.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


العقل والذات والضرورة

د. كامل العضاض

"العقل والذات والضرورة" 

عوامل يتوجب إجتماعها الصعب لتأسيس حاضنة واسعة للعمل الديمقراطي الوطني في العراق   

 

1. تمهيد:  العنوان الرئيس أعلاه،"العقل والذات والضرورة"، يوحي و كأنه بحث فلسفي في المفاهيم، بينما المقصود منه هو للدلالة على مقوّمات العنوان الفرعي الذي يليه، "عوامل يتوجب إجتماعها الصعب لتأسيس حاضنة واسعة للعمل الوطني الديمقراطي في العراق". فالعقل يعني المنهج العقلي في إتخاذ موقف حياتي، وهو، في هذه الحالة، موقف يتعلق بالسبيل السياسي، او الأداة، أو المنهج السياسي المطلوب لخدمة العراق، ولإنجاز خلاصه من حالة التمزق والتخبط والضياع التي يعيشها منذ سقوط نظام الإستبداد في عام  2003. 

ولكن المنهج العقلي لا يجدي نفعا، حينما تطوّقه دوافع ذاتية، (معظمها غير معلن)، عوامل تجّر شراعه الى مياه متلاطمة، و لا تخدم سوى مصالح ذاتية وآنية. وحتى لو إجتمع العقل مع الذات المتجاوزة لمصالحها الضيقة، فلابد لهذه الذات، لكي تدعم المنهج العقلي، أن تقف على وعي كامل بالضرورة التأريخية والموضوعية، لنكران نفسها، أي أن تعي أن المصالح الذاتية المشروعة لا يجب حسابها من ضمن المكاسب المباشرة من إقامة مشروع سياسي جاء ليخدم الناس والمجتمع، وليس أفرادا أو قادة. إنما المكاسب الذاتية تتحقق بتحقق المكاسب الإجتماعية والسياسية للشعب من خلال تحقيق المشروع السياسي الديمقراطي الواسع. . 

2.  الخلفية والدواعي:

     لم تبقٍ دولة الطغيان التي أقامها الدكتاتور صدام حسين أي أثر لحياة حزبية مسؤولة في العراق، ولا حتى لحزبه الحاكم الذي رفع شعاراته في الوحدة والحرية والإشتراكية، فحوّله الى قطيع و جهاز مخابرات ومرتزقة، وأغلبية من المنقادين، مغلوب على أمرهم، تدفعهم ضرورات العيش ولإعالة أطفالهم للإنتساب للحزب، وهذا ما كان يفسر، جورا، بأنه ولاء للقائد "الضرورة"! فشرّد من شرّد من الأفراد والأحزاب والمنظمّات، ودفن من دفن، وصمت، تقيةً، من صمت. وعلى مدى ثلث قرن، لم  تنشأ حياة سياسية، يتفاعل فيها الإنسان الفرد مع مجتمعه، فيؤثر فيه ويتأثر به. وبعدما قاد الطاغية صدام العراق الى حروب عبثية قضت على الموارد  والكفاءآت، بعد أن عسكرها وجلدها ودمّرها، زج البلاد في مواجهة تدميرية مع قوى رأس المال العالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أفضت الى تدمير البلاد، بعد حصار دام اكثر من ثلاثة عشر عاما، و من ثم إحتلاله وإزاحتة. فتوافدت مع الإحتلال بعض أحزاب و هيئات وشخصيات، ترعرعت، عموما، في أحضان دول أخرى مجاورة و غير مجاورة، وبعضها حمل أجنداتها. و لم تع  إدارة الإحتلال الأمريكية، بصورة أساسية، بأنها إذا كانت ترمي الى خلق بديل للنظام الديكتاتوري الذي أسقطته، فليس هناك ما يناسب العراق سوى النظام الديمقراطي، وذلك بسبب تعددية وتنوّع المجتمع العراقي، ثقافيا ودينيا، والى حد ما، عرقيا. وإن النظام الديمقراطي، على هذا الأساس، لا يقام على وفق نظام مذهبي طائفي و عرقي، بل على أساس المواطنة العراقية. وعليه، فأن نظام المحاصصة المذهبية، مقرونا بتشجيع النعرات العرقية و الإنفصالية، الذي أقامته الإدارة الأمريكية بعد الإحتلال، من خلال تأسيس مجلس حكم مركب طائفيا وعرقيا، لهو بالتأكيد من أكبر خطاياها. 

     وهكذا، وعلى مدى ست سنوات منذ الإحتلال، أضحى العراق وشعبه مسرحا داميا للدمار والإرهاب والصراع الطائفي، فالأحزاب الشيعية التي تآلفت فيما بينها نهجت نهجا مخربا لوحدة البلاد، فتسامحت مع التدخل السافر لدولة مجاورة، كانت تأويها، ولها حساباتها مع الولايات المتحدة، ولها أهدافها الطائفية و التوسعية. كما نهجت الطائفة السنية، بالمقابل، نهجا تعبويا مماثلا لشحن الإنقسام المذهبي والإجتماعي، مما مهد لنشؤ كراهيات مفتعلة، كادت تودي بالنسيج الإجتماعي العراقي، بميراثه التعايشي منذ قرون وقرون، فعمل قسم منهم لدعم الإرهاب وفلول النظام السابق، ولإستجداء تدخل ودعم دول جوار، لها هي الأخرى، حساباتها مع الولايات المتحدة، كما لبعضها مراميها الطائفية، أيضا. كل هذه العوامل خلقت سعيرا أصطلى فيه الجميع، وكاد يفضي الى حرب أهليه، يستباح من خلالها العراق، ويستلب الإنسان، سنيا كان أم شيعيا، مسلما أو غير مسلم، عربيا أو غير عربي. وكانت الحصيلة هي تدمير الإقتصاد العراقي، وهدر الموارد، وإنتعاش الرذيلة والفساد والرشوة واللصوصية، و تفشي الفلتان الأمني والقتل على الهوية؛ فلم تعد هناك بيئة تصلح حتى لتلبية مصالح المحتلين الأمريكان ولغيرهم، ممن كانوا يطمحون للإستفادة من موارد العراق النفطية. ولمّا أدركت إدارة بوش بأن مدخلها لإدارة العراق المحتل الذي صممه لها مجموعة ممن نسمّيهم، "بخبراء الهمبركر"، والقائل بأن العراق مكوّن من أقوام مذهبية وعرقية متناحرة عبر التأريخ، مما يقتضي إعادة تأسيسه كدويلات، أي تفتيته، لضمان المصالح الأمريكية؛ (سنتناول أطروحات خبراء الهمبركر هؤلاء في دراسة قادمة)، نقول، ولمّا أدركت إدارة بوش خطل هذا المنهج، وما سببه لها من تكاليف باهظة، مالية وبشرية، تداركت الوضع الأمني و دعمت المالكي وعززته، ولجمت طموحات الجهات الطامحة لتقسيم العراق من الجهات الأربع المحيطة به. والحق يقال أن المالكي بحسّه العراقي، قبل الآيديولوجي، إستلم الإشارة وعمل عليها بجد، وراجع بشجاعة الكثير من منطلقات حزبه، حزب الدعوة، المذهبية والدينية، وصار يعمل، كما يبدو لحد الآن، على أساس أن العراق للعراقيين كلهم، وأن الديمقراطية لا محيد عنها.   

     في هذا الظرف بالذات، و بعد مرارات السنوات الخمس الماضية من الموت والدمار، انكشف فيها الزيف والفساد والخداع، وسقوط المدخل الطائفي والعرقي، تململ الرأي العام، على الرغم من جبروت الإعلام والإرشاء والضغط المنظم من الأحزاب الطائفية، فأعلن إنتفاضته في الإنتخابات المحلية التي جرت في 31/12/2008، حيث هزم الأحزاب الطائفية وفي مقدمتها حزب المجلس الأعلى الإسلامي، قائمة شهيد المحراب، والذي كان له المقام الأول في الساحة السياسية والهيئة التشريعية والحكومة، فإنحدر الى ما يقل عن نسبة (10%) من مجموع الأصوات الإنتخابية. وبينما حافظت القوى الأخرى، الطائفية منها وغير الطائفية، على نسبها الأصغر، ولكن المفاجئة " المتوقعة " هي ذهاب نسبة صلبة تصل الى (15%) من الأصوات الى قائمة " دولة القانون " التي قادها المالكي، بسبب عقلانية طرحه، ولإنجازاته النسبية في مجال الأمن والإستقرار، ولنزاهته الشخصية. ولكن المفاجأة الأكبر هي ذهاب أكثر من (70%) من بقية الأصوات، ( دون أن نحسب إن إمتناع 50% من المصوتين عن المشاركة بالإنتخابات، كان يعني أيضا إمتناع عن التصويت للأحزاب الدينية)، الى قوائم غير دينية، قوائم حملت شعارات إصلاحية وديمقراطية وعلمانية! ولكن هذه الأصوات توزّعت على أكثر من (160) كيان سياسي لا يربطهم رابط، ولا يقوم بينهم تنسيق، ولا يطرحون بديلا، متجسدا بمشروع وطني واضح المعالم. وآية هذه النتيجة، إن الشعب العراقي قد إختار بنسبة غالبة وطاغية النهج الديمقراطي غير المتمرس بالطائفة والدين والأثنية، أي إنه إختار اليوم عراقا ديمقراطيا يقوم على المواطنة واللبرالية الإجتماعية (غير الفالتة)، والعلمانية، (بمعنى عدم زج الدين في السياسة، وعدم تديين السياسة، إكراما وتبجيلا للدين ذاته)، فالملايين التي كانت تتظاهر في مسيرات عاشوراء الدينية لم تصوّت لراعي هذه المظاهرات والعزاءآت، إنما لمن دعى الى سيادة القانون ولإرساء دولة ديمقراطية تضمن العدل والمواطنة والرفاه. وهكذا نرى إن هذه التحوّل الواضح في مزاج الرأي العام، القائم على أساس التجربة الحقيقية المريرة، خلال السنوات المنصرمة، قد إبتعد كثيرا عن الفكر الطائفي الظلامي، وعن فكر المحاصصات والتقسيم والفساد والرشوة. هذه هو الحسّ الجماهيري العراقي الصادق اليوم. ولكن، ونقول، ولكن، هل حُسم الأمر لصالح قيام نظام ديمقراطي وطني كفوء، يقوم على أساس المواطنة الكاملة والتكافؤ والعدل والحرية المسؤولة؟ كلا لم يحسم الأمر، لماذا؟ 

    لأسباب عديدة، في مقدمتها غياب البديل السياسي الوطني الديمقراطي المنظّم لإستيعاب هذا الخيار الجماهيري الواضح. وهذا لا يعني بأنه ليس هناك ديمقراطيون حقيقيون، أو أحزاب ومنظمات ديمقراطية وطنية، مؤمنة بمشروع الوطن العراقي القائم على المواطنة والمدنية والحرية المسؤولة والإعمار والتنمية المستدامة. نعم، إنها موجودة، وخصوصا، كأفراد ومثقفين عراقيين وطنيين، سواء في الداخل أو في المنافي والمهاجر، كما إن هناك أحزاب لها ثقل تأريخي وإرث رائد في مجال الدعوة والنضال من أجل إقامة النظام الديمقراطي، بإعتباره نظام يناسب العقل الحضاري الإنساني والتنوّع الثقافي والإجتماعي في العراق، كالحزب الوطني الديمقراطي الذي يعتبر من أقدم وأعرق الأحزاب العراقية التي نشأت جذوره حتى قبل الحرب العالمية الثانية. كما هناك، من يُعتبر اليوم أعرق الأحزاب العراقية، وهو الحزب الشيوعي العراقي، والذي يطرح الديمقراطية، كخيار إستراتيجي، وليس تكتيكي؛ فهو قد راجع منطلقاته الفكرية، منذ ما يقرب من خمسة عشر عاما، في مؤتمره المعروف عن " الديمقراطية والتجديد "؛ كما هناك عشرات من الأحزاب والمنظمات الصغيرة التي تطرح الخيار الديمقراطي، وتختار الديمقراطية كشعار وكإسلوب للعمل السياسي والثقافي. ولكن هذه الكيانات كلها تعاني من ضعف الموارد وقلة الدعم، وقلة الناصرين لها، فضلا عن ضراوة القوى الدينية المهيمنة على الساحة السياسية، وإمتلاكها الأموال الطائلة، والقنوات الفضائية والصحف وأدوات الإعلام والتجييش الشعبوي والطائفي، ناهيك عن المليشيات المسلحة. فهذه هيمنت لنصف عقد من الزمن على الشارع العراقي الشيعي، وعلى عواطف الجماهير الفقيرة المندفعة وراء الوازع المذهبي، متوهمة بأن في ذلك خلاصها. وبمقابل ذلك، هناك قوى طائفية مماثلة على الجانب السني التي إستطاعت تجييش عواطف الجماهير العراقية التي تدين أو ولدت في أسر من المذهب السني. وهكذا، في هذه المعمعة، ضاع العقل المنادي بإنسانية الإنسان العراقي، وتحجّمت القوى الداعية لنظام الديمقراطية الذي لا يقوم إلا على أساس المواطنة العرقية والشراكة والأخاء والعمل في ربوع وطن يملكه الجميع، بديلا عن الطائفة والقبيلة والمذهب؛ عراق لكل العراقيين. هذه القوى ، لم تستطيع أن تلتقط أنفاسها، بسبب الإرهاب وشح الموارد، ولضيق المساحة والحصار الإعلامي والهجومات الروزخونية والطائفية الشيعية والسنية المستمرة. ولكن الرأي العام العراقي قال كلمته الآن؛ لا للطائفية والمذهبية، بل نعم لعراق المواطنة الديمقراطية. فمالذي يعيق هذه القوى من العمل الآن بكل طاقاتها المحدودة، لبناء الحاضنة الديمقراطية الواسعة، لتوحيد الشعب العراقي؟ لأنه بدون وحدة الشعب، بنطاقه الأوسع، ستمرّر كل مشاريع التفتيت والتقسيم والنهب الداخلي والخارجي لموارد العراق الشاسعة. والجواب على هذا السؤال ذو شجون؛ ولا نريد هنا، حرصا على إستمرار سعي هذه القوى لإنضاج شروط تآلفها من أجل العراق، لا نريد أن نفصّل العيوب والإحباطات والأزمات أو نشخصّها، ومعظمها ذات طبيعة ذاتية، وجدناها هنا وهناك في مطاوي نفوس بعض الشخصيات والكيانات التي ما فتأت تتداعى، قولا، لمشروع الحاضنة الديمقراطية، ولكنها في إطار العمل الفعلي لا تزال تحسب حساباتها الذاتية، متناسية الضرورة التأريخية، لتجاوز الذات، والإنطلاق بموجب منطق المنهج العقلي لتاسيس برنامجها الديمقراطي البديل من أجل خلاص العراق. 

                 3- فسيفساء القوى الديمقراطية في العراق اليوم؛ 

قلنا بأننا في هذه المرحلة، وفي هذه المقال بالذات، سوف لا نتطرق الى تشخيص من نعتبرهم غير قادرين في الوقت الحاضر على الجمع مابين العقل والذات والضرورة التأريخية؛ فهذه العوامل مجتمعة تشكل، في رأينا، الشروط الضرورية والكافية لبناء تيار أو جبهة أو حاضنة ديمقراطية واسعة لإحتضان الخيار الجماهيري لعراق ديمقراطي، يقوم على المواطنة والحرية المسؤولة وسيادة القانون والعدل الإجتماعي. بيد إننا لحظنا لدى بعض المتصدين لهذه المهمة الكبرى من يضع إنحيازاته الفكرية أو العاطفية أمام بعض القوى التي قد تطرح فكرا أو شعارات مختلفة، لكنها تؤمن بالعمل الديمقراطي. هل نسيّ هؤلاء المتصدون بأن ثقافة الديمقراطية وآلياتها السياسية لا تشترط وحدة الفكر، لأن فلسفتها الأخلاقية والسياسية تقوم على إدارة " الإختلاف "، وليس" الإتفاق " العقيدي؟ بل إن المطلوب هو خوض النضال السياسي السلمي بالعمل السياسي الديمقراطي الذي يحتكم الى أصوات الناخبين وخياراتهم. فليس المطلوب هو التطابق الفكري، لأننا لا نسعى لقيام حزب واحد شمولي، إنما المطلوب الإتفاق على برنامج مفصّل لإعادة بناء العراق ولتحديد الإستراتيجيات والخطط اللازمة لترصين العملية السياسية أولا، وللتاثير على سياسات الحكومة، إيما كانت هويتها، لتنفيذ برنامج العراق الموحد، وعراق المواطنة والعدل والمساواة والتنمية المستدامة، وتحقيق سيادة الشعب على مواردة النفطية والمعدنية. على أن ينطوي هذا البرنامج، ثانيا، على على تشخيصات ودراسات ومشاريع حقيقية، وليس مجرد شعارات وتمنيات وعناوين، كما يطرحها هذا البعض الذي يزعم أنه يسعى لبناء إئتلاف ديمقراطي حقيقي. 

 وبدون أن نحدد هذا البعض، دعنا نستعرض بإيجاز خارطة القوى الديمقراطية الموجودة الآن في الساحة السياسية العراقية؛ وسيتعذر علينا ذكر العديد منها بالأسماء، أولا، لكثرتها، وثانيا، لأن بعضها هو عبارة عن تجمعات صغيرة لأشخاص، وليست كيانات سياسية متكاملة. في مقدمة هذه القوى يأتي الحزبان التأريخيان؛ الحزب الوطني الديمقراطي، وعلى الرعم من وجود مايشبه الإنقسام في بعض أجنحته، ولكن من الناحية التأريخية والنوعية، يمثل هذه الحزب، بقيادة الأستاذ نصير الجادرجي، الأصل الأصيل، صاحب الأرث التأريخي للديمقراطية في العراق؛ وهذا لا يعني التقليل من شأن الحزب الوطني الديمقراطي الأول، برئاسة مجيد الحاج حمود، أو الفرع الثالث المحدود للحزب. ولهذا الحزب دور، ليس في تأريخيته، بل في سلوكه الوطني المتوازن، فقد بادر هو مع الحزب الشيوعي وحركة الإشتراكيين العرب لإنشاء منظمة "مدنيون" التي وقعها أكثر من مئة ألف مواطن من داخل وخارج البلاد. وعلى الجانب الآخر، هناك الحزب الشيوعي العراقي العتيد؛ ومهما قيل ويقال من نقد يوجّه إليه، فإنه قد إلتزم الخيار الديمقراطي إلتزاما إستراتيجيا وليس تكتيكيا. ولسنا هنا، بالطبع، بصدد تقويم أداء هذين الحزبين، ولا أداء بقية القوى التي سنشير إليها. فضلا عن هذه القوى، هناك العشرات من المنظمات الديمقراطية، تحت رايات مختلفة، وتسمى بأسماء، كلها تدور حول الديمقراطية والمشروع الوطني العراقي، والتحالف الوطني الديمقراطي، ومنظمات عديدة أخرى، بعضها يحمل الفكر القومي الوحدوي، وبعضها ناصري، وبعضها إشتراكي؛ وقد تآلفت هذه القوى الصغيرة، وهي بحدود عشرين منظمة تحت مسمى التيار العربي. ومن المنظمات الصغيرة الديمقراطية فلسفة وسلوكا، كانت منظمة العمل الديمقراطي الإجتماعي التي يضطلع هذا الكاتب بمهمة أمينها العام. وهذه المنظمة إنفتحت على الجميع، وشاركت وتشارك مع كل الجهات والهيئات والأحزاب الداعية لبناء تيار أو جبهة ديمقراطية واسعة، لتعمل بجد على إيجاد بديل ديمقراطي، أو معارضة ديمقراطية سلمية وبناءة. والى جانب هذه القوى، هناك جهد يقوده ضياء الشكرجي لتشكيل إئتلاف ديمقراطي. وطالما إن المساعي لا تزال جارية، فسوف لا نفصح هنا عن مآخذنا وتوجساتنا؛ ذلك لأن الأخطاء ممكنة وهي قد تكون مقبولة، طالما يمكن الإتعاض بها وتجاوزها من أجل العراق. 

 

     لقد عمل هذا الكاتب في العراق على مدى مايقرب من شهر، ( من منتصف شباط الى منتصف آذار من العام الحالي )، مع كل هذه القوى، ولعب دور الوسيط أوالمتحرك بإستمرار بين قيادات هذه القوى العديدة؛ وخصوصا مع الحزبين التأريخيين، الوطني الديمقراطي والشيوعي، إضافة الى التيار العربي وجماعة الشكرجي، ورصد الظواهر الآتية: 

•(1)  إن موقف الحزبين التأريخيين إزاء وحدة العمل الديمقراطي واقعية، بإتجاهين، الأول هو الرغبة بمراجعة إستراتيجيات عملهما، في ضوء نتائج الإنتخابات المحلية الماضية، ولربما يراجعان خطابيهما السياسيين أيضا؛ والثاني هو حرصهما على العمل لتفعيل منظمة " مدنيون " من خلال ما سمّوه ب " اللقاء الديمقراطي "؛ وهذا الإتجاه الأخير يمثل، بالفعل، نهجا واقعيا، ذلك لأنه سيركز على محاولة التأثير لمراجعة قوانين محددة، منها قانون الإنتخابات، المنافي للقواعد الديمقرطية؛ ومنها لإيجاد القواسم المشتركة الفعلية للقوى الداعية لبناء تيار ديمقراطي موحّد. وبطبيعة الحال، تستلزم العملية الديمقراطية أن تبدا ممارستها من داخل الحزب، قبل تعميمها على المسرح السياسي؛ لذا فإن مايطرحه الحزب الشيوعي بأن موقفه من التحالفات سوف يتحدد بعد مراجعة إستراتيجية عمله، وذلك بعد عقد مؤتمرات وكونغرسات داخلية للحزب؛ وأعتقد إن هذه هو عين الصواب. كما يطرح الحزب الوطني الديمقراطي بأن لديه تشكيلة " مدنيون " واللقاء الديمقراطي، ومنظمتنا عضو فيها؛ وهذه التشكيلة ربما يجري تطويرها لتكون الحاضنة الديمقراطية الجبهوية المطلوبة. لا سيما وإنها مفتوحة لكل القوى الديمقراطية، بدون إستثناء وبدون شروط مسبقة على الفكر العقيدي، بإستثناء حزب البعث العربي الإشتراكي المحضور دستوريا. والمحترق سياسيا، ولأنه حزب غير ديمقراطي.

•(2)  إن هناك بعض القادة الديمقراطيين، مثل الدكتورغسان العطية الذي يطرح هو الآخر دعوته لبناء التيار الديمقراطي، وقد باشر بالفعل بالإتصال بالقوى الديمقراطية الصغيرة الموجودة في الساحة، ولا أدري فيما إذا سيتشاور مع الحزبين التأريخيين أيضا أم لا؟

•(3)  الى جانب هذه القوى، هناك التيار العربي المكوّن من عشرين منظمة، كما أسلفنا، ليس كلها بل بعضها قومية وناصرية، ولكنها ليست بعثية، وأمينها العام الأستاذ زيدان خلف، ومساعد الأمين العام الأستاذ عبدالله اللامي؛ ومنظمتنا فاعلة في هذه التيار، وداعمة لمحاولات توجيه نشاطاته نحو الإنضمام للحاضنة الديمقراطية الأوسع؛ وهي داعمة لجهده الحالي للعب دور في مجال المصالحة الوطنية.

•(4)  إن معظم هذه القوى،  إن لم نقل جميعها، ربما بإستثناء جماعة الشكرجي، تدعم جهود السيد المالكي للمصالحة الوطنية، من جهة، ولمراجعة الدستور، ولتحقيق المزيد من الإصلاحات الدستورية، من جهة أخرى؛ فضلا عن دعمه في جهوده لترصين العملية الديمقراطية؛

•(5) ستحاول قوى اللقاء الديمقراطي الضغط على البرلمان، وكسبت تأييد حكومة المالكي، لمراجعة قانون الإنتخابات، ولإصدار قانون الأحزاب، قبل حلول موعد الإنتخابات العامة في نهاية العام الحالي؛ بل والسعي لتعديل الدستور قبل الإنتخابات، إن أمكن.

•(6) لاحظ هذا الكاتب إن بعض القوى الديمقراطية الصغيرة تحسب حسابات ذاتية، بأمل الحصول على مقاعد برلمانية في الإنتخابات القادمة، في الوقت الذي ينبغي فيه التركيز على ترصين المبادئ الأساسية للنظام الديمقراطي، بغض النظر عن نتائج الإنتخابات. صحيح إن هناك حاجة لبناء إستراتيجية موحّدة لخوض الإنتخابات العامة القادمة، لتقديم بديل، أو في الأقل معارضة متنورة وديمقراطية ووطنية، مؤمنة بثوابت الديمقراطية المطروحة الآن في مشروع وحدة العمل الديمقراطي، ولكن حسابات المقاعد يجب أن يأتي مستندا الى الكفاءة والوزن والثقافة والتأريخ، بغض النظر عن حصة هذا أو ذالك في أي تحالف سيقام لاحقا.

     في ضوء ما تقدم، نلاحظ بأن من أهم مقوّمات قيام جبهة ديمقراطية واسعة لإنجاز خلاص العراق من وهدة الظلام الحالكة، على رغم التحسن النسبي، تحت قيادة المالكي، هي بالركون للمنهج العقلي المتزامن مع نكران الذات والوعي بالضرورة التأريخية. فمن يضمن أن المالكي سوف لا يعيد تحالفاته مع القوى الدينية الطائفية؛ إذ هو لا يزال حليفها، مما قد يفضي الى عودة هيمنة نظام المحاصصات المذهبية والعرقية. إن نتائج الإنتخابات المحلية الأخيرة قد قرعت الأجراس، ولكنها لم تنه سيطرة الأحزاب الدينية المذهبية والطائفية؛ لذا فمن واجب القوى الديمقراطية، صغيرة كانت أم كبيرة، أن تعمل بجد ومثابرة، لخلق البديل الديمقراطي، سواء كحكومة أو كمعارضة، لإنجاز خلاص الوطن العراقي الغالي. 

    

د. كامل العضاض


التعليقات




5000