..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


صانع الأسئلة .. رؤيا في شعر محمود البريكان

د. رياض الاسدي

"لقد جعلتني لا نهائيا، تلك هي لذتك" 

طاغور 

 

رواق:

كتب الشاعر رشيد ياسين ذات مرة: إن أبداع البريكان يتقدمنا بمائة عام، ثم كتب بدر شاكر السياب في الاتجاه نفسه: البريكان شاعر عظيم، لكنه مغمور بسبب عزوفه عن النشر.. هذا الكتاب بدأت به على شكل مقالات متفرقة ليصبح بعد ذلك بحثا معمقا وضعته قبل اغتيال الشاعر محمود البريكان (1931- 2002) وكان قسم من هذا الكتاب قد قرأه الشاعر بنفسه، وعلق على بعض ما ورد فيه من آراء حينما تزاملنا في معهد أعداد المعلمين في البصرة، وقبل أن يحيل البريكان نفسه إلى التقاعد بعد مسيرة طويلة من العمل في التفكر و التعليم والعزلة.

وكنت قد نشرت في جريدة العراق عام 2000م مقالة أولية بعنوان (آتون محمود البريكان) قبل اغتياله، ولم أكن أتصور أنها ستتحول إلى كتاب بعد ذلك. ربما لأنها المقالة الوحيدة المطبوعة التي ظهرت للعلن عن الشاعر وقتذاك. وقد ناقش الشاعر معي هذه المقالة بإسهاب وأبدى ملاحظاته كما هي عادته، على الرغم من أنها كانت فكرة أولية في الاهتمام بما يكتب عنه.

هذا الشاعر المهم الذي بقي محافظا على كينونته كانسان حرّ في عصر لم يستطع آخرون النأي بأنفسهم عن هاوية السلطة. وبقي البريكان رمزا واضحا للإنسان العراقي الحر في كلّ وقت وعمل بقوة من اجل الاستقلال الشخصي والحرية والفردية مما أوقعه بطبيعة الحال في حزمة من التساؤلات المكثفة حول معظم مواقفه الخاصة. ولم يكن البريكان بالطبع يستمريء هذه العزلة التي طبعته بطابعها ووشحته بغموضها الآسر، بمقدار ما كانت وسيلته للمقاومة في عصر قلّ فيه الرافضون وشحّ المقاومون للظلم والهمجية.

كتب أرتور شوبنهور:" بالشعر تنتهي سلسلة الفنون التي تعبّر عن الصور باعتبارها التحقق الموضوعي للإرادة " وكان البريكان إنسان حرية وإرادة بالدرجة الأساس، وباحث غريب عن كلّ ما هو ممتع وشفيف وبدائي في هذه الحياة القاحلة التي عاشها في البصرة، كما يودّ أن يصف فيها نفسه غالبا، وفي هذا العصر المروع من الموت والتدمير للإنسان الذي بقي الهمّ الأكبر والوحيد للبريكان دائما.

كانت فكرة الإنسان وسحقه هي محور فكر الشاعر على نحو دائم، ولذلك فإنه لا يعدّ أي نص أدبا مهما كان ما لم يكن يعمل لقضية الإنسان المضطهد في الكون. فعظمة البريكان الإنسان أقوى من عزلته التي فرضت عليه، وفرضها هو أيضا على نفسه، وقوة روح البريكان لا تكمن في انطوائه ولا في استرساله بهذه المتعة اليومية في القوقعة المقيتة، حيث تدور حوله الأبصار والآذان وتترى الأخبار تلو الأخبار، وتنسج على فزاعته شبه أساطير وحول شخصه قبل شعره طوال ما يقرب من خمسين عاما؛ وهو يلوذ بكهف كلماته متحسسا لوعة العالم. البريكان على أية حال يشبه أولئك (القديسين) المنقطعين وسط دير جبلي معزول او في غياهب صحراء لا نهاية لها. إنه واحد من أولئك (المجذوبين) على طريقتهم عاش ومات في القرن العشرين. لكن هذه العزلة الآسرة ما كان ثمة يتوقع لها مثل هذه النهاية الغريبة حيث تلقى البريكان الموت - غريمه الأبدي - وجها لوجه وفي لحظات مروعات قلما عرفها شاعر من قبل.  

 عصر السكين العسكرية

لحظة قفز القاتل سياج المنزل القديم المحكم الإغلاق، كان يعرف تماما كيفية الدخول إليه في تلك الليلة الصيفية الرطبة، ولحظة هوت السكين العسكرية الصدئة المزدانة بحزوز قاتلة على الجسد الناحل الهرم مرات ومرات- قيل سبعة عشر طعنة!- كان اثر الطعنات الوحشية مهيبا على الجثة الهامدة الوحيدة التي جازت السبعين عاما. وكان الشعر القتيل في تلك الليلة  قد لفّ مع الجثة الباردة ببطانية عسكرية قديمة، وعلى عجل، ثمّ ألقيت وسط المنزل.

الوجـه أصفر باهت، غريب، والعينان جاحظتان محملقتان بلا شيء من جديد؛ اجل ليس ثمة ما يستحق التأمل في هذه الوحشية المتناهية؛ وها قد انتهت واحدة من اللعب الخاصة المقيتة التي أوقفت سيل الدم/ الكلمات، سريعا، وكلّ ما هنالك: إن النهاية كانت مفجعة إلى حدّ بعيد؛ وللدقة كل النهايات مفجعة في هذا الأتون الأسود: غريبة وغامضة وغير مسؤولة تلك الأحداث الغريبة التي واجهها الشاعر محمود البريكان؛ لا تبتئسوا ثمة نهايات أبشع منها قادمة؛ تنتظركم؛ لست الأول ولن أكون الأخير، وهذا بعض عزائي؛ فقط أمهلوا نفوسكم قليلا من الزمن ( تلك الراحة الكاذبة) وبعد لهاث طويل من البحث عن الجدوى من كلّ ما كان، وعما كان، وعما سيكون، فسترون بشاعة الجميع: الجميع بلا استثناء!

كأنما العينين تختزنان سرا ما عـــن الخراب الإنساني المبهم، والشعر الثلجي المنفوش يذكر مرة أخرى بموت أحد حكماء بابل القديمـة. وداعا. كان الدم السر الذي ما انفكّ يبرق باللوعة قد لطخ المكان كله تقريبا، وهاهي جثة الشاعر تسكن في وهدة من الزمـن مروعة، أخيرا، وسط المنزل كأي قطعة أثاث عنتيكه. لا ليس وداعا أبدا، بل بداية أخرى ورحلة مفجعة أخرى.

كنت اعرف قاتلي كما أعرف أصابعي، هذه، الباردة أبدا التي تشبه الحصى المتيبس؛ نام على سريري، وأكل من زادي، وشاركني صحن عدسي؛ أعرف كل قتلتـي من قابيل إلى أخر إنسان يلفظ أنفاسه عنوة على هذه الدوارة اللعينة، يا لها من فترة مبهمة؛ حينما يخرج الواحد منها ويجد نفسه متشظيا: كان قاتلي يتجول بين كتبي وقصائدي وأحجاري وأسطواناتي وأنفاسي أعرفه جيدا وهو لم يعرفني ابدا، يصعب علي بعد ذلك أن أثق بكائن مخلوق: لا ثقة إلا بما أخلق أنا هنا على ورقي. لكن ما فائدة التجارب بعد الهاوية. هاأنذا أرقب الدم المتدفق من جسدي بلون الحبر لكنه لا يشبه الشعر، هل يمكن للنصوص ان تسكن هذا السائل الغريب؟ بم كنت أكتب إذن بهذا السائل الشحيح؟! هاهو دمي وهاهو قاتلي وهاهي نصوصي امامي: لم يهو عليّ بسكينه الآن، قاتلي طعنني منذ أن تهت في تلك الصحراء العميقة التي لم أعرف الخروج منها؛ كلّ الاتجاهات واحدة، وكل المسافات متماثلة؛ كنت أحد أولئك القادمين الغرباء من جوفها: قبائل المتوجسين والممسوسين والكهنة والعرافين والصعاليك والناجين بجلودهم العارية فقط؛ أولئك الأخيرين ممن أسهبوا في خداع ذواتهم طويلا أكثر من أية قبيلة معرفية أخرى أقرب إلي من أي كائنات أخر؛ القبائل الباحثة عن الماء بلا جدوى وسط تيه تاريخي دائم: كل أولئك على حدّ سواء مني؛ أعرفهم ويعرفونني ومن لم يقرأ ما كتبت من قبل يمكنه الآن أن يسمعني؛ كنت معهم دائما كظلالهم الحبيسة؛ ماتوا ميتتي، وتاهوا معي، وتهت معهم، ولم نكن نملك غير الكلمات. كنا جميعا غير عابئين بالقادم، فلعبنا معا، العظم الليلي الضائع، وألعاب التمويه بالمعرفة والاكتشاف، ثم كنا الخاسرين جميعا في النهاية- ولا نهاية قط وليس ثمة رابح في هذا الأتون. ليس ثمة عظم في الظلام أبدا أبدا. لكننا خرجنا جميعا بلا شيء كبيرة تملأ (الشليل) لو كنتم تدركون ذلك.

وان لم يطعنوا بسكين عسكرية مثلي ولم يشخروا وسط الهياج الأبله مثلي، ولم يجثم على صدرهم إنسان لذبحي: ذبحني ذبحني! لكنهم كانوا معي لحظتها وشهدوا ما شهدت. يصعب إيقاف تدفق الدم الآن: هذا السائل الغريب الذي يبقي كلّ ما هو مفجع قائم دائما، ماذا يمكن أن يحدث بعد ذلك؟ اهرق سرّ الحياة أمامي. هذا مـــا يشغلني الآن أكثر من أي سرّ أخر حملته معي ولم أبح به لأحد من المخلوقين. كان موتي أيها السادة قديما منذ أن فكر قابيل بفعلته؛ منذ أن وقفت على حافة العالم، هنـاك، في زمن مبكر من حياتي، حيث صهلت خيول الخليقة لأول مرة في وجهي؛ فبدأنــي الشعر. هل يمكن أن تكون معارف العالم مكورة في لحظة واحدة فقط من تيه في حومة كاملة من ضياع؟ أم في عمى آخر يجلل العيون الهامدات.

القلق الأعمى آتون البداية الفوران الأزلي في البحث عن الروح/عن العالم:

أخبرني نهاية،

الضحك

ولا تنسى أن تتفل!

أبصق

دما أسود،

أو شيئا ما

يشبه الشظايا

تفففففففففففف!!

أيتها الجثة المنتفخة!

هل يتوقف سيل الدم على توقف الشعر؟ أسئلة تؤرقني ليل نهار، هنا وهناك: تلاحقني وتهزا بي. ولا إجابات. لا إجابات تعتصرني، أو تكهربني، وكلما هوت على الجسد الذاوي تلك السكين أو  لمسة حنان بشرية يكاد يكون الفعل واحدا! لماذا أفكر بعد أن جفّ كلّ شئ؟ يراعى للإنسان أن يرى كلّ ذلك دفعة واحدة: سرّ الحياة، وسرّ العالم المغموس فينا، وسرّ الشعر. للأخير سرّ الأسرار من وجهة نظري. دائما. فلتتعظ روحي من روحي لكن الوقت أزف. فلحظة رفع الجسد عن الأرض الباردة رفع الشعر إلى السماء العلى، كان جسدا خفيفا على أية حال مثل ريشة هاربة وسط ريح عابثة؛ كأنه جسد صبي في الثانية عشرة من عمره يركض على طول مسنة نهر جفت مياه منذ قرون.

قتل الشاعر محمود البريكان أخيرا، للمرة الأخيرة رسميا، في الساعة العاشرة تقريبا من مساء 28 شباط عام 2000م بداية الألفية الجديدة، وفي داره الواقعة في حي الجزائر بالبصرة. كان القاتل هو ابن أخت زوجته الثانية (لؤي خضير باقر) إذ أقتحم دار الشاعر بعد أن قفز السياج الخارجي وشرع بطرق الباب الداخلي: طق طق طق! هاأنذا قادم من وجع عالم أخر ليس لك خبرة فيه. أنت لم تختبر العالم بما يكفي يا محمود وكلّ معارفك تأتي من الورق: الورق الأصفر ألحصاري الأخير الذي عزّ على الناس. وكان من طبع الشاعر أن لا يفتح بابه إلا لمن أطمئن إليه، أو له معرفة سابقة به، منوووو؟ انآآآآآآ! من أنت؟ أنآآآ! وبما أن القاتل كان من المعروفين لدى الشاعر فقد فتح له الباب ببساطة مما سهل عليه اقتراف جريمته.

أثير لغط كثيف حول الدوافع الكامنة وراء تلك الجريمة الغامضة لسنا في صدد ذلك الأمر الآن، لكنها في الواقع ربما لا تخرج عن الخلافات الأسرية العادية، بيد أن خطورتها الحقيقية تكمن في الطريقة البشعة التي صفي بها جسد الشاعر الذي جاز السبعين عاما ونيف . ويبدو من خلال سير التحقيقات الجنائية التي أجريت في البصرة وبغداد: إن السرقة كانت هي الدافع الوحيد للجريمة - لكن وراء الأكمة ما وراءها- وربما سرّ الشعر لدى البريكان سوف يسحب معه سرّ مقتله أيضا . 

ولد الشاعر محمود البريكان (أو البريجان كما هي في لهجة أهل الزبير النجدية) عام 1929 من أسرة متوسطة متعلمة تمتدّ أصولها القبلية - كما هو شأن العديد من الأسر الزبيريـة والبصرية - إلى نجد فقد كان أجداده قد هاجروا إلى الزبير منذ قرون وهم يعرفون بالنجادة، وكان المثل لما يزل حيا: نجد ولادة والبصرة حضانه. وكان والده داود البريكان ممن عملوا في إشاعة تعليم البنات في بدايات القرن العشرين في مدينة الزبير، فلقي الرجل وقتئذ عنتا ورفضا كبيرا من أهل المدينة بسبب ولعه بتعليم بني الإنسان عموما. وتربى البريكان في حضن والد تنويري.

يذكر مجايلو الشاعر أنه كان (أنطوئيا) منذ صغره، وهو يعاني من ضعف دائم في بصره، لكنه أظهر تفوقا ملحوظا في اهتمامه المبكر باللغة العربية نحوها وصرفها وآدابها، على الرغم من أن البريكان الشاعر كان قد درس القانون كما هي رغبة والده، لكنه استطاع نيل البكالوريوس عام 1961من جامعة بغداد ودون أن يمارس المحاماة لحظة واحدة. لم يكن الرجل يعنى بالدفاع عن الإنسان إلا شعرا وعزلة وموقفا رافضا أبدا.

درّس البريكان في مدرسة النجاة الأهلية الابتدائية مدة ثماني سنوات، ثم سافر إلى الكويت عام 1953 وله من العمر ثلاثة وعشرون عاما فمارس التعليم خمس سنوات ونصف في مدرسة قتيبة. وبعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958عاد الشاعر إلى وطنه عام 1959 مثلما عاد العديد من العراقيين، أملا بالأوضاع الجديدة التي هيأتها الثورة الوطنية. ومن اجل أن يسهم في التغيير الذي شهده العراقيون كما كان متوقّعا، لكن البريكان وكما حدثني في عام 1989 قال: بأن النظام الملكي في العراق على ما كان عليه من سؤ، إلا إن النظام الجمهوري هو الأسوأ دائما من حيث قضايا الحرية والدستور والقانون. ولعل ذلك الموقف يعدّ مدخلا لتفهم مواقف البريكان من السلطة السياسية ورغبته الدائمة في الابتعاد عنها، بل أن ذلك الموقف انسحب على الحياة العامة للشاعر أيضا، وامتدّ ليطال الأحجام عن نشر شعره طوال أكثر من أربعين عاما.

وهكذا أصبح شعر البريكان يتداوله المثقفون على نطاق شخصي باستثناء حالات قليلة أو نادرة سمح الشاعر بها بنشر نتاجه الإبداعي، بل حدا به في المدة الأخيرة من حياته - حينما وجد ذلك خرقا لعزلته إلى أن يرسل تنويها إلى الصحف والمجلات العراقية - وربما بعض المجلات العربية - إلى عدم نشر أي نتاج له ما لم يكن مختوما بختمه الخاص!، حفاظا على استمرار طريقته في التواصل مع الآخر من وراء حجب. لم يكن البريكان يحب العزلة لذاتها لكن السنوات الطويلة التي سبرها غورها، جعلته شخصا مختلفا لا يجد وسيلة للدفاع عن مملكته إلا بتلك العزلة.

وحينما حمل جسد البريكان إلى مقبرة الزبير التاريخية الشهيرة في تلك الليلة الرطبة،يتبعه ثلة قليلة من اصدقائه، وبات من الصعب معرفة مصير أشعاره لحظتها، وعما إذا أمكن الحفاظ على كلّ شعره غير المنشور؛ بدأت واحدة من أهم القضايا في موروث البريكان الشعري. سار خلف النعش الحالم بعالم آخر أقل قسوة وأقل عنفا أناس قليلون، مثلما هو تشييع الشاعر بدر شاكر السياب، من قبل، إذ لم يجر تشييع يليق بالشاعر الذي يعد واحدا من أكبر شعراء الحداثة في العالم العربي، فهل كان البريكان يتوقّع لنفسه مثل هذا الموقف؟ وهل كان يدور بخلد احد تلك الميتة البشعة؟! ثمّ دفن الشاعر أخيرا في مقبرة الحسن البصري إلى جانب أكابر الشعراء والعلماء في تاريخ العربية.

(مسحورا بنداء لا يفهمه

منتزعا من مملكة الأفراح الأرضية

مغتربا حتى عن نفسه

يخطو نحو الباب)

                                                         ( المأخوذ 1992 )

إن الاغتراب الذي نشر أشرعته في شعر البريكان وعلى سلوكه اليومي هي الغربة في الأدب المتلبسة ذاتها التي عاشها الشاعر بين ظهرانينا، وقد عبّر عنها على نحو بليغ في وصفها " مغتربا حتى عن نفسه " وهو يخطو إلى باب عالم آخر ربما أكثر غرابة عن عالمنا الأرضي. ويأمل البريكان على أية حال أن يكون ذلك العالم الافتراضي الذي نسجه على مدى عقود من العزلة أكثر حرية، واقل قسوة، وعنفا من عالمنا الأرضي. لكنه في النهاية لم تستطع كل تحوطاته الحيلولة دون ولوج الحزن إلى مملكته نفسها حيث مارس معه أشدّ أنواع العنف الجسدي.

عاش الشاعر كتابته حياة ومماتا، ومن الصعب أن نفصل شعر البريكان عن سيرته الشخصية. فامتدت الغربة البريكانية إلى حياته الاجتماعية، إذ حمل الصمت طاقة هائلة على مواجهة الذات/ العالم وعبّر عن ذلك في أدق التفاصيل اليومية. كتبت زوجه الثانية الشاعرة عدالة العيداني:

( فطوبى للحدود

 لصبر الأنبياء

طوبى للبريكان

في صمته هزّ محافل الأدباء

لا شعراء

لا شعراء

الماء نصل

والمبتغى بغاء) (*)

قتل الشاعر محمود البريكان ولم تسعفه كلّ احتياطاته بدءا من سياج منزله العالي وحتى إقفال الدار الخارجية والداخلية. لم تنفعه طريقة كسر لسان قفل الباب الخارجي الرئيس لكي لا تفتح من الداخل إلا بمفتاح خاص، فقد تسلل القاتل لؤي إلى المنزل على الرغم من كلّ ذلك الولع بالتحصن. ما الذي سرقه من الشاعر في تلك الجريمة الشنيعة؟ جهاز CD مع بعض الأقراص؟! لم يجد كما يبدو لدى الشاعر ثمة أوراقا خضر من فئة مائة دولار.. كان الشاعر حريصا على وضع ما يملك في البنك: نقوده مهمة كقصائده. قتل لؤي محمود البريكان في ليلة موحشة، ثم ذهب لمقابلة امرأة في سجن الرشاد للنساء في بغداد. من الصعب التأكد أن القتل كان بدافع السرقة فقط.

( على الباب نقر خفيف

على الباب نقر بصوت خفيض ولكن شديد الوضوح

يعاود ليلا

ويخفت

افتح بابي

وليس هناك احد

من الطارق المتخفي؟ ترى؟

شبح عائد من ظلام المقابر؟ 

ضحية ماض مضى وحياة خلت

أتت تطلب الثأر؟

روح على الأفق هائمة أرهقتها جريمتها

أقبلت تنشد الصفح والمغفرة؟

رسول من الغيب يحمل لي دعوة غامضة

ومهرا لأجل الرحيل؟)

                                                         ( الطارق 1984)

هل كان الشاعر يتنبأ موته؟ رؤية متأنية لنص الطارق تؤكد بوضوح إمكانية وقوع جريمة (ما) مستقبلا ضدّ الشاعر؟ لم يكن البريكان يزرع كلماته كيفما اتفق على أرض الورق الأبيض، فقد كان رجلا مهووسا بالوجود والمصير، حدوسيا عارما، وعارفا جيدا بالأفكار التي تتناول الموضوع ذاته بسبب ولعه بالفلسفة والموسيقى والصخور والتأمل الذاتي . وللبريكان حدوسه الخاصة المنتشرة في نصوصه كفيروسات لصيقة، وربما تكون هذه من أكثر اهتمامات الشاعر غموضا.

لكن، ما حكاية ولع البريكان بالصخور؟ هل كانت أشكالها توحي له بشيء يتعلق ببداية العالم؟ وهل كان يحتفظ فعلا ببعض منها في منزله؟! هاهو يحاول فكّ رموز الطبيعة من خلال تأملاته وحدها. وهل كان ولوعا بتلك الصخور الغريبة التي ورثها من الجزيرة العربية خاصة؟ ولماذا هذه المنطقة بالذات؟ أهي مصدر إلهام البريكان ألسلالي حيث تمتد جذوره إلى هضبة نجد؟ ربما أمتدّ اهتمام الشاعر بعلم الجمال على نحو غريب إلى الصخور أيضا في محاولة أخرى للبحث عن الذات. هذا البدوي العاثر الذي جاءت به نجد إلى البصرة. فالشعر الحديث في مرجعياته المختلفة ثمة أكثر من مستوى فيه، وبصفته شاعرا كونيا كانت الصخور تكوّن معلما رئيسا للوجود كله. هل احتفظ بصندوق خاص من الصخور الغريبة من اجل المباهاة؟ وما علاقة هذا الولع بتجربة ت.س أليوت عن تاريخ الصخور؟ لكل منهما صخوره ومباحثه، لكن البريكان كانت تعنيه تجارب الكبار في الشعر: طاغور، أليوت، باوند، رامبو، طرفة بن العبد.  

وجهه أبيض مشرب بحمرة شفيفة دائمة، وشعره القطني المتطاير، ونظارتاه السوداوان القديمتان؛ كان يحث خطاه المتسارعة في الساعة الثامنة والنصف تماما، كما هو الدوام الصباحي، خارجا من مملكة عزلته، ليبدأ يوما أخر من العزلة، تماما كما يحدث في كلّ يوم في هذا الكون الفسيح؛ وصولا إلى بناية معهد إعداد المعلمين القديمة التي كانت تابعة  للإرسالية التبشيرية الأميركية إبان الحرب العالمية الأولى، وحده كان يسير البريكان دائما. لا يحادث أحدا طوال الطريق: طقس من المشاهدة اليومية وهو يحمل حقيبته السوداء العتيقة الأثيرة. من ذا الذي يمكنه أن يقطع المسار اليومي الأزلي؟ كان البريكان منضبطا في مواعيده إلى حدّ الدقيقة. ومن الصعب أن تجده يوما قد تأخر عن درسه. ربما لم يحدث ذلك إلا في حالات نادرة وطارئة. فالرجل مهووس بالزمن إلى حدّ التعبد: يجلس على كرسي الدرس واجما قليلا، ثم يبدأ بطرح مادته وهو يمسح نظارتيه. لم يحبه الطلبة كثيرا لكنه لم يجد ثمة مشكلة مع طالب - على ما أتصور- خلال مسيرته التربوية التي امتدت عقودا طويلة. قميصه الأبيض الصيفي النظيف دائما، أو سترته السوداء مثال القديس الذي ينبغي ألا يهاجم؛ متجهم, حزين، وحذر غالبا.

الزمن بالنسبة إلى البريكان أفعوان ناري رابض في نهاية الطريق التي يتوجب على الجميع اجتيازها. يراه من خلل الانسحاب اليومي بعد جهد بالغ في ترتيب المعارف لطلبة (حيمره) غير معنيين بشيء. غريب عن عالمه. متعال. هو نفسه لا يدرك كثيرا معنى غربته التي عاشها يوميا. قال: ساعتي هذه وساعة القصيدة ؛ لحظتنا البيولوجية: أن يكتب احدنا؛ فهذا يعني أن يخاطر بزمنه. الكتابة أهم من لا شيء العالم. لكن الأفعوان رابض هناك، تراه أليس كذلك؟ ذيله اخضر: ركب المركز الثقافي للجامعة أخيرا من مثله في هذا الزمن الأغبر: وهذه هي المسألة كلها. وفي لحظة المواجهة ينفرط العقد كله مرة واحدة دون أن ندرك أن ليس ثمة من غرز الحبيبات من قبل؛ يصعب جمع حبيبات أثناء الركض أمام الأفعوان أو إلى جانبه يا صديقي. مهنة الركض لا تستمر طويلان ويمكنك على أية حال أن تختار ظلا ما بالقرب منه أو بعيدا عنه؛ المهم أن لا يلتفت إليك! ألا يكتشفك!

أنت يا صديقي لم تجرب ذات يوم دلق قنينة حبر أزرق في مغسلة المنزل، ولم تعتن بالصخور ولم تسافر في قطاري الصاعد إلى بغداد ومحطاته الصحراوية المتتالية؛ تلك الصخور الزرق الغريبة الجاثمة في صندوق العائلة قطاري الروحي الآخر. وكونشرتات شوبان في الصباح الباكر تضفي على الرحلة نوعا ما من التكيف الوهمي أو السذاجة أحيانا. ما افرغ أن يعيش الإنسان بلا موسيقى؟ وما اشد أن يعتاد أصواتا مبهمة وهي تنهق به؟ قبل البدايات كلها كان الصوت: الصوت قبل الكلمة دائما. حلزنة تسرقك من الزمكان لتلقي بك في غيابة جب: الجب هو المعرفة في سيارات البدو كلها. والمعرفة الم غالبا: ديكارت. ومن إدراك ماذا يمكن أن يحدث هناك - بلا أصوات- ونحن نغادر في هذا البرزخ العجيب: العالم؟ ذلك النزوع الفراشي المتطاير نحو الضؤ يمكنه أن يجيب بطريقة أكثر جمالا: تلطيف البشع وترويض القذر لكن القبح والبشاعة هي المضامين النهائية:

( الفراشة لا تستطيع القراءة

رفت بكل رشاقتها

دخلت وهي ترقص

وانطلقت في رحاب المكان..

لمحت فجوة وانعكاسا من الضؤ

فانجذبت نحوه

سقطت وسط هاوية معتمة)

                                                   (متاهة الفراشة 1988)

كنت وحدي كتلك الفراشة التي فقدت صوتها. ولا شيء يثمر عن أية معرفة غير عبء الألم. فالإنسان يلاحق الضؤ كالفراشة دائما، منذ عصور سحيقة: تصرعه الأسئلة وتطوح به اللاإجابات الغامضة، تجتثه من جذوره المعرفية وتلقي به بعيدا بلا أدنى فكرة؛ لكنه لا يسأل كالصوفية ولا يجاب من المشايخ المتلفعين بالبياض في مقبرة الحسن البصري من المجذوبين والزهاد والمنقطعين؛ بل هو بحث معرفي أخر: كان الشعر بيانه الأول ووسيلته الوحيدة ضدّ الهاوية.   

حداثة الصوت

ربما ما اكتبه هو إعادة توصيف علمية لوجهات نظر عديدة حول الشاعر نشرت في الصحف أو المجلات أو أحاديث الأدباء الخاصة أو على موائد مقاهيهم من معارف ومجايلي البريكان، وربما خرجت قليلا عما كان مألوفا أيضا. لكن ما دفعني إلى الخوض في هذا المسلك الشائك هو تلك الطروحات والأحكام المسبقة حول الشاعر التي تناولت قضية عزوف البريكان عن نشر شعره؟ وموقفه من العالم الفلسفي/ الشعري والمعيش. ربما ترى الشاعرة لميعة عباس عمارة ان قضية (الريادة) في الشعر الحر هي التي جعلت من البريكان معتكفا ومتعدا طواعية عن الظهور، ثم توج ذلك الوضع برفض نشر نتاجه كنوع من الاحتجاج و(اللانتماء) ولوقت طويل(3)  وقد أجريت ذات مرة مع البريكان حديثا خاصا حول مجمل الطروحات حول شعره، فأبدى استعدادا لتفهم مقدماتي الأولية؛ لكنه كعادته لا يرغب بان تتحول إلى عمل يشارك فيه: يتركك الرجل وسط حيرة دائمة؛ ليس رغبة منه في ذلك أو استمتاعا بهالة الغموض حوله، ولكن، هو نفسه لا يملك إجابات عما تسأله؟ البريكان صانع أسئلة بالدرجة الأولى.

ويعزو بعض المهتمين بهذه المسألة وشعر البريكان خاصة ذلك الأمر إلى طبيعة المرحلة التاريخية التي عاش فيها الشاعر وفلسفته الخاصة نحو العالم. بيد أن المسألة لا تتعلق بذلك الوضع كثيرا، من وجهة نظري، ولا يمكننا أن نجد في مثل تلك التعميمات ضالتنا على أية حال. لكن القضية تبقى أوسع من ذلك التبسيط. فالرجل كان يخشى من "العالم" ويرى فيه مدعاة للعنف والسخرية والعبث المنظم - التعبير له - أكثر مما كان يرى أن ثمة جدوى ما - أية جدوى محتملة تستحق العمل به. لا شيء تبقى لنا من هذه المحنة غير التأمل. وحتى هذا الأخير غير مجد في ظل كلمات مرصوفة هنا وهناك. إنها (نهلنستية) متغطرسة تضرب جذورها عميقا في الروح كدين جديد.

ولم يكن رفض النظام السياسي وحده سببا أساسيا لهذا الموقف كما يحاول أن يؤل البعض ذلك. الحال اكبر من السياسة إلى الموقف من العالم كله. وكانت تجربة السياب السياسية المفجعة مثلا طالما وجده حيا أمامه وما آل أليه ذلك الشاعر الكبير. قال البريكان: " لن أعمل في أي نظام سياسي حتى وإن كان سيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملّئت ظلما وجورا!" القول نصا له. 

وحينما نتناول شخصية وشعر الراحل محمود البريكان قد لا نأتي بجديد بعد سلسلة البحوث والدراسات المختلفة سواء التي كتبت في حياة الشاعر على قلتها أو بعد رحيله القسري عن عالمنا.. وهذه مسألة  طبيعية في هكذا نوع من الكتابات الخلافية المشوبة بالتـأويلات.. بيد أننا نحاول من زاوية أخرى أكثر مقاربة. فقد كان البعض يرى في عزوف الشاعر العظيم محمود البريكان عن نشر الشعر، والوقوف تحت الأضواء، والعمل في المهرجانات والدعوات العمة والخاصة فرصة للظهور، وهو موقف مشوب بخجل كبير تطامن مع شخصية الشاعر ورغبته في الانزواء الدائم لشعوره باللاجدوى.. لكن القضية أوسع من كونها خجل طبيعي بحت أيضا؛ إنها موقف من العالم المفتح العيون حتى بعد إغماضنا نحن آخر نظرة - أية لعبة سوداء مروعة. كما إنها ليس عدمية ككولاج ستيني على أية حال. وهي ليست رغبة بإحاطة نفسه بالغموض كما يكتب البعض.. قتل في البريكان اثنان: رجل غال، ورجل قال.. هذه العبارة هي وصف للإمام علي في موقع نفسه من الناس.. كررها البريكان مرات عديدة. وطالما رددها إلى مقربيه وخواصه.

تعمق البريكان في الموروث العربي على نحو يدهش من زاره واطمئن له. كان قارئا نهما للتراث العربي مثلما هو نهم في الموسيقى الكلاسيكية والأدب الإنكليزي. هذا الخليط المتوازن الرؤية كون أتون البريكان؛ ولم يكن عالم البريكان غير تأمل وشعر وفكر متوحد. سيل من الأسئلة الدائمة ولا إجابات محددة غالبا. كانت الأسئلة الفلسفية تتحول إلى شعر خاص.

وعلى حافة العالم، حيث يتشكل عالم آخر، مختلف، بعد أن تطوى كل الأشرعة، ويستريح المسافر دائما على بقعة من الثلج كونتها في اغلب الأحيان ريح قديمة: في ذلك الوضع الذهني/ العقلاني، وفي كلّ مخرجات فوضى عالمنا المتجمد؛ تبدأ خطوات أخرى للمسافر الغريب هذه المرة؛ ولكن بعد استراحة قصيرة من التأمل غير العميق في ذلك المكان المفترض في نهاية صفحة من رحلة العالم الشاقة. هذه الرؤيا تتحول من الشخصي إلى الشعري على طبق من روح قلقة تخترق المرئي إلى اللامرئي؛ بداية قداس لروح شاعر كوني؛ يقف، بغرابة على حافة العالم؛ ولكن أي عالم: هو العالم الذي يكتشفه بنفسه وتوجسه بروحه الوثابة القلقة دائما، وليس عالمنا نحن: من هنا تبدأ حداثة الشاعر في علاقاته بالكون قبل أن ينشئ أية علاقة أخرى ممكنة.    

وحداثة البريكان من النوع الكاسح cataclysm التي تجتاز ذلك النوع من حداثة التقليعة البسيطة، أو الحداثة الناتجة عن ردة فعل بإزاء أحداث وأوضاع بحد ذاتها؛ إنها كافية في ذاتها(1) ولا تترك حيزا إلا وأحدثت فيه عاصفة من التساؤلات الصعبة التي لم يجب عنها منذ آلاف السنين: هكذا هم النساك في أعالي الجبال شعراء قمم العالم. وهذه التساؤلات لا تترك بنى حضارية أو فكرية إلا وقوضتها، كما إنها حداثة في الوقت نفسه تقترح عالما مليئا بالتساؤلات ومشحونا بالرغبة الجسدية، وبالرغبة بالمعرفة ليكون قاعدة جديدة بإزاء عالم لا يستحق منا إلا.. لا يجيب البريكان غالبا عن ما يستحقه العالم منا مطلقا ويترك ذلك لتقدير المحاور الذي لا يتوقع أن ينشر ذلك في صحيفة أو مجلة أو كتاب: إنه حوار بين أثنين لا ثالث لهما غالبا.

ويقترح البريكان علينا بغتة (الريح) كمعادل موضوعي آت من عمق تجارب الماضي ليؤدي الفعل: (على الثلج ريح قديمة / زفزفة الرياح / تعيد الذكرى حلم غابر) - نص قداس لروح شاعر على حافة العالم 1970 . فيؤثث البريكان نصه على نحو درامي واضح؛ ففي الوقت الذي يترك فيه الشاعر المقطع الأول بلا تسمية، وقد تكون هي من مكونات صوت الشاعر نفسه يبدأ المقطع الثاني بالصوت (2) ( الدب الأكبر يظهر في أفق آخر) أما الصوت (3) (بنات نعش تختفي في الفلك الأحمر) ثمّ يأتي الصوت رقم (1) ليؤكد ما كان يتوجب عليه أن يقال منذ البداية: ( زفزفة الرياح / تعيد ذكرى حلم غابر) لكن البريكان يعود في الصوت الثاني معلنا: (الريح القطبية لا تنقل رجع الصوت/ لا تنطلق الصرخة/ لا يتذبذب في الريح سوى نفس الموت) يعرف البريكان كيف يستخدم مفردتي الريح والرياح بما تخدم تدفق الصور والمعاني في النص.

إن حداثة البريكان كونية، وهو يفكر مليا بما يكتب ويكتنفه هاجس البقاء والزمن الآتي . قد يستغرق النص الواحد لديه سنين طويلة ليخرج إلى النور. وربما يجد البريكان في إخراجه قتلا له أيضا. إنه نص غير مكتوب لنا بمقدار ما هو مكتوب له وللآتي دائما. ولذلك فالشاعر غير معني بوضعه على صفحات جريدة أو مجلة أو كتاب.

ويرافق عمل البريكان الشعري تضافر ملحوظ من التخطيط الفكري والقصدية المتناهية والدقة في آن. لكنه يستطيع وببراعة أن يجعل تأثيث نصه الخارجي مفيدا ومحاولة جعله جسرا لفك بعض غموض تكويناته الداخلية. فتقسيم نص " قداس لروح شاعر على حافة العالم" تعكس الحداثة الكونية المبكرة للبريكان، فعلى الرغم من تقسيماته الدرامية للنص، في الأصوات والجوقة، وصوته هو - أي الشاعر- إلا أن النص يظهر في الوقت نفسه قصدية البريكان في اعتبار العالم محض (دراما) مكتوبة يمكن للشاعر وحده أن يرويها لنا من مركزه الفكري أولا.. وقد أفاد البريكان في قصيدته أنفة الذكر من التراجم التي نشرت عن آينشتاين عالم الفيزياء المعروف، وكذلك من نظريته النسبية التي شاعت في عهد الستينات في الثقافة العربية على نطاق واسع. ولذلك فإن الشاعر يهرع إلى الكون الفسيح مدججا هذه المرة برؤية علمية خاصة، وفي محاولة محمومة لبثّ تساؤلاته الفلسفية والشعرية في آن. ظهر ذلك بوضوح كبير في موقف الجوقة المصاحبة (عند خطوط الحدود/ تندمج الأزمنة) لقد راعى البريكان تحول الزمن إلى صفر عند حافة الكون.. وهو بفعل النظرية النسبية بلا شك.

وفي نص القداس البريكاني الآخر عن اتحاد الخيال بالواقع المرئي (= الأحلام + الحوادث الحياتية اليومية) يحدث ذلك عند خطوط الحدود بين الحياة والموت، بين الحقيقة والحقيقة المطلقة؛  لكن البريكان حتى هذه اللحظة - لحظة الوقوف عند خطوط الحدود النهائية للعالم- غير عابئ بالمطلق، اللهم، سوى تلك الإشارات الخفية في ابتسامة الأموات للأحياء: تلك الابتسامة الغامضة الناتجة عن رحلة طويلة لا معنى لها. ما الذي نعنيه تلك الابتسامة؟ عبثية الوجود، أم غرابة ما كان؟ تجترح تلك الابتسامة سؤالا لا إجابة له. ثم أن الشاعر يأتي في تلك اللحظة بكل ما حدث منذ البداية وحتى نهاية الرحلة، في عالم صعب، غريب، يقترب من الوهم كثيرا، لكنه على العموم عالم يقترب من الحقيقة القادمة حثيثا. فالحقائق لدى البريكان ليس ما هو قائم أو ماضي؛ بل ما هو قادم دائما. والقادم في فاموس البريكان الشعري قد لا يأتي وقد بأتي لكنه يتخذ صفة الوجود في الحالتين؛ إذ لا شيء (يتشيأ) في ترشّحه إلا به: ترتسم الطفولة البيضاء في صفحة النهاية: العودة إلى المنابع الياسبيرزية في البراءة، وهي النهاية الوحيدة المتبقية من عالم ضاج بالنهايات المغلقة البيض والسود والحمر.. ليس للنهاية لونا واحدا، لكنها النهاية البيضاء وحدها وهي ما تبقى بالنسبة له في هذا النص، ماثلة في النفس، وفي منتهى الحقيقة؛ وهي في الوقت نفسه صفحة البداية أيضا.

هذا اللعب المتواصل بفكر النص يحيلنا إلى قيام علاقة متواصلة بين الألوان والأفكار والتوجسات لدى الشاعر، وربما لا يوازيها من حيث الرؤى القادمة غير العلاقة بين هواجس الطبيعة وصور الأصوات الشعرية التي تفيض بالبياض غالبا وعلى نحو دائم في بناء نصوص الشاعر. فلا مكان في كلّ ما كان إلا للنقاء والطهر الطبيعيين الناتجين عن عالم الطفولة؛ وكأن ما جاء بعدهما محض مدنّس؟ والشاعر على العموم يرتدي قميصا أبيض غالبا! يحاول ان يوازن بين ما يرى وما يسلك  وهذه مهمة شاقة لا يفصح عنها.

وفي حداثة البريكان العلوية، يمكن أن نجد معنى من خلال تفتق معاني تتعلق بسر الحزن الملازم لبني الإنسان؛ وربما يكون ذلك في الوقت نفسه حلا ذا معقولية خاصة لأحزان العالم المتراكمة. إنها ذات اللحظة التي كتب عنها ت.س. لورنس " بدأنا في فجر يوم مشرق، ألهب أحاسيسنا مع الشمس، وبساعة أو ساعتين في صبيحة ذلك اليوم تسللت إلى ذات الإنسان أصوات العالم  وألوانه مباشرة, ولم يتخللها التفكير"(2) إن قداس البريكان الشعري؛ هو التسلل نفسه إلى ذات الإنسان, حيث لحظة تكور العالم التي لم يتخللها التفكير: إنها لحظة الحدس نفسه بمعنى النهاية والبداية في آن، حيث يشاهد الإنسان من موقعه الكوني صورته من لحظة البداية إلى لحظة النهاية وحتى لحظة اللحظة البريكانية؛ إذ لا شيء سوى الموت " نقطة التحول" الكبرى الكامنة في الوجود؛ وهي لحظة تختزل جميع تحولات المعرفة الآتية من عالم آخر. هكذا يعمل الشاعر محمود البريكان على وضع نهاية لدراما العالم عند خطوط الحدود الفيزيائية والميتافيزيقية في لعبة خلق الإنسان.(4)

إن نص قداس لروح شاعر على حافة العالم هي إعلان عن ولادة حداثة كونية نقلت الشعر العراقي المعاصر إلى آتون جديد من الرؤية الشعرية المفعمة بالتساؤلات المحيرة غالبا. وتتحول حداثة البريكان من تناول الكون الأوسع إلى الأرض باعتبارها مركز الكون في الفكر الإنساني القديم.. ففي نص بلورات 1970 يختار الشاعر شذرات من الأحداث الأرضية ليصبها في جسد النص وقشرته الخارجية، وكذلك في تكويناته الداخلية أيضا، وهي بلورات بيض واضحة المعالم تقريبا يمكن لأي عابر سبيل اكتشافها بسهولة.

يبدأ البريكان بلوراته في آتون السكون المطبق الذي غلف الأرض قيل بدْ الخليقة. ( كساعة خفية، قلب الصمت) كانت الصخور - وهي ولع البريكان الشخصي - تنتظر الموعد القادم بالبدء في موقعها عند السواحل القصية؛ إنها توكيد لنظرية الخلق الآتي من الماء أولا. ثم تأتي بعد ذلك ( ساحرة الشجر/ تفرز سما غامضا) وهي تذكر من طرف خفي في اللاوعي بتلك الشجرة التي بدأت منها الخطيئة.. لكن البريكان لكي يموه تلك الخطيئة يصفها ( تفرز سمّا غامضا) ربما هو سم المعرفة الأرضية أيضا في المعايير البريكانية؟ ولذلك فهو يركب مباشرة إلى الحياة في رؤية ( بين جذور الغار/ يمتد جذر العدم الأسود) والغار نبات في الكهف - لكن البريكان يؤكد على نحو مباشر إن جذر العدم الأسود ( = الفناء) يقبع مع جذور الحياة في وحدة من المتناقضات كاملة.(5)

ويعود البريكان إلى الإرث التوراتي باعتباره من أقدم المعارف الإنسانية في تفسير خلق العالم الأرضي ميثولوجيا، إذ يذكرنا بقصة " الحية " ودورها في الغواية.. لكن البريكان يتفتق عن نوع الحيات الغامضة وكان الخديعة لآدم أكثر من واحدة ( تنطرح الحيات/ جميلة تحت مرايا الشمس). ومن المناسب أن نذكّر في هذا المقام بأهمية ذلك الكائن الذي لازم بني البشر منذ البدء، فلولا تلك العلاقة الحميمة التي جمعت منذ البداية في حياة الكهوف، وقدره الإنسان القديم على التعامل المعرفي مع ذلك النوع من الزواحف لأبيد بنو الإنسان في أماكن تواجدهم الأولى. ومن هنا فإن البريكان يضع أنطراح الحياة في تواز مع بدايات أية معرفة إنسانية ( = مرايا الشمس). ثمّ تبدأ بعد ذلك لملمة المعرفة في اكتشاف اللون واللغة: وهما الأداتان التعبيريتان البدائيتان والخلاقتان في عالم الكهوف منذ القدم.

ويجمع البريكان تلك الصور في مصادر عن الخليقة  كخليط من الكتاب المقدس والفكر العراقي القديم في محاولة لحل رموز العلاقة بين الخلق والبشر على نحو شعري(6). ويفترض البريكان في نصوصه الشعرية عموما: بان المعارف القديمة بحكم زمنها الإنساني الطويل جديرة بالتأمل إلى جانب معارفنا الحداثية، على الرغم من أن جميع المعارف القديمة والحديثة هي (خدع) مفروضة نمارسها ونتلذذ فيها، ثم نطرحها سريعا كمضاجعة من طرف واحد. ربما يكون مصدر الاتهام بالخدعة نابع من عدم الثبات في الأشياء وتغير الزمان والنهاية الحتمية الكالحة لزوال العالم.  

وكانت المعارف الأولى التي لا بد للإنسان من أن يتبعها بريكانيا ( أتبع دبيب الهمس/ في غابة الأصوات) ليصبح العالم الموضوعي هو المصدر الوحيد للمعرفة الإنسانية العادية منذ البداية - وهو تأكيد على المنهج الماركسي في نظرية المعرفة - وفي منطقة واحدة يكمن عمق الكون في نوع من اتحاد الوعي بالمادة. لكن وجود الأحلام في تلك الحيوات الإنسانية القديمة تجعل من الإجابة عن كلّ الأسئلة شعريا أمرا عسيرا لدى الشاعر ويكاد ان يصل إلى طريق مسدود بعد سلسلة التساؤلات التي يطلقها في نصوصه؛ حيث تتداخل النقطة بالحلم ويعود تفسير ذلك غريبا: هل نحن في حالة يقظة أم حلم؟ وما الدليل على ذلك غير العادة اليومية والتلقين الذي تعلمناه من أسلافنا؟ هذا التساؤل (البريكلي) القديم في عدم يقينية الحياة، وما الحدود الفاصلة بين الاثنين في ذلك الزمان السحيق؟ وهنا ربما يستطيع الشعر الحديث أن يجد له مناخا معرفيا ببث المزيد من الأسئلة وإثارة العديد من الصور المبتكرة المشحونة بالغرابة. ومن هنا فإن الشعر القديم بقيوده المعروفة يكون الأعجز في التعبير عن الوظيفة الكبرى لطرح الأسئلة حيث تضيق بها الساحات الروحية ولا يمتلك العقل ما يكفي من حرية في اللغة للتعبير عنها. 

وبإزاء تلك المفارقة الغريبة بين الحلم واليقظة، وحرية التعبير وضيق الأفق تنبثق الذاكرة لتكون منعطفا معرفيا جديدا، وضروريا، وهي بحد ذاتها تجميع لمعاني الحلم واليقظة في توليف جديد، واستعادة تكوينية لهما. إنها استقرار دافئ لعموم التساؤلات الإنسانية العارمة التي تجيش في نفس الفيلسوف وتعتمل في روح الشاعر على السواء. لكن البريكان لا يفتأ يتساءل من جديد: من يخرج الإنسان من هذه الدائرة؟ وما الذي نستطيعه بعد كلّ ذلك العنت والتضييق على الحريات الإنسانية؟ هل يمكننا البحث عن الحقيقة من جديد؟ وإذا ما جازفنا بذلك: هل ثمة وسيلة أنجع من العزلة؟ لا شكّ أن علماء الأنثروبولوجيا استطاعوا إلى حدّ ما الإجابة عن كثير من تلك التساؤلات.. ومع ذلك فإن البريكان يشكّ في إمكانية الخروج من سلسلة لا نهاية لها من الأسئلة الخلقية الأولى، وأسئلة المصير التي تقض مضجعه كلما وضع رأسه على وسادة. ويقترح علينا من اجل تلك الحال مفاجأة ودودة وبريئة (ثمة أغنية/ منسية، هيهات تستعاد/ في موجة الأغاني) عن أية أغاني يريدنا البريكان ان تلج ذاكرتنا؟ هل هي الأغاني التي تعلمنها، أم تلك الترانيم الأولى التي بقيت حبيسة المراحل البدائية من ولادة البشرية؟ وفي المرئي أنها ليست أغنية متداولة بمقدار ما هي معرفة خاصة يحتفظ بها لنفسه ويسكت عليها.

الغناء، هو أول ترتيب للأصوات في منح المعنى، وإذا كان البريكان قد حدد صفة الغناء فهو أراد بذلك أن يكون بمثابة الحلقة الأخيرة في سلسلة الأصوات/ الشفرات؛ إذ بدأت في الترانيم والتراتيل في مرحلة متقدمة. هل الغناء هو الحل للخروج من دائرة تفتق المعارف الإنسانية بإزاء كون غامض في ماضيه السحيق وحاضرة العميق؟

يضع البريكان الأغنية في (إطار محايث) فهي على العموم غير الأغاني المعهودة، إنها الأغنية المنسية والغائبة - التي لم يذكرها الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني- عن واقعة التاريخ الانثروبولجي، وهي الإجابة في الوقت نفسه!. فتأتي الإجابة في سطر واحد مباغت أيضا) يمكن أن يصنع تمثالا من الرماد!) على وفق تعجب استنكاري؟ وها هي الاستحالة المطلقة تفرض نفسها، فالرماد، دائما لا يصلح إلا أن يكون رمادا، لأنه النهاية العدمية بعينها، فلماذا يؤول كلّ شيء إلى الرماد دائما؟ هكذا يحاول البريكان أن يقدم إجابة أخرى عن تساؤل: لماذا خلقنا في البداية؟ ولماذا نتحول إلى رماد في الاخر؟ إذا فإن المعاني اكبر دائما من الألفاظ، وما المحاولة الأخيرة في إسقاط الستار عليها إلا حالة طارئة حيث يكشف عنها شعر البريكان الكوني بقوة من خلال تداخل النصوص التي تتناول الموضوع نفسه من زوايا مختلفة: قصة الخلق وقصة المصير. فالحياة لا سحر لها في طورها الثاني اليومي المتكرر، بل في نسختها الأولى الحدسية التي تتجمع فيها المعارف الإنسانية البدائية.

ويعبث الموت بكلّ شيء في نصوص البريكان وينتشر فيها كفيروس مدمر، فلا تبقى أية ثوابت معرفية عن عالمنا الماثل أو ما يمكن أن يؤول إليه الإنسان بعد اجتيازه ذلك البرزخ من التحول الغامض: الهاوية! وإذ يساوي البريكان بين الموت والهاوية وضياع الأحلام، فإنه يصل بذل إلى منتهى عدمية الإنسان، ولا جدوى من وجوده في عالم غامض ومليء بالتساؤلات التي يصعب الإجابة عنها. ثم يعود البريكان من جديد إلى نقطة انطلاقه في اعتبار (الزمن صفر) الذي انطوى في داخله( تخترق الدهور في ثانية/ تنصهر الروح ولا يصدر عنها صوت) فالعدم في رؤية البريكان ما هو إلا غياب للشفرات الأولى من المعرفة( الصوت). فقد صنع الشاعر محمود البريكان من بلوراته مواجهة حادة بينما هو فلسفي وما هو شعري قبل انم يفعل ذلك كثيرون.. وفي توليفة قلّ نظيرها في الشعر العربي الحديث.

 الصخور القديمة                    

 تقترب حداثة البريكان الشعرية من العالم/ الكون/ الأرض/ العدم/ الوجود حثيثا، ويستخدم في ذلك كاميرا زووم، فمادام الأمر يتعلق بالوجود وأسراره فإن اللعبة لا نهاية لها والاتساع لا حدود له. وإذا كان البريكان قد عكف على الاحتفاظ بصندوق من الصخور النارية في بيته، فهو قد حمل معه في روحه صخورا أخر لا تقل أهمية عن صخوره المنزلية الخاصة.

كان البريكان - كأسرة- ينحدر من صحراء نجد العربية، وقد كوّنت الصحراء عالما قائما بذاته في عموم تجربته الشعرية. ومن الصعب فصل البريكان الزبيري الذي عاش في مدينة على حافة الصحراء عن رؤى الصحراء في تكوينات شعره وتأثيث نصوصه وقشرتها الخارجية. ومن الطبيعي أن يبدأ تحديد وجود البريكان كسلالة صحراوية جاءت على شكل مقطع أولي في نص دراسات في عالم الصخور(مزولة عظيمة لشمس في الصحراء/ علامة على رمال التيه) والتيه يعد الرديف الدائم للعمل في الصحراء حتى تكاد لا تكون صحراء بلا تيه غالبا: بهذا التحديد تقع صخرة البريكان الصحراوية كثيمة أولية، وكإشارة على بداية الزمن.

وإذا كان الماء- وحده- بدءا للخليقة الأولى ونسغ الحياة الاميبية، فإن الصحراء بداية للإنسان ودلالة على بدء التيه أيضا. مازال الموروث التوراتي يلاحق البريكان شعريا أكثر من أي شاعر آخر.. وهي إجابة في الوقت نفسه عن تساؤل بداية الخلق من الماء أيضا كما هو في الموروث العراقي القديم في حالة من التزاوج الفكري بين الصحراء تارة والماء تارة أخرى. بيد أن تلك الصخرة البريكانية لم تكن- في الأصل- إلا شاهد قبر الإنسان الذي يحمل عددا لا نهاية له من الأسماء (ظهر آدم) وهي عبارة عن ملصق(كولاج) لعموم بداية الإشارة للخلق الإنساني المدنس: الأسماء حيث يرسم البريكان تلك الصورة - وكذلك صورا أخر رديفة- للاعتذار أو التملص من الإجابة وربما هو لا يمتلك الإجابات أيضا؛ تلك الغنائية لا تشتمل على شكل النص فحسب، بل تكاد معرفتها تكوّن وحدة متصلة من الانفعالات الممزوجة بالتساؤلات الدائمة.

فالبريكان يميل منذ البداية إلى الإخفاء الدائم، وخاصة ما يتعلق بقضايا الوجود والخلق، ففي صخرة البريكان الثانية يذهب بعيدا إلى عمق الحركة الداخلية في الطبيعة غير المرئية( حوادث غريبة/ تحدث في بواطن الصخور/ بلورها المكنون/ أشعاعها الخفي/ سطوحها). إنه يرصد عملية التكون عن كثب، ويتعامل مع أدق التكوينات الطبيعية فيذكّرنا بأن ما حدث كان غريبا عنا، وغريبا علينا في آن؛ ولا يريد لنا فيه ما نريده نحن؛ وما نحن في حقيقة أمرنا إلا مجرد أناس مراقِبون فها هي ذا هندسة الشظايا تكشف لنا عن رياضة اللعبة ودقة التكوين. فالقوى الغامضة هي التي تقود اللعبة من وراء كواليسها السود. يظهر ذلك في الصخور الصماء التي تستعصي على الإجابة، فعلام لا يدرك البشر الصخور وكلامها السرّي كما يفعل الشاعر؟

علينا أن لا ندع ذلك إلى المصادفة العمياء وحدها لتفعل فعلها.. ومن هنا فإن من خلال عمق تكوينات الأرض يمكننا معرفة أبجدية العصور من العصر الحديدي إلى العصر الحجري الذي لما يزل مستمرا مجازا في مدرسة البريكان الشعرية. وكلما حدث في الطبيعة هو إضافة معرفية لنا جديرة بالتأمل, ولذلك وصف عنوان نصه بدراسات؛ لكنها بالطبع دراسات شعرية ممتزجة بالرؤية الروحانية أيضا. وهي ذات إيحاء كوني " غنوصي" ومن نوع خاص. ولذلك وصفت الناقدة العربية سلمى الخضراء الجيوسي الشاعر محمود البريكان " شاعر ذو أصالة عظيمة ونظرة كونية" وتكاد صفة الكونية في شعر البريكان يتلمسها غير باحث في شعره، وخاصة ما يتعلق بالدلالات الفكرية الحية، وكذلك قلق الإنسان من مواجهة مصيره التحولي نحو عالم أخر لا مفر منه.

ويتابع البريكان صخوره في مشاهد مختلفة، وتجده في أقرب صورة إلى لغة العلم الحديث (للنظرة الأولى: توازن الكتلة/ للنظرة الثانيةـ تمثال وجه صارم يستطلع الأفق/ للنظرة الثالثة: قصيدة التكوين) ويغلب أسلوب التقطيع الشعري السريع والصوري المترادف على بناء النص وتكويناته الداخلية. فتبدو قشرته الخارجية كأنها كاميرات ترتب حدث الخلق من جديد. فاليقظة الأولى: توازن للكتلة بعد اختلال سبق ذلك: هي النظرة الأولى لدوران السدم الكونية الأولى. ثمّ بعد ذلك ثمة استقرار يمكن للرائي أن يرقبه بصعوبة بين الكلمات المتسارعة التي تحتمل الكثير من المسكوت عنه، حيث تظهر الصخرة في اللقطة الثانية وقد باشرها أزميل نحات لم يعلن عنه: وجه صارم عنيد - ربما هو وجه الشاعر أيضا- يستطلع الأفق المجهول مرة أخرى في عملية خلق أخرى. هكذا تتحول الأشياء المجهولة إلى صور شعرية معلومة وذات صبغة علمية وفنية.

أما النظرة الأخيرة، فإن الصخرة الفيزيائية تنتقل إلى الذهن مباشرة لتستقر كنص تكوين أولي. لذلك لا بدّ من أن ننظر إلى الإبداع الشعري البريكاني من خلال المرجعيات المختلفة التي تطامنت فيه وعلى الرغم من أن الشاعر يحاول جاهدا إخفاءها من حين لآخر كنوع من التمويه الجمالي. فقد صنع البريكان واحدة من أهم طرق الكتابة الجديدة قبل الأوان. ففي بلوراته ثمة - دائما- مواجهة ما مع الذات والعالم حيث يتشرّب احدهما الآخر في عالم من البدائية البريكانية المنحوتة.

ولنلاحظ وصف التكوين للخلق البريكاني الذي يحيلنا إلى العهد القديم المنهل الكبير والدائم للشاعر وخاصة ما يتعلق بسفر التكوين حيث يريد البريكان أن يبزّ الخلق بسفر من تكوينه الخاص؛ ليس محاولة في التقليد بمقدار ما هي محاولة للعناد الخبري التقليدي المتوارث.

وفي مشهد (صخرة على طريق جبلي) يسطّر البريكان وصف لون الحديد الخام الأحمر في الصخور النارية التي لفظتها البراكين منذ ملايين السنين، إذ يؤكّد البريكان شيخوخة خطوطها الأولى. ثمّ يأتي بغتة بآلهة قديمة لعالم منسي لا أسم لها، ولم تدون في كتب تاريخ الآلهة، لتنفطر الصخرة الحمراء تحت دوي رعدها الذي ارتبطت به دائما، حيث تبدأ الصواعق القديمة للآلهة القديمة: المشهد نفسه يعاد مرة أخرى في عملية من الغياب مثيرة. ما الذي بقي لنا من بعد نهاية هذه العملية المتعاقبة في الموروث والنص؟

إنه نص التكوين من جديد الذي يخبرنا به الشاعر كناقل للخبر- وهو من صنّاعه أيضا- في محاولة من الإخفاء غير مجدية. لأنه الوحيد القادر على نقل الخبر على ذلك الفعل المعرفي الفاضح. ثمّ تتعقد الصورة الفكرية على نحو مذهل وسريالي إلى حدّ ما حيث يكون مشهد ( الصخرة في محطة) ماثلا وحيا، ولتتحول صخرة البريكان - هذه المرة - إلى أم متناهية تترك ذراعيها مفتوحتين للقادم المتعب؛ إنها صديقة الجميع في هذه الصورة؛ لأولئك الراحلين نحو المجهول. الأم رمز الخليقة في قاموس البريكان الشعري وهي مستقاة من الموروث العراقي القديم.

الصخرة العتيقة الكهلة والممتعة في آن. نحرس الأمتعة المغبرة القليلة وغير المعرفة. لكنها في النهاية تحمل سرّ المعرفة في ظلام العالم أيضا!. وتتماهى صخور البريكان دائما مع الكائنات الإنسانية العاقلة التي تسبر أغوار المعرفة الباطنية. فالبشر صخورا صلدة أحيانا وهذا لا يعني أن موقف البريكان من الناس سلبيا على العموم فمن الصخور مما يشقق ويتدفق منه الماء أيضا. وإنها ليست صخورا مما نعرف على أية حال ومما خبرناه في الجيولوجيا الإنسانية. فيمكن لتلك الصخور - على سبيل المثال - فكّ رموز حروف طلسم الخليقة شعريا! لا شكّ بان البريكان أراد أن يمنح صخوره إمكانات خارقة للعادة، مما يصعب على المتلقي فهم ذلك. لكنه جميل بعد الـتأمل العميق. يريد البريكان من المتلقي مزيدا من التأمل غير الهش. ربما كانت حياته الخاصة وولعه بالجمال الإنساني عموما والأنثوي خاصة هو الذي غيّر إلى حدّ ما من (قداسات) قديمة درج عليها الشاعر وانتفض عليها في أخريات سنيه. وكثيرا ما كانت حياة الشاعر هي انعكاس لروحه الشعرية وليس على الضدّ من ذلك.

هل أراد البريكان في نصوص (قداس لروح شاعر على حافة العالم) و(بلورات) و(دراسات في عالم الصخور) والتي يؤشر تاريخ كتابتها عام 1970 قدرة الشاعر على رسم منهج خاص به في الشعر من خلال نماذج عديدة مطروحة؟ وهو على العموم منهج يشترك في جغرافية واحدة من حيث التنويه عن العالم باعتباره محايثة شعرية أولى، وباعتبار "الأنا" القوة الوحيدة الحيوية والفاعلة فيه. ولم يقصد البريكان من إعلانه هذا - كما يبدو لأول وهلة - إفناء ذاته في العالم الفيزيقي أو الاتصال بقوى من خارجه..؟ كما يفعل أولئك الشعراء من أهل الطرق أو أهل الطرق (العرفانية) ممن سلكوا في الشعر سبيلا. وربما كان شاعر الهند الكبير طاغور هو الأقرب إلى الروحية البريكانية في هذا المجال(7) فقد بقي البريكان ينؤ بروحه وقلقه حتى اللحظات الأخيرة من حياته.

ويحاول الشاعر البريكان أن يميز روحه عن كثير ممن سلكوا طرقا دنيوية شعرية اخر؛ نجد مثل هذا الأمر واضحا في نقده الشخصي للشاعر سعدي يوسف وما قدمه من نصوص سياسية عدها البريكان مثالا للسقوط الشعري كنصوص " في الذكرى المئوية لميلاد لينين " خاصة. كما أن البريكان بقي محافظا على توازن " عقله الشعري" في الحيلولة دون سقوطه أسير أية دعاوى إيديولوجية سائدة. فالشاعر من وجهة نظره "نبّؤي" غير مرسل من الله، ولا يمكن أن يتقبل بأي حال من الأحوال توجيهات في عقيدته من غير الله أيضا. الحكمة الأزلية القابعة وراء العالم دائما. هكذا بقي البريكان محافظا على زخمه الروحي والشعري كحالة واحدة؛ في تأكيد نيتشوي دائم على إن النص لا ينفصل عن الرجل. واستطاع أن يقدم " الأنا" على نحو شعري وحداثوي.

وإذا كانت مسألة العزوف عن النشر التي شغلت بال كثيرين ممن بحثوا في شعر البريكان قد أسهمت بهذا المقدار أو ذاك على إضفاء نوع من الكاريزما الشعرية على شخصية البريكان فإنها لم تكن هي القضية المركزية بحال. ولذلك فإن تجربة الاعتزال البريكانية  المادية والروحية / الشعرية يمكن أن تمهد الطريق ثانية للغوص في غابة البريكان على نحو آخر. وكلما سنحت الفرصة بذلك.(8)

  

مشروع الحرية: جيل الخيبات

جيل الخمسينات والستينات العراقي مهووس بالشعر والسياسة إلى الحدّ الذي يصعب الفصل بينهما غالبا، وهو من أكثر الأجيال إثارة وعمقا في الوقت نفسه. كما أنه جيل خيبات كبيرة  ومتواصلة توّجت بهزيمة عام 1967 مما انعكس على عموم عطائه الفكري والفني.(9) ولم يكن الشعر في أحسن أحواله إلا انعكاسا مريرا لتلك الخيبات المستمرة وصورة يائسة عما كان يدور في المجتمعات والدول العربية، وقد تمثل ذلك على نحو واضح في الرفض العربي الدائم للخنوع والاستسلام للظروف القاسية التي مرّ بها. وهكذا كان الماضي يعدّ "العكازة" المهمة للتمرد على أخطاء الواقع ومحاولة للخروج عن المألوف ورغبة في عدم السقوط في براثن التقليدية(10).

وكان البريكان شاعرا خمسينيا لكنه عاش جميع المهاترات السياسية والإيديولوجية لشعراء الستينات أيضا. وكانت علاقة البريكان (بحزب الاستقلال) ذي التوجهات القومية في شبابه مهمة لمعرفة توجهات الشاعر وبواكير تفكيره.لكننا من الصعب أن نجد البريكان محسوبا على هذا التيار أو على أي تيار سياسي أخر على الرغم من أننا نجد الشاعر يكتب قصائده تحت أسم مستعار( برق) في جريدة الحزب. وكانت للشاعر علاقات قوية بالسيد رجب بركات منذ عام 1947 حيث سلمه قصيدة ( من وحي الكفاح) فالقاها بالنيابة عنه الشاعر مقبل الرماح - كان البريكان يعاني من صعوبات في النطق في الأماكن العامة- في احتفالية لحزب الاستقلال(11) لكنه لم يعر اهتماما كافيا لحركة الشعر في عقد السبعينات ووجد في طريقة أنموذجا صنعه بنفسه وأحاط به شخصه. وعلى الرغم من ابتعاده الكبير عن الأضواء وعزلته التي فرضها على نفسه، إلا انه عاش كلّ العقود الشعرية الحديثة والتصق بها على نحو متفاوت، مما ينفي فكرة العزلة السلبية بشكل واضح. وظهرت حالة الالتصاق بالهموم العامة في شعر البريكان في نص أغنية حب من معقل المنسيين بندائه: " يا سلوى" لم نلتق قط، ولكني/ أصغي لأخيك، صديقي وأخي في سجني/ وقسيمي ليل الزنزانة" ورغم أن البريكان لم تكن له تجربة مباشرة مع السجن طوال حياته، لكنه في هذا النص رغب أن يعلن رفضه لكل أشكال القمع السياسي في العراق إبان العهد الملكي 1921-1958. وكتب البريكان ذلك النص قبيل اندلاع ثورة 14 تموز 1958 وأرخت في 13/6/ 1958 وإذا كانت تلك القصيدة المتعجلة لم تستطع رسم صورة واضحة عن هموم الإنسان العراقي وقتذاك إلا أنها تعد باكورة للمواقف السياسية للشاعر تجاه ما يحدث في وطنه.

ويعد نص " هواجس عيسى بن ازرق في الطريق إلى الأشغال الشاقة" التي كتبت أوائل عام 1958 من اشد قصائد البريكان السياسية تعبيرا عن مواقفه السياسية والإنسانية بدءا من اختياره للاسم عيسى الباحث عن الحرية والخلاص ووالده بن ازرق الذي يذكر بالأزارقة المولعين بحرية الحكم في العصر العربي الإسلامي، أو زرقة البحر العارمة حيث يتكون اكبر بون أرضي من الحرية. كانت قضية الحرية هي الهاجس الأكبر للبريكان طوال حياته ولم تشغله قضية إنسانية بوطأتها مثلما لعبت الحرية ذلك الدور العظيم في حياته وشعره.

( لا أعرف الشكوى، ولا يدهشني العدم

 لكن على قلبي تدوس صخرة الألم          

 ويهبط العالم باكتئابه الثقيل

ويخفي المسافرون

وجوههم في صفرة الظل, ويحلمون

بالغد! الرجال متعبون يحلمون)

فالحلم البريكاني في ضرورة الحرية للسجين السياسي جاء مباشرة في ندائه "يا سلوى" حيث كونت المرأة هاجسا أساسيا فيه. وسلوى رمز للحرية المستلبة، حيث تصبح المرأة التي تعدّ بمثابة الهاجس الرئيس للتعبير عن الحيرة لدى الشاعر. وبقي الحلم بالحرية السياسية يرنو بقوة إلى المستقبل" بالغد!" لكن علامة التعجب تثير منذ البداية تساؤلات مثيرة عن معنى الغد لدى البريكان، وعما إذا كان لصالح حرية الإنسان أم سيكون وبالا عليه. ومن هنا فإن التشكك البريكاني بجدوى التغيير لا يفارقه، وخاصة حينما كان شاهدا على التحول السياسي من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري وما رافق الأخير من مشكلات تتعلق بالحريات السياسية خاصة وما رافقه من اهراق للدم بين الأفرقاء السياسيين بلا مبررات معقولة. وكان الغد السياسي مجهولا لدى البريكان؛ لكن الغد الروحي هو الأكثر وضوحا دائما في عقله الشعري. أما هاجسه الباقي فيتمثل في السجين السياسي المثقل بالقيود الذي يرحل في قطار إلى مكان ما تحت ثقل صخرة كبيرة وعالم كئيب. وهو الحلم نفسه الذي يجمع السجين والمسافرين في قطار واحد يجري بالجميع إلى محطة محتومة. كانت فكرة السفر "مغادرة العالم" هي من أشد الأفكار الموغلة في روح البريكان عمقا. ويبقى حلم البريكان الرئيس في التقدم الاجتماعي والسلام الإنساني هاجسا قويا في محطة ما قبل الرحيل النهائي. وحينما يريد البريكان أن يزرع بيته بالزهور في منزله فهو يرسم من جديد صورة مغايرة ومهمة لعالم أخر مليء بروح العطاء الإنساني وهو العالم البديل شعريا للتشوه السياسي الذي طالما عانى منه البريكان:

( سأغرس الزهور

في كلّ صوب منه! بل سأشتري بذور!

أغرسها...!

حديقة صغيرة..

تحوم

من حولها الطيور)

فالوطن هو العراق دائما؛ وهو الحلم أيضا. متى يصبح العراق وطنا يمكن ان يهنأ بالحرية والسلام؟ هذا الهاجس الكبير الذي بقي البريكان تطرح الأسئلة تلو الأسئلة من اجل غد أفضل دون أن يخفي تشاؤمه بسبب الأوضاع المتهورة التي شهدها العراق منذ سقوط النظام الملكي بل وقبل ذلك بسنوات أيضا حينما عطلت الصحف ومنعت الأحزاب وطورد الوطنيون والأحرار منذ عام 1955. لكن البريكان الذي حسب قوى التغيير في روحه وتوجسها بعمق من خلال الغد يشكّ في ذلك مسبقا؛ لأن الغد بالنسبة له مفعم بالمجهول، والنظر إلى الحياة والموت لا يفتأ يذكر بالحلم الذي يبدده الحديد والنار من جديد، كما أن الأمل بعيد في منزله المليء بالزهور. وهكذا فقد جاءت ثورة الرابع عشر من تموز مفاجئة للشاعر. ومن الملاحظ إن البريكان لم يعبر عن سعادته بذلك الحدث السياسي الانقلابي المهم لما عرف عن شخصه من ترقب وحذر بكل مستجدات الواقع. ثم لم يلبث أن عبر البريكان عن تذمره مما أصاب النظام السياسي الجديد الذي قاده حفنة من الضباط، وما لحق بالبلاد من تضييق على الحريات السياسية والعامة، فكتب قصيدته الرافضة (فن التعذيب) عام1961 التي تعدّ صرخة سياسية واضحة على سؤ التعامل الإنساني في العراق. كما أنها جاءت في خضم أحداث مريرة من الصراع السياسي المرير. والنص في مضامينه النهائية مخاطبة للتفرد الأجوف بالسلطة وغياب حريات التعبير عموما:

( بين البروج يزيد طولك بالدقائق والثواني

فتفرّ منك الكائنات، وتختفي وسط الدخان

غولا وحيدا)

هل ثمة تنبؤ سياسي أشد من ذلك الغول الذي التهم العراق بعد ذلك؟ هكذا يكون الشاعر رائيا لشعبه قبل أي راء أخر. وإذا كان البريكان قد أخفى صراحة معارضته لممارسات (العسكرتاريا الجديدة) في العراق وراء أقنعة الشعر، إلا أنه في أحاديثه الخاصة كان يعبر عن تذمره من الانحدار في حقوق الإنسان العراقي الطبيعية، ومن الدكتاتورية العسكرية البغيضة التي هيمنت بشدة على جميع مفاصل الدولة والمجتمع.

(فنّ العذاب أمتدّ من سمل العيون إلى المفاصل   

 ومن الصليب إلى جهاز الكهرباء. وما يزال

يغدو العذاب أدق، والإعدام أقرب للجمال!)

ويخاطب البريكان بقوة أولئك الحكام المفروضين على شعوبهم بلغة لا تعرف الهوادة مذكرا إياهم بمصيرهم الذي سيؤولون إليه:

( .. رأيتك في سكونك

تتأمل الكابوس, واسترجعت أصوات السبايا

وتحشرج القتلى، وموت الأنبياء وهم عرايا)

لم يبشر البريكان الطغاة بنهايات السحق تحت أقدام الثائرين كما فعل شعراء كثر آخرون، لكنه تركهم إلى أتون أكثر ثباتا وتعذيبا لا ماديا تمثل في عذاب الروح الشريرة لما اقترفته من آثام بحق بني الإنسان؛ وهو امتداد للرؤية الدينية في الموروث التوحيدي كله. ولم يكن البريكان على العموم صاحب مشروع سياسي كما هو الشاعر سعدي يوسف او عبد الوهاب البياتي كما أنه لم يعان من التقلب السياسي لدى السياب والذي وضعه في زاوية لا يحسد عليها. وكما هو عليه الحال لدى كثير من مجايليه من شعراء الحداثة المؤدلجين، ولم يحاول أن يقترح على احد حلا ما من اجل تغيير العالم؛ لكن العالم كما يبدو كان قضيته الأولى في الوقت نفسه. ومن هنا يمكننا أن نلحظ التباعد الروحي والشخصي بينه وبين الشاعر سعدي يوسف على سبيل المثال؛ فقد كان الأخير قد طرح أيديولوجيا محددة لكبح جماح العالم. ولعلّ هذا الموقف ناتج عن اليأس الكبير الذي توسط الشاعر بعد انهيار المشروع الوطني التحرري لثورة 14 تموز، ومن ثم سقوطها في سلسلة من الصراعات الحزبية التي أودت بها أخيرا وبزعيمها عبد الكريم قاسم. وفي نص "رحلة الدقائق الخمس" المؤرخة في 19/9/ 1960 يغدو موقف الشاعر أكثر تحديدا من أي وقت مضى لضياع المشروع الوطني التحرري العراقي في مهب الصراعات الحزبية ودموية العسكرتاريا الجديدة:

( يلون الساحات

حزن المحطات الرمادية

وظلها الشاحب

شيء كرجع الحلم الهارب)  

ويبدو أن البريكان مولع دائما بالقطارات والمحطات والسفر على الرغم من أنه لم يسجل في حياته رغبات عملية مثل ذلك إلا سفرات محدودة وربما تكون مفروضة عليه أيضا. ويبدو الحلم الذي راوده بالحرية قد تبدد تماما، ففي كلا المرحلتين الملكية والجمهورية لم يستطع العراق الخروج إلى فضاء الحرية الواسع. ثم يظهر الشاعر انتهاء الرحلة على وقع المحطات الرمادية في الذاكرة: لكن هذه المرة يعود إلى مدينة هي الأقرب إلى روحه: ربما تكون بغداد او أية مدينة عربية اخرى تقع تحت سطوة العنف وغياب الحريات.

( مدينة تكاد لا تعرفها العيون

تأكلها ضوضاؤها، يرعبها السكون

في وحشة الإياب)

وكتب البريكان نص " رحلة الدقائق الخمس" في بغداد أثناء إكماله دراسته في الحقوق وفي محاولة تمويهية أخرى لإخفاء طابع المدينة المفترضة الحبلى بالأحداث الجسام:

( مدينة موحشة وعام غريب

الثلج في الشارع

والشمس لا تغيب

والليل لا يأتي. ووجه القمر الضائع

تجرفه الريح الشتائية)

وحينما يوغل البريكان في وصف تلك المدينة بضياع القمر فيها فهو لا يبغي من وراء ذلك إلا سقوط المشروع الوطني التحرري في العراق. كما تظهر في الموجة نفسها نزوع الشاعر إلى رفض مجمل الأعمال الوحشية التي اجتاحت العراق وقتذاك. ففي نص" عندما يصبح عالمنا حكاية" تجد العنف قد توسط تأثيث النص على نحو واضح:

(ولا يسرون لأبطالهم

قداسة إلا على القتل!

أعطوا طغاة الأرض أرواحهم

وأبدعوا كلّ مراثي الطغاة!)

من الصعب معرفة على من يلقي البريكان لومه في انهيار المشروع الوطني العراقي؟ ربما يحيل ذلك إلى الجهل المروع في عدم ضرورة الحرية للمجتمعات المتخلفة: تلك النظرة المسطحة التي سادت تلك الحقبة من الزمن وروج لها الحاكمون كثيرا. وربما وجد البريكان ثمة توازنا ما خفيا بين سلطة الكتابة وكتابة السلطة التي  تستخدم أي قلم في أي زمن (12) هكذا لخص البريكان مرحلة سياسية كاملة ببيتين قصيرين:

( لقد حطم أقياده

ولكن لم يكن حرا) .

 

مشغل للشعر الجديد: بديل العالم(**)

(ما من مغامرة هو التيه المجرد في

العراء! أتذكر الموتى. ولون دموعهم في

الزمهرير)

من ذلك الأتون المروع يعلن (حارس الفنار) أن ليس ثمة مغامرة ما في كلّ ما يحدث لنا. وكلّ ما سيحدث في مضمونه النهائي هو تيه في كلّ الأحوال، وهو فاجعة؛ وهو البديل الوحيد المتبقي من وحشة العالم. بديل مدمر لعموم مغامرة الإنسانية في الفناء/ اللاشيء/ الداخلي والخارجي في آن. ويرى الفيلسوف برغسون في تفسيره لفردوس البداهة البحتة: إن عنف الداخل يحمينا من العنف الخارجي؛ وبناء على ذلك التصور المتفرد في كينونته فقد فسّر الوعي الشعري لعزرا باوند على أنه تغييرات تستقي مفاهيمها عن العقل، ومن المنابع الباطنية نفسها التي تتعملق في الداخل حتى تكون نصا شعريا متفردا بذاته، وبدلا من أن يدلق هوس الكلمات الرافضة  لعكس الأوضاع الخارجية فإنه يبقى في الجوف ليعالج خلجات الروح أولا.

ومن هذا النمط المتعالي من الشعراء لا تكفي أدوات النقد الاعتيادية المتعارف عليها بكل تقنياتها في كلّ مرحلة من ملاحقة تجربتهم الشعرية وسلوكهم كأفراد ونصوص. ولذلك ومن اجل سبر ما يكفي من أغوار لا بدّ من وجود أدوات فلسفية مناسبة في هذا المجال ربما تكون مساعدة - أو الأقدر أحيانا- على الكشف عن مكنونات أولئك الرائين المختلفين. فالموتى الباطنيون لدى الشاعر البريكان غير أولئك الموتى المسجلين في دوائر النفوس أو في الطب العدلي أوعلى شواهد القبور. يمحو المطر والتقلبات الجوية في النهاية ما يكتب للتعريف: القضية أكبر من كتابة على شاهد صقيل. فالذين أشار لهم البريكان  هم من صنف آخر؛ لكنهم الوارثين المتبقين لأطول مدة زمنية ممكنة للازمة الإنسانية الكبرى. يستعمل الشاعر لأجل تلك المهمة الشاقة الفعل: أتذكر لغرض البحث في تلافيف الذاكرة التي تعد السطح الأعلى لعموم الحدوس.

فالشعر لدى هذا النمط من الشعراء الرائين مختلفا يجترح الحدس أولا، وما يظهر على الذاكرة ما هو في مفهومه النهائي إلا مخادعة فاشلة قد لا تحتاج إلى رؤية أشخاص كثر. فالحدس الشخصي هو قناة خاصة واسعة تتصل بمنابع الإلهام اليومي للأحداث الكونية. انفتاح مغاليق علمية تجاه الكون لتتلقاها البصيرة العاجزة واللغة الأعجز عن الإيصال.فالحدس ليس مضمونا نابعا عن العقل بل هو نافذة للروح؛ ومن هنا يقع مكمن الصعوبة دائما. هم يكتبون بالحدس في وقت اعتورت في دواخلهم قراءات فلسفية شتى. فقطع تذكر الموتى ضروري تماما لوضع المتلقي أمام حيرة بالغة بإزاء نقطة التلاشي التي تومض بغتة لتختفي بسرعة دون اللحاق بها. نحتاج إلى زمن ضوئي أخر لأجل هذه المهنة: الشعر.

هؤلاء الشعراء من امثال أليوت وباوند ورامبو والبريكان وادونيس والسياب - إلى حدّ ما وخاصة في سنيه الأخيرة- يسجلون نوعا من الرؤى الخاصة عن العالم والسفر والمغادرة النهائية: اكتشف السياب لذة تلك الحال - أخيرا - وبعد أن اشتدّ به المرض، لكن البريكان ما كان يحتاج إلى مرض عضال لإيصاله إلى تلك حال خاصة، وهنا تمكن قوته الشعرية إذا جاز التعبير. أولئك لا يكتفون بالانثيالات الذهنية بل هم مدققون جدد في فلسفة الماقبل/ المابعد: انظر إلى بقاء وهج نص (المعول الحجري) للسياب. أما التذكر الشعري - بفعل ما يتراى للشاعر على سطح النفس الساذجة(13) فلا يصل بنا على أية حال إلى ذلك المنعطف الجديد، ولن تستطيع الدموع الساكبة على الورق الحيلولة دون مسح الكلمات المسطّرة بقوة الريح الهائجة. فالدمع بالطبع غير الدمع الإنساني هنا والورق غير الورق المراد تدوينه على سطحه. يفعل ذلك على العموم شعراء الرومانتيك من أمثال شلي ووردزورث غالبا.

هذا التوجه الفكري غير المخطط له شعريا هو الذي رسخ البريكان في الذاكرة الشعرية على نحو كبير، رغم أنه لم يكن ينشر شعره إلا سرا أحيانا، أو بفعل ضغوط شخصية بحتة كما حدث مع الشاعر رياض إبراهيم الذي مات في رحلة عبوره للحدود أبان الحصار على العراق.

( سقطت فنارات العوالم دون صوت.. الرياح

هي بعد سيدة الفراغ

كانت أرضهم تطفو لغير مدى)

                                                           ( حارس الفنار 1973)

الأتون المظلم هو أرضهم الخراب بالنسبة لشعراء الحدوس التي يعملون بها. وهي عودة أخرى إلى التعلق بالأسطورة السيابية في الميثلوجيا العراقية والإنسانية. جميع الأساطير يمكن أن تقدم حلولا نصية (ما) لتجاوز أزمة المعنى في شعر الحدوس. وإذا كان الماء كرمز للوجود ومنتج له فهو يصبح لدى أولئك الرائين الجدد (الأنبياء) بلا وحي مرسل إلى عدم أخر ومن نمط أخر في الوقت نفسه، وهو بدء في كلّ شيء بعد عصر الظلمات السرمدية الذي كان يحيط بالعالم قبل الخلق. ويأتي عصر النور بعد ذلك، ولكن أي نور هذه المرة؟ نور قداسة القتل كما ورد في نص " عندما يصبح الإنسان حكاية". ويعد القتل إشارة مهمة في العديد من نصوص البريكان: هل كان الرجل يتوجس مصيره؟  

عالم الشاعر محمود البريكان هو مشغله الخاص، وهو رؤاه وفكره وسلوكه الشخصي في آن؛ إذ لا أيديولوجية تسير الإنسان. لقد تحرر الإنسان شعريا قبل أن يتحرر سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا: وتلك الفكرة ليست (عقيدة) ابتدعها شعراء الحداثة، بل محاولة للخروج من مأزق كبير أطاح بكثير من القيم الفكرية التي كانت تكتسب الثبات والديمومة أو النهائية أحيانا. أتون ضاغط ومهيب ذو انساق مرسومة بدقة أحيانا، وهي تخفي في تلافيفها كلّ ما هو بشع أو جميل: قد يتساوى في الحدس القبح والجمال أيضا: تماما مثلما هي النظرة الإلهية للأشياء من عل. كلّ ما يمكن أن يكون بريكانيا كان قد حدث في لحظة واحدة بعد الخلق وما نحن فيه الآن ما هو إلا خوضا في تقطيع الزمن إلى سنين وأيام وساعات ودقائق وثوان: اللعبة الغادرة التي نحياها لحظة بلحظة وتمارس ضدنا الإيهام المستمر.

وهكذا نجد أسرار البقاء لأطول مدة ممكنة في العالم الذي نغادره سريعا، هذه المغادرة التي تلقي بالأسئلة أكثر مما تقدم إجابات واضحة. فالعالم البريكاني عار وحيّ وبلا أوهام، ولا بعث للموت فيه؛ لأنه بمنطقية مبسطة المشغل الشعري: عالم فان مهما حاولنا الإمساك به أو التوغل فيه. ولأن الآلهة في الميثلوجيا هي التي تتحكم فيه وهي القاضية والفانية معا فإن الصعوبة تكمن في التشخيص دائما. العمى الإنساني في اكتناه المعنى. ومن هنا فإن ما يرد عنا نحن الشعراء الرائين هو مزيد من الغموض الشفيف، وتلك هي مهمتنا. لكنه يبقى رغم ذلك عالما مخلوقا من صنعنا نحن الرائين الجدد وحدنا، فتتبدى لنا الرؤى في جدلية الكلمات والعقل:

( تعزى العالم الحي، فلا وهم يغطيه

ولا بعث لموتاه

ولا كوكب يهديه

قضت آلهة الفانين، كالفانين في التيه)

                                                 (عندما يصبح عالمنا حكاية 1960)

إذن ثمة قضاء وربما يكون ثمة حساب أيضا في ذلك العالم الافتراضي. لكنه في النهاية يبقى تيها جديدا كما هو التيه في عالم اللاحدوس الذي نتواصل فيه يوميا. وفي أتون محمود البريكان يتساوى البشر والآلهة في المأساة والتيه والموت معا. هكذا جاءت حدوسه معبرة مرة أخرى عما يجول في نفسه في محاولة للتفسير غير المجدي، وفي فورة غير معنية بثورة اللغة التي اضطلع بها الشاعر بدر شاكر السياب من اجل تجديد الشعر. فمذهب الحدوس البريكاني تجاوز القشرة الظاهرية للنص غالبا إلى الغوص في المعنى. وهو مقترح من (جونست) الذي وضع نظرية جديدة وتطبيقا عمليا جديدا للتفكير الرياضي، أستلهمه البريكان شعريا وبجهد خاص مثلما استلهم النظرية النسبية لأينشتاين أيضا.

وفي أتون البريكان يتساوى البشر والآلهة في المأساة والتيه: هكذا جاءت حدوس البريكان مرة أخرى ثورة فكرية على مستوى الروح والمواجهة مع العالم. فأبدى الشاعر غير مرة ولعه الخاص بالموسيقى والرياضيات باعتبارها موسيقى فكر تجريدي، وفي هندسة شعرية جديدة قلما شهدها الشعر العربي الحديث. ولذلك فقد شنّ البريكان هجوما غير معلن على ما يعرف بالشعر الملتقط (الكيس) ليؤسس على نحو جاد مشروعه الرؤيوي في مشغل جديد. عن دقة شعر أليوت وعزرا باوند وكتابات هيرمان هيس تعدّ مثلا قائما للتجربة البريكانية الشعرية، ومن هنا فمن المجانية للطريقة الشعرية البريكانية في عدها غربية بقضها وقضيضها لأنه في الواقع غير معني بهذه التقسيمات وينظر إلى الشعر على أنه مواجهة كونية وليست تاريخية أو جهوية.

(أنا تخليت أمام الضباع

والوحش عن سهمي

لا مجد للمجد، فخذي يا ضباع

حقيقتي وأسمي)

                                                            (في الرياح التاريخية)

الحقيقة والاسم هما كلّ تشكيل الإنسان تقريبا في قشرته الخارجية؛ لكن الحقيقة تتمدد إلى الداخل غالبا لتكون (زبدة) العالم الزائل، ومحصلته النهائية. ولتؤسس زيفا مجدا ما، أي مجد؛ لا وجود له في قاموس المعرفة الشعرية للعالم منذ بدء الخليقة وحتى بدء الحداثة: من استعمال السهم إلى الصواريخ عابرة القارات. ويكمن صخب العالم في الإنتاج المادي الذي هو بمثابة معول خراب الروح الإنسانية في وضعه غير العادل بين أبناء البشرية الذين يعيشون وسط الصخب اليومي، حيث يرافق عيسى بن ازرق كقناع للشاعر في الطريق الطويل للأعمال الشاقة يصحبه صخب القطار الهادر أبدا: العالم الفيزيقي المصنوع في القرن التاسع عشر والأفعوان الحديد المبتكر الذي يشق الصحراء ويقف عند كلّ مدينة. والرحلة في رؤية المشغل فاجعة في جميع النهايات وفي كلّ المدن التي يمكن للرائي المتيقظ أو النائم رؤيتها. يمكننا ذلك مراقبة التركيب الصوري البارع والموحش الذي يبدأ لينتهي وينتهي ليبدأ في حركة دورية مملة وغامضة.

( أعرفه. فهو طريق موحش سحيق

ولم تكد تبتدئ الرحلة)

لندقق في استخدام الفعل: أعرفه، وتلك النقطة الضرورية التي أعقبته. ليس ثمة بعد المعرفة أي وصف مجد. القدرة على وضع النهايات في استقراء ما كان. أعرفه. وفي استقراء ما يكون. اعرفه. لكنها معرفة قشرية تحتمل التجارب الروحية في كلّ تحول قادم ولا وجل في ذلك مطلقا لأنه (الخدر) الذي يزقنا يوميا إلى النهاية. هل أراد البريكان أن يستحدث نصوصا أخرى يمكن أن تقرأ بتواز مع ما يهرقه من كلمات؟ هذا ما يظهر لنا من بداية الطريق الموحش وقبل بداية الرحلة التي ستبدأ حال المغادرة النهائية لهذا العالم.

عيسى بن ازرق ليس الشاعر القناع / العالم وحده، وهاهو يعلن رفضه للكتابة عن العالم الخارجي الموضوعي. أما البديل الحقيقي فهو عالم كتابي داخلي يستشرف الرؤى دائما لينشئ بديلا دائما.عالم من الحدوس الأولى قريبا من الشفاهية الشعرية التي لم يستطع البريكان سبر غورها.

إن تجارب الشعراء الجدد الحدوسيين كالبريكان لا يمكن تصنيفهم في جيل أو مدرسة بعينها لأنهم ببساطة يخرجون عن كلّ ذلك التراتب. شعراء لا يوظفون الفكر من اجل الشعر والعكس صحيح ؛ لأنهم يعيشون الأوضاع الإنسانية كلها حالة واحدة مهما تعقدت او بدت مصنفة هنا أو هناك. ومن هنا تلعب الأسطورة والأسطورة المنشأة شعريا داخل النص دورا كبيرا في رسم (الهوية) الحقيقية لهم على الرغم من أنهم لا يؤمنون غالبا بهوية (ما) تحددهم.

بنى البريكان تجربته الشعرية فكرا وموقفا شخصيا بعيدا عن مستوى الاديولوجيات التي عصفت بكثير من مجايليه، ليصبح خارج أية دائرة حيث أمكنه ألا يسقط في التغييرات ويحاول أن لا تسري عليه سنن التقادم أيضا؛ من اجل حساب البقاء لأطول مدة ممكنة على الأرض وبالكلمات وحدها. وبقيت كلمات البريكان رغم كلّ ذلك الولع الخاص والعناء الفكري والروحي وتأرجحه بين السماء والأرض.

وتتطور تجربة البريكان الشعرية منذ بواكير نصوصه الأولى، ففي مقابلة نادرة  أجراها معه السيد عبد الرزاق سعود المانع عام 1969 يتعرض البريكان إلى تجربته الشعرية لأول مرة حيث يؤكد أن البداية الحقيقية للشاعر" هي الفترة التي يتبلور فيها أسلوبه الخاص، وموقفه من الوجود" ومن المهم في هذا التحديد قضية الوجود في حياة الشاعر وما يمكن أن تضفي عليه من مواقف معينة سواء في عمله الشعري أو سلوكه الشخصي. وفي إجابة البريكان حول نزوعه على الإحجام عن النشر أجاب بوضوح :" هذا موضوع دقيق، تصعب معالجته في كلمات قلائل" ولذلك نرى إن البريكان قد اثر أن يبقى محافظا على موقفه في محاولة لمغايرة المألوف والدارج:" من الأدباء من يناسبهم ويكفيهم النشر في الصحف والمجلات والإذاعات، إنهم يطفون فوق الأحداث اليومية، ويخاطبون الذوق السائد، ويطلبون شهرة لا تدوم ونجاحا شخصيا خادعا" ويرى البريكان في الشاعر أن يعمل على ترسيخ نفسه لأعمال فنية كبرى, فهل فعل ذلك؟ كما انه أكد في الموضع نفسه ألا ينخرط الشاعر الذي يريد لنفسه الإبداع في أية (جوقة). وحالة التفرد التي اهتم بها البريكان لا تطال الفن وحده بل تتعدى ذلك إلى عدم الانخراط في أية جوقة سياسية أيضا، ومن اجل التفرغ لطرح أسئلة الوجود والمصير.(14)

أما التقييمات المتسرعة التي يطلقها بعض الكتاب ممن وجدوا في شعر البريكان تحديا لهم، فهم لا يتوانون عن إطلاق التعميمات والتقييمات المتسرعة وخاصة ما يتعلق بشعر البريكان وحياته الخاصة ورغبته في العزوف عن النشر، فيفسر الشاعر سامي مهدي - على سبيل المثال- زهد البريكان في الشهرة في (إستراتيجيته) بالاستغناء عن شهرة الحضور بشهرة اللاحضور في المهرجانات التي كان يقيمها مثقفو النظام السابق؟(15)؛ ويعدّ هذا الرأي تجنيا واضحا على واحد من أهم شعراء الحداثة في العراق فالقضية ليست على هذا النحو المجاني من التبسيط.    

 الصوفية الجديدة: غنوصية الشاعر

يعدّ شعر محمود البريكان شعر صورة بصرية وتأملات وليس شعر مشافهة على الرغم من إصرار البعض من مريديه ترديد أبياته وبعض نصوصه في المناسبات الخاصة. النسغ البريكاني يتطلب قراءة معمقة وبعدا لموروث الشاعر. ولذلك يلجأ البريكان إلى نوع من الكتابة خاصا به وفي تقطيع شعره بنوع من العناية قلما نجدها لدى شاعر أخر من مجايليه(16).

 ويتقن الشاعر محمود البريكان اللغة الانكليزية كما هو شان العديد من مجايليه من شعراء العربية، كما انه اطلع وبحكم تخصصه في القانون على معظم الشرائع والقوانين الإنسانية. وكان الرجل شغوفاً بالقراءة ولوعاً بالمعرفة الشاملة، وكذلك كان أصدقاؤه ومريدوه الذين يزورونه من وقت لآخر. فقلما يبدون أرائهم أو يعلنون عن مواقفهم المختلفة معه: انه اقرب إلى شيخ الطريقة والمعلم  في كل شيء. يتكلم والآخرون يصغون غالبا. بيد أن البريكان كان جل حديثه في الشعر والفكر، وإذا ما وجد في المقابل اتساعاً ذهنياً فهو لا يتوانى عن الخوض في الفلسفة والموسيقى والسياسة. لكنه حذر دائما. البريكان كما كان عليه الصوفي الروّاس في اختياره لصحبه بقوله: " لا تصافح من تجول على وجهه علامات الوقاحة، وتندلع على لسانه جمل الفجور"(17) وهكذا كان قلة من صحبه قد سبروا غوره، مما حدا أن ينأى بنفسه عن طائفة المجادلين بغير علم.

والعلم عند الشاعر والمفكر محمود البريكان روح تنفح لا مسائل تنسخ! .كان البريكان يرى أن (رينيه ديكارت) الفيلسوف الفرنسي الشهير هو من أكثر الفاعلين في الفكر الإنساني الحديث منذ أن أعلن منهجه في الشك ومقولته الشهيرة : أنا أفكر إذن أنا موجود. واتخذ ديكارت لنفسه مثالاً أعلى في الهندسة الرياضية التي قادته إلى المنهج والتأملات، وكان الأخيرة هي التي أثرت في الفكر الإنساني مدة ما يقرب من القرن أو أكثر من الزمان. ووجد البريكان في التأمل مدخلا  لصوفية جديدة متشرّبه بالفلسفة الحديثة. ولعل حدوس البريكان الشعرية هي ضرب من التواصل المعرفي المتعالي. ففي نص البرق (1) يركز البريكان على واحدة من كشوفه الشعرية:

( يطلق البرق شحنته في عروق السماء

يكشف البرق هاوية الكون

يرسم في الليل وجه العدم

ويخلّف ظلاً من الخوف أزرق

                                   منتشراً كصدى )

                                                        (البرق -1- 1989)

فالبرق لدى البريكان تعبير كوني عن تفتق معرفة عالية ترتسم على نحو متسارع أمام كل راء, لكن الشاعر يلتقطها مثل لحظة كشف لمعنى العالم في ومضات متلاحقة؛ والبرق يكشف هاوية الكون السحيقة - في الوقت نفسه- ولا يمنح مقدارا كافيا من التأمل أيضا، حيث استقر ولع البريكان المعرفي بالصوت والضؤ أكثر من أي ظاهرة طبيعية أخرى بعد نزع قشرتيهما الخارجيتين وتوليدهما على نحو مختلف. ثم شرع يرسم صور مصداقية في ليل جامد بوجه العدم كمفهوم لا يشتعل إلا ببرق المعرفة مثلما الليل لا يشتعل إلا بالضؤ فبدونه يصبح عدما أخر. والعدم دائما, في منظومة البريكان المعرفية يكون ظلا من الخوف, فهو مسار أزلي لهاوية الكون, وتلك الأخيرة مساوية له أيضاً؛ معادلة لا تقبل الشك, وبداهة مطلقة .ويلامس البريكان هذه الرؤى في استبطان داخلي, وخلوة معرفية تدفع بشواغل المرئي المتحرك  عبر التاريخ.. وأثناء إطلاق البرق البريكاني يضبط السمع والبصر ليفتح دهليز القلب -  كما عبر عن ذلك الغزالي - والقلب الذي يفترض أن يكون معصوما عن الحواس الدنيوية التي لا تأتي إلا بالمياه الكريهة المكدرة والقذرة، فلا بد من ضبط (غلق) الحواس عن الانفتاحيات الدونية دائما ًمن اجل معرفة متعالية (18) أما ما الذي يتبقى من ذلك التدفق المعرفي؟ ففي المحصلة النهائية للكشف عن ذلك العالم المعرفي: الصدى؛ فما الذي يمكن أن يمنحه الصدى غير الفيزيقي من معنى؟ وما تكويناته الخاصة التي تهب الإنسان رؤيا جديدة؟ كان البريكان يجرّب  قضية الصوت حتى في إنشاء عالمه الشعري وفي تكوين عقله التراتبي للموضوعات. فصوفية البريكان الجديدة ناتجة عن تمدد الروح "الغنوصية" في البحث عن الجمال والمصير الإنسانيين، وهي ترتكز على التجربة الشخصية ومحاولات فتح مغاليق عوالم متداخلة أخر كلما تقدم الزمن. فكان الإرث العربي الصوفي خير معين في هذا المجال على الرغم من أن التجربة الصوفية التقليدية كمدرسة فكرية وروحية وشعرية لم تدخل بشكل مباشر وواضح في الأتون الشعري لمحمود البريكان فقد كان للشاعر تجربته الخاصة دائما.

وقال إبراهيم بن ادهم في الخلوة:" نحن في لذة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها" ولذة البريكان في الشعر تقترب حثيثا من لذة إبراهيم بن ادهم. ففي تأمل العالم وإثارة التساؤلات الكبرى وغياب حمى الإجابات أو انكسارها مباشرة خلف علامات الاستفهام المتراكمة يمنح الشاعر مقدارا كبيرا من التجربة والتأمل المعرفيين. لكن شعر البريكان - كما حاول  أن يكون دائما- ليس شعرا معرفيا بحتا؛ بل هو يقترب من روح طاغور شاعر الهند الكبير كثيرا.

وحاول البريكان في تجربته الشعرية الطويلة المزج جماليا بين الفكر الفلسفي الغربي والبحث الروحي الشرقي دونما تناقضات بعد ربط الجسور الضرورية في مسألة البحث عن ماهية الإنسان في الكون وسرّ وجوده وسط هذا العماء المعرفي المتواصل. يحسب البريكان أنه يسهم بمقدار (ما) للبحث في ذلك العماء المستوطن منذ بدء الخليقة. لكنه حرص كشاعر متعمق على عدم إظهار هذا النمط علنا، ومحاولة التهرب غالبا من الكشف عن تلك التوليفة الشعرية في بناء فكر النص البريكاني؛ فعكف على التقاط شذرات من هنا وشذرات من هناك للتمويه عن القضية الأساسية في التركيب الداخلي لنصوصه كما أنه حرص أيضا على أن يكون النسيج الداخلي لنصوصه كونيا ليبعد تلك الشبهة في صراع الغرب والشرق عنه ما أمكنه ذلك. وفي نص( البرق 2) يواصل البريكان (كشوفاته) الخاصة كواحد من أولئك المتبحرين في الروح الشرقية في صور من عجائب صنعه باعتبار الروح الإنسانية تتربع على تجارب دائمة من البحث عن ذاتها في كلّ عصر، وان التكنولوجيا الحديثة لم تحل المسألة إلا ظاهريا وبقيت التساؤلات والبحوث المعرفية والكشوفات قائمة إن لم تكن أشد قوة من قبل. ولعل هذا الأمر هو الذي يفسر لنا ولع الغربيين بالسحر والبوذية والشعوذة والسفر إلى الشرق دائما محاولة لتلمس الروح الباطنية للإنسان. كان من الصعب الإجابة عما إذا كان أصل البشرية من الشرق (مثلث الحبشة) أو بابل القديمة، وحتى غياهب الصين والهند. لم يعد البحث في الظهور يملك تلك الأهمية التي راجت في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين بمقدار ما هو المصير الذي ستؤول إليه الإنسانية في ظل الصراعات الجديدة والمتواصلة والتهديدات الجادة بإفنائها في أية لحظة.

هكذا يكون البحث في نصوص البريكان يتخذ مسارين متوازيين من اينشتاين إلى أبن العربي وحتى أبو حامد الغزّالي الذي لم يخف ولعه بلذة البحث عن ذلك العالم الذي هو هو، وهو ليس هو، بقوله:" فكنت في دار ليس لها باب .. وفي عرس ليس له إياب إلا فيه"؟ وحينما أحضر البريكان عدته الشعرية للبحث في هذا العالم، توقف مليا، حيث أمكنه الغوص عميقا ليس في التساؤلات الإنسانية القديمة بل في البحث عن تساؤلات جديدة: هل يوجد في الجنة التي سنذهب إليها أصوات؟ موسيقى؟ وهل يمكنني أن اطلب التاسعة لبتهوفن، وان أسمع كونشرتات شوبان المحببة إلى نفسي صباحا؟

(قبة الليل في لحظة تتفطر

الأرض بحر من الزرقة الساطعة

البيوت

فجأة تستحيل شواهد من مدن دارسة

ثم تستأنف الكائنات تنفسها

وتواصل في العتمة القارسة

نبضها..)

                                                  ( البرق-2- 1989)

تتكرر موضوعات الليل والعدم والأرض والبحر والكائنات في شعر البريكان على نحو ملفت، وهي صور كلية كبيرة. كان النزوع في أن يكون الشاعر نصف إله أو نبي لم يحظ بوحي هي الفكرة الطاغية. كما إن قضية الخلق تستغرق الشاعر على نحو كثيف، فيرصد البريكان اللحظات الحاسمة في المعرفة التي يأتي من بعدها كلّ ما هو قائم من المنظومات الفكرية، وهو صيادها الماهر شعريا، ومولدها الدائم." قبة الليل في لحظة تتفطر" فالليل وقبته الشرقية في موضع المحايثة وما هو بليل فيزيقي طبعا؛ ربما يكون ليل عدم لما قبل الخلق أيضا. لكن البريكان يمكنه تأمله من خلال المعارف والحدوس وحدهما. أما الأرض لدى الشاعر بعد عملية التفطر فهي تتوازى مع مفهوم الانفطار السماوي في القرآن الكريم: "إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ" {سورة الانفطار أية:1} حيث يستعير البريكان من المفهوم القرآني في خلق السماء إلى انفطار أخر لخلق الأرض من جديد.

تكون الأرض هي النتاج المرئي الوحيد، لكنها، وكما تشير كتب الأولين " بحر من الزرقة الساطعة" أي سماء سفلى. وقد اثر البريكان منا هي عادته باعتباره مكتشفا كونيا أن ينظر لها من عل. ثم تنتقل عملية الخلق في النص فجأة إلى البيوت: رمز الوجود الإنساني المجتمعي الأول والكائنات التي تواصل البقاء وهي تواصل الحياة وسط العتمة القارصة حيث يكون العدم هو العتمة الأبدية في النهاية رغم ذلك الولع الغريب ببقاء النبض في حياة متجددة" هي الخديعة والإيهام دائما. كتب طاغور في ذلك الحال:

( هناك، حيث لا يلابس الفكر خوف، ويكون

الرأس متطلعا إلى  العلاء

هناك، حيث تكون المعرفة حرة

هناك، حيث لم يجزا العالم بين حواجز ضيقة مشتركة

هناك، حيث تنبثق الكلمات من أغوار الخلاص)

                                             ( طاغور: جيتنجالي)(7)     

إن الحرية الفكرية التي عاشها وعمل لأجلها طاغور هي حرية مطلقة، اكتنفت روح البريكان بقوة طوال حياته، وان كلا البرقين الروحيين - الطاغوري والبريكاني - يكونان حالة معرفية واحدة بإزاء الخلق وما سيؤول إليه وضع بني البشر. فالاهتمام بالمسائل الكلية حالة نادرة على العموم بين الشعراء وخاصة إذا ما كان هاجسهم الوحيد ومحرك نصوصهم المكتوبة هو المصير دائما. فالعالم بالنسبة إلى أولئك الشعراء هو جغرافيا شعرية تتمثل فيها مصائر بني الإنسان. وذلك الهاجس هو الدافع المهم غالبا في اتصال الرسل والأنبياء بالرسالات التي حملوها مع فارق العمل طبعا. العارفون بالله والمنقطعين الذين يسكنون الفلوات ورهبان الأديرة القديمة والمجذوبين وأولئك القابعين في المعابد العالية والمعتزلين الناس في بيوتهم من اجل المعارف الكبرى أو العيش في ظلالها؛ أولئك وحدهم من يبقون على سطح العالم لطول مدة ممكنة. ورغم هذه الوظيفة الفريدة إلا إن الزوال هو اليد القادمة للقبض على الجميع في النهاية وإيداعهم في ذاكرة ما: ذاكرة النسيان! وهاهو الشعر الحديث يسير سراعا إلى مهمته الجديدة بعد أن خلع عنه ثوب الوقوف بباب السلطان أخيرا.

وفي نص (الوجه) التي يشير تاريخ كتابته إلى عام 1989 تكتمل الصورة على نحو بالغ، حيث تعمل التصورات الماورائية على بناء فكرة الحدث الدرامي فيه. فالوجه كما يبتدئنا البريكان مرة بعد أخرى يحوم على النافذة، وهو نفسه الوجه القديم الباحث عن الأشياء وفي الليالي الفارغات المشحونة بالملل: ويأتي الوجه في الحالتين:الظلام والضياء. هل ثمة وضعية ثالثة يمكن للوجه القديم أن يظهر فيها أيضا؟ وجه مرتعش الشفتين متمتما في ابتهال (ما) خفيا ربما يكون حالة خاصة في مكان وزمان خارجا عن كلّ ما نعرف. يستهلك الشعر كلّ معارفنا "العالمية" لتبدأ معارفه الخاصة. ليس شرطا أن يكون كرما فالكلمات وحدها قد تصبح جامدة لكنه يتحول في لحظة البحث عن الخلاص الثالث خارج (الزمكان) حشرجة أو أنينا أو تمتمة غامضة.

يعود الوجه نفسه، بريكانيا، وسط هبوب العواصف والرياح السود هذه المرة حيث تبدو حركة الطبيعة فعالة على نحو مختلف ليكون الوجه متشحا بذلك الظلام الرصاصي الغريب، وفي اضطراب مرير يظهر الوجه بشعره الثلجي المتطاير. هل كان البريكان يرثي نفسه؟ كان الشاعر يستخدم الآتي ويتوجسه بقوة كما يفعل الكهان العرب وسط جزيرة التطلع نحو القادم في شروط الحياة المعاصرة وخارجا عنها أيضا. الوجه البريكاني ينظر عبر الزجاج مرة في إثر أخرى متساوقا مع عموم الاضطراب الأرضي الذي رافقه. وللبريكان أسلوبه الخاص في استشراف تلك الرؤى: وجه واحد في الاضطراب والهدؤ، ولون واحد مزيج من الظلمة والنور: وجه متكرر، حقيقي، هو وجه النهاية أو المصير الإنساني. ربما يمكن للحقيقة أن تجد لها مكانا في اللانهائية؟

يظهر الوجه الثالث - مرحلة الكشف الشعري- بعد ألم ومعاناة المعرفة والشوق إليها والوله العجيب في اكتناهها. وما هو بمعروف تماما أو يقينا: أهو وجه امرأة أم رجل؟ هنا تتساوى لدى الشاعر في الرؤيا الذكورة والأنوثة لتصبح جنسا ثالثا يتوهمه الشعر فقط: إنه وجه إنسان عموما. حين يسحّ المطر/ عند منتصف الليل/ يلتصق بالزجاج/ لكنه/ الآن/ كوجه غريق. ويعمل الغرق في الماء(سرّ الحياة الأول) كمعادل موضوعي دائم للخلاص والنهاية أيضا. والموتى يغرقون حتما في مياه.. في وقت تشتعل البروق في وجه ذلك الإنسان وتسيل على وجنتيه الأمطار والدموع ولا مجال للتمييز بينها هنا. فيصعب في الحياة العادية أن نعرف الإنسان باكيا وسط المطر كما يصعب في الوضع البريكاني الثالث الرؤيوي.

ماذا يمكننا أن نميز في تلك الحال الصوفية المتعالية غير البحث عن وجه؟ ثمّ وجه الله متمثلا في الإنسان أيضا. نص الوجه البريكاني تمتزج فيه الرؤيا الخاصة روحيا بالتجارب الشخصية بالمعارف المسيحية في آن. ولعل عزلة البريكان في منزله وترقبه للآتي دائما لكلّ قادم غريب قد اوحت بطريقة ما بفكرة الوجه، بيد أنه استطاع منح المرئي واليومي بعدا ما ورائيا جديدا. فالوجه الذي التصق بذاكرة البريكان الشعرية يلقي في نفسه العذاب والرعب ، وحينما تغيبه الريح ثانية (فعل الطبيعة العادي) يسكت البريكان عن مصير الوجه الذي قابله تاركا للقارئ كما هي عادته الخيار في ذلك. ومع ذلك فإن الشاعر يعلن أنه - وبكل وضوح- ليس ثمة من وراء رعب وعذاب العالم الخارجي المعيش غير الدموع التي يصعب تمييزها عن بكاء الطبيعة: هاهو العالم/ الوجه المفترض يتشظى في رؤية صوفية جديدة في مشغل البريكان الروحي وهي الأقرب إلى الحلم منها إلى الحقيقية اليومية: لا حقائق في النهاية مادام كلّ شيء سائر إلى زوال، والعالم الذي نتصور أنه الحقيقة الماثلة ما هو في مضمونه النهائي إلا تحول: وجه بلون الرصاص.

ويأتي الحلم الرؤيوي البريكاني من خلال محاصرة الوجه للمتلقي ضربا من الطقس السري الخفي في البحث عن المعارف: ملامسة حافة الأشياء اللانهائية. وكأنه يريد ان يقول: أن الأشياء في الواقع غير موجودة إلا وجودا قليلا. وأن الواقع الحقيقي - إذا جاز لنا استخدام هذه الكلمة- موجود في الأحلام. وهكذا يستعيض البريكان عن الأحلام بالشعر وحده. وإذا كان بودلير الشاعر الفرنسي هو أول من ادخل الغامض والخفي في أتون الشعر الحديث فإن البريكان لم يمتلك ما يكفي من الجرأة للغوص في الخفي والغامض حتى النهاية وبقي على حافاته مما أوقعه في اختلال التجربة في النهاية.

( الحماقة، والخطأ، والإثم، والتقتير،

تحتل أرواحنا وتتعتع أجسادنا،

ونغذي عذابات ضميرنا الدمثة،

كما يغذي المتسولون هوامهم )

                                        ( بودلير، إلى القارئ)                 

عالج بودلير على نحو رائع قضايا علاقة الشعر بالآخر في حين لم يستطع البريكان من خلال محاولاته تجسير هذه العلاقة وبقي محافظا على عزلته. عن مفهوم الصوفية الجديدة لدى محمود البريكان يجوز على الصوفية التقليدية الموروثة عن التاريخ الروحي الإسلامي حيث تمتزج الصوفية البريكانية بالعزلة اليومية وبالشعر الذي يلقي بالتساؤلات في محاولات لأكتناه معنى العالم. ورغم ذلك فإن الكتابة لدى البريكان تبقى حمضا نوويا يترآى على هيئة الأرض أو المرأة أو السماء أو الريح في محاولة مهمة للخروج عن أقفاص اللغة(19) ومن يدري هل كان نص (الوصية) الذي نشر مؤخرا هو أخر نص كتبه البريكان في حياته، وهو يتوجس موته القريب؟ أم هي العادة الاجتماعية والدينية أن يترك الإنسان وصية بعد موته؟

( لكم ان تكونوا صغاراً

وان تنعموا بالشباب

وان لا تشيبوا سريعا

لكم كلّ شيء: جمال العطاء

    وكنز الصداقة

لكم كلّ هذا الوجود العريض

   فلا تقنطوا

ولا تتبعوا الشعراء إلى الوهم)

ويميل النص إلى روح البسيط في النسغ الشعري الصاعد بعيدا عن تهويمات الوجود وطرح الأسئلة الصعبة، وهاهو البريكان يُودع الأجيال القادمة ضرورة ما ابتدأه هو منذ عقد الأربعينات من القرن الماضي:

( لكم فسحة الوقت:

أن تصنعوا أجمل الذكريات

وأن تعرفوا للفصول مسراتها

وأن تتغنوا معاً

ألا امنوا بالحياة)(20)       

                                                       

زخرف التاسعة

( كتب النص بعد ثلاثة أعوام على رحيل الشاعر)

عندما ظهر على مرآتي

رآه جميع من حضر

لم يكن الأمر سحرا

وما هو بخداع بصر

الرؤى وحدها المعذّبة بالقادم 

هو؛ لم يكن يتوقّع ما كان

أنظر إلى دموعه التي تختفي في تجاعيد السبعين

كمياه في تلال رملية كأنما يبكينا لأول مرة

وهو يرانا

أرجوكم: لا  تفرحوا بدهشتكم العارمة

دعوه ، دعوه!!

"محمود يا محمود!" الحكلي!(***)

لا مكان للانتظار، وليس ثمة حافلة قادمة

ما أسوأ أن ننتظر، هناك!

لا ليل/ لا نهار/ لا هواء/ لا سماء

حالة تشبه الهوي

لا تعذّبوه بأصواتكم الخشنة

إنه في صالة موسيقى التاسعة

ألا تسمعون؟

لا شيء غير الأصوات الحانيات

هنا: سسسسسسسسسسس!

حسيس شجر، وما من شجر

وما من اخضرار: خلاء في إثر خلاء

لا ماء لا ماء

آه كم أحبّ الماء

أنا؛ منذ هاجرتُ لم أذق طعم الماء وأنا الذي كنته

صيّرت كلّ ما كان إلى ماء

كلماتي ندى، لكن العالم قحط دهوري: اصفرار في إثر احمرار

واحمرار في إثر اصفرار

هآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ!

ما كانوا مثلي ولا ذابوا معي

صرير أبواب

صصصصصصصصصصصص!

نجيع هذا البله الجديد يأتي ، ولا يرى

من تكون؟ من أكون؟ من نكون؟؟

خرء!

ههههههههههه

موسيقى الآخر

وأنا لم أذهبْ يوما إلى الصحراء

هي التي جاءتني، بغتة؛ امرأةًَ عاريةَ من صحراء

من ماء لازوردي رقراق

تحبو: ثديان متدلّيان: رمانتان مزهرتان: حلمتان خطتا على الأرض

كتابات الأولين

نهران بلا ماء 

شبقية ،كانت، تلك الآتية من سراب

شرقية بكل الأبعاد

من الحسن هنا ، يا صحاب، أن يكون بعيد وقريب

طويل وعريض، علوٌ وانحدار

آه, ما أبشع أن نعيش ببعد واحد في انتظار

كان ويكون، ربما في أماكن أخر

ولا أحد في الرواق لا يتصل بك أحد

شكرا للذي يدعى الأقدار، ما كنت أعرف قدري

وهذا هو العذاب، وما من عذاب!

شاشتك بيضاء: لا أحد لا أحد

يا محمود!!

أنظر جاءت جاءت، محمود!

تتلعثّم بالكلمات كأنما بها مسّ من كشف جامح بالحروف

وفي أول مضاجعة للنقط المتباعدات، أشهرت حبي

من الفم إلى الفم من اللسان إلى اللسان

هكذا نتعلّم التذكّر والنسيان

سيان: ما كان, وما كان

يا محمود

دائما

نقطة

نقطة!

من الذكر المنتصب في المدى؛ نرى ما يكون وما لا يكون

فنكون، وعلى جسرٍ لحميّ بين الكاف والنون

نتعلّم الكلمات في دروب حروف مبهرات

وما هي بحروف

سماوات في إثر سماوات

ألم نكن في البدء بضع كلمات؟!

أولم اكُ حرفا شمسيا هوى من جيب كاهن تائه آخر؟

وما نتعلّم غير هاوية ما

مثل ثقب أسود سحيق معا

معا، كنا معا!

خديعة الخلق، فلتتعلّم طريقة التقبيل من الفم

لعلك تكون في هذا الصباح الماطر

من كانون أراكم  

يا صحاب! أرقبكم في كلّ مساء:

السكين والطعنات لما تزل في صدري، ها هي:

الدماء/العواء /كلّ العواء البشري القديم:

أنتم!

"الآخرون هم الجحيم"(21)

الآتون من جوف الحروب

لربما نعود بالحنين إلى البعيد الأول والغريب

والثاني المخترق للروح خازوقا قروسطيا

وووووووووووووووووووووووووو!

ياللأنين: القتلة في الدغل

ذبحوا الميم

الذاهبون إلى حيث لا أحد بالانتظار

الفناء

المعذبون بالأسئلة وأسواط الفرار

ولا فرار، لا معرفة عندهم  ولا أحد معهم, لا يرون, أبدا شيئا ما

وهنا مكمن العويل

واووووااااااااااااووووواااااووووووو

الباعث القشعريرة: شتاء الكون الحامل المشعل العدم

ذاك الذي كان: كانونان: يتفلّتان من الأيادي كلّما حاولت

برد عجيب. وحينما قدمت يا محمود

احتوتني بيديها الناحلتين السمراوين

كي أتدفأ وكي لا أغيب - لا أريد أن أغيب!

ما أغرب أن نغيب!

تعلمت الحروف كلّها؛ كي لا أغيب

وضمتني إلى نهديها ضمّتين

وشمّتني شمّتين، لكنّي من وحشة العالم

تذكرت زخرف القول وخشيت العَوْدَوحاولت أن أغيب..!

لكنّ الوقت قد أزف ولا رحيل: ما من دروب هنا

غير الزحف إلي: القرب مني بالتشمم والاستنشاق

بعد كلّ ما كان

وعلى حين غرّة قبلتني من جديد كما لم تقبّل أحدا منذ ألف عام

من الفم إلى الفم!

لأول مرة بوسة من رحيق

سحبت الشفة السفلى حتى أدمتها ومصّت الدماء حسنا مازال فيّ بعض دماء!

كانت تريد أن تتعلّم السرّ في الكلمات مني  وما تعلّمت وما اتعظت

آآآآآآآلآآآآآآخخخخخخخخخ!!

كانت الصحراء من أكثر الأشياء المتزلّقة عني؛ كانت الصحراء هي جلّ ما أعرف

وأنا كلّ ما تعرف، كانت الصحراء ، هي ، كلّ ، ما ، تكون

وما أكون

(ن)

من العار على البدوي المتفرّس الخجول أن يكشف كلّ ما يكون

الآن، ولكن؛ للنهاية متاهات قاتلة وللمعنى كذلك

كانت جسد من رمل حار واشتعال من شرر

وانبهار ووحشة ما بعد المضاجعة

في الظهيرة السماوية

واللهاث المرّ الفريد

سكون مطبق لذيذ

كانت في إثر كلّ مرة صحراء وكلّ ما املك

هي هنا

ولم أكٌ املك شيئا هنا أو هناك

بعدها (ن) كانت روحي مقبرة عجوب

يعرف البدو كيف تكون الريح حارسة

ولمَ تنبح الكلاب ليلا والرمل يملأ الحذاء

كان حذائي هو صحرائي أيضا يا محمود

وكنت لا أجيد السير في حذاء ملؤه الرمل 

الغريب لكني أسير، وخطاي غير الخطى, أتعثر وأطيح

وصحرائي غير الصحارى الفارغات

بقع المني على لباسي البدوي المهلهل

تنفخني ريح، تطيرني ريح

نهر من سراب كلّ التجاريب

من سرف الدبابات الآتيات عبر البحار

إلى (الهمر) المكفهر الذي يزأر بكم الآن!

الصفر القاحلون في النهار! الفارغون في الليل

علب بيرة مبعّجة

أراهم أراهم

نخوض ويخوض المجنون النباح فينا

(حيمر!) من جديد

من العالم إلى العالم : غبار غبار لا شيء سواه

وبكيت دما وما بقي بي قطرة دم!

لكنْ أشهد بان الصحراء كانت فارغة جدا

ولم أرتو من مضاجعة واحدة

(ن)

لم تكن تعرف ما ينبغي على الرجل أن يكون

وكطيف تضاجع والطلقات مغروزة في البطن؟

على سرير أسود هناك

لماذا يحدث كلّ هذا الهوى؟

لم كلّ هذا الهوي نوني!؟

ومن أين جيء ـ مرة أخرى ـ بالجنون

في وحشة من فراغ؟

غريب يتجدد في كلّ عقد

في العيون، فيكون

أنا اكتشفت بعد زمن من اليباب:

أن ليس ثمة فراغا ؛ بل فراغ الجسد أقوى من الفراغ

وتلك آخر اكتشافاتي

وهي آخر من كشف لنفسي: جسد بدوي عاثر وضعيف  

أريد

آآآه لا أستطيع!

من أي مكان جاء الرصاص؟ والأحشاء نزيف

كانت البطن الضامر ممزقة

والرجل الأميركي مذبوحا بالطلقات

من أي مكان جاء؟! وإلى أي حلم أهوج قادك؟

(ن)!  

شهدت ذلك أيضا والشعر الأبيض القطني المتطاير

احترق من البكاء في أرجاء الكون شعرة فشعرة

ولا حقيقة هنا ولا رثاء؛

غير أن من كان يريد أن ينأى بنفسه عن الخرء الدائم على الأرصفة

يستطيع وما كانوا واحدا وما كنا جماعة وما كنت وحدي

لكنها : الفذلكة في المغادرة يا صديق

الزخرف والمغيب.

كم أرغب أن أغيب..

الآن

السير بعيدا عن الخطى المعروفة

ابتعد عن الروث أولا

وتعلّم

وانظر طرق الخرء الآدمي المتيبّس

ما كنتُ جاهلا بكم

وما أنا بخجل منكم

(أمّداكم)!

لكنها الروح!

من جديد

ومن ذا الذي هيّأ نفسه لتلك الليلة الغريبة ؟

ربما كنا أكثر من واحد

وربما كانت وراءهم (واحدون)

كلّ الذين غرزوا السكين

غابات من فزاعات بلا قبّعات

أريد أن أعرف ، من يخبرني؟

محمود

لا أحد

هل قطع الاتصال؟

(أمّداني)!!هل نسيت؟؟

محمود!

أم أن العالم هو غير ما كنت أظن

يا للظنون الكاذبات

(ن)

آخر الظنون

زخرف الكون

لوحشة الروح

لو تدري يا محمود

لم يكن جسدا أنثويا

كنت احتضن فزاعة الحقل

في ممر الآيلين إلى الغياب

محمود!!  

في كلّ مكان خديعة

وفي كلّ وقت غرابة

لكن

الذي لم أظنه

 هو هذا الغياب

محمود يا محمود:

كلّ الثوابت فاسدة

تيراقا(22)

كلّ التحولات غريبة .

 

البريكان في سطور:

•-       مطولة المجاعة الصامتة 1950

•-       مطولة أعماق المدينة 1951

•-       ألقى أول نص له أمام الجمهور في إحدى أماسي اتحاد الأدباء ببغداد عام 1959

•-       منذ 1948 وحتى 1953 نشر 12 قصيدة

•-       انقطع عن النشر للمدة 1954 وحتى عام 1957

•-       منذ 1958 وحتى 1961 نشر ثماني قصائد

•-       انقطع عن النشر للمدة 1962 وحتى عام 1967

•-       منذ عام 1968 وحتى عام 1970 نشر ثلاثة عشرة قصيدة

•-       انقطع عن النشر للمدة 1970 وحتى عام 1993

•-       نشر عان 1993 مجموعة عوالم متداخلة في مجلة الأقلام

•-       مجاميع شعرية غير منشورة: الرقص في المدافن، أكليل الحب، أرض العبيد،،،

•-       لدى الشاعر كتابين في الموسيقى العربية ، وكتاب عن الرازي مخطوطين.

•-       قتل في صيف 2002 في منزله بالبصرة.

 

  

  

  

  

الهوامش والمراجع

ـــــــــــــــــــ

- القرآن الكريم.

(*) أوراق سيدة جنوبية، عدالة العيداني، جامعة البصرة، دار الكتب للطباعة والنشر، 2001، ص16

(1) الحداثة  1890-1930 مالكم براد بري وجيمس ماكفرلين، ترجمة : مؤيد حسن فوزي، بغداد ، دار المأمون، 1987 ، ص19

(2) الريادة في الشعر الحر، لميعة عباس عمارة، جريدة (القبس) 21 آذار 1982  

(3) ما بعد اللامنتمي، كولن ويلسون، بيروت، دار الآداب، ط2 ، 1969،ص19

(4) الحياة الروحية، كلشكوف، ترجمة: عدنان حمودي عاكف، دمشق، دار المدى، 1995 ص ص46-8

(5) محمود البريكان، دراسات ومختارات، عبد الرحمن طهمازي، بيروت: دار الآداب،ط1 ، 1989 ص10

(6) المشهد الشعري العراقي (11) القصيدة الحديثة بعد جيل الرواد (محمود البريكان) د. علي جعفر العلاق،  شبكة المعلومات الدولية.

(7) ينظر: جيتنجالي، روائع طاغور، في الشعر والمسرح، نقلها إلى العربية : بديع حقي، بيروت: مؤسسة حوار للطباعة ، ط4، أيار / مايو 1979 ص 44- 125  

(8) البذرة والفأس، رياض عبد الواحد، البصرة، مكتب الفيحاء للطباعة، 2001 م، ص18 (9) د. علي جعفر العلاق، شعراء جيل الستينات (شبكة المعلومات الدولية)

(10) الثابت والمتحول، بحث في الأتباع والإبداع عند العرب3- صدمة الحداثة، ادونيس، بيروت، دار العودة ، ط2 ، 1979،ص 275

(11) إحسان وفيق السامرائي، قداس القتلى، مجلة الأقلام العراقية، العدد3، سنة 2002 ص ص 16-22

(12) لمزيد من التوسع حول علاقة المعرفة بالسلطة والجدل بينهما، ينظر: مدخل لقراءة فوكو، جيل دولوز، ترجمة: سالم يفوت، بيروت: المركز الثقافي العربي، ط1، 1987، ص ص 31- 6

(**) نشرت المقالة لأول مرة في جريدة العراق بعنوان (أتون محمود) العدد 7257 بتاريخ 24/2/ 2001 واقترح البريكان أن يكون عنوانها (مشغل الشعر الجديد) بدلا عن ذلك العنوان القديم. ولم يجر عليها تغييرا مهما منذ ذلك الوقت. وقسم من التعمق الجديد في المقالة يعود إلى مناقشة الشاعر لأفكار المقالة الأولية.

(13) لمزيد من التعمق في رؤية جديدة لعلم النفس السارتري المقترح: ينظر: نظرية الانفعال، جان بول سارتر، بيروت 1977.

(14) محمود البريكان يتحدث عن تجربته مع الشعر الحر، عبدالرزاق سعود المانع، مقابلة، مجلة البيان، العدد 34، يناير (كانون الثاني) 1969

(15) محمود البريكان: الوعد الذي لم ينجز، سامي مهدي، مجلة نزوى، 2002، شبكة المعلومات الدولية.

(16) أقاويل الجملة الشعرية وتأويلها، حاتم الصكر، absso.com 25/2/2006

(17) الروّاس، البطاقة المهدوية ص 155

(18)  أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، الجزء الثالث، ص66

(19) الشعرية العربية، ادونيس، محاضرات ألقيت في الكولج دي فرانس، باريس، أيار،                                   1984 ، بيروت، دار الآداب، ص5

 (20) الوصية، قصيدة للشاعر الكبير الراحل محمود البريكان، www.iraqiwriter 29/3/2006

(***) ملحوظة: يقصد الشاعر بنداء محمود يا محمود القاص محمود عبد الوهاب صديق الشاعر المقرّب. و(ن) صديقة الشاعر المقربة: لاجئة عراقية في الولايات المتحدة حاليا.

(21) عبارة لجان بول سارتر يكررها الشاعر كثيرا في حياته.

(22) كلمة مندائية أرامية تعني: المصيبة

                

 

 

 

 

 

د. رياض الاسدي


التعليقات

الاسم: د. رياض الأسدي
التاريخ: 04/12/2009 23:21:20
الأخ البصري لا يسعني إلا ان أحب ثناءكم وهو جزء من الحب الذي اكنه لزميلي البريكان الراحل الذي كون ظاهرة في الحياة قبل أن يكون ظاهرة في الشعر كان الرجل انعزاليا بطبعه وقد أثار ذلك حنق شعراء السلطة والشعراء المؤدلجين أيضاكان البريكان عقلا سياسيا كبيرافضلا عن شعريته وفكره الوجودي.

الاسم: أحمد البصري
التاريخ: 04/12/2009 20:36:06
ما أحزنَ قصته, بل يا لغرابتها, هذه الشخصية يجب أن تزرع تحت عدسة الدراسات, فأنا أجدها تصلح كأنموذج فريد نتعلم منه رفعة النفس, وكيف يكون الانتصار الحق على طاغوت الشهرة والأضواء, أقول: بل يجب أن نتعلم منه الصدق, هذه الكلمة التي تبجحنا بها طويلا والحقيقة هي أننا لا نعرف كنهها بعد, بل ولسنا سنعرفها ولا بعد بعد, عندما يتملص رجل يحمل كلّ هذه القوة الخارقة للتصوير والتصوّر من بين ثلة هوَ عايشها لفترة من الزمن كان لها الريادة في ما يسمى بالتجديد, أخذ كلّ منهم ما كتبه الله له من حظ الشهرة, ليتشرنق هو بصومعته, ترى هل كان ينتظر نهاية الطور..؟! الفراشة التي تجوب مدن الهواء تناثرُ كحلها فوق أرصفة الوجود؟؟
الدكتور الأسدي.. إن ما جمعته هنا يعكسُ مدى شعوركَ بالمسؤولية تجاه ما أمسكته أصابعك ( القلم ) وهذا الأخير يعكسُ بدوره عن مدى بعد آفاق ضميركم الحي, في زمن لا يذكر فيه سوى ضميرُ الأنا, كأننا نقول أنا ومن بعدي الطوفان.
عافاكَ الله وسدد خطاك
أخوكم البصري أحمد

الاسم: د. رياض الأسدي
التاريخ: 04/12/2009 03:20:10
شكرا لتعليقك وأرى لابدمن أن تقوم جهة ما بفتح تحقيق جديد في مقتل البريكان هيئةإدارة اتحاد ادباء البصرة هي المسؤولةعن ذلك

الاسم: صباح محسن كاظم
التاريخ: 03/12/2009 21:02:36
د-رياض الاسدي،بوركت..وسددت ..ووفقت لدراسة ابرع شعراء العراق الشهيد المغدور به زمن الفاشستيه،الذي لم يلوث قلمه بمدحهم........




5000