.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الشاعر... واللغة

ذياب شاهين

يقول (هايدغر) عن اللغة:- اللغة بيت الوجود، في بيتها يقيم الإنسان، وهؤلاء الذين يفكرون بالكلمات ويخلقون بها هم حراس ذلك البيت، وحراستهم تحقق الكشف عن اللغة(مرايا مقعرة ص53).

نرى نحن أن اللغة بيت أول للشاعر، بله البيت الوادع والآمن، ويرتبط وجود الإنسان ومصيره بوجودها، فهي صنو لبيت الطفولة والعتبة وحديقة السياج وذكرياته الأولى، وفي اللحظة التي يدخل فيها الإنسان إلى عالمها يصبح فردا أو رمزا ضمن رموزها.. ووجوده ضمن اشتراطات لعبتها سيتحقق من خلال تمظهره ضمن ثنائية (حضور - غياب)، إن عالم الرموز المنبجس تحت أديمها هو الذي يشكل بدايات الإنسان.. ويمكن القول أيضا إن فكر الإنسان تشكله علامات اللغة ودلالاتها، فالمظهر الثنائي الذي تتماهى معه الإشارة اللغوية يشطر وجود الإنسان إلى شعور ولاشعور حيث يغدو الإنسان ذاته علامة ضمن علامات اللغة ورقما من أرقامها...

     إن الأصوات التي تزخر بها اللغة بفونيماتها ومورفيماتها يصبح دليلا  للإنسان  وهو في مرحلة الطفولة يقوده في العالم الذي وجد فيه فجأة، حيث كان قبل ذلك في عالم الرحم، ولم يكن ينقصه شيئا ما، إذ كان مؤمنا له الغذاء والأمان والدفء وكل ما يحتاجه، ويحصل على متطلباته بصورة تلقائية حاله حال أي جزء في جسد الأم.. أي أنه لا يحتاج لأن يستخدم الأصوات في التعبير عن حاجاته.. ولكنه في عالم ما بعد الرحم سيفقد كل هذه المزايا...ويغدو كل ما كان يحصل عليه غير متيسر.. لذا فليس صدفة أن تكون بداية الوجود بكاء يطلقه الوليد حال ولادته، ولتستمر بعد ذلك الأصوات التي يطلقها الوليد وسيلته الوحيدة للاتصال بالخارج، فالشعور بالجوع يعبر عنه الطفل بالبكاء، وكذلك الشعور بالمرض.. بل إن الشعور بالفرح يعبر عنه الطفل بوساطة الضحكات العذبة التي ترتسم على محياه بصورة فاتنة...

  

اللغة والشعر

      عن علاقة اللغة بالشعر يرى (هايدغر): أن الشعر لا يعتبر اللغة مادة خاما جاهزة للمعالجة، الأصح أن الشعر هو الذي يجعل اللغة ممكنة في المقام الأول، إن الشعر هو اللغة البدائية لأناس سابقين ومن ثم، ويقلب المقولة، فإن جوهر اللغة يمكن فهمه من خلال جوهر الشعر) (مرايا مقعرة ص154).

إذا كانت العلامة اللغوية وسيطا بين الإنسان والأشياء، فهي لا يمكن أن تتشيأ- أي أن تكون شيئا ضمن بقية الأشياء- وبالرغم من تشيؤها الظاهر واحتيازها على دال صوتي يشير إليها بوصفها مدلولا أو فكرة وهو ما يمثله الملفوظ (لغة)، إلا أن ذلك لأنها - أي اللغة- تنطوي على عدة مستويات وثنائيات، فهنالك ثنائية اللغة والكلام وهي ثنائية سوسيرية معروفة ، فاللغة بإشاراتها ومكوناتها الصوتية لها قوانينها التي تقع خارج إطار الكلام، كما أن للكلام مستوياته فالكلام المحكي هو غير الكلام الأدبي سواء كان نثرا/ أو شعرا..

عندما تكون اللغة واعية أي تشترط وعي من يتكلم بها فهي تنبجس عن اللغة المحكية أو لغة القول الدارج، ولكنها عندما تكون لا واعية فان ما ينبجس من تحت لا وعيها الشعر.. عندما تحلم اللغة يتولد الشعر!!

ولما تتخيل أي تدخل في أحلام يقظة عميقة ينشأ الشعر مرة أخرى.. إن لغة الأدب شعرا ونثرا إنما تمثل لا شعور اللغة، لذا فإن تطابق لغتي اللاشعور الإنساني واللغوي  يمتحان من نفس النظام بل ويعملان ضمن هذا النظام ، إن الإشارة اللغوية وهي تتسرب إلى ذهن الإنسان ونتيجة إلى فعل الثنائية التي تتمظهر بها نجدها تؤثر على مجموعة الأفراد الذين يتكلمون بها تأثيرا قاسيا... وكذلك فهي تتأثر نتيجة لتداول هذه العلامات (علامات اللغة) من قبل مجموعة الأفراد..

إن ما يخسره الفرد  المتكلم بلغة معينة إنما وحدة وجوده وانشطاره إلى وعي ولا وعي واللذان يتميزان بأن لكل منهما رموزه وإشاراته، وهو أيضا ما يصيب اللغة من خسارة، حيث تنشطر إلى مستويين من الكلام ونعني بهما لغة القول (بوصفه دلالة قاموسية) متعارف عليها بين جمهور المتكلمين وكلاما أدبيا بوصفه دوالا تشير إلى مداليل أخرى تقع خارج الأطر القاموسية في وجه من وجوهها.. وفي الواقع فإن كلا الخسارتين إنما هو ربح لا يقدر بثمن بالنسبة للغة ولمن يتكلم بها أيضا.. ومن خلال ذلك تكتسب اللغة شرعية وجودها وتكتسب كينونتها بوصفها (أنا) ولا وعي بوصفها (آخر)..

 

 

مكان الشاعر

 

والسؤال المطروح هو أين يقف الشاعر؟ وأين مكانه؟ لأن النشاط التداولي الذي يمارسه الشاعر مع رموز اللغة سيفرد له مكانا بين المجموعات التي تمارس ذات النشاط.. وبهذا يحدد (هايدغر) مكان الشاعر قائلا: إن الشاعر يقف بين الأول: الآلهة والآخر: البشر، إنه الإنسان الذي تم طرده إلى منطقة الـ " بين". بين الآلهة والبشر. ولكن يتقرر للمرة الأولى في هذا الـ" بين " فقط ما هو الإنسان وأين يقيم وجوده" (مرايا مقعرة ص154).

   إن "هايدغر" يضع الشاعر في مكان غير آمن، ويجعله معرضا إلى أخطار جمة من قبل الآلهة والبشر على حد سواء، فالمكان الذي يحتله الشاعر يعكس وجهين الأول متعال ومقدس ينشده الشاعر ولا يصله.. والثاني أرضي مدنس يشد الشاعر إليه شدا إلا أنه يخطئه فينأى عنه الشاعر ولا يقع في شباكه.. وهذا يبدو واضحا من خلال المنظومات الدلالية التي يتداولها الشاعر..  والتداولية (علاقة الشاعر بالرموز حسب فرانسوا أرمينكو)..يتوسلها الشاعر لمقارعة، الوجود (وجوده) بوصفه حقيقة غير مضمونة من خلال التحوط للموت بدفاعات مناسبة كالحب مثلا للتغلب على وحدته وغربته.. فالحب حقيقة من حقائق الوجود-

    في الشعر الجاهلي ينبجس الحب عن مستويين يعبران عن المكان الذي وضع فيه "هايدغر" الشاعر.. ففي المستوى الأول يتعامل الشاعر مع المحبوب بصورة متعالية ومقدسة وحاشدا إليه كل ما هو جميل وفاتن وعصي على الإمساك وكأن المحبوب كائن سماوي صعب المنال والشاعر يبدو هائما ومفتونا ومتوحدا ومجنونا يذرع القفار ويعدو في مرابع النجوم.. إن فعل الشاعر (حسب محمد لطفي اليوسفي) سينجيه من الموت.. ويبدو وكأن الجنون هو المعادل الموضوعي للوجود وستكون الصحراء برمالها وغيلانها هي المكان الأثير للشاعر - وسيكون (قيس بن الملوح و (جميل) نماذج فذة لهذا المستوى المتعالي من الشعر... ولكن المستوى الثاني الذي يتوسله الشاعر سيهوي به إلى السطحي والأرضي واللا مقدس، إن تناول الحبيب بصورة سافرة وفاضحة كما قرأناه في شعر المنخل اليشكري سيعرض الشاعر للمطاردة والعقاب والموت وهو ما حصل فعلا للمنخل..

   إن الشاعر الجاهلي وبفطرته الصحراوية الصافية يعي المكان الذي وجد نفسه معلقا فيه أي " البين بين" كما وصفه (هايدغر) لذا نجده يصارع كي ينأى عن هذا المكان صعودا ونزولا.. فهو يتحرك كما البندول جيئة وذهابا.. فالشعر ينتقل به تارة إلى السماء (عالم الآلهة) أو إلى الأرض (عالم البشر). إذن فالشاعر يأبى أن يكون إلا شاعرا.. ولكن ذلك عصي عليه، فثنائية العلامة اللغوية (بوصفها قانونا) ينتقل إلى النص الشعري ويحفر فيه بصورة محكمة إن أي كسر لهذا القانون سينتهي بالشاعر إما إلى الجنون أو إلى الموت.. ولا شك فأنهما مصيران قاتمان.. فيا لقدر الشاعر الذي يبدو كأن " البين بين" قدره الأول والأخير..

 

اللغة الشعرية عند إليوت

 

     وعن علاقة اللغة بالشعر يقول الشاعر والناقد الانكليزي المشهور (ت.س. إليوت): إن الدافع إلى الاستخدام الأدبي للغات المختلفة بدأ مع الشعر، لأن الشعر يعبر بشكل رئيسي عن العواطف والمشاعر ولكن اللغة الشائعة تعبر عنه بصورة أفضل (حسب إليوت)، ونحن نتساءل إذا كانت اللغة المحلية تعبر عن المشاعر أفضل من الشعر، إذن ما جدوى الشعر أولا؟ وثانيا نتساءل: كيف تعبر (البنية، الإيقاع، الصوت، مصطلح اللغة)   عن شخصية الشعب التي تعمل خارج مشاعر الشعب ولا تراعي المسافة المعروفة والتي تفصل بين الشعر واللغة المحلية، بل نجده يكاد أن يشطبها داعيا إلى امحائها حيث يقول:

(يجب أن تبقى لغة الشعر قريبة إلى اللغة التي يتكلمها الناس)(م ن- ص104).. وهذا يجعلنا نتساءل : لماذا يطلب هذا القرب بين مستويين متمايزين من الكلام هما أصلا متباعدان ولكل منهما قوانينه واشتراطاته وشخصيته، إن التقارب الذي يقول به (إليوت) لا يهمش الشعر فقط بل يقتلهما معا (أي اللغة والشعر).

ولكن ما مبررات (إليوت) في مطلبه هذا؟.. في الحقيقة أنه يتبنى رأيا مثيرا للجدل في تدعيم مطلبه حيث يقول: (إن الشعر هو الأكثر قومية بين الفنون لأنه معني بشكل رئيسي بالتعبير عن المشاعر والعاطفة، وهذه أشياء خاصة بينما الفكر العام والتفكير بلغة أسهل من الشعور بها.. إن فكرة يعبر عنها بلغة أجنبية ويمكن أن تكون الفكرة ذاتها، إلا أن شعورا أو عاطفة معبرا عنها في لغة مختلفة، ليسا الشعور أو العاطفة ذاتها (م ن- ص104)

   يبدو أن (ت.س. اليوت) حاول تقديم المسوغات غير المنطقية من أجل مطالبته بتقريب المسافة بين الشعر واللغة المحكية، ولا نعرف كيف يكون الشعر أكثر قومية من الفنون الأخرى، وإذا كان الشعر كذلك فهل يسوغ لنا أن نقلل المسافة بين الشعر والكلام المحكي؟ ثم ما علاقة اختلاف أو عدم اختلاف التفكير أو الإحساس باللغة الأم أو بلغة أجنبية بالدعوة لتقريب المسافة بين الشعر واللغة المحكية في اللغة الواحدة.

     ولو تابعنا (إليوت) في آراءه لقرأنا شيئا مثيرا حيث يقول:- إن كل ثورة في الشعر هي عودة إلى الكلام الشائع وثمة حاجة إلى مثل هذه الثورة في كل فترة زمنية لأن اللغة المحكية تتغير باستمرار ولهذا يصبح المصطلح الشعري الذي طوره الشعراء الذين أحدثوا ثورة شعرية عتيقا، إلا أن لغة الشعر ليست متطابقة تماما مع اللغة التي ينطقها ويسمعها الشاعر ولكن يجب أن تجمعها علاقة مع كلام عصره، بحيث يستطيع القارئ أو المستمع أن يقول: هكذا يجب أن أتحدث إذا استطعت أن أتحدث  شعرا (م ن- ص104).

 

    إن الثورات الشعرية التي تحدث كانت على مستوى الشكل وهي تحصل ليس لأن الشعر صار بعيدا عن الكلام الشائع وان الثورات هذه تقوم بإعادته إلى حيث الكلام الشائع.. إذا كان هذا الرأي مصيبا لم ظهرت قصيدة النثر، ولم تخلي الشعر عن بعض الأوزان؟ هل لان المسافة غدت بعيدة بين الشعر واللغة الدارجة حتى انه يتهم بالتعقيد وعدم إمكانية القارئ العادي على فك رموزه وطلاسمه، وسبب ذلك يعود برأينا إلى أن طريق الشعر ليس طريق الكلام الشائع.. بل إن الشعرية لها قوانينها الخاصة وهي تفترق عن القوانين الصوتية التي تنهل منها اللغة في تكوين صوتيماتها ومورفيماتها ، وإذا كانت  اللغة تتطور بتطور المجتمعات ومدى تمركزها في تعزيز مفرداتها وفي ما تضيفه من مفردات جديدة إلى قاموسها فإن الشعر مرتبط في بناء ذاته وتطوير قوانينه بوسائل التدوين وتطورها المتسارع.. فعندما كانت الأذن هي وسيلة التلقي ووسيلة التدوين الشفاهي عن طريق حفظ الشعر ومن ثم روايته، نجد أن الشعر الموزون بإيقاعاته وموسيقاه (قوافيه) كان له دور كبير في أن تحفظه الأذن البشرية بعد أن تلتقطه منشدا سواء من الشاعر ذاته أو من رواة الشعر.. وبالتالي فأن الوزن كان جزءا مهما من الشعرية ولم يكن متصورا حتى فترة ليست بالقليلة أن يكتب شعر بدون أوزان..إلا أن تطور وسائل التدوين أدى إلى شعرية الكتابة ليستمد الشعر شعريته الحديثة منها ولم يعد يحفل بالأوزان ولا الإيقاعات.. أي أن الشعرية الحديثة في إحدى مكوناتها شعرية بصرية (كتابية) وليست شعرية سمعية (صوتية)..

   إن تحفظنا على آراء (إليوت) أعلاه، لا تمنع من الاقرار بكون فرضيته المقترحة حول الثورة في الشعر الانكلو-أمريكي فرضية مقنعة عندما يقول:

(تحدث بين وقت وآخر ثورة ما أو تغيير مفاجئ للشكل والمضمون في الأدب، ثم يجد بعضهم أن طريق ما في الكتابة مورست طوال جيل أو أكثر أصبحت  عتيقة الطراز ولا تستجيب لأنماط الفكر والشعور والكلام الحديثة ، فيظهر نوع جديد من الكتابة يقابل في البداية بالازدراء فنسمع أن التراث خولف علنا وأن الفوضى جاءت ويظهر بعد فترة أن الطريقة الجديدة في الكتابة ليست مدمرة بل مجددة وهذا لا يعني أننا أنكرنا الماضي كما يجب أن يعتقد الأعداء العنيدون لأية حركة جديدة، هم وداعموهم الأكثر غباء، بل يعني أننا وسعنا مفهومنا عن الماضي وأنه على ضوء ما هو جديد، نرى ا لماضي في نسق جديد)(م ن- ص99).

 

اليوت الشاعر ضد اليوت الناقد

 

إن الشاعر في (إليوت) يبدو غير عابئ اتجاه الناقد فيه، بل يبدو متمردا ومنهمكا لما يجترحه ويقول به هذا الناقد.. ففي رائعته " الأرض الخراب" يبدو الشاعر " اليوت" أكثر عدولا عن اللغة الدارجة والدليل على ذلك تعقيدها وانغلاقها على القارئ العادي علما أن قسما من مقاطعها يردد صدى بعض لهجات أهل لندن (حسب عاطف فضول).. ويقول (اليوت) عن الشاعر فيه بلغة نقدية: (ففي حين أتمسك بالآراء الأكثر صحة في نقدي انتهك هذه الآراء في شعري)(م ن- ص106).

وقد رأى العديد من النقاد الفسحة الموجودة بين آراءه النقدية وشعره. وكان (بول المور) احد هؤلاء النقاد.. وهذا يحيل إلى حقيقة أن الشعر العظيم يبدو غير مندرج ضمن قانون معين، بل هو متمرد أبدا على أي قانون بعينه.. إذ أن هنالك عدة روافد تصب في تكون الشعر وتطوره وانقلاباته المفاجئة.. ومن هذه الأمور كما يؤكد (اليوت) ذلك بنفسه: الصوت (Sound) وعلى تشكيل الكلمات أي ا لطريقة التي تبدو فيها على الصفحة.. يقول:- إن الكلمات " ربما كانت أصعب مواد الفن، لأنها يجب أن تستخدم التعبير عن كل الجمال البصري وجمال الصوت بالإضافة إلى إيصال المعنى (م ن-106)

 

إليوت والكتاب العرب

 

     يتفق بعض الكتاب والمفكرون مع (إليوت) في ضرورة اقتراب لغة الشعر إلى اللغة المحكية، حيث يقترح (يوسف الخال) (تنقية اللهجات المحلية ورفعها إلى مستوى لغات فصحى حديثة وأكد أن اللغة المحكية هي تطور طبيعي للغة المكتوبة وتعكس تغيرات في الفكر والحساسية، بالتالي ينبغي أن تؤخذ كمعيار للتطورات التي يجب أن تحقق في اللغة المكتوبة (م ن - ص108).. ويجد بعض الكتاب العرب ألا ضير في تطور اللهجات العربية إلى لغات منفصلة عن اللغة العربية كما حدث للغات الأوربية كالفرنسية والألمانية والانكليزية التي كانت لهجات متعددة للغة اللاتينية، بل أن بعضهم كما يقول (عاطف فضول) اقترحوا استبدال الأبجدية العربية باللاتينية).

ولكن (أدونيس) لا يتفق مع (إليوت) في وجهات نظرة، لأن للغة العربية فضاءاتها ومشاكلها والتي هي مختلفة بصورة جذرية عما هو موجود في اللغة الانكليزية حيث يقول:

(إن مشكلات اللغة العربية ليست باللغة التي بحد ذاتها بقدر ما هي مرتبطة ببنية الروح والعقل في الرؤيا الإبداعية بمعناها الشمولي،بمعنى آخر، إن العقل  والإبداع العربيين يعانيان هذه الأمراض، إن اللجوء إلى اللغة المحكية البسيطة أو المبسطة لن يقود بالضرورة إلى تجاوز العجز والتخلف والموت، إن لجوء كهذا، هو في شكله الأفضل، نوع من سوء الفهم، يقول أدونيس أيضا:- إن اللغة المحكية في العربية هي لغة مستنفذة مسحوقة إنها لغة ميتة تعكس الحياة العربية التي هي أيضا حياة ميتة، إن اللغة المحلية لغة خالية من الفضول والتساؤل وتتعامل فقط مع الحاجات العملية.. يرى ادونيس أن ما يجب فعله هو " تفجير البنية الشعرية التقليدية في العربية بدلا من مجرد تبديل الثياب التي ترتديها (م ن- ص108).

في واقع الحال أن الأبجدية العربية تكاد تكون مفصلة على اللغة الفصحى لأن هنالك بعض الأصوات في اللغة المحكية ليس لها صور كتابية في الأبجدية العربية، فضلا عن أن التراث العربي مكتوب بها وهي كما هو معروف لغة القرآن الكريم.. إن الدعوة للكتابة باللغة الدارجة يعني تهشيم اللغة إلى اثنين وعشرين جزءا، بعدد الدول العربية التي تتكلمها وهي  تختلف لهجاتها باختلاف هذه الدول وإذا أضفنا إليه تعدد اللهجات في البلد الواحد، فاللهجات  في اللغة العراقية كثيرة ومتعددة، ففي بلدة الموصل وقصباتها نسمع لغة محكية تختلف اختلافا بينا عما هو موجود في بغداد وجنوب العراق، بل إن اللهجة في مراكز المدن تكاد تختلف عنها في القرى المحيطة بها، وذلك نابع عن الاختلاف في نطق الأصوات ونطقا لكلمات.. أما اللهجات في بلدان المغرب العربي.. ونحن نتساءل أين هو الأدب العظيم المكتوب بهذه اللهجات؟  هنالك شعر عراقي مكتوب باللهجة الدارجة نقر بهذه الحقيقة، كذلك هنالك شعر مصري مكتوب باللهجة المصرية الدارجة إلا أنه استثناء بالرغم من وجود شعراء كبار تكتب بهذه اللهجات مثل مظفر النواب وعبد الرحمن الأبنودي وأحمد رامي.

    يبدو لي أن قدرنا الأزلي والجميل متمثل بعبقرية لغتنا العربية ما تنطوي عليه من منظومة صوتية وصرفية ونحوية ودلالية، وأن أي تطور بعيد عن جمالياتها محض سراب ووهم.. ,بهذا يقول أدونيس: إن استبدال العربية الكلاسيكية أو المكتوبة باللهجات المحكية  لا يحل مشكلات الثقافة العربية (ص108).. ويضيف أيضا: في الشعر وفي الأدب إجمالا لا يكفي أن نعرف اللغة، وإنما علينا أن نتقن أصولها وأسرارها.

      عن فرادة اللغة الشعرية يقول أدونيس: إن اللغة ليست مفردات مجددة توجد بمعزل عنا، إنها بالأحرى تعيش في أعماق البشر الخلاقين وتجري في دمائهم، بمعنى آخر إنها صورة الروح، وبما أن الروح المبدعة هي بالضرورة متفردة غريبة، فان الإنتاج الشعري بالضرورة فريد وغريب أيضا ومختلف عن لغة البشر الآخرين).. (م ن- ص109).

 

ذياب شاهين


التعليقات

الاسم: ذياب شاهين
التاريخ: 08/08/2009 07:31:50
الأستاذ محمد سمير
تحية ومحبة
أشكرك أخي على الملاحظات القيمة التي تفضلت بها، وفعلا أن ما يبقى هو النص، ولكن كما تعلم فاللغة تسبق النص ونحن أبناء لغاتنا المحكية منها والمكتوبة، وتبقى النقطة المهمة كيف أن نشعرن الأشياء والأحداث لإضافة ما هو مبتكر وجديد للغة الشعرية حصرا وقاموسها الذي يشتمل على دوال الدوال اللغوية لتعطينا مدلولات المداليل أو معنى المعنى كما قال أستاذنا الكبير الجرجاني، شكرا لك أخي العزيز وشكرا لمرورك الفعال ولما طرحته من نقاط تستوجب حوارا معمقا ونقاشا متعدد المحاور بعدد النقاط التي أوجزتها
تقبل احترامي ومودتي
ذياب شاهين

الاسم: محمد سمير
التاريخ: 07/08/2009 12:35:39
ألأستاذ الفاضل ذياب شاهين
الموضوع الذي طرحته في مقالتك من أهم القضايا التي على الكتاب والأدباء العرب الإهتمام بها .وفي هذا المقام إسمح لي بطرح بعض النقاط كمداخلة بسيطة وعاجلة :
1- أنا شخصياً لست مع ت.س .إليوت فيما ذهب إليه.والدليل من شعرنا العربي.نلاحظ أن العرب ما زالوا يحفظون عيون شعرهم من العصر الجاهلي إلى العصر الحديث .وجميعه مكتوب باللغة العربيةالفصيحة(الفصحى خطأ لغوي شائع).
2- اللغة تتطور مع الزمن بإضافة مصطلحات جديدة أو تغير في الدلالات اللغوية على بعض المصطلحات.
3- القرآن الكريم لم ينزل باللغة العربية ،وإنما أنزل (بلسان عربي مبين)كما ورد في أكثر من آية.لأن كلمة لغة تحتمل اللغو ،وكلام الله تعالى كله حسن ومقدس ولا لغو في القرآن.فاللسان يختلف عن اللغو .وكلمة لغة لم ترد في القرآن الكريم.
4- مهما تغيرت أذواق الناس وضعفت لغتهم الفصيحة ..تبقى أولوية الخلود للنص القوي المتماسك لغوياً.
الحديث يطول
دمت مبدعاً
تحياتي العطرة




5000