..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حوار مع الروائي زيد الشهيد

زيد الشهيد

الروائي زيد الشهيد :

      "  ثقافتنا اليوم بحاجة إلى عملية تراص ودفع لخلق واقع اجتماعي واقتصادي وإنساني سوي لا تطيح به قرارات السياسي "

  

البصرة - مصطفى حميد جاسم  مسؤول الصفحة الثقافية في ( صحيفة العشار )

 تمدك المهرجانات الثقافية بفرص تلاقي كتّاب مبدعين قرأت لهم فتأثرت بكتاباتهم لكنك لم تلتقيهم . وحين تلتقيهم لا يسعك الموقف سوى ان تتوجه إليهم بالأسئلة التي تراكمت في داخلك عن طبيعة وحيثيات وطقوس الكتابة لدى هذا المبدع أو ذاك .. وقد اتاح لي مهرجان المربد الذي عقد في البصرة المواجهة وجهاً لوجه مع الروائي والشاعر والناقد زيد الشهيد طارحاً عليه عدداً من الأسئلة التي تتعلق بتجربته الكتابية وعن رؤيته للواقع الثقافي الآن .

                                                                             

(*) الخطاب القصصي المعاصر  يبتعد عن التقليد ويدخل ضمن ما يطلق عليه النص المفتوح .. ما هو تعليقك ؟

يسعى المنتج الباحث باستمرار عمّا يمنحه هامشاً واسعاً من التعبير فلا يترك سعيه يتقولب مع ثوابت صارمة جاءت صيرورتها معبرة عن زمن كانت فيه مقبولةً ومستوعَبةً ، ومرضية ؛ بل ومفروضة . ولأنَّ الزمن يتغيّر وفق  ديالكتيك يناهض الستاتيك فلا يخضع لمهيمناته فإنّ توقع الانتقال من حيزٍ لآخر لا يشكّل معضلة إلا بنظر عُشاق السكون  . وهذا التصور هو الذي يدفع المنتج الخائض في حقل الإبداع الأدبي الذي نحن بصددهِ شأنه شأنَ أي أبداعٍ آخر إلى القفزِ نحو مربعٍ يجده أكثر سعةً وابهى فضاءً . وهيكلية القصة القصيرة التي ولدت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكان ميلادها فتحاً مبينا للسرد يجنِّسُه بهويةٍ تنفصل عن هوية الخطاب الروائي باتت مع مبتدآت القرن الواحد والعشرين غير مُشبِعةٍ لفضول السارد الذي يتوخى التعبير الامثل ، للوصول إلى المتلقي الأمثل . هذه الرؤية ، وهذا التوجه قاد إلى ميلاد " النص المفتوح " . فصار هذا النص بوتقة تتيح للسارد مزج الأجناس وتفاعلها من أجل مُنتَج أكثر نفعاً للمتلقي وأزخر إفضاءً للسارد . ولقد أشرتُ في لقاءٍ سابقٍ إلى تراجعِ القصة العراقية وتقهقر رموزِها واليوم أقول أن هذا التراجع صار لحساب النص المفتوح . إذْ بدأ الملل يدبُّ في دواخل الناص ومتلقي النص ؛ وشرعت الذائقة تتوجّه صوب أفق أرحب في الكتابة والتلقّي ؛ ولهذا شرعت اكتب وفق حاجتي وضرورتها النص المفتوح فأنتجتُ كتاب ( الرؤى والأمكنة ) في العام 2000 منشور  هو الآن في موقع ( أفق الإلكتروني http://www.ofouq.com/   ) وقد استعارت العديد من المواقع مواضيع منه ونشرتها كنص يستحق الانتباه ويثير الاهتمام .

  

(*) كيف تستطيع تقييم  المشهد القصصي في العراق بعد كل هذه الفوضى في الثقافة والأدب ؟

     هذا السؤال أثاره القاص والصحفي محمد خضير سلطان في عديد لقاءاته مع الأدباء وطرحه كسؤال يفرض وجوده بعد التغيير حيث أصبحت الضرورة تحتم تغيير الخطاب الثقافي وتدفع لكتابةٍ تتوازى وعظم التغيير وجسامة المرحلة التي دخلت فضاء التخلخل ولم تخرج منه بسبب التداخلات السياسية والارهاب الذي يضرب في كل شيء .. لقد خرج أدباء أوربا بعد الحرب الكونية الثانية وهم محملين بالرفض لما دفع إلى الحرب والدمار ووقفوا يناهضون الماثل ويدعون إلى التغيير رافعين لافتة الرفض ، فناهضوا السياسي والسائد وطالبوا بانقلاب جذري على الحياة ، فتقدمت الوجودية وظهر أدب العبث كصورة من صور الاحتجاج . وفعلاً هزّت مظاهرهم غير الاعتيادية المجتمع الأوربي وقادته نحو اتخاذ قرارات لصالح الفرد الاجتماعي على الشخص السياسي  ، وتجذير واقع الحرية في المجتمع والقوانين على هامشيتها في القول والوعود . ذلك قاد إلى بناء مجتمعات نراها اليوم تعيش على ثرى الاستقرار والطمأنينة وتقييد جموح السياسي لصالح المواطن . وثقافتنا اليوم بحاجة إلى عملية تراص ودفع لخلق واقع اجتماعي واقتصادي وإنساني سوي لا تطيح به قرارات السياسي ، ولا ترهقه تقلبات الأمزجة المترجرجة .. إنَّ الثقافة اليوم بحاجة إلى وقفة مراجعة تاريخية لتغيير الواقع التراجيدي وتصدي رسيخ للعنف والقتل الأهوج واسترخاص قيمة الإنسان الذي جعله الخالق اثمن مخلوق على الأرض . ومن هنا تقع على عاتق الأدب والأدباء رسالة هامة في الأخذ بالواقع بعيداً عن هذه الغيوم السوداء التي دخلت سماء وطننا العزيز ، هو الذي لم يشهد مثلها منذ قرون . والمشهد القصصي كأحد أوجه الثقافة بحاجة إلى أن يوارب أبوابه لتأرخة هذا القتل والتدمير المبرمج وجعله مرحلة تاريخية تشكّل عاملاً سلبياً في حركة الواقع العراقي ستنظر له الأجيال القادمة بنوع من الامتعاض ، وتؤاخِذ علينا ضعف وعينا مقارنة بوعي الشعوب التي نسير معها على سكّة الزمن المعاش .

 

(*) ما هي الكيفية التي يتعامل فيها زيد الشهيد مع كل مشروع سردي سواء كان قصصياً أو روائياً ؟

  ابتدأت مشاريعي السردية ومنذ مجموعتي القصصية الأولى " مدينة الحجر " الصادرة عام 1994 على إيقاع كتابة النصوص القصصية في أجواء واحدة وأبطال متقاربين في العمر والجنس . ففي " مدينة الحجر " جعلت أجواء القصص العشر ريفية والأبطال صبية صغار . وفي  مجموعة " حكايات عن الغرف المعلقة " الصادرة عن دار أزمنة الأردنية عام 2003 كانت القصص على شكل عناقيد تتراوح بين ثلاث قصص وست يجمعها عنوان واحد لها أجواؤها الواحدة وإبطالها موزعين بين النساء والصبية  فيما اتخذت مجموعة " فضاءات التيه " الصادرة في أسبانيا عام 2004 الحاوية ست قصص بفضاءين : الأول ضم الفضاء الأول ثلاثة نصوص قصصية عبّر عن أجواء تداخلية بين استخدام الأسطورة والفعل الواقعي الآني ؛ بينما جاء الفضاء الثاني الضام ثلاثة نصوص أيضاً معبراً عن ظروف الحصار التي مرَّ بها وطننا وشعبنا والمعاناة المهولة التي حصلت للعراقيون . أمّا مجموعة " سحر الماسنجر " فكان أبطالها يتداخلون أو يتقاطعون بين رجل وامرأة في متفاوتات المواقف وتغييرات المشاعر .

اعتدتُ أن لا اشرع بكتابة مجموعة قصصية إلا بعد أن احدد فضاءات النصوص وطبيعة الشخوص وسط همومها ومظاهرها والأحداث التي ترتكبها ويخوضون في غمارها .. أجد أنَّ الكتاب ذا الفضاءات الواحدة والشخصيات المتقاربة تخلق إلفة وحميمية وتعامل مرغوب مع المتلقي . فكتابةٌ كهذه أحسبها تدخل المتلقي ميدان واحد يسوح فيه ويتنقل ويتحاور بدل أن ينتقل من فضاء لآخر ومن شخصية لأخرى لا يجمعهما خيط التواصل المؤثر في المتلقي فيبدو النص كما لو كان سجادة تنافرت فيها الألوان والأشكال ونوعية خيوط النسيج ما يعافها المشاهد ويملّها وينفر منها سريعاً . وبعد ما انتهيت من مجموعتي القصصية الأولى ( مدينة الحجر ) وصدرت في العام 1993 شرعت في الكتابة عن الصحراء فكتبت قصصاً منها " بدويات " و " على ايقاع الرمل " و" فضاءات التيه " و " فم الصحراء الناده "  وهي تحمل نفس الحياة البدوية في صحراء السماوة ؛ هذا إلى أنني كتبت عن الصحراء الليبية حين هاجرت إلى ليبيا فكان كتاب " الرؤى والأمكنة " إذ اعتبره الأدباء والمثقفون الليبيون أول كتاب يتناول حياة الواحات وأمكنتها ويدخل إلى غور أراضٍ بكر . أتذكر أن الشاعر محمد المزوغي رئيس تحرير مجلة ( الثقافة العربية ) الليبية الذي كان في زيارة دعوة لحضور حفل زفاف خاطبَ مواطني واحة " زلة " التي ادرس في مدارسها وكنّا في حفلة زواج اجتمع فيها اغلب رجالات الواحة قائلاً : إن ما كتبه زيد الشهيد عنكم سياتي اليوم الذي ستحفرون كتابته على سور قلعتكم تلك " وأشار إلى قلعة زلة التي كان السكان يقطنون داخلها في عصور خلت .

  

(*) متى تشعر أن ثمة شيئاً بداخلك يغلي .. ومتى تسكبه على الورق ؟

    ثمّة غليان  لا ينتهي . يبدأ بالإرهاص وينتهي بالولادة . الاحتراق الجواني والتفاعل الارهاصي هما صفتان ملازمتان للمبدع لا يمكن تجاوزهما ولا يستطيع الانتهاء منهما إلا بانتهاء إنجاز مشروعه وتقديمه إلى المتلقي . ذلك الحين تساوره دفقة ارتياح وتعمّه غيمة جذل . وغير ذلك يبقى عائماًًً في بركة كآبة تأخذ به إلى يم الاحباطات  وقرار  ترك الكتابة قصد جني سنابل الطمأنينة والاستقرار .. نعم ! كثيراً ما قررت ترك الكتابة واتخاذ تصميم الفراق مع القلم والاتجاه إلى الأعمال الحرة بعيداً عن منغصات العقل ، ومرارة الوعي ، ووطء الاحتراق الشعوري ؛ لكني أعود منهزماً بعد يوم أو يومين وقد أعلنت استسلامي لمحنة الكتابة ودخلت دائرتها الساحقة لأنَّ ثمّة هاتفاً يدوي داخلي أنْ أنك نذرت روحك لنار الكتابة الأزلية فليس لك إلا أن تواصل ، وليس لك غير عذابات الذات من أجل تحقيق سعادة هاربة من فضاء المعدمين .. فعل الكتابة لا وقت أو مكان له . فقد تنهض من رقدتك وأنت تغط في نوم عميق منتصف الليل لأنّ شيئاً ما وِلدِ داخل بوتقة العقل فأيقظك من اجل حفرها على الورق . وقد تمر في شارع فتوقفك عبارة شاردة توجه إلحاحها عليك من أجل كتابتها ، ويا ويلك إن قلت ساكتبها في ما بعد فمملكة الإبداع لن تغفر لك خطيئتك لأنك مهما توسلت في تذكرها لن تفلح . لذلك أنت تجد الكاتب لا يتخلّى عن ورقة في جيب أو قلم يعينه لحظة المحن .

 

(*) رواية سبت يا ثلاثاء لزيد الشهيد أحدثت سجالات نقدية على الساحة الثقافية العراقية.. ترى ما الذي أربك  ناقداً فضجر منها وأراح  آخر فعدها خطابا روائياً بارعاً ؟

  وأنت تنطلق في مشروع تدويني تتوخّى جذب المتلقي إليه وكسبه وجعله يميل لصالحه عبر حوارية جنَّدتَ لها كل مقومات وظروف وآليات استمرارها والخروج من نطاقها وقد حققت جدوى تغور عمقاً في ذاكرة المتلقي عبر تلقّي معقول يجعل مشروعك يدخل محطات الدهشة ويخرج من أبواب المتعة والجذل اللذين سعيت لخلقهما . ومشروع خطابي روائي كـ " سبت يا ثلاثاء " ارتأيت ومنذ الأسطر الأولى له أن أجعل منه خطاباً متميزاً يحمل النكهة العراقية والأسلوب التدويني العراقي مستلتين من الواقع العراقي الذي يزخر بالتعقيدات والتشابكات إبان فترة الحصار في تسعينات القرن الماضي والتي دخلت ذروته في ابتداءات القرن الواحد والعشرين مبتعداً عن تقليدية الكتابة الروائية التي استوردناها من الغرب والتي مَن حاول الخروج عن رقعتها عُدَّ خروجاً عن الثوابت المقدسة . هذا إلى جانب استخدام لغة تجريدية معبرة عن واقع الحال لشعبنا المُنتَهَك آنذاك . كنت مصمماّ على جعل المتلقي يضع رواية " سبت يا ثلاثاء " في جيبهِ ؛ يستخرجها متى شاء وأنى شاء ليقرأ منها ما يشاء ومن أية صفحة يشاء . أي أنها بمثابة كتاب أدبي مقدس بما يحويه من لغة متميزة وموضوع خرج من عمق المعاناة والحياة اليومية العراقية إضافة إلى شكل غير مألوف يناهض مألوفية التدوينات الخطابية الروائية التي صارت تقليدية تخلوا من شذا الخلق الإبداعي القويم . لذلك تلقّى القارىء ، الباحث عن متعة تقدَّم له على طبق من يسر الرواية بنوع من الإرباك ، وواجهها الناقد التقليدي  بروح التذمر بسبب عدم انسجامها مع قراءاته التقليدية التي اعتادها فقد طالبني احدهم أن اترك الكتابة نهائياً لأنَّ الرواية برأيه ليست كتابة على الإطلاق فيما نظر إليها آخر على أنها منتج عالي المستوى مقترحاً أن تكون مادة دراسية بحثية في الجامعات لأنها لا تخاطب القاريء البسيط ؛ وآخر عدّها النموذج الأخير في البناء النصي القصصي العراقي حيث ( تغلق باب الكتابة النصية في ضوء هذه الفرضية وتفتح طريقا جديدا لبنائية واقعية ) . إنني اشعر أن ما اكتبه وأقدّمه إلى المتلقي ينال الحظوة والاهتمام ؛ فعلى سبيل المثال  حصل الباحث جاسم خلف الياس على شهادة الماجستير في جامعة نينوى بدرجة امتياز عن القصة القصيرة جداً لدى زيد الشهيد ؛ وضمّن الباحث الأكاديمي حمزة عليوي من جامعة بابل بعض من رسالة الدكتوراه عن السرد العراقي في الغربة مستشهداً بعديد من قصصي ؛ هذا إضافة إلى دراسات كثيرة جداً لنقاد مرموقين تناولوا نتاجاتي بعيداً عن المحاباة والتواد الشخصي والنقابية المرفوضة .

  

(*) من وجهة نظرِك أين هو موقع القصة العراقية بالنسبة للقصة العربية ؟

النص القصصي يكتسب تميزه من صدق طرحهِ وفنيته والموضوع الذي يتماس مع الواقع ومتعلقات هذا الواقع ، يضاف لكل هذا موهبة السارد الذي يأخذ بالنص إلى تخوم التميز بحيث يدخل إلى صميم ودواخل المتلقي من جملة الاستهلال الأولى ولا يرسيه إلا وهو قد عبّ المتعة العراقية وخرج بالمدلولات التي تمنحه مفاتيح لمعالجة حالات قد تكون غائبة عن المتلقي أو هي لم تثر اهتمامه من قبل .

القصة العراقية متميزة ولها حضور فاعل في الساحة السردية العربية . ولكن هذا لا يعني أن القصة العربية في مختلف الأقطار ليست لها هوية أو لا تتمتع بصفة الإبداع . فهناك ساردون لهم تألقهم وصوتهم الفاره المتميز في حقل القصة . الكثيرون منهم حضوراً إبداعياً لا يمكن الإشارة إليه فقط كصوت تدويني  وإنما كمقدرة إبداعية مؤثرة . لقد كنتُ أقرأ بشغف جار النبي الحلو من مصر وأتمتع بنصوص إبراهيم درغوثي من تونس ومحمد زيدان في ليبيا وربيعة ريحان في المغرب وكلاديس مطر في سوريا وأجد سرداً متميزاً لدى وجدي الاهدل ومحمد الغربي عمران في اليمن وحسن اللواتي وجوخة الحارثي ومحمد العريمي في عُمان وغيرهم قد هربوا الآن من رواق الذاكرة  .

 

(*) " أمي والسراويل " مجموعة شعرية تميَّزت بشجاعة ودقة طرح لمعاناة العائلة العراقية وورطة الشاعر في عدم هروبيته من معاناة اليومي .. كيف دخلت هذه المنطقة الملتهبة التي لم يصلها شاعر عراقي من قبل ؟

وهو يدخل ميدان الكلمة ويرفع لافتة المسؤولية على الكاتب الخلاّق أن يتسلح بشجاعة فائقة لا يقربها التردد ، ولا تسمح للتلكؤ أن يستحيل " تابو " يعيق انطلاقتها ويدفع بها إلى مهاوي الخنوع . والكاتب بحد ذاته أشجع كينونة في الوجود ، خُلقَ عصيّاً على الاحتواء ؛ ومعانداً لمن يحاول ترويضه وضمّه إلى خانة براغماتيته ، لذلك تراه أحد شواخص الخشية التي تنتاب السياسي ؛ وأيضاً المُراقَب بكل خطوة يخطوها وكلمة يدونها ، وتوجّه يسعى إليه . وكلماّ نصبت له الشراك ورمي بالسهام ازداد عناداً وصلابة وداخلَه شعور أنّه على صواب في ما يسير عليه . لذلك عندما كتبت نصوص " أمي والسراويل " ووجهت بالكثير من النقد السلبي مثلما حصدتُ الكثير من الإطراء والاعتزاز سواء من النخبة المثقفة أو بسطاء الناس الذين وجدوا في نصوص المجموعة هويةً تمثلهم .. أنني في الكثير من مساراتي التدوينية ادخل إلى المناطق المحظورة التي يهاب الكثير من الكتاب الدنو منها لأنها تعالج خصوصيات الكثيرين المنسحقين او المسحوقين عمداً من قوى جبروتية مهيمنة لها قدرة سحق الإنسان كما تُسحق الحشرة خصوصاً في مجتمعنا العربي الذي تُنتهك فيه ابسط الحقوق ، وتمارسُ السلطات أعتى قوانين الخرق البشري  حتى لغدونا مهزلة أمام جميع الشعوب ونكرة في أنظار المتحضرين . لقد كان رامبو هائجاً مائجاً يدعو الشعراء إلى أن يصرخوا لعرض معاناة الإنسانية ويتوجه بصخب عبر اللغة ليرج الأفكار المستلِبة الناطقة بالهيمنة والاستحواذ من اجل خلخلتها والإطاحة بها لصالح الإنسان . وكان الجواهري يصرخ بأعلى صوت الكلمة من اجل الاستنهاض فوصل بقصيدة ( أطبق دجى .. أطبق ضباب ) إلى حالة اللوم للذين ارتضوا السائد المؤلم . إنَّ مهمة الأديب مهمة تاريخية لا تقتصر على نجاحه الذاتي بل تتعداها إلى خدمة جموع البشر الذين يُساقون قسراً إلى العذاب والحيف والدمار .

 

(*) ماذا منحك جهدك الأدبي وماذا وهبته ؟

الجهد الأدبي لن يكون نزهة للتباهي ، ولا شعار للتبجّح .. إنّه الخوض في غمار البحث اللامنتهي والصيد الذي لا يدر الكثير . لن تأتيك المحارات التي تصطادها بغزير اللؤلؤ وثرائه ، ولا تمنّي النفس بالوفير من الرضا القادم من بحور الدهشة .. إنَّ الجهد الأدبي ينضح بشحيح الخلاصة العسلية لا العسل الذي تحلم . فكل ما تسفح من طاقة مستنفرة وتهدر من ساعات بحث وسيع ضع في حسبانك أنَّ الخلاصة تأتيك بحدود  قد لا تتوافق وعظم الجهد الذي بذلته ، لكنها تتساوق ووحيّ الإعجاب الذي تحوزه . من هنا كنت اشعر أنَّ الجهد الأدبي رمى عليَّ عُظم المسؤولية - ولا أقول منحني - فتركني أتوجه بعدَّتي المفرداتية وعتادي الخزيني لمواصلة مشوار الكتابة في درب الآلام المعرفية ، ذلك الذي يحترق فيه المبدع كما شمعة لينير في حين هو يذوي ، يبقى عزاؤه يكمن في مشاهدته للحاصدين النور يعيشون السعادة ويرفلون على خمائل السرور .. وتلك هبة لا تقدر بثمن .

 

 (*) متى شعرت أول مرّة بأنّ ثمّة شيء بداخلك يغلي ؟

   تلك إشارة تعود إلى زمن الصبا يوم كنت وأخي الذي يكبرني بثلاثة أعوام نتبارى في حوش الدار المنفتح للسماء على حفظ وبقراءة خطابية عالية النبرات ما نستطيع من أشعار عنترة حيث كنّا نهيم بديوان هذا الشاعر المقدام الذي كان يمثل الفروسية موشاة بثقة ذات مبهرة ويطرح الحب مغموساً بشجاعة فائقة بعيداً عن الخشية والتهيب ، وهو الذي شاهدنا حياتهُ الرافلة على المعاناة بسبب سواد لونه  وحبّه الراكض على سهوب اللظى والتابوات وقد جسّده الممثل المصري " سراج منير " الذي أجاد دوره فاظهر لنا ونحن صبية في خمسينات القرن الماضي نرتاد " سينما الشعب " في مدينتنا السماوة عنترةَ بمعاناته وخلجاته وأشعاره مثلما رأيناه في إقدامه وفتوته وانتصاراته ... منذ تلك الحقبة والدواخل تغترف كل ما هو مثير ومبدع ومؤثر ثم تتولى الذاكرة تخزينه في حجيرات الخلق الدفين . حتى إذا جاء زمن الانبثاق ، وحضرت الموهبة لتتجلّى تدفق الإبداع وانسكبت عصارة الروح لتصنع لها مسارات في الشعر والقصة والترجمة والنقد ؛ فـ " عديدةٌ سُبلنا لا تُحصَر ، ومتغيرةٌ منازلُنا " على حد تعبير سان جون بيرس  . من هنا صارت غيوم حياتي الماطرة ممنوحة للقارىء يجدها على ناصية إطلاعه ورغبته في التلقي فيغترف منها ما يروم ؛ وهذا ينبع من رؤية كثيراً ما أؤكِّد عليها في مساري التدويني وهي أن أُؤمن بما أريد الكتابة عنه والخوض في غماره . إذْ  ليس الصعوبة في أن تقول ما تريد سعياً لإقناع المتلقي ؛ بل الصعوبة تكمن في قناعتك بما تقول  ، وهي قناعة يجب ان تمهدّ لخلق لا يصبح عبئاً على كاهل الأدب والثقافة بل ارثاً متميزاً تهفو إليه النفس التائقة لاغتراف المعرفة الحقّة وتستلقي الروح اللهيفة للانطلاق عند خثرة ظلالها الرطيبة .

 

  (*) برأيك هل أفادك النقد في كشف خبايا نتاجاتك ؟

  النقد هذا اليوم ليس نقد الأمس .. نقد الأمس كان يبحث في نوايا المؤلف واكتشاف الشفرات التي بثّها في جسد النص . ومن يخطىء في ذلك وينأى عن هذه النوايا يعتبر ناقداً فاشلاً ومقصِّراً في توجهه النقدي خصوصاً إن لم تأتِ كشوفاته متساوقة ونوايا المؤلف . هذا اليوم صار النقد عملية كتابة نص جديد . صار الناقد ناصّاً يستطيع ملء فراغات النص التي تركها الناص في رحيله التدويني ، يسير نصّه بموازاة النص البؤرة ، وصارت قراءة نص القراءة فعل إنتاجي قد نتلقاه بمعزل عن النص البؤرة حتّى .

وفي مضمار استفادة الكاتب من النقد المنصب على نتاجه فإنَ الكاتب لا يكتب ليتوجه بخلقهِ إلى الناقد ؛ بل هو يكتب لتستمر دورة الحياة المعرفية ويضع خلقه الإبداعي لبنة تكمل صرح الخلق البشري / والناقد بدوره كمكمِّل لهذه الاستمرارية يضع لبنةً أخرى وهكذا تتوالى إنشائية الصرح الإنساني في عملية السمو الإبداعي الذي يقي تقهقر الفكر الإنساني إلى الوراء .

 

(*) وسط هذا التخبّط  السياسي وخلط الأوراق الدموية .. وسط الإرهاب والاقتتال الطائفي أين يقف زيد الشهيد ؟

   تعودتُ خلال رحلتي الكتابية تدوين الفجائع التي مر بها شعبنا ودارت على أرض الوطن ؛ فكتبت عن الظلم والتجاوزات الخرقاء على حياة الناس . دونت المعاناة وما مرَّت به الشرائح الاجتماعية المختلفة . وضَّفتُ تدويناتي الشعرية في ( أمّي والسراويل ) والسردية في ( فضاءات التيه ) و( حكايات عن الغرف المعلقة ) و( سبت يا ثلاثاء ) و ( فراسخ لآهات تنتظر ) وعديد القصص المنشورة في الصحف والمواقع الالكترونية  لفضح الحيف وتعرية التجني وكشف أستار الجناة .

إنَّ الذي يؤلمك اليوم هو تراجع مصطلح المواطنة على ميدان هذا الوطن وبروز ظاهرة القتل الأعمى على هويات يفترض أن تصطف لتثبت وحدة المصير والتطلُّع .. الذي يؤلمُكَ هذا المد الدموي والشهداء الذين تُحز رؤوسهم أو الذين يرمون على قارعات الطرق بلا ذنبٍ ارتكبوا سوى أنهم أناس بسطاء تشبثوا بأرضٍ ولدوا عليها وصنعوا لها من ذكرياتهم وعشقهم منارات فخارٍ .. بلا جناية اصرّوا على تحملها سوى جناية الإصرار على الحياة ومواجهة وباء الحقد بمفردات الاستهانة لأفكارٍ باتت هوية للغياهب والعتمات لا لافتات للنور والمباهج . لقد أصبحنا خارج حدود الإنسانية ؛ وفي جغرافية لا يقربها الإنسان السوي المتحضِّر . والا ما معنى أن تدمر أسواق ومطاعم وتنسف جسور بأجساد ليس لها هدف سوى أن تحلم بحياة أبدية مزعومة في جنان الخلد ، وضرب مدارس وبيوت من اجل ترويع أناس آمنين .

  

زيد الشهيد


التعليقات

الاسم: محمد الجبوري
التاريخ: 04/08/2010 09:02:28
حوار ممتع ولكنه تجاهل بيئة الاديب زيد الشهيدالتي نشأ فيهاالا وهي مدينة السماوة ولاسيما وان زيد الشهيد اليوم هو معادل موضوعي لهذه المدينةعلى مستوى الابداع مع احترامي لكل أدباء السماوه

الاسم: زمن عبد زيد الكرعاوي
التاريخ: 11/01/2010 18:56:04
حوارمميز مع شخصية مميزة
اتمنى لكما التوفيق

الاسم: عايدة الربيعي
التاريخ: 09/01/2010 12:25:31
المتحضر ادبا في مملكة الأدب، اراك تمطر شعرا تشتبك بجزيئات الحياة وبكل التفاصيل احيانا
منذ امي والسراويل في الكوفة الحمراء حين اهدوني الكتاب وانا لازلت التحم بتلك الفصول في عتمتي وضيائي

اتمنى لك كل الخير والتوفيق استاذ زيد

شكرا للسيد مصطفى حميد جاسم عن روعة الأسئلة

عايدة الربيعي 




5000