.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الحركة الأبراهيمية ودورها في المجتمع البشري

د. محمود الربيعي

ندوة الأبرار : الجمعة, 20 نوفمبر 2009 17:38

 ضمن برامج مؤسسة الأبرار الإسلامية الأسبوعية استضافت المؤسسة الباحث والكاتب الاسلامي الدكتور السيد علاء الجوادي في محاضرة تحت عنوان: "الحركة الأبراهيمية ودورها في المجتمع البشري". وذلك يوم الخميس 19 نوفمبر 2009. أدار الندوة الدكتور سعيد الشهابي.

دعوة ابراهيم هي عقد القلادة في مسيرة الاديان والانبياء ومن هنا كان الاسلام هو دعوة ابراهيم وهو ملة ابينا ابراهيم. وكانت بعثة خاتم الانبياء محمد صلى الله علية واله استجابة الله لدعوة ابراهيم عندما جعل حفيد ابراهيم سيد الانبياء والمرسلين. والحج الابراهيمي احدى اهم المحطات في هذه المسيرة النبوية.


تزخر حياتنا هذه بالوان صراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. تظهر مجتمعات ثم تختفي وتظهر دول ثم تنتهي. وتظهر دعوات صغيرة ضعيفة ثم تقوى وتنتشر في كل البقاع والمجتمعات. يأتي جيل ويرحل جيل، وتستمر الحياة كمسيرة متواصلة وكأنها تسير نحو التكامل والرقي، مع انحدار هنا وهبوط هناك.

وهناك اتجاهان في فهم الحياة وظواهرها: احدهما يميل نحو العبثية والصدفة واللاقصدية في الاحداث وكأننا ريشة في مهب الرياح نذهب حيث تحركنا الاهواء والرياح. وبمقدار ما ترى الالتزام والانضباط عن البعض من اصحاب هذا الاتجاه في ممارسات الحياة اليومية، ترى الضياع والتشتت عندهم في قضية الانسان والخالق والمصير، حيث يصبح عبثيا وتصدر عنه الكثير من الكلمات والعبارات والتصورات التى لا يطبقها او يمارسها في حياته اليومية والاجتماعية العامة.

فهل حياتنا على الارض تعتبر نوعا من الحركة العبثية ام جزء من مخطط متواصل الحلقات ؟ هذا من الاسئلة الكبيرة التى تصدى الفلاسفة للاجابة عليه.

في المقابل نجد الاتجاه الثاني عند معظم الفلسفات الكبرى حتى ذات الفهم المادية الحياة، تقول: ان الحياة تسير وفق مراحل وقوانين فيزيائية او اجتماعية ومتطورة توصّف المسيرة الانسانية غفي الوجود منذ بداية وجود الانسان. كما ان الاديان السماوية تقدم اجابات بصورة اوضح حول المسيرة الوجودية والانسانية ، فتقول: ان الحياة بها مسيرة متتابعة ومتواصلة ابتدأت بادم لتنتقل الى نوح لتنتقل الى موسى كأئمة لمراحل متميزة من المسيرة النبوية، و]اتي عيسى ابن مريم ليكون مرحلة مهمة اخرى في هذه المسيرة ليتميز اتباعه بدين يعترف بالرسالات النبوية السابقة وليضيف لها عقيدته برسالة المسيح عليه السلام. ويكون الاسلام اخر الرسالات السماوية ليعترف بالاديان والانبياء السابقين وليبني امة وسطا بين الاديان وليعلن كلمة التوحيد الخالصة الى البشرية جمعاء. واضافة لكل ذلك فقد رأينا ونرى  في حياتنا التي عشناها ويوما صورا من هذا التواصل بين الاحداث ولاتخبرنا بعدم وجد شئ عبثي في المسيرة وان وجد الكثير من العابثين واللااليين في التعامل الجاد معها ومع مراحلها السابقة والحالية والمستقبلية.

ونحن نفهم ان الاديان السماوية يكمل بعضها البعض الاخرى بغض النظر عن التحريفات التى حدثت فيها على طول الخط والتي اقتضت بعثة الله للانبياء بين فترة واخرى حتى اكتملت الرسالة الالهية ببعثة خاتم الانبياء محمد صلى الله عليه وعلى اله وسلم. وعلى الرغم من كل ما حصل في التاريخ الاسلامي فان الاسلام بقي محافظا على قرآنه وقاعدة عريضة من المؤمنين وبعلماء ربانيين مما جعله الصورة الانصع من تجلي الاصالة الابراهمية.

تتفق الاديان ان المسيرة بدأت بآدم عليه السلام واستمرت بملابساتها وظروفها واستمرة بتطورات جديد ملازم لمسيرة الانسان في علاقته بالاديان وانتهت هذه المرحلة بحدوث الطوفان الذي تؤكده الكتابات التاريخية ويؤكده معظم التراث الانساني وقد بينت ملحمة كلكامش وسفر التكوين من التورات وغيرها من النصوص الادبية والتاريخية الموروثة حدوثه في غابر الازمان. لقد انطبق قانون من القوانين الالهي على تلك المجتمعات الاولى وهو ان تعاظم الفساد وتغلبه الكبير على الصلاح يؤدي في الكثير من الاحيان الى تدمير ذلك المجتمع.

وهكذا انتهت مرحلة آدم ومن تبعه من الانبياء لتبدأ بعده مرحلة جديدة في تاريخ الانسانية. وكان النبي نوح(ع) بداية لهذه المرحلة الجديدة مرحلة ما بعد الطوفان، من اجل فرز وبناء المجتمع الانساني الصالح. ومن المعروف ان الشعوب الحية اليوم تفرعت من نوح وابنائه. ومن المعروف كذلك ان بداية الانطلاقة الجديدة كانت من العراق ومن الكوفة بالتحديد. في كثير من الاحيان، اعتبرت هذه الافكار خرافية، ولكن العلماء المختصيين في البحوث البشرية اثبتوا ان الانسان الذي ينتمي اليه الآدميون انطلق من المناطق المحيطة ببابل. العراق منطلق الحضارة ومنطلق الكتابة ومنطلق دول المدن ومنطلق الامبراطوريات العالمية ومنطلق القوانين والادب الرفيع.

ان وهذا ما اعطى للعراق هويته المتميزة والتي تعززت بمولد النبي ابراهيم الخليل فيه وانطلاق رسالته منه. حتى وصلت النوبة الى علي ابي طالب عليه السلام ليتخذ من كوفته عاصمة له ولتكون نجفه مدفنه.

وبعد نوح جاء ابراهيم، وفي هذه المرحلة تبلورت رسالة. هذا الطرح الرسالي فكان طرحا عالميا وليس محليا. ابراهيم عاش في جنوب العراق بالقرب من اور. وللمرة الاولى ظهرت امبراطورية عالمية، وكانت الدويلات والمدن قد انتهت، وتعتبر اور معبرة عن تلك المرحلة. تشير البحوث التاريخية ان حركة ابراهيم انتجت حركات كثيرة في المنطقة. حيث قامت الدولة البابلية الاولى وكان من ابرز قياداتها الامبراطور حمورابي. وهو الذي شرع القانون المشهور المعروفة باسم شريعة حمورابي. والذي يعبر عن دين ابراهيم عليه السلام التي تسربت الى حمورابي وقومه. كما تسربت الى مصر الكثير من افكار ابراهيم وكان لها اكبر التاثير على التطورتات والى الحجاز والى بلاد مصر. وظهرت في عهد ابراهيم حركات توحيد كثيرة. واميل الى الاعتقاد ان حركة اخناتون التوحيد كانت من نتاج حركة ابراهيم بشكل مباشر او غير مباشر. وقد امتدت حركته الى جزيرة العرب والى بلاد الشام، وهناك رواية تقول ان تسمية مدينة "حلب" ظهرت لان ابراهيم عليه السلام كان يحلب اغنامه ومواشيه فيها.

كان ابراهيم واسع الحركة ، حيث انتقل من العراق الى الشام ومصر والحجاز. وتزوج من سيدة مصرية هي السيدة هاجر. كان ابراهيم نبيا ورسولا يستهدف كل الناس: العراقي والمصري والحجازي والشامي. كان يبشر بتوحيد الله وناقش دعاوى الاديان المختلفة السائدة يومذاك لا سيما عبادة الكواكب والنجوم وفندها كما يروي نا القرآن. كان عليه السلام يدعو الى الحنفية السمحاء، التى نبعت منها الوصايا الحنيفية الاساسية في الاديان السماوية وتعبر عنها الديانة اليهودية والديانة النصرانية بالوصايا العشرة وكذلك وصايا لقمان.

وقد شاء الله ان يأمر ابراهيم بوضع البذرة في ارض مكة وكان لهذه البذرة وجهان معبران عن استمرارية الرسالة الابراهيمية الحنيفية السمحاء. كان احد الاساسين بناء عندما امر الله ابراهيم ان يبني الكعة في الوادي المقدس. وكان الاساس الثاني هو الانسسان عندما اسكن ابنه اسماعيل وذريته في هذا الوادي ليستمروا بحمل رسالته ولتظهر على الدين كله عندما يحين الوقت المعلوم. لقد تجلت الحنيفية اذن في مظهرين هما: الكعبة وآل اسماعيل، فاسكن من ذريته بواد غير ذي زرع استجابة لامر الله، وشاءت الارادة الالهية ان يكون واديا مثمرا بعدما كان واديا اجرد بلا حياة.

لكن استوطن اسماعيل عليه السلام وامه المصرية هاجر عليها السلام ومرت عليهما ظروف عصيبة كجزء من التدريب الالهي والاختبار في تحمل المسؤولية القادمة. وعندما نجحت هاجر مع ابنها اسماعيل في اجتياز المحنة وبعدما انبثق بئر زمزم بمائه المبارك ابتدأت معالم الحياة بالظهور واخذت بذرة المدينة بالنمو وكان محور هذا النمو حول بيت ابراهيم واسماعيل وهاجر. اخذ العرب يحسون ان هناك ثمة حياة جديدة قد بدأت تدب بهذا الوادي المقفرفجاءت قبيلة جرهم للاستيطان مع ال اسماعيل في مكة.

الامر المشهور في كتب التاريخ والانساب والاداب ان العرب ينقسمون الى ثلاث مجاميع بشرية او شعوب، وهي:

1- العرب البائدة ،مثل قبائل وشعوب: ارم ، عاد وثمود والعماليق وجرهم وجديس

2- العرب العاربة ، وهم عرب الجنوب او عرب اليمن وهم من يطلق عليهم القحطانيون او اليمانيون او السبئيون ومنهم حمير وكندة ...الخ

3-  العرب المستعربة، وهم عرب الشمال او الحجاز ونجد وهم من يطلق عليهم العدنانيون او النزاريون او المعديون ومنهم مضر وربيعة وتفرعاتهما من بكر وتغلب وكنانة وقريش وثقيف...الخ

وهناك سلسلة من المماحكات التاريخية تقود الى التناكد والصراع بعض الاحيان بلحاظ الاكثر اصالة في عروبته.وفي هذا السياق طرح سؤال هو: هل تعلم اسماعيل اللغة من جرهم؟ ام العكس؟ وتتشعب الاجابات وتحتد الانفعالات كل يريد ان يجعل الاصالة من نصيب قومه والمجموعة التي ينتمي اليها. وفي اعتقادنا ان ابراهيم المنحدر من القبائل العبرية والارامية حسبما تشير اليه اسماء ابائه وحسبما يعرف نفسه به، وبحكم مولده ونشأته فانه كان يتكلم اللغة العراقية السامية السائدة تلك الايام في جنوب دي الرافدين ومن ينحدر منه يسمى عبريا.وهو ابو اسماعيل. وام اسماعيل مصة ولا بد للولد ان يتأثر بلغة امه وهل يعقل ان الانسان لا يتفاعل ولو بحدود معينمة بلغة امه. كما انه نشأ في الحجاز وتزوج من جرهم ولا يمكن اغفال ما يؤثر به المحيط على اللغة. ومن هنا نفهم ان لغ اسماعيل العربية هي ليست لغة اليمن او لغة القبائل العربية البائدة. بل ان لغته هي خليط من لغات س المنطقة من عراقية ومصرية وحجازية ومن هنا يمكن تفسير ان اول من شق الله لسانه باللغة العربية هو اسماعيل تلك اللغة العربية التي ورثتها مضر وكنانة ثم قريش والتي تنزل بها القرآن فيما بعد ولا تعارض بين هذهخ الفرؤية والقول ان اسماعيل تعلم العربية من جرهم بمعنى انه تعلم قسما من اللغة العربية الاسماعيلية منهم وليس ان لغته كانت لغتهم بالكامل. ولغة اسماعيل ليس بالضرورة تختلف كثيرا عن اللغات العربية او السامية البائدة فهي قريبة منها. فل انقول ان لغة اسماعيل هي لغة جرهم ولا نقول انها جديدة، فأمه مصرية وقد تداخلت اللغات. اسماعيل ابوه عراقي ونشأ في الحجاز. لغتنا العربية الحالية التى نتحدث بها اول من تكلم بها هو اسماعيل.

ولكثرة جرهم من جهة ولمصاهرتهم لاسماعيل من جهة ثانية وكونهم اخوال بني اسماعيل فقد تمكنوا من القيادة في مكة، وكانوا حكاما فيها مع حفظ مكانة ومنزلة بني اسماعيل. وكانوا على دين ابراهيم واسماعيل. وبمرور الزمن اكثروا من الفساد فانقرضوا وبادوا. والدول مهما كانت قوية تنهار اذا اوغلت في مارسة الفساد. فعندما بلغ الفساد في المجتمع الجرهمي مبلغا كبيرا وصل حتى الى بيت الله الحرام وقصة اساف ونائلة معروفة. فأذن الله بانهيارهم. فجاءت حضارة اخرى او كيان اخر.

بعد جرهم جاءت خزاعة، وخزاعة كانت قبيلة يمنية هاجرت الى مكة بعد انهيار سد مأرب. مع من هاجر من القبائل القحطانية من اليمن الى الحجاز او الشام او العراق هربا من المجاعة  والجفاف واضطراب الاوضاع.

لحد ذاك الوقت كان التوحيد منتشرا في المجتمع وكانت الوثنية ظاهرة طارئة في الحجاز. وكانت قوة بني اسماعيل في مكة وفي الجزيرة العربية مرتبطة بانتمائهم الديني، كما ان قوتنا اليوم ناجمة عن ارتباطنا باهل البيت عليهم السلام. عنما جاءت خزاعة ووجدت بني اسماعيل يعبدون الله وحده لا شريك له وكان هذا ركيزة قوتهم الاساسية. فكيف يتمكن عمرو بن لحي الخزاعي التحكم في المجتمع المكي مع وجود هذه الحالة والقيادة الدينية بيد الكبار من بني اسماعيل.

يقال انه عندما راي الاصنام في الشام سأل: وما هذه وبماذا تستعملونها ؟ قالوا: نستسقيها فتسقينا وندعوها فتعطينا. فأخذ منهم صنما اسمه هبل وجاء به الى الحجاز وطلب من قومه ان يعبدونه!! كان يحاججهم بمنطق مختلف ولكنه منطق سائد وهو المنطق المادي المتجسد، الان اذا اردت ان تتحدث عن التضحية مثلا يقال لك : انت تتحدث بمنطق تجريدي حدثنا عن المكاسب المادية هذا المنطق يحرك الكثير من الناس. ومن هنا فان الكثير من الشعوب البدائية بل وحتى المتقدمة تفضل عبادة اله مجسدا ذو كتلة مادية على اله مجرد لا تدركه الابصار بل تدركه العقول.

كأني به يقول لهم : هذا هبل ربكم من المرمر الجميل احدى يديه من ذهب والاخرى من العقيق الاحمر او الياقوت وانتم ترونه باعينكم... فأين ربكم الذي تعبدون وهو لا يرى بالعيون؟

الهدف الحقيقي كما نتصور هو السعى لحرف مركزية القيادة الدينية وفي حالة عبادة صنمه الذي جلبه فانه سيكون رأس الدين الجديد. لقد جاء بالصنم من الشام الى مكة ليستعمله إله لخداع الناس.

من جهة اخرى كانت توجد سذاجة لدى الطيبين من اهل مكة والعرب فقد كانوا يحملون معهم احجارا من مكة عند هجرتهم او خروجهم منها يقدسوها ويطوفون حولها فتحولت بمرور الزمن من رمز لمكة الى صنم يعبد شريكا لله. هناك مسألة فقهية تقول انه لايجوز حمل حصاة من مكة وخلفية الحكم الشرعي هذا هو هذه القصة. وبمقدار هذه البساطة توجد خبرة لدى القوة السياسية الحاكمة، وبتفاعل العاملين انتشر الفساد وعبادة الاصنام، وبدأ التوجه التوحيدي يتلاشى او يضعف بتعبير ادق.

حركة الوعي من جانب المستضعفينوبالخصوص عند بني اسماعيل بدأت تتبلور على يدي رجل من الاوصياء، وهو قصي الجد الرابع لرسول الله . وهنا يخطئ الماديون الذين يفسرون ذلك بالصراع المادي فحسب ويسرفون في ذلك حتى يصل بعضهم لكتابة كتاب باسم (الحزب الهاشمي في مكة) يفسر به حركة التطور التي اطلت بشاراتها على يدي قصي بن كلاب. وسنرد على هذه الاطروحة في المكان المناسب من هذه الدراسة.

قصي تحرك على طريق ابراهيم، فدعا الى الوحدة فنظم قريش وقسمهم الى بيوتات محددة وعلمهم انسابهم ومواضع الاتصال فيما بينهم واكد على اتصال اشجار نسبهم باسماعيل وابراهيم. وبعدما كانوا يعيشون في الجبال وشعاب مكة او الصحاري المجاورة لها، جمعهم. ووضح لهم الامور المتعلقة بذاك الزمان ومهمهم المحددة. في المقابل لم تعد القيادة الخزاعية بقادرة على متابعة التطورات الاجتماعية الجديدة ومن معالم انهيار المجتمع الخزاعي الذي كان يحكم بمكة ان شيخ القبيلة باع الكعبة بزق خمر، مما يعني وجود نقص واضح في مجتمع يتقبل قيادة تبيع مقدساتها بزق خمر ؟

ولذلك حصلت مشادات بين شيوخ خزاعة من طرف وبين قضى من طرف ثان وترافعوا بها الى حكماء العرب فقضوا لقصي على ان تبقى خزاعة في مكة، ومن معالم الحكمة في هذه المرحلة ان قصي وقريش لم يفعلوا مع خزاعة ما فعلته خزاعة مع جرهم التي حكمت خزاعة بالابعادها عن مكة.

عقلية قصي كانت واسعة ، فعمل على توحيد القوم ، احيى معالم الحنفية السمحاء ارجع للحج الكثير من معالمه الابراهيمية الصحيحة. لكنه من طرف اخر لم يستطع القضاء على عبادة الاصنام. واسس منتدى تجتمع به قريش لتداول كل الامور التي تتعلق بها او بمكة او بالشؤون الاخرى ذات العلاقة بحياتهم او دينهم واسماه (دار الندوة )، وكانت تجتمع قريش فيها للتباحث والدراسة ، كان ذلك قبل النبي باكثر من 150 سنة . وهي تجربة مبكرة لبذور نظام حكم تشاوري تأخذ به الاراء المختلفة. وهذا يذكرنا بتجربة دول المدن في العراق في العهود القديمة.

واستمرعمل نبي هاشم، والاخيار من قريش في هذا التوجه. وهنا ينبغي ان نقول ان الاسلام بحكم كونه ملة ابراهيم وبحكم كونه الشريعة الحنيفية السمحاء فقد ورث الكثير الكثير من الحنفية والابراهيمية التي كان يبشر بها قصي وابناؤه من بعده، وونعتقد ان حركة قصي بن كلاب كانت اول حركة تصحيحية ضد الثورة المضادة التي قام بها عمرو بن لحي الخزاعي والتي ادت الى بروز مجتمع عبادة الاصنام. كما يمكننا ان نقول ان قصي تمكن لدرجة ملحوظة من بناء دولة المدينة في مكة فاصبح لها كيان قوي. وكما انه لم يكن بمعزل عن خارج مكة او الجزيرة العربية فاتصل بقبائل ودول مختلفة لدعم هذه الاتجاهات الايجابي في بناء الكيان السياسي الاجتماعي الاقتصادي لمكة.

بعد قصي، استمرت قريش في ادارة الكعبة وكان بني عبد مناف بن قصي الدور الاكبر في بلورة الوضع السياسي للمدينة المقدسة وكان محور ال قصي وال عبد مناف، عمرو العلا الذي لقب لشدة كرمه واطعامه للفقراء بهاشم. كان هاشم من اعمدة السياسة في المنطقة والعالم. ذهب الى الشام وتفاهم مع الروم، وبعث اخوته للتباحث مع الفرس والحبشة للتفاهم معهم فيما ينفع مكة واهلها وتجارتها. وعقد الايلافات مع الدول، والتحالفات مع العشائر. فاسس شبكة ساسية اقتصادية اجتماعية لحماية المجتمع المكي. وعمق الفكر التوحيدي في مكة وفي البلاد العربية الاخرى ولذلك نجد كثير من الحنفاء في الجزيرة العربية وبروزهم كظاهرة.

وفي اعتقادنا ان الكثرة الكاثرة كانت من عموم الناس في الجزيرة العربية ومكة لم تكن عندهم اية مشكلة مع دين ابيهم ابراهيم. وكاانوا يؤمنون بالله واليوم الاخر. ولكن مصالح الطبقة الحاكمة المتنفذة او الملئ كانت تميل الى ربطهم بمؤسسة اخرى بعيدة عن التوحيد ولاسباب اقتصادية وسياسية محسوبة بدقة من قبل تجار مكة كان لكل قبيلة صنمها الخاص في مكة المكرمة وحول بيت الله. واستمرت القيادة ببني هاشم.

البناء المكعب كان نمطا خاصا ببيوت الله. لذلك كان العرب يبنون الاماكن المقدسة بالشكل المكعب، بينما يبنون منازلهم بشكل مستدير ، لذلك تسمى الدار والدور والديار. هؤلاء الناس اخذو البناء المكعب من الكعبة المشرفة فوجود نظام الكعبات تؤكد ان الناس كانوا مؤمنين بالله ، ولكن القوى الدينية او السياسية المتنفذة كانت تمنعهم. ولعل اوضح الادلة على ذلك انه بمجرد انهيار كيان قريش السياسي على الكفر والظلم والمتعارض مع قيادة هاشم واهل بيته القائم، نلاحظ انحاز الناس السريع الى الايمان والدين التوحيدي الجديد، واصبحوا مسلمين. ما نريد قوله ان عبادة الله كانت سائدة في المجتمع المكي والعربي لكنها قد تلوثت ببعض معالم الشرك الوثنية والابتعاد عن دين ابراهيم. كانت مشكلة العرب مع الطغاة والمستغلين وكهنوت مكة وليس مع الدين الابراهيمي. لذلك كانوا مهيئين للاسلام وثورته التغيرية القادمة. في هذه الاجواء كان لاباء الرسول اليد الطولى في بناء وتنظيم المجتمع.

اما عبدالمطلب ، فكان رجلا عملاقا موحدا وكان له دور في التغيير. ودور القيادة السياسية الابرز في مكة وكان رمزا من رموز الدين والقيادة في عموم المجتمع العربي.

قدم لنا عبد المطلب مبدأ سياسيا مهما عند تعرض مكة لاكبر خطر في تاريخها، فحين جاء ابرهة بجيشه الجرار، كان ذلك نابعا من قناعة بان مكة ستصبح خطرا على مصالحهم ومصالح الروم. لم يكون اهل مكة قادرين على مواجهة ذلك الجيش. قبل قيامه بالعدوان، اسس ابرهة كعبة اخرى في اليمن واسماها القليس، لجذب العرب لها، بدلا من توجههم الى بيت ابيهم ابراهيم الكعبة في مكة. وكانت القليس بناء مبهرجا وملفوفا باجمل الاشياء. جاء احد الاعراب ونجس ذلك المكان (القليس) فكان قرار الهجوم ضد مكة ، كان ذلك الاعرابي يمثل الامة في قراره. وقد ادرك ابرهة الحبشي ذلك لذا اراد اذلال الامة من خلال الاعتداء على اقدس مقدساتها. عندما دخل ابرهة مكة سرق الاغنام والماشية ومنها ابل لعبد المطلب، ودخل مكة بجبروته. كان الفيل يومذاك يماثل الدبابة بمنطق اليوم وكان منها الكثير. قال عبدالمطلب لقومه ان يذهبوا الى اماكن لحماية انفسهم من القتل والبلاء الذقادم مع العدوان الحبشي. لكنه ذهب الى ابرهة، وكان ابرهة يظن انه جاءه للتفاوض بشأن الكعبة ولحماية بلده مكة. لم يحصل ذلك لان عبد المطلب كان يعرف نوايا المحتل الذي لا يرتجى منه اي خير للبلد الذي يحتله، واكتفى بان طلب منه ان يعيد ابله، وعندما تعجب اتبرهة اجابه قائلا : انا صاحب الابل وللبيت رب يحميه" ثم حصل ما حصل من قصة الطير الابابيل، وانتهت اسطورة الجيش وعرفوا ان هذا المكان ما اراده احد بسوء الا هزم. وكان لعبد المطلب الكثير من الاصلاحات في وضع مكة وتطويرها وخدمة شعبها.

وحينما توفى عبدالمطلب، قام بالدور القيادي الزبير بن عبدالمطلب. وهو الذي كان له الدور الاساس في تشكيل حلف الفضول. الذي يقوم على مبدأ ضرورة التصدي لنصرة المظلومين ضد الظالمين. وقد تنبأ الزبير بظهور الرسول الخاتم سلام الله عليه. وبعد وفاة الزبير ، انتقل امر القيادة الى اخيه ابي طالب، هذا المؤمن الذي شتم على المنابر لا لشئ الا لانه والد علي الذي تحمل النصيب الاكبر في حمل رسالة الاسلام. وظهرت الرسالة الاسلامية وعانى الرسول ما عانى، وكان عمه ابا طالب سنده الذي يؤازره في كل ملمة او مصيبة.

ومع ان الحج وفصوله كان قبل الاسلام الا انه بقى في الاسلام ميراثا من دين ابراهيم. وللحج الابراهيمي ملامح مهمة نرغب بالاشارة اليها في ختام الحديث ومنها:

•1-    التأكد على توحيد الله المطلق،

•2-    التأكيد على العبودية والخضوع والانقياد والاستسلام لله الواحد الاحد لا شريك له. فهو تعبير عن الخضوع الكامل لله عزوجل ، فيكفن الانسان نفسه بارادته ، فهو يكفن مرتين ، بارادته وبدونها

•3-     الانتماء المسيرة لانبياء الله منذ آدم عليه السلام ونوح وابراهيم واسماعيل وكل الانبياء. فنحن نمثل في فصول الحج وقائع تاريخية حدثت في ماضي المسيرة الاسلامية.

•4-     وهو اثبات لوحدة هذه الامة بمختلف قومياتها ومهنهاها ومقاماتها واعمارها واجناسها ومذاهبها وبلدانها، كلهم يجأرون الى الله بصوت واحد ( لبيك اللهم لبيك). اذهبوا الى مكان عال وانظروا طواف الحجاج حول الكعبة فهي شبيهة بحركة الكواكب حول الشمس.

•5-    وهو مؤتمر عالمي لكل المسلمين ليشهدوا به منافع لهم في كل مجال.

وتبقى هناك مشكلة عند البعض من المتحسسين عندما يراد للحج ان يكون مؤثرا ويوحد المسلمين وصدى لنداء ابراهيم، واعلانا عن عالمية وخلود الرسالة الاسلامية في كل زمان رغم كل الطواغيت في العال .

في الختام نود ان نعرض لسؤال واحد لننهي به الحديث والشؤال هو: من الوارث للمسيرة الابراهيمية ؟

فهل هذه المسيرة التى كان لها من يرفع رايتها في كل زمن، تبقى بدون حامل لرايتها في هذا الزمان؟؟ نريد من اخوتنا ان يفكروا مليا وجديا بهذه المسألة فبها تقرير المصير.

اما جوابنا وباختصار شديد: انهم ال محمد عدل القرآن والذين اوصى الرسول بالرجوع اليهم والاخذ عنهم. فهم الملجئ وهم وارثوا المسيرة وقد ادخر الله لنا مهدي ال محمد ، ليرفع القواعد كما رفعها ابراهيم واسماعيل وليؤذن بالناس ليأتوا من كل فج عميق واكثر من يمثل هذا الخط هم العلماء الربانيون والمرجعية الرشيدة.

 

 

 

د. محمود الربيعي


التعليقات

الاسم: الدكتور علاء الجوادي
التاريخ: 12/04/2010 19:06:16
اولا اشكر اخي العزيز الباحث الكاتب الحاج محمود الربيعي على تطوعه بنشر مقالتي الحركة الابراهيمية التي كنت قد القيتها في احد المحافل الثقافية في لندن.


كما شكر وليز الفنان المبدع الواعد عليم كرومي على كلمته الجميلة المعبرة وعلى وفائه للصداقة والاخوة.


الكلمة المنشوره في هذا الموقع الكريم هي خلاصة او اشارة الى كتاب لي انجزته وباسم ملامح دولة مكة قبل الاسلام. وبحجم سبعمائة صفحة. ولم يبق لاكماله الا اعداد الفهارس ارجو ان يرى النور ليكون موسوعة مرجعية لتاريخ امتنا ولكن برؤية حضارية جديدة


المخلص سيد علاء

الاسم: الاعلامي عليم كرومي
التاريخ: 11/04/2010 16:10:49
للمتابع لكتابات السيد المتصوف الدكتور علاء الجوادي وبعين فاحصه يتلمس مال للسيد من انفتاح عالي جدا على جميع الاديان ويتبحر بكل ماورد من الاسلاف عن تطور البشريه وانتهاء بسيد الخلق الرسول الاعضم محمد صلى الله عيه وسلم ومن هذه المقدمه نلج الى قضيه مهمه يطرحها السيد واخطر قضيه وهيه التسامح الموجود في كل الاديان ونبذ العصب وجعل جسور للتواصل الى الاخر لان الاخر ايضا صاحب رساله ولايمكن ان يتجاوز من هنا كان الاهتمام والمتابعه والقرائه والتعرف عن قرب عن كل مايخص الاديان وتواليها على مر الخليقه وبناء جسور للتواصل وفهم الاخر لامن من خلال لونهة وجنسه ودينه وانما من خلال عطائه وانجازه للبشريه اي ماقدم وهنا ياتي دور الانسان المثقف في سبر اغوار كل ماهوة مخفي والتطلع الى ماهو حسن وان يعمقه فل السيد من خلال هذه الدراسه التي انا اعدها يوضح ماهيه وقيمة الانسان قبل كل شي لمل اولاه الخالق له ومن مرتبه وضعهة فيها ان يكون الانسان اخ للانسان بغض النضر لك الاشياء المحيطه به وهذا ديدن السيد في البحث والدراسه والتنقيب والتمحيص بوركت جهودك المبذوله والوقت الثمين الذي قضي في الاعداد والوصول للنتائج اتمنى لكم الموفقيه والمزيد من العطاء




5000