..... 
....
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


أشارات ضوئية

ايناس البدران

في كل مرة تلوذ فيها بصديقتها يسرى هربا من ازمة او ما شابه ، تعود من اللقاء وهي في حال اسوأ من السابق !
والحقيقة انها لا تدري لماذا اختارتها هي بالذات مستودعا لأفكارها واحزانها دون الاخريات، قد يعود الأمر لهدوئها ورجاحة عقلها ، او لأنها الصديقة الوحيدة التي بقيت لها من حطام الدنيا بعد تساقط الاخريات على طريق العمر لأسباب لم تعد تذكرها او لا تريد ، فما فات مات .
تنهدت وهي تستذكر الايام الخوالي التي كانت مكتنزة بالاماني ، مشبعة بالاحلام ، وحماس الألوان ، ايام كأنها لم تكن ، وكأن واحدة اخرى عاشتها بدلا عنها واكتفت هي بالتفرج على ما يجري كمن يراقب فيلما يعلم نهايته المملة سلفا .
وفي كل مرة يقفز السؤال ذاته الى رأسها كنتيجة حتمية لأستذكار عبق تلك المرحلة ، والسؤال هو هل عاشت حياتها بالفعل ؟
وكعادتها كلما حاصرتها الاسئلة لجأت الى تحريك رأسها والدندنة مع الموسيقى خوفا من الوقوع في مصيدة الاكتئاب .
ترددت اعماقها كالعادة في الاجابة لكن هذا لم يمنع شريط الذكريات من الدوران والتوقف عند اهم المحطات والمعالم التي ارخت فيما بعد اعوام عمرها .
ضغطت بشدة على دواسة البنزين فأنطلقت المركبة بسرعة اكثر جرأة من السابق .
الطرق امامها تتشعب كثعابين بلا رؤوس تجري هاربة في مسالك لانهائية تدعوها للمجهول ، ازداد احساسها بالموسيقى المنبعثة من جهاز التسجيل ، انها معزوفتها الاثيرة السمفونية الاربعون لموزارت .
نعم في حياة كل منا هناك دائما قبل وبعد ، قبل الزلزال بعد الطوفان ... وبقية الايام مجرد حشو او ارقام على التقويم تشكل خطوطا لاطعم لها ولا لون عارية من اي علامة تميزها ، بل ومتشابهة بشكل يدعو للدهشة كقطرات المطر او حبات الرمل او ذرات التراب ، مجرد ايام لم نعشها او عشناها على مضض كثيرة بعدد هموم المرض وليالي الارق وخيبات الأمل .
في كل يوم تستيقظ على صوت المنبه القميء وتردد مع نفسها :
- هناك الكثير مما يجب عمله .
ثم تنهض بوجه مرهق وجسد لم يأخذ كفايته من النوم لتنجز ذات الاعمال وتردد نفس الجمل التي عافتها انفس النساء لكثرة ما لاكتها السنتهن على مر العصور .
وتتساءل ما الذي حل بها لتشعر بكل هذه المرارة ، او هو الملل الذي اصبح يقضم بشراهة كل شيء حلو في حياتها ، ام هو طوفان الخوف من وعلى كل شيء والذي بات يهدد بجرف سواتر أمن طالما احتمت بها .
كل شيء حولها يحاصرها وكلما ضاق حصارها واكتملت دائرته ، تعمق شعورها بالوحدة وسحق احساسها بذاتها ، الزملاء مجرد افواه تشتكي وآذان تصغي بدون انفعال ، عملها يشعرها بالضيق ، باللاجدوى يحيلها الى ترس في آلة صماء شرسة . قالت لصاحبتها بسخرية :
- ادركت ان عقلي وقلبي هما سر شقائي في هذا العالم ، فقررت ان الغيهما من قاموسي .
سألتها صديقتها ممازحة ولكن بهدوئها المعهود :
- وماذا سيتبقى لك حينذاك ؟
اجابتهاو هي تغالب ابتسامة ارتسمت على شفتيها :
- ساقاي وهما كل ما احتاجه للجري مع القطيع .
لاحت لها عن بعد اعمدة الاشارات الضوئية ، خففت من سرعتها لاشعوريا ، فهي لكثرة حبها للقيادة ولمارستها اياها في وقت مبكر باتت لاتفكر مطلقا وهي تقود المركبة ، بل وتشعر بالتوحد معها احيانا او كأنها هي التي تقود نفسها بنفسها ، الاشارات كعصي سوداء لجذوع اشجار محترقة لكنها بين الحين والاخر تمد السنتها الملونة لتذكرنا بما علينا عمله... الاحمر قف، الاصفر انتظر طوال العمر ، الاخضر انطلق حيث نشاء .
المركبة تنساب بسلاسة كأنها زورق فرعوني يمخر عباب النيل ، قالت لنفسها :
- لو اننا نقصد بالمراكب اعمالنا اذن لارتاحت اعصابنا قليلا ولحلت ازمة المرور ولو جزئيا .
- اطفأت التكييف الذي كان يؤشر على التدفئة ، وضغطت على جملة ازرار موزعة بانتظام على بطانة باب المركبة الايسر ، ترجلت من خلف المقود لتقف بمحاذاة النهر مباشرة .
استقبلها هواؤه رائقا باردا داعب خصلات شعرها كدعوة للمرح ، رددت مع نفسها :
- بودي لو ارتمي بين امواجك ايها النهر لأنجرف مع تيارك في متعة طفولية ، لدي احساس بأنك لن تغرقني واني سأخرج من لجتك سالمة .
قالت لها يسرى حين لاحظتها تتحسس موقع الالم وسط صدرها :
- عليك بمراجعة الطبيب .
- لن اذهب .
قالتها بعناد الاطفال ثم استطردت :
- سيقتلونني ضجرا بأشعاتهم وتحاليلهم .. لا أريد . ثم انني لا أجد وقتا لمثل هذا الاحتفاء التعذيبي ، انا متعبة حد البكاء و عاجزة عن التوقف ولو قليلا لالتقاط انفاسي .
- ان ما تحتاجينه هو قليل من الراحة .
- لماذا اجوبتك وحلولك دائما بسيطة حد الاستفزاز ؟
- ذلك لأنني اتقبل الحياة على علاتها .
لقد حاولت بأرادتها المقهورة ان تعيش حالة السعادة التي رسمتها في خيالها يوما ، لكن تلك الصورة تكورت وانكمشت على نفسها وتكلست لتتخذ في النهاية هيئة المتحجرات التي لا تصلح الا لمتاحف التاريخ الطبيعي .
في الماضي كان من السهل عليها ان تحلم وان تسعى لتحقيق ما حلمت به ، لكنها اكتشفت مع الايام ان السعي وراء الحلم شيء اما تحقيقه فشيء آخر .
واليوم صار من الصعب عليها ان تجد حلما لم يسبقها اليه احد او يستولي عليه بأكثر الوسائل غرابة .. صار البحث عن حلم مشكلة .. اين تجوس أذن تحت هذا السور العالي الذي لاتطال عشبة فيه ، والأفق بوابة موصدة دونها .
احست انها ستموت قبل ان تكون قد عاشت الحياة التي حلمت بها ، ومع كل عليها ان تستمر وان لا تتوقف ، فالآخرون يسيرون ، ويجرون ويقفزون ايضا والايام لن تتوقف لتوقف احد .
السحب الرمادية تعدو لتتجمع فوق سمائها كمظلة ملأى بالشقوق . الاعشاب والطحالب تعصر وتئن تحت قدميها وهي تنقلهما بمحاذاة النهر الباذخ الحياة الدائم التجدد .
خطوط مائية رقيقة تنساب على خديها لاتدري ان كانت مطرا ام دموعا ، اصوات شبان عابثين تقترب منها مهددة سلامها الطاريء . لجأت الى مركبتها جلست خلف المقود وهي ترتجف ، جابت الطرقات على غير هدى ، هناك زحام دائما ، وقع اقدام وحفر وغبار ، الارصفة كلها متشابهة ، وكذا البنايات التي تعادلت في القبح والارتفاع ، تجوب بعينيها المتاهات ، البيوت ساكنة وكذا وجوه الناس كلها جامدة لامبالية ... نفس الطرقات ذات الوجوه ، نفس اكوام القمامة ، العلامات الضوئية تصدر اوامرها من جديد .. قفي لاتتحركي .. الان اذهبي .. ولكن الى اين ؟

ايناس البدران


التعليقات




5000