.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
.
....
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
رفيف الفارس
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الحجر بوصفه معنى خيالياً

د. رحمن غركان

يتكلم الحجر مفصحاً عن معان كثيرة مدهشة في فنيتها؛ عبر فنين عظيمين هما: فن النحت وفن العمارة. كأن الإنسان فيهما أراد ان يوظف الحجر والصخر في التعبير عن معانيه الفنية، فأمدته طاقة الخيال، بدفق روحي حساس للإحاطة بالأشياء وتأمل أبعادها، اثر تحويلها إلى كلمات ذات إيحاءات مجازية بليغة فكان النحت، محاولة في محاورة الحجر والصخر، حواراً خيالياً يوجهه الأزميل حدساً، فيجيء المعنى عبر الشكل المنحوت باعثاً على التأمل؛ معنى دالاً على الانجاز، مشيراً إلى حرية الخيال في التحدث إلى الموجود، فان ان يتكلم أقسى جزء يتعامل به الإنسان وهو الصخر؛ وإذ يتكلم الصخر؛ فان التشكيل الذي تصير عليه بنيته الخارجية هو أفق من معانٍ، تثرى بالفضاء الذي تكون فيه فتقول معنى، وتثرى بالضوء المسلط عليها فتقول معنى، وتثرى بخصوصية المكان الذي تكون بين يديه فتقول معنى، وهكذا هي، بحسب: مسافة النظر، ونوع الصخر، وفهمْ الناظر، ولحظة إحساسه، وغيرها وحينئذ تلحظ العمل النحتي إنساناً ناطقاً بمعانٍ فنية بحسب كل هذا وغيره، انه ينطق دون توقف ولا كلل. ليجد الإنسان في كل لحظة صادراً حتى عن الحجر موحياً بأن الموجودات أخيلة، تظل في حرية الرؤى حيناً أو تنزل حتى على الصخر فتصير معاني أحياناً أخرى، حتى بلغ الوعي الوظيفي لدى الإنسان حداً استقال فيه عن التفكير الحر بالغيب والعلن، فصار يجسّم الاله الواحد في منحوتات متعددة، يرى فيها الهة متعددة، وهو غياب في التسخير يفنى فيه حتى الأداء الفني، ولذا لم يبدع الإنسان ذو الوعي الضمني فناً نحتياً مدهشاً، لانه قيّد الواحد المطلق الواجب الوجود، قيّده في خياله الوظيفي وبالتالي قيّد الخيال نفسه عن إبداع المعنى.

الصخر يتكلم لغة النحت محتفياً بالشكل دالاً على طاقة الخيال العظيمة، وموحياً بوعي الإنسان الفني في التعبير عن معان لا تحسن إيصالها إلا أنماط من الكلام فالأعمال الموسيقية العظيمة توحي بمعان لا تحسن التعبير عنها إلا هي، والأعمال النحتية العظيمة تشير إلى معان أخر لا يحسن الإفصاح عنها إلا هي، وهكذا في الرسم وفي الشعر والعمارة والمسرح والأفلام (الدراما) والتصميم وغيره من الفنون، لان الفن لغة إبداع، وتنفيس عن طاقة الخيال الخلاقة، لأن ((الفن هو الحاجة إلى الخلق... لا شيء أقل من خلق الإنسان والطبيعة، يمكن ان يكون غاية للفن، على الإنسان ان يجد فيه منفذاً لكامل طاقته، وليس له ان يرسم أو ينحت إلا عندما يكون قادراً على تحقيق ذلك))([i]) فالنحت احتفاء بالشكل كونه حاملاً للمعنى وهو بيد نحات عظيم أسلوب في التعبير عنه. ((كان النحت فناً مفيداً، طريقة للكتابة، سجلاً دوّن فيه الإنسان الهمجي امتنانه أو ولاءه، ثم هذب هذا الشكل في النحت الطفولي إلى أسمى درجات التأثير، من لدن شعب امتلك إحساساً رائعاً بالشكل))([ii]) ذلك ان خصائص الشكل في النحت هي مصدر تعدد المعنى في الأداء النحتي، والذي يجعل المتأمل يعيش في دلالات فنية الشكل، كونها تشير إلى خصوبة الخيال في اثراء الشكل الحامل للمعنى.

والنحت من الفنون التي تقول لك المعنى اثر فاعلية حسّ التلقي لديك فالذي يرى في موقف عظيم لرجل عظيم عملاً نحتياً رائعاً، وفي صورة امرأة باذخة الجمال عملاً نحتياً مثيراً، يمكن له ان يحسن قراءة الأعمال الفنية الرفيعة لان النزوع إلى الإبداع لديه، تقوده إلى إدراك قيمه في منجزات الآخرين، ذلك ان النحت لغة، وكلامه في المنحوت إبداع فني، والمعنى الصادر عنه هو الانجاز نفسه، ولكن لحظة تلقيه قد تثري المعنى وتجعله متعدداً بعيون الكثيرين.

اذاغ كان الفن ثراء في الوعي، فان التلقي إثراءً للذائقة؛ وبحسب امرسون فانه: ((ينبغي علينا ونحن نطوف العالم، من أجل العثور على الجمال، ان نحمله في داخلنا، ان نحمله معنا، وإلا فإننا سوف لن نعثر عليه. ان الجمال الأسمى هو سحر أرفع مما تقدمه المهارة؛ في السطوح والألوان والخطوط، وكل ما تستطيع قواعد الفن تعليمه؛ انه ما يشع من العمل الفني من طبيعة إنسانية، تعبير رائع من خلال الحجر أو القماش أو الصوت الموسيقي، عن أعمق صفات طبيعتنا وأكثرها بساطة، والتي تكون بحكم ذلك مفهومة من قبل تلك النفوس التي تحمل تلك الصفات. في تماثيل الاغريق، في عمارة الرومان، في رسوم فناني توسكاينا وفينيسيا، يكون السحر الأسمى هو اللغة الكونية التي تتحدث بها هذه الأعمال، إذ يصدر عنها جميعاً بوح بالنقاء، بالحب، بالأمل، وبالطبيعة الأخلاقية، ان ما نحمله إليها، نعود به وقد توضح على نحو أجمل في ذاكرتنا))([iii]). إذ لاشك في ان إبداع الفن معنى غير مفصول عن ذائقة تلقيه؛ بسبب علاقتهما التكاملية.

وحين نأتي إلى الأداء التقني في النحت، نجده صادراً عن التجربة الإبداعية في الفن، في الأداء الفني، وليس في الحيل الفنية المتصلة بتقليد الآخرين؛ وهكذا نقرأ ان رودان، حين عرض تمثاله الشهير (عصر البرونز) مستفيداً في طبيعة نقلاته الفنية من تجارب معاصرة له غير تقليدية، لم يلق قبولاً، ولكنه عاد وأجرى عليه تعديلات مستفيداً فيها من تجارب النحاتين اليونانيين والرومانيين ونحاتي عصر النهضة، إذ لاحظ كيف انهم ((يتركون سطوح الجسم غير مستوية تماماً، كي يلعب الضوء دوره فوق أخف التموجات فيها وجرب ان يفعل شيئاً مماثلاً، وكانت النتيجة ان ظهر تمثاله أكثر اقناعاً... كان الوعي بالضوء شيئاً رائعاً وهو ما ميزه))([iv]).

ان فاعلية الخيال في الإحاطة بالعمل النحتي قبل التنفيذ وبين يدي الانجاز وبعد اتمامه، فاعلية إيحاء وليس فاعلية تصوّر؛ لان مجازه الفني تأويلي وليس عقلياً وربما هو إلى الاستيحاء والحدس أقرب منه إلى القراءة الموجهة، ولهذا نقرأ تمثال جاك ليبشتز (1891-1930) وعنوانه (قوام) وهو من القطع القليلة في النحت النصبي الفذ في القرن العشرين، وبدا جاك فيه متأثراً بالسوريالية، وهو عمل نحتي منفعل بصيغ عدائية مقلقة، يصدر فيه جاك عن الخيال الفاعل، ولهذا لا تصل معه بالعقل الواعي أو المعيار المباشر إلى معان ثرية([v]).

وهذا الشكل من الأداء النحتي المنفعل بالتخييل، بما يكون فيه المعنى منفتحاً للمتلقي بالصورة التي يرى العمل فيها، وقد أثرت فيه ظروف المحيط مقروءة بعين المتلقي أو المشاهد، ثم ذهب خيال النحاتين الكبار إلى حدّ التعامل مع مواد أخرى غير الحجر والصخر، فقد يرى المتلقي؛ ((منحوتات تفترش الأرض، منحوتات مصنعة من أجزاء متعددة؛ منفصلة في الفضاء، أحياناً، تستغل أشياء بسيطة جداً، مكررة عدة مرات، أحياناً، صار استخدام القياسات الكبيرة شائعاً، حتى لو اقتصر على إجهاض الميل إلى قراءة الحضور الإنساني في العمل التجريدي، وكذا كانت الإفادة أعم من المواد التشكيلية الجديدة التي سهلت صنع أشكال جديدة؛ لقد تنامى التعبير النحتي متواصلاً في أعقاب الفورة التي أحدثها رودان كانت بداية جديدة لنشاط خلاق؛ رفع النحت فناً من فنون القرن العشرين العظيمة))([vi]) ومن كل ذلك تلحظ الخيال في الاعمال النحتية المعاصرة؛ طاقة خلاقة تقرأ في خصائص الشكل المادي للحجر والصخر والموجودات الأخرى معاني الإنسان المبدع تلك التي ينجز فيها وجوده الجديد مطلاً على الحياة بوصفها تدفقاً فنياً بلغات كثيرة منها الحجر والصخر والنغم والموسيقى والصوت واللفظ واللون والجسد وغيرها فالإنسان يتكلم بلسانه دائماً، ولكنه حين يبدع يمنح خياله للموجودات الأخرى ألسنة لتتكلم أيضاً، طاقة الخيال تجعل الفن يتبدى للمتلقي بلغات عديدة.

وامتداداً لهذا في الإبداع كان فن العمارة، لغة للخيال في إبداع المعنى ومسافة تتآزر فنون كثيرة على انجازها وقد: ((شاع بين المعنيين المتنورين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ هاجس مطرد بان نوعاً من العمارة الحديثة، ينبغي ان يستنبط على غرار الرسم الحديث الذي كان يتبلور تدريجياً في العصر ذاته، وليس مبالغة أو ادعاءً في القول؛ بانه: لولا الاستعانة بالفنون الجميلة من ناحية، وبالمهن الحرفية والهندسية من ناحية ثانية، لما فيض للثورة المعمارية ان ترى النور قط))([vii]). وهذا متأت في جزء رئيس منه من ان التحلية هي الجزء الرئيس في فن العمارة في العصر الحديث([viii]).

ثم ان فن العمارة بدءاً خيال إنساني خصب، عمل على إبداع الشكل الاستثنائي المنفعل بالمعنى ليوحي بالقدرة الفنية على امتلاك الأشياء، ولما كان الموت كالفن يحفل بالمتخيل والغيب، أكثر من امتلاكه النظر العقلي المباشر من كل الجهات فقد كان فن العمارة جزءاً من التمسك بالحياة كما في الاهرامات بوصفها مقابر للفراعنة، إذ يرتفع السهم المثلث نحو السماء بينما تستريح قاعدته إلى الأرض، والسهم خيال ومعنى والقاعدة واقع ومباشرة.

ثم ان فن ترتيب الفضاء في العمارة يحيل المتأمل إلى محاولة قراءة المجهول كأن الخيال يندفع في إعادة قراءة الفضاء المفتوح بالجزء المنجز من البناء المعماري الذي يشيده، كما ان فن ترتيب العمارة في الفضاء هو تعبير خيالي مدهش عن قدرة الوعي الفني على التحليق في المدى الأوسع ولاسيما نحو الأعلى محاولاً الإحاطة بأوسع قدرة من الأفق المجهول لانه انجاز للخيال، يشير إلى معنى فني جديد، وهو يهذب في الذات الإنسانية الطموحة قدرتها على التحليق في البعيد وربما في المجهول في محاولة إبداع المعنى كان الخيال في العمارة هو أقصى محاولات الوعي الفني للإحاطة بخصائص الشكل في إبداع المعنى.

في فن العمارة عند اليونانيين والرومان والفراعنة والفرس والصينيين والهنود وما اطلعنا عليه من عمارة في الأمريكيتين؛ يلحظ المتأمل ذاك القدر المدهش من الخيال الباحث عن الخلود، التواق إلى امتلاك المادة حسياً عبر الخيال، في منحى التعبير عن قدرته، ولهذا غالباً ما كان الخصوم يهدمون عمارة خصمهم إذا انتصروا عليه، ولهذا فهم بعد ان تمكنوا منه اخذوا بهدم عمارته.

فن العمارة القديم لا يختصر المكان والزمان وأكبر سعة من الاستخدام بل يفتح الخيال على أوسع نطاق يعبّر عن القدرة والتنوق، ولذا يتوقون فيها الثبات والإدهاش، ولذا احتفظت بطاقة بقاء ظلت ماثلة إلى اليوم؛ كانت اليد في فن العمارة هي المعبر عن تجليات الخيال، والوسيلة الأبرز في أداء المعنى، كان الخيال فيها يضفي عليها كل معاني القوة، وكل خصائص الشكل الثابت، لم يكن خيالاً وظيفياً بل فني محض، ولكن الخيال في العمارة الحديثة تهيمن عليه النزعة الوظيفية، لانه معني بحاجة المستخدمين، وهم كثر في الغالب؛ فربما كان الهرم قبراً أو مكاناً لعدد محدود جداً، وهو بحجم عمارة حديثة وبطاقة ناطحة سحاب يستخدمها آلاف الناس، ولكن الهرم خيالي متصف بالقوة والثبات والإيحاء، أما ناطحة السحاب، فلا تعنى بهذا الاتجاه إلا من باب النزوع الاقتصادي في عمارتها ووظيفة استخدامها.

فن العمارة مجاز في كلام الفضاء وفضاء في كلام من مجاز، لان ثنائية فن العمارة هي: كيفية الفضاءات في العمارة، وكيفية العمارة في الفضاءات والخيال البشري إذ يحلق في هذه الثنائية التكامليى، فانما يتأثر فيها بالفني قبل الموضوعي وبالخيال قبل الواقع ولكن أيضاً باهواء العصر والمرحلة والسياسة والطبيعة، ولذا قد تتحرك خصائص الشكل العماري بتأثير كل ذلك ليكون المعنى في المحصلة النهائية متأثراً بكل ما سبق.

وحين نتأمل العمارة الإسلامية، نلحظ الخيال موصولاً بالمعنى الموضوعي صلته بالمعنى الفني، فالفني تكشف عنه النظرة الايجابية للمسلمين في الزخارف والزينة التجميلية في الاشتغال العماري، لتحقيق أغراض جمالية تحمل فائضاً من معنى، ويرى أهل الباحثين انه؛ ((باستثناء ما عرف عن المسلمين من عزوف عن حياة الترف والبذخ، يصاحبه ارتياب مشوب بالاعجاب أحياناً ازاء الأساليب الأجنبية، فلم يكن هناك تحريم ديني أو معارضة فكرية لاستخدام أي شكل من أشكال العمارة الدينية))([ix]). وهذا الاستقبال الحسن من الفقهاء لمعطيات الخيال العماري في الإسلام، أتاح لمعانيه الفنية ان تنسجم مع معطيات الجديد الإسلامي، ولاسيما في تجلياته الروحية، فقد ((جاء المسجد على اثر الكنيسة، ولكنه لما كان وفياً لمبادئ عقيدته الدينية، لم تستطع ان يبلغ مبلغ ما في الكنيسة من روائع، ثم ان مجرد المظهر الإنساني في الدين هو الصلاة هو الصلاة، يجعل المسجد يقوم على أساس إنساني هو الوضع الأفقي في خط مستقيم، ترجمة لما هو ثابت في الطبيعة كالسهل والبحر، والكتلة البشرية المتماسكة الساكنة في نظام يتسق ونظرية المساواة في المجتمع الإسلامي حيث لا يوجد من النظام الطبقي سوى الإيمان المشترك وهو مجتمع المؤمنين في الإسلام؛ فهناك غارة من الأعمدة المتواصلة، في نظام وامتداد لا يحده البصر، تحت سقف مسطح، ذلك تعبير معماري أقرب ما يكون شبهاً بجماعة المصلين تحت السماء المهيبة))([x]). وان الصلة الروحية العالية بين الخيال المعماري والوجدان الروحي للمؤمنين في التعبير عن معاني الإسلام، جعلت الصلة الفنية والوجدانية مقطوعة بين عمارة المعابد الجاهلية قبل الإسلام وما صارت عليه عمارة المساجد الإسلامية بعد الإسلام؛ اعني اثر الإسلام وبين يديه؛ ((أما القبة والمنارة والمحراب فهي عناصر معمارية، اضيفت لاحقاً واشتق أغلبها من عناصر العمارة العربية قبل الإسلام، المتفاعلة مع الشكل المعماري، للفكر والروح الإسلامي، أي من انعكاسات الفكر على العمارة، ولذلك لم تظهر هذه العاصر دفعة واحدة بل نمت ببطء وتساوق مع الحاجات العملية والروحية، وشكلت بعد ذلك وحدة متراصة متكاملة لشكل المسجد الذي نعرفه اليوم، وترحلت منه إلى العمارة الدنيوية))([xi]). ولعل الإيقاع المتناسب لمكونات العمارة الإسلامية، يحيلك إلى التجليات الإيمانية لمعاني العبادة في طقوسها وإيحاءاتها الإيمانية المفعمة بالإنسانية. وحين نتأمل الخيال المعماري في مكونات بنية المسجد نجده يحيل المتلقي إلى معان الطقوس العبادية الروحية في الإسلام؛ فالقبة بارتفاعها إلى السماء وانفتاح نصفها الأرضي على المصلين تحيل المتأمل إلى تلقي السماء لمعنى العبادة في الأرض؛ والى حنوّها على المصلين حنوّ، روحياً مطلقاً، كما ان التحليق الخيالي لارتفاع المئذنة منفردة إلى السماء لا يستظل تحتها أحد كالقبة بل يرتفع بها صوت المؤذن إلى آفاق الناس والى عنان السماء، وهو تحليق لا يوحي بتجليات صوت المؤذن وحده بل يحيل المتأمل، إلى ارتفاع عباده المؤمن إلى الله، والى ارتفاع دعائه إلى السماء؛ هي صلة من الثابت الحسي كالمسجد بكل مكوناته والمتحرك بالحواس إلى شأن الصمدية الواحد الأحد الذي ليس كمثله شيء، واذ لا يكون كمثله شيء فان الخيال البشري عبر فن العمارة الإسلامية هنا مثلاً يحلق بعيداً مؤولاً الأشياء منفعلاً بالرؤى ومتصلاً بالحدس، ذاهباً إلى أقصى تأملاته، ولكنه حتى في أقصاها لا يصل إلى المعبود إلاّ حدساً ورؤيا وغيباً، والخيال حلسّةٌ في محاولة إدراك الغيبيات، وفن العمارة في جوانبه الخيالية إدراك لخصائص الشكل بتحريكها ومحاولة قراءتها على ثراء خصائصها بما تصل الإنسان؛ إلى تأمل عبادة خالقة، وكلما فاض الخيال بالمعنى عبر الحجر أو الصخر في تشكيلات كثيرة مدهشة كان حدس العبادة مؤثراً في الروح، لان الخيال بوصفه فطرة هو مع الله وبوصفه معنى هو مع إدراك البشر لعبادة الله وبوصفه انجازات فنية هو مع تعدد الطرق إلى الله، لان الإنسان فيها ينتمي لنفسه بقوة روحية للاقتراب من محبة الآخر.

الخيال في العمارة يوظف المكونات الحجرية والصخرية وغيرها في أداء المعنى عبر خصائص الشكل المعماري العام في البناء، وهو يتصف بنزوع جمالي خاص، ويشير المختصون به إلى أنه ((لكي يمتلك التصميم طابعاً جمالياً، لابد للناظر إلى تفاصيله، ان يشعر بايقاع في ترتيبها، أو ان هذه التفاصيل الإيقاعية هي التي تسبغ على البناء صفته الحيوية، فيبدو مفعماً بالحياة، ويتجلى الإيقاع واضحاً في صفوف الأعمدة والأقواس المكررة، وتحمل هذه النماذج عيوننا عبر واجهة البناء، لتضيف إليه إثارة بصرية، من ناحية أخرى يوظف المعماريون التناظر في الحجم والشكل بتكرار الأشكال نفسها على جانبي خط وهمي يمثل وسط الواجهة من القمة إلى القاعدة، ويتأتى المنظور الجمالي هنا من سعي العين للمقارنة بين الجانبين، والتأكد من وجود التماثل ودقته. ومع ان هذا التماثل يضمن الحد الأدنى من سمة التوازن الأساسية، في جمالية أي تصميم معماري، فان هذه السمة يمكن ان تتحقق حتى بغياب التناظر؛ شرط ان تبدو الأشكال على أحد جانبي الخط المركزي الوهمي بأوزان مساوية للأشكال المقابلة على الجانب الآخر فينتج عن ذلك الإحساس بوزن بصري متساو))([xii]). ثم ان الإفادة من عناصر الأداء الهندسي الأخرى على وفق نظام أنيق يتصف بالتناسب بين عناصره المكررة لأجل إضفاء وحدة متجانسة على بنية العمل المعماري كله؛ يشير كل ذلك إلى خصوبة الخيال في إبداع المعنى عبر خصائص الشكل الهائلة بتوظيف عناصر فنية ذات تأثير جمالي كالايقاع واللون والحس الحركي للمادة الحجرية؛ فالخيال عبر الإيقاع يحفز الحجر في العمارة على إبداع معنى ما، ويحفز اللون عبر أبعاد الشكل على أداء معنى آخر مجانس للمعنى الأول، ويحفز الشكل الهندسي عبر الأعمدة والقباب والقواصر والأقواس على التعبير عن أسلوب معين في العمارة.

الخيال الإنساني في العمارة يحول الحجارة والأشكال الهندسية ورؤى استخدامها وطرائق ذلك الاستخدام إلى كلمات هائلة لا تعرف السكوت، هي تنطق على الدوام بما يشير إلى نبض الوعي في إحياء المعنى، وشكل المادة في بث الحياة في الوجود، ونحن معنيون بتأمل معاني الخيال الأخرى في لغة الحجر الأزلية.

 


 

   الهوامش

 

([i]) مقالات امرسون، ص177.

([ii]) نفسه، ص177.

([iii]) نفسه، ص175.

([iv]) الفن الأوربي الحديث، ص263.

([v]) نفسه، ص276.

([vi]) نفسه، ص293.

([vii]) نفسه، ص219-300.

([viii]) نفسه، ص297.

([ix]) الشام؛ لمحات آثارية وفنية، د. عفيف بهنسي، ص143.

([x]) ارنست كونل، ترجمة، د. احمد موسى، ص20-21.

([xi]) المستشرقون وتاريخ العمارة العربية الإسلامية، د. خزعل الماجدي. بحث منشور في جريدة الأديب العراقية، عدد (82) تموز لسنة 2005.

([xii]) علم الجمال في فن العمارة، ترجمة وإعداد، بيداء علي العبيدي، بحث منشور في جريدة الأديب العراقية، عدد (57) شباط سنة 2005.

 

 

د. رحمن غركان


التعليقات

الاسم: د عادل بدر
التاريخ: 26/09/2014 16:39:38
مقال رائع وهام واوضح العلاقة الابدية بين فن النحت والعمارة
اتمنى ان هناك تعاون بيننا
تحياتى
عادل بدر استاذ النحت بجامعة القاهرة




5000