طوال الوقت وكأنها ترقص، إنها جبال عالية ، عالية جداً وبعيدة ، بعيدة جداً .. لكننا سنكون عل متن القارب الذي سيحملنا  لمسافة  عشرة " نومات " عشرون " نوماً ، أربعون " نوماً " (وراح يعد الأيام على أصابعة ) وسنكون محاطين بالمياة ، من كل جانب ، مياة البحيرة السيئة. وعندما يحين موسم الصيف الجديد، سنصل إلى قرية كبيرة ، يقطنها الكثير من الناس ، وفيها الكثير من البعوض ، قرية أكواخها عالية جداً .. بعلو عشرة ، أوعشرون شجرة صنوبر. هاي - يو سكوكم! " ( بلغة هنود تشينوك تعني بيوت قوية أو متينة، ولعلة يعني بيوت من الحجر- المترجم ).
ثم شعر مايسون بأنة لم يكن قادراً على توضيح مقاصدة لزوجتة التي لم تعرف في حياتها غير أكواخ الوغم الهندية ،فالتفت الى مالاموت كيد مستنجداً بة ، لكن مالاموت كيد لم يبادر الى  مساعدة صديقة ، وإكتفى بالإبتسام بسخرية مرحة، فإضطر مايسون الى إستخدام لغة الإشارة لتوضيح معنى كلامة لزوجتة بخصوص فخامة الأكواخ التي كان يصفها لها ، وقام بعد لأي  بوضع عشرون شجرة صنوبر بعضها فوق بعض في الهواء كناية عن الإرتفاع،  لكي يجعل زوجتة تفهم فخامة البيوت التي كان يعد بأخذها اليها في الولايات. ولم يكن صعباً على روث التي إتسعت عيناها دهشة، فهم ماكان يرمي الية ؛ فشعرت بالسرور وأثلج الفرح قلبها الأنثوي الرقيق لعطف زوجها عليها وممازحتة وملاطفتة لها بهذة الأحلام الجميلة .
وتابع مايسون " ثم تدخلين في ... صندوق ، وتصعدين بهذا الصندوق عالياً هكذا " وقذف بكوب القهوة الفارغ  في الهواء على سبيل التوضيح ، ثم أمسك بة ثانية  بخفة ، وصاح : " ثم .. يهبط بك الصندوق هكذا . أوة ، أيها الشامانات العظام ! بعد ذلك ستذهبين الى  فورت يوكون ، وسأذهب أنا الى آركتك سيتي ... ستكون المسافة خمسة وعشرون نوماً ..  وسأقول لك بعد أن ألتقيك ثانية ، مرحباً ياروث ، كيف حالك ؟ ... وستقولين ، هل هذا زوجي الطيب ؟ وأقول لك ، نعم أنا هو ، وتقولين ، `هل زوجي الطيب  بخير ؟ -- و أقول : نعم بخير ، ' وتقولين " لاأعرف  كيف أصنع خبزاً جيداً بدون الصودا ، لقد نفذت كلها ، وأقول لك إبحثي عنها في المخزن تحت الطحين ، الى اللقاء .  وتبحثين في المخزن ، وتجدين الكثير منها ؛ سيكون طريقك دوماً نحو  فورت يوكون ، وطريقي انا نحو آركتك سيتي . مرحى ، إيها الشامانات العظام "
لم تستطع روث إخفاء فرحتها البريئة بهذة القصة الخيالية ، مما جعل الرجلان ينفجران بضحك صاخب.  في هذة الأثناء دب خلاف حاد بين الكلاب ليقطع عليهم متعة أحلامهم العجيبة في العيش خارج آلاسكا ، ولكن بعد أن خمدت سورة غضبهن وتوقفت زمجراتهن، قامت روث بأحكام ربط السروج بالزلاجات ، إستعداداً للرحيل.

صاح مايسون وهو يفرقع بالسوط بمهارة " هيا يامش !  هيا يابالدي ! إنطلقا !"  وعندما سمعت الكلاب صوت السياط أطلقت أنيناً خافتاً ، لكنها إمتثلت للأمر،  وإنطلقت تسحب  الزلاجة  الى الأمام . ثم إنطلقت زلاجة روث خلف مايسون ، وبقي مالاموت كيد في المؤخرة ،لأنة ساعد روث على الإنطلاق، ثم قاد المجموعة الثالثة  من الكلاب في الخلفية . كان كيد هذا ، رغم فحولتة ، وقوتة البدنية التي كانت تؤهلة الى أن يصرع ثوراً بضربة واحدة ،رجل رقيق القلب ، ولم يكن قادراً على إيذاء هذة الحيوانات المسكينة أو ضربها ، كان يلوح لها بلطف ويناغيها ، وهو شيء نادراً ماتراة لدى سواق الكلاب، لا بل إن أحساسة بضعفها وتعاطفة معها كان يفوق ذلك ، كان يبكي معها في بؤسها وينتحب لإجلها .

غمغم مالاموت كيد محدثاً كلابة بصوت هاديء " هيا تحركي ، إنطلقي ، إيتها البهائم البائسة المقرحة الأقدام " . لم تستجب الكلاب لنداءاتة المتكررة في الحال، لكنها في النهاية تحركت، ولحقت بالآخرين، رغم شكواها وتذمرها .

لم يعد ثمة داع للحديث فيما بينهم ، لأن عناء الطريق الممتد أمامهم  لن يسمح  لهم  الآن بمثل هذا الترف الباذخ . إنة طريق نورث لاند ، السيء الصيت، المشهور بوعورتة الشديدة ، وطقسة البارد جداً، وصمتة وسكونة، وكثرة الثلوج التي قد تصل أحياناً فوق مستوى الركبة، مما يحتم على المسافر أن يسير بحذر شديد وإستقامة حتى لاتغطس قدماة في الثلج ، ويسقط في أحد المطبات، لأن أي إنحراف عن الطريق حتى ولو بنسبة جزء يسير من البوصة  قد يتسبب في حصول كارثة حقيقية، وعلى هذا الأساس يجب علية  رفع حذائة الثلجي عالياً ويتأكد تماماً من سلامة السطح  وخلوة من الحفر  الخفية وبرك الماء الغائرة تحت الثلج؛ قبل أن يتخذ أي خطوة أخرى الى الأمام.  إن محاولة السير بهذة الطريقة ، مسألة مرهقة تماماً ، بالنسبة لمن يسافر لأول مرة ، لأن التعب سيجعلة يتخلى عن محاولة قياس المسافات بشكل دقيق بين كل خطوة واخرى لتجنب الإنحرافات الغادرة والمطبات الخطرة الكامنة تحت الثلج وستنهار قواة بعد مئة ياردة.  وقد يتسنى في النهاية لة إذا تمكن من تجنب السير على طريق الكلاب لمدة يوم كامل  من أن يخلد الى الراحة داخل كيس نومة بضمير مرتاح وكبرياء لايوصف ؛ أما لو سافر  لمسافة عشرون نوماً على طريق لونغ تريل بدون مشاكل فسيكون حقاً شخصاً جديراً بحسد الآلهة نفسها .

إنقضى بعد ظهر ذلك اليوم ، وهم سائرون على هذا النحو ، وسط الصمت والسكون ، مستسلمين للرهبة البيضاء  التي كانت ترين على مشهد الطبيعة الصامت . كانوا يعلمون إن للطبيعة حيلها  العديدة التي تقنع بها الإنسان بمحدوديتة وصغرة . تعاقب فصولها  الذي لاينقطع، وعنفوان عواصفها عندما تهدر، وصدمات زلازلها ، وقذائف سماواتها  ..  لكن أشد هذة الحيل هولاً ، وأكثرها إذهالاً لعقل الإنسان ، هي حيلة الصمت الأبيض البارد ، الذي تتوقف فية الحركة ، وتتحول فية السماء الى أديم أجرد خال من الغيوم، والفضاء الى جدران نحاسية صماء، تجعل أقل همسات اللسان خفوتاً ، تبدو وكأنها تدنيس لايغتفر ، لهيبة الصمت القاتلة، التي تسحق الإنسان وتحيلة الى كائن ضعيف ورعديد ، يخاف من كل شيء، حتى من صوتة نفسة ، ويحس بأن  حياتة  ليست سوى ذرة  بائسة تحاول بكل رعونة  وطيش تحدي تلك المتاهة الشبحية  التي لايقطنها غير الأموات ، مرتعدة خوفاً من وقاحتها التي زينت لها إجتراح تلك الآفاق المحرمة. إن هذة الذرة الصغيرة المسماة بالإنسان تدرك جيداً بأن حياتها لاتساوي إزاء جبروت الطبيعة الأبيض أكثر من حياة دويدة صغيرة ، لا أكثر . تراود المرء هذة الأفكار والخواطر الغريبة  دونما إستئذان عندما يجد نفسة وسط هذة الأصقاع المنجمدة، وتجعلة يشعر بالعجز أمام ذلك الغموض الذي يغلف وجة الطبيعة وماتخفية من أسرار ،حتى تفقدة تماماً قدرتة على التعبير ، أو الفهم ، وينتابة الخوف من الموت ، ومن الله ، ومن الكون  --  ثم لايلبث حتى تستيقظ بين جوانحة آمال البعث والعودة الى الحياة ، تلك الآمال العبثية التي يتوشح بها جوهر روحة الدفينة ، التواقة الى الأبدية ، التي تحلم في أن تستيقظ يوماً من جديد  لتجد نفسها وحيدة في حضرة  اللة .

ظلت هذة الأفكار تدور في رؤوسهم على هذا النحو حتى إنقضى معظم النهار، وهم يسيرون داخل  قاع أحد الأنهار الذي إنعطف الآن إنعطافة كبيرة . وحاول مايسون أن يقود الفريق للخروج من القاع وسلوك إحدى الطرق المختصرة  المارة عبر  ذلك العنق الضيق من الأرض . ولكن الكلاب أحجمت عن تسلق  الضفة العالية ، وحاول الصعود عدة مرات لكن الكلاب كانت تنزلق الى الوراء عائدة الى القاع . وحاولت روث ومالاموت كيد مساعدتة من خلال دفع الزلاجة  من الخلف لمساعدتها على صعود المنحدر ، الا أنها كانت تنزلق دوماً الى الوراء . وبعد جهد جهيد تمكنت الكلاب المسكينة التي أنهكهها الجوع والتعب  من صعود الضفة العالية ، لتستقر أخيراً  فوق قمة الضفة العالية؛  لكن كلب المقدمة إستدار على غير توقع نحو اليمين ، لاوياً  سيور الكلاب خلفة ، وملوثاً أحذية مايسون بالوحول المتجمدة. وكانت النتيجة مؤلمة إذ فقد مايسون توازنة ؛ وسقط أحد الكلاب في أحد الأخاديد  التي حفرتها الزلاجة ، ثم إنقلبت الزلاجة الى الخلف ، ساحبة معها كل شيء الى القاع  مرة ثانية  .
وأحتد مايسون غاضباً وأخذ يجلد الكلاب بوحشية ، خصوصاً الكلبة كارمن التي تسببت بالسقوط  . وتدخل مالاموت كيد متوسلاً ليمنعة من معاقبة كارمن  "لا تضربها يامايسون ، إن الحيوانة المسكينة خائرة القوى ، إنتظرني  حتى تقوم كلابي بسحب زلاجتك "
توقف مايسون عن الضرب ، ثم عاد يجلد الكلبة المذنبة بسوطة الطويل الذي كان يلتف تماماً حول جسدها مع كل جلدة . كانت الكلبة تتلوى من ألم السياط، وتئن بصوت ضعيف يثير الشفقة ، ثم إنهارت تماماً بعد أن أنهكها قرع السياط والجوع.

لقد كانت حادثة مؤسفة ، لكنها لم تكن غير متوقعة في مثل هذة الظروف، فقد كانت الكلبة كارمن تحتضر ، وكان ثمة إثنان من رفاقها في حالة هيجان وغضب . ونظرت روث الى الرجلين نظرة إستعطاف راجية أن يسود الموقف شيء من الهدوء . ولم يقل مالاموت شيئاً آخر لصديقة ، لكن عيناة كانت تحملان عالماً كاملاً من الإستياء واللوم ، رغم أنة لم يقل شيئاً وأكتفى فقط بتحرير الكلبة المريضة من سيورها. وإلتزم الجميع الصمت وإنهمكوا بربط فريقين من الكلاب بزلاجة مايسون وهكذا تمكنوا من التغلب على مشكلة الصعود ، وواصلوا المسير ساحبين خلفهم كارمن المريضة التي كانت تعاني جهداً كبيراً في مواكبة الآخرين . لم يقتلوها ، ولم يتركوها لحال سبيلها ، لأنهم فكروا أن من غير الحكمة أن يفعلوا ذلك ، طالما كانت لاتزال على قيد الحياة ، آملين في الوقت ذاتة في آصطياد احد الايائل قبل الوصول الى المخيم.

شعر مايسون بالندم على مابدر منة من غضب ، لكنة لم يعتذر ، بسبب عنادة وتصلبة.  وواصل بصمت  قيادتة للقافلة ، غير مدرك تماماً للخطر الوشيك الذي كان يقترب منة . كان القاع قد أخذ يكتظ بأشجار كثيفة ، وكان عليهم أن يشقوا طريقهم عبر تلك الأجمات الكثة.  وعلى بعد خمسين قدماً أو أكثر كانت تنتصب على حواف الطريق  شجرة صنوبر وحيدة  عالية . كانت تقف هناك منذ أجيال بإنتظار أداء مهمة وحيدة قررتها الأقدار سلفاً بخصوص بمايسون .


توقفت الزلاجات ، وإنحنى مايسون لشد شرائط حذائة، ووجدت الكلاب في ذلك فرصة سانحة  لنيل قسط من الراحة ، فتمددت في الثلج دون تذمر. كان السكون يحيط بالمكان بشكل مريب ؛ وكأن الهواء نفسة كان يخشى أن يتحرك لئلا تكدر حركتة جلال الغابة المكلل بالثلج ؛ في هذة الأثناء شرع الفضاء الخارجي يسكب بردة القاتل وسكونة في قلب الطبيعة المتجمد ويخرس  شفاهها الراجفة .  وسرت في حنايا الهواء حسرة خفية ، لم تلتقطها أسماعهم ،  لكنهم أحسوا بها ، مثل نذير شؤوم كان يتحرك خفية داخل ذلك السكون المريب . ثم لعبت شجرة الصنوبر، المحملة بعناء سنينها وثلجها ،  دورها الأخير الذي أعدتة لها الأقدار  في تراجيديا الحياة . ونما الية نذير السقوط  ، وحاول أن يقفز بعيداً عن موقع الخطر، وهو منتصب القامة تقريباً، لكنة تلقى الضربة القاصمة على كتفية مباشرة .

أمر كيد الكلاب بالتوقف وقفز من الزلاجة لمساعدة رفيقة . وطلب من روث أن تهرع لمساعدتة. كانت إبر الصنوبر ماتزال ترتعش في جسد الشجرة التي سقطت تواً فوق مايسون . ولم تفزع روث أو تصب بالإغماء، أو تركن الى العويل والبكاء كما قد تفعل أي إمرأة بيضاء في مثل هذة الظروف ، بل سارعت بكل رباطة جأش الى تنفيذ أوامر مالاموت كيد بسرعة ، وإلتقطت فرعاً وإستخدمتة كعتلة ، لتخفيف ضغط الشجرة عن زوجها الذي كان يئن من الألم ، بينما شرع مالاموت كيد يهاجم الشجرة بفأسة التي راح نصلها يرن بمرح وهو يقضم جذع الشجرة المنجمد.
إستمر ميلميوت كيد يضرب الشجرة بفأسة بقوة وغضب ، حتى أخرج  رفيقة أخيراً من تحتها ومددة في الثلج ، بعد أن تحول خلال لحظات ، وهو الرجل القوي ، الى حطام بشري  بائس يثير العطف . وشعر ميلميوت كيد بالألم لمصاب صاحبة ، لكن  ماآلمة أكثر هو نظرة الكرب الأبكم التي غطت وجة روث. لقد تحول وجهها الى سؤال أخرس  ينوس بين الأمل والقنوط . لكن مالاموت كيد لم يقل شيئاً ولم يحاول إخراج المرأة من صمتها المطبق، لأنة كان يعلم بأن أبناء الشمال يتعلمون منذ الصغر عدم جدوى الكلمات في المواقف التي تصبح فيها الأفعال شيء لايقدر بثمن، خصوصاً في مثل هذة الأجواء التي  تهبط فيها الحرارة الى مادون الخامسة والستين تحت الصفر ، حيث لايمكن للمرء أن يتوقع العيش طويلاً لو اصابة مكروة.

لقد ادرك كلاهما بأنهم لن يستطيعوا مواصلة المسير الآن ، لذلك  قطعا سيور الزلاجة، وقاما بصنع اريكة من الأغصان ، وطرحا الرجل المصاب فوقها ، بعد أن لفاة جيداً بالفراء، ثم أشعلا النار أمامة في جسد نفس الشجرة التي تسببت في الكارثة، وغطيا ظهرة وسائر جسدة بأغطية بدائية خشنة ، كان من شأنها الإمساك  بإشعاعات النار الدافئة وسكبها في أوصال الجسد الراقد في العراء .

لقد تيقنا بمجرد إلقاء نظرة سريعة على مايسون بأنة أمسى يرقد الآن مع الموت في فراش واحد ، لأنة  جسدة كان مهشماً بالكامل . ولم يكن ذلك بخافياً على مايسون نفسة ، الذي إستسلم لهذة النهاية ، في إنتظار أن يطلق الموت صافرة الرحيل. لقد إنكسرت ذراعه اليمنى وساقه  وظهرة ؛ وشُلت أطرافه من الوركين الى القدمين ، ولابد إنة كان يعاني من نزيف داخلي أيضاَ. كان يرقد بلا حراك ، أشبة بالميت ، ولولا تلك  الأنات العرضية التي كان يطلقها بين الحين والآخر ، لظنا بأنة قد فارق الحياة.
إذن لا أمل ، وليس ثمة مايمكنهما فعلة . وشرع الليل القاس يزحف بلا رحمة . وظلت روث متمسكة برزانتها اليائسة التي ورثتها عن أسلافها ، وتجمدت فوق ملامح ميلميوت كيد البرونزية طبقات جديدة من الالم . لكن مايسون  كان اقل الثلاثة شعوراً بالألم ، لأن روحة عادت مجدداً  الى تينسي ، لتحوم فوق جبال سموكي العظمى ، وتعيش ثانية مشاهد الطفولة الغابرة، وتترنم ثانية بألحان الجنوب التي طواها النسيان  طويلاً . كان يحلق فوق أجنحة الهذيان التي أعادتة الى برك الماء التي كان يمارس فيها السباحة أيام الطفولة ، والى رحلات صيد الراكون وحملات سرقة البطيخ من المزارع.  لم تكن روث تفهم شيئاً  مما كان يدور على لسان زوجها الذي كان يهذي بعامية الجنوب، أما ميلميوت كيد فقد كان يفهم كل شيء ويشعر بة ، ويعرف الأرض التي طارت اليها روح  صاحبة. تلك الروح التي حبستها البرية طويلاً عن كل مايمت للحضارة بصلة .


وفي الصباح التالي ، عاد الى مايسون شيء من الوعي وطلب أن يتحدث مع  مالاموت كيد الذي إقترب منة وإنحنى فوقة ليسمع منة مايقول.
قال مايسون بصوت هامس" هل تذكر لقائي الأول بها في تانانا قبل أربع سنوات . لم تكن تعني لي الكثير حينذاك . لقد كانت مجرد فتاة جميلة ، وكان جمالها يثيرني قليلاً فقط ، كما أعتقد. لكنها بمرور الوقت بدأت تشغلني . لقد كانت زوجة صالحة ، ولم تتخل عني في وقت المحن . أنت تعلم بأن لاأحد يضاهيها في المقايضة ، وفي الشجاعة والتضحية . هل تذكر كيف إقتحمت موسهورن رابيد ( نهر سريع الجيران يدعى بنهر قرون الوعل لشدة جريانة وقوتة - المترجم ) لتخلصنا ، غير مبالية بالرصاص المنهمر فوق الماء كحبات البَرَدْ . هل تذكر ايام المجاعة في نوكلوكيتو، هل تذكر كيف راحت تسابق كتل الجليد السابحة في النهر لتجلب لنا الأخبار ؟ لقد كانت زوجة طيبة ، وأفضل من زوجتي الأولى، ألم أخبرك من قبل بأني فعلتها مرة؟ ألم أخبرك بذلك من قبل ؟ حسناً ، لقد جربت الأمر مرة ، في الولايات المتحدة . وهذا هو سبب وجودي هنا . كنت أعرفها منذ الصغر، ايضاً . لكني غادرت لكي أمنحها فرصة للطلاق . وقد نالتة أخيراً ".

  " لكن كل هذا لاعلاقة لة بروث . لقد فكرت بغسل أدران الماضي والخروج من آلاسكا في العام المقبل ، مع روث. لكن فات الأوان الآن . لا تعيد روث الى أهلها ياكيد . فكر بالأمر جيداً . من الصعب على إمرأة أن تعود الى أهلها. لقد أمضت أربع سنين تقريباً الآن وهي تتناول لحم الخنزير المقدد والدقيق والفواكة المجففة ، ولايسعها أن تعود ثانية الى أكل السمك ولحم الوعول . لقد تعودت على أساليب عيشنا ، وعرفت بأنها أفضل من أساليب عيش قومها، ولايسعها العودة اليهم.  إعتن بها ياكيد ، باللة عليك . أعرف بأنك كنت دائماً تتجنب قومها .. ولم تخبرني أبداً بسبب قدومك الى هذا البلد .

"عاملها بالحسنى وخذها الى الولايات المتحدة عندما تتمكن من ذلك ، وتدبر أمر عودتها ، فقد تشعر بالحنين . فكر بالأمر فكر بولدي ، هذا الذي تحملة في بطنها ياكيد ، هذا الذي قربنا الى بعضنا البعض  أكثر من ذي قبل . أتمنى لوكان صبياً ، فكر بالأمر ! إنة لحمي ودمي ، ياكيد . لاتدع المولود يمكث في هذة البلاد أبداً ، خصوصاً إذا كان بنتاً. بع فرائي ؛ فثمنة يُقدر بخمسة آلاف على الأقل ، ولدي كمية مماثلة محفوظة لدى الشركة . إرع مصالحي مع مصالحك . وتذكر بأننا قد نربح قضية التعويض في المحكمة . أحرص على أن ينال إبني تعليماً جيداً ، وفوق كل شيء لاتدعة يعود الى هذة البلاد . لأنها لاتناسب البيض ".

" أنا راحل ، ياكيد بعد ثلاثة أو أربعة أيام على الأكثر . وعليك ان تواصل المسير، بلا تردد ! ولاتنس بأنها زوجتي ، وهذا الذي في بطنها ولدي ، آوة ياألهي ، كم أتمنى أن يكون صبياً . فلاتنتظر هنا الى جانبي .. لأني راحل لامحالة ، لأن ليس ثمة جدوى من أن تسحب خلفك رجلاً يحتضر"

توسل بة ميلميوت كيد قائلاً  "  إمنحني ثلاثة أيام فقط ، فقد تتحسن حالتك ، وقد تحدث صدفة طيبة تجعلنا في حال افضل "
"لا".

" ثلاثة أيام فقط "
" يجب أن ترحل الآن "
" يومان إذن ".
" فكر بزوجتي وإبني ياكيد ، ولاتطلب مني ذلك ثانية "  .
"يوم واحد".
"لا ، لا! يجب أن ترحل " --
"يوم واحد فقط. سنقتصد كثيراً في الطعام ، وقد نصطاد أيلاً  لو حالفنا الحظ "
" حسناً يوم واحد فقط . وأرجوك ياكيد لاتدعني اواجة الأمر وحدي ... كل ماأطلبة منك هو  رصاصة واحدة ، مجرد رصاصة ، وضغطة بسيطة على الزناد ، هل تفهم ماأعني، فكر بالأمر!  لاتنس إبني، إنة لحمي ودمي ، لأني لن اتمكن من العيش الآن حتى أراة . إبعث بروث الى هنا، أريد أن أودعها وأخبرها بأنها يجب أن تفكر بالصبي وأن لاتنتظر  حتى أموت. لأنها قد لاتوافق على المسير معك إن لم أطلب منها ذلك . والآن  قبل أن أودعك ياصديقي العتيق ، أطلب منك أن تذهب الى الجدول القريب من سلايد ، إنة يحتوي على الذهب ، وستعثر علية لو حفرت عميقاً . لقد تمكنت من الحصول على ماقيمتة أربعة سنتات من الذهب بإستعمال الرفش فقط " .
وبدا على مايسون شيء من التردد ثم أضاف قائلاً  "إسمع يا كيد"! وإنحنى كيد لإلتقاط آخر كلمات الرجل المحتضر الذي تخلى أخيراً عن كبريائة " أعذرني على مافعلتة بكارمن "

طلب مالاموت كيد من الفتاة أن تذهب الى زوجها ، وتركها عندة وهي تنتحب بصوت خافت، ثم إرتدى سترتة الفرائية وقبقابة الثلجي ، وتأبط بندقيتة وإنسل بصمت الى داخل الغابة. كان كيد حائراً ، رغم مواجهتة للكثير من مصائب ومحن نورثلاند ، لكنة هذة المرة كان علية أن يواجة محنة جديدة لم يعرفها من قبل ، وهي محنة الإختيار بين ثلاث حيوات ممكنة مقابل حياة أخرى محكوم عليها بالفناء. كان يمكن لة أن يحل المسألة كمجرد معادلة رياضية بسيطة ، ثلاثة أنفس قد تُكتب لها الحياة مقابل واحدة فانية ؛ لكن الإختيار لم يكن بهذة السهولة؛ لأن تلك النفس المشرفة على النهاية هي نفس  صديقة الحميم ، الذي رافقة لمدة خمس سنين، كتفاً لكتف ، في الأنهار و الطرقات البرية المجهولة ، وفي المخيمات والمناجم ، صديقة الذي واجة معة الموت سوية ، الموت الذي كان يترصدهما دوماً في البراري والحقول والفيضانات والمجاعات . إنة صديقة الحميم الذي توثقت معة عرى الصداقة والأخوة الى الأبد ، لدرجة الشعور بالغيرة من روث نفسها ، منذ اليوم الذي حلت فية بينهما . والآن يتعين علية أن  يقطع عرى هذة الأخوة بيدية ويضع حداً لحياة صديقة بنفسة. لقد خرج الى الغابة على أمل أن يصطاد أيلاً، لكن جميع الأيائل تبخرت، واختفت من على وجة تلك الأرض، حتى الطرائد الأخرى الصغيرة إختفت ، ولم يفلح في العثور على طريدة واحدة، واحدة فقط ، رغم كل صلواتة وآمالة ، ولبث ينتظر حتى جن الليل، ثم عاد الى المخيم ، منهك القوى ، خالي الوفاض ، ومثقلاً بالحزن .
 

وعندما أخذ يقترب من المخيم، سمع صراخ الفتاة وهي تدافع عن نفسها بالفأس ضد القطيع الهائج المزمجر. لقد تحررت الكلاب من سطوة أسيادها ، وإندفعت هائجة ، بعد أن ملت الإنتظار ، تطلب الطعام باي ثمن. فلم يدخر جهداً  ودخل المعمعة على الفور ملوحاً بعقب ببندقيتة ، ثم أخذ يضرب بها الكلاب  كما لوكان يحمل هراوة . لقد إندلعت معركة الصراع من أجل البقاء  خلال  غيابة وسط  ذلك القفر البدائي ، وشرع يدافع عن روث ببندقيتة في الوقت الذي كانت روث تقاتل بفاسها ، وراحت البندقية والفأس  تتناوبان صعوداً وهبوطاً فوق أجساد الكلاب اللدنة التي كانت عيونها وأنيابها الحادة تلمع بوحشية. كانت الفأس والبندقية تصيبان أهدافهما مرة، وتخطئان أخرى بإنتظام رتيب حتى أوصلتا  الصراع الدائر بين الإنسان والوحش الى نهايتة المريرة. ثم زحفت الكلاب المندحرة الى حافة النار وهي تلعق جراحها، وتبث شكواها وتعاستها الى النجوم البعيدة بصوت كسير.

وبعد نهاية المعركة التي خاضاها مع الكلاب ، عادت روث الى زوجها ، وقام ميلميوت كيد بتقطيع جسد أحد الكلاب التي نفقت خلال المعركة ، وهشم جمجمتة بالفأس . ثم عزل قطع اللحم عن بعضها بعناية فائقة ، وإحتفظ بالجلد ، وألقى ماتبقى من الذبيحة الى الكلاب الأخرى ، لأن مخزونهم الغذائي المؤلف من السلمون المجفف قد نفذ ، ولم يتبق لديهم من الطعام سوى خمسة أرطال من الدقيق  لاتكاد تكفي لما تبقى من الطريق الممتد لمسافة تزيد عن  مئتي ميل في عراء البرية..


وفي صباح اليوم التالي أستيقظوا على متاعب جديدة. لقد شرعت الكلاب التي أنهكها الجوع تتقاتل فيما بينها من أجل إفتراس كارمن ، التي كانت  ماتزال معلقة بخيط رفيع بين الحياة والموت. وفي النهاية ، عجزت كارمن عن المقاومة ، وسقطت تحت أقدام رفاقها الجائعين، الذين لم تعد تؤثر فيهم السياط التي إنهمرت عليهم كالمطر . كانوا يتالمون من لسع السياط بالطبع، وينكمشون خوفاً، لكن ذلك  لم يكن كافياً للتفريق بينهم وبين كارمن . لقد إنفلت جوعهم من عقالة أخيراً ، ولم تهدأ سورتة حتى إختفت آخر قطعة من جسد كارمن ، ولم يبق منها لاعظم ولاجلد ولاشعر ، لقد إالتهمت الكلاب كل شيء فيها . وبعد أن ساد الهدوء ، عاد مالاموت كيد الى عملة ، مصغياً في ذات الوقت الى هذيانات مايسون الذي عاد الى تنيسي ليجري أحاديث شائكة مع رفاق الماضي العتيد ، مكيلاً لهم النصح والوصايا بحمية أخ محب.

شرع مالاموت كيد يعمل بسرعة ، مستفيداً من أشجار الصنوبر المجاورة . وأخذت روث تراقبة  وهو يقوم بصنع مخبئاً مماثلاً  لتلك المخابيء التي تستخدم في بعض الأحيان من قبل الصيادين للحفاظ على اللحوم من غارات الذئاب والكلاب. أمسك ميلميوت كيد بقمتي شجرتي صنوبر صغيرتين ، وجذبهما واحدة تلو الأخرى تجاة بعضهما البعض  الى الأسفل، وربطهما بشريط من جلد الموظ . ثم ربط الكلاب بإثنين من الزلاجات ، بعد أن ضربها ضرباً مبرحاً حتى حملها على الخضوع ، وحمّل الزلاجتين بكل شيء، عدا قطع  الفراء التي  دثر بها مايسون ، وشدها حول جسدة بإحكام بواسطة حبل، ثم ربط نهايتي الحبل بشجرتي الصنوبر المحنيتين ، حتى توترت نهايتي الحبل بحيث لو أن مالاموت كيد قرر أن يقطع إحدى النهايتين بسكينة، لتحررت الشجرتين من بعضهما البعض ، ولطار جسد مايسون عالياً في الهواء .

كانت روث قد أنهت الحديث مع زوجها، الذي أطلعها على رغباتة الأخيرة، التي وافقت عليها دون إعتراض .  لقد تعلمت المسكينة  فضيلة الطاعة جيداً، لانها كانت منذ الصغر ترى غيرها من النساء ينحنين الى سادة الخليقة ، ولم يدر بخلدها إن المرأة يمكن أن تقاوم. لقد سمح لها كيد بإبداء حزنها على زوجها ، خلافاً لما كان يمكن أن يفعلة أهلها ، لأنهم لايسمحون للمرأة بممارسة مثل هذة الطقوس ، وبعد أن إنتهت من توديع زوجها،  قادها كيد الى الزلاجة التي كانت على  على رأس القافلة، وساعدها على إرتداء قبقابها الثلجي. كانت تسير كالعمياء ،أو كمخلوق يتحرك  بالغريزة فقط ،وبعد أن صعدت الى الزلاجة  أمسكت بالمقود وبالسوط ، وأمرت الكلاب بالإنطلاق.

عاد ميلميوت كيد الى مايسون ، بعد أن غابت روث عن الأنظار ، ووجدة غارقاً في غيبوبة جديدة ، فقرفص الى جانب النار، وراح ينتظر بفارغ الصبر  ويصلي من أجل أن يموت صاحبة سريعاً . كان يشعر بالحزن لأنة كان مجبراً على أفكارة المؤلمة وحيداً وسط هذا  الصمت الابيض. وكان يتمنى لو كان الجو أكثر عتمة ، لإن صمت العتمة أكثر رحمة لانة يمنح المرء شعوراً بالحماية ، ويهمس لة بآلاف من كلمات العزاء والتشجيع الغامضة؛ لكن هذا الصمت الأبيض المشع أشد قسوة ، خصوصاً عندما يحاصر المرء وحيداً وسط  برية جرداء باردة تسقفها من الأعلى سماوات حديدية.


ومرت ساعة .. ساعتان .. لكن الرجل لم يمت . وعند العصر ، بعثت الشمس بطيف شاحب من النور، دون أن ترفع قرنها فوق الأفق الجنوبي ، ثم إستعادتة  ثانية على عجل . وعندها نهض كيد وسار نحو رفيقة بقدمين ثقيلتين ، ووقف بجانب جسدة المسجى في العراء. ثم سرح بصرة في الفراغ الملتف حولة ، وشعر برعب شديد ، إذ بدا لة بأن الصمت الأبيض كان يكشر لة عن إنيابة ، ساخراً وشامتاً. ثم دوى صوت إطلاق النار بعنف ؛ وصعدت روح مايسون الى رمسها الأثيري، وساط  ميلميوت كيد الكلاب التي دب فيها نشاط وحشي ، وإنطلقت  تنهب السهب الثلجي الممتد أمامها بلانهاية .

 

 

 

علي سالم


التعليقات

الاسم: خلود اوراهم
التاريخ: 22/05/2011 17:51:19
اختيار رائع

خلود

الاسم: مروة
التاريخ: 11/11/2010 13:37:33
أن الكتاب أكثر من رائع و أنا أريد أن أقرأ قصة الناب الأبيض لم أعثر عليها و أتمنا أن أعثر عليها




5000