..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


آثار دمك على الثلج / قصة غابريل غارسيا ماركيز

علي سالم

ترجمة : علي سالم   

عندما وصلا الحدود في الليل ، لاحظت نينا داكونتي بإن إصبعها الذي كانت تلبس فية خاتم الزواج كان   لا يزال ينزف ،   وذلك عندما أخذ شرطي الحدود الذي كان يغطي قبعتة الثلاثية الأطراف المصنوعة من الجلد الصقيل ببطانية من الصوف الخشن يدقق بجوازيهما على ضوء مصباح كاربيد ، محاولاً الإحتفاظ بتوازنة بوجة الريح القارسة الهابة من جبال البرانس . ورغم دقة الجوازين الدبلوماسيين ، فقد رفع حرس الحدود المصباح ليتأكد من تطابق الصور مع وجهيهما . كانت نينا داكونتي تبدو أشبة بطفلة لها عينا طائر سعيد ، وجلد خلاسي لاتزال تشع منة شمس الكاريبي في حنايا ظلام يناير الجنائزي . وكانت تتلفع حتى ذقنها بمعطف من فرو المنك كان ثمنة يفوق رواتب جميع أفراد الحامية الحدودية التي كانوا يتقاضونها لمدة عام كامل . أما زوجها بيلي سانشيز دي أفيلا ، الذي كان يقود السيارة  والذي يصغرها بعام واحد ، ولايقل عنها بها ءاً ووسامة فقد كان يرتدي سترة مقصبة وقبعة بايسبول ، وكان على العكس من زوجتة ، طويل القامة وذو جسم رياضي وفك حديدي يشبة فك بلطجي رعديد .أما الشيء الذي كان يعبر عن شخصيتيهما أحسن تعبير هو سيارتهما الفضية اللون التي كانت دواخلها تشهق بأنفاس حيوان حقيقي ؛ والتي لم تشهد شوارع الحدود البائسة مثيلاً لها من قبل . كان مقعدها الخلفي يغطس تحت ركام من الحقائب الكبيرة الجديدة تماماً وعلب الهدايا التي لم تُفتَح بعد ، وآلة الساكسفون التي تملكت قلب نينا داكونتي بلا منازع قبل أن تستسلم لحب ذلك المشاكس الذي زلزل كيانها على الساحل . عندما أعاد الحارس جوازي السفر المختومين ، سألة بيلي سانشيز أين يمكن العثور على صيدلية لعلاج إصبع زوجتة . وصاح الحارس مغالباً الريح بأن عليهما السؤال في هينداي ، على الجانب الفرنسي . و في هينداي وجدا حراس الحدود يجلسون بقمصانهم القصيرة الأكمام ، يلعبون الورق على طاولة داخل صندوق الحراسة الزجاجي الجيد التدفئة والإضاءة ، ويتناولون خبزاً يغمسونة في كؤوس نبيذ كبيرة . وأكتفوا فقط بالنظر الى حجم السيارة ونوعها للسماح لهما بدخول فرنسا. وضغط بيلي سانشيز على جهاز التنبية عدة مرات ، لكن الحراس لم يفهموا إنة كان يناديهم ، ففتح أحدهم النافذة وصرخ بصوت أعنف من العاصفة :

"Merde! Allez-vous-en! "

اللعنة ! قلت لكما أدخلا !

هنا خرجت نينا داكونتي ، الملفعة  بمعطفها حتى الأذنين ، من السيارة وسألت الحارس بفرنسية طليقة أين يمكن العثور على صيدلية . وكما لو أن الأمر كان عادة مترسخة لدية ، أجاب الحارس من خلال فمة المليء بالخبز إن الأمر لايعنية ، خصوصاً في جو عاصف مثل هذا ، ثم أغلق النافذة . لكنة أخذ ينظر بإهتمام متزايد الى الفتاة الملفعة ببريق فراء المنك الطبيعي التي كانت تمص إصبعها الجريح ، وتبدل مزاجة في الحال ، لأنة لابد أن يكون قد حسبها  طيفاً من عالم السحر قد خرج الية ليكلمة في هذة الليلة المخيفة . فأوضح لها بأن أقرب مدينة هي مدينة بياريتز ، لكن في عز الشتاء ، و في هذة الريح العاوية كالذئاب ، قد لايجدون صيدلية مفتوحة حتى مدينة بايون ، الأبعد قليلاً من بياريتز .

"هل الجرح خطير ؟ "

" إنة لاشيء " . قالت نينا داكونتي  مبتسمة وأرتة أصبعها الذي كان يحمل خاتم الماس  وطرفة  المخدوش بزهرة خدشاً طفيفاً لايكاد يبين .  " لقد كانت مجرد شوكة " .

قبل أن يصلا بايون ، بدأ الثلج بالهطول ثانية . ولم تكن الساعة قد تجاوزت السابعة ، لكنهما وجدا الشوارع مهجورة والبيوت موصدة بسبب العاصفة الهوجاء ، وبعد أن لفا بالسيارة عدة شوارع دون أن يعثرا على صيدلية ، قررا مواصلة  المسير  . وجلب هذا القرار السعادة الى قلب بيلي سانشيز ، لأنة كان مولع جداً بالسيارات النادرة التي كان يغدقها علية والدة الذي كان يعاني كثيراً من عقدة الشعور بالذنب والذي كانت أموالة الطائلة تمنحة الفرصة لإشباع نزوات إبنة ، فضلاً عن إنها المرة الأولى التي كان بيلي يقود فيها سيارة من نوع بينتلي مكشوفة قدمت لة كهدية في يوم زواجة . كانت نشوتة وهو يمسك بمقود السيارة كبيرة الى الحد الذي كان ينسية الشعور بالتعب كلما واصل القيادة . كان يريد الوصول الى بوردو تلك الليلة ، حيث قاما بحجز جناح للعرائس في فندق ( سبلندد )، ولن تستطيع كل الرياح العاتية والثلوج التي في السماء منعة من الوصول الى هدفة . على النقيض منة ، فقد كانت نينا داكونتي مرهقة ، خصوصاً بسبب المرحلة الأخيرة من الطريق السريع الصاعد من مدريد ، الذي كان يلاصق حافة أحد المنحدرات الصالحة لعيش الماعز الجبلي والتي تجلدها عواصف البَرَدْ على الدوام . بعد بايون لفت حول إصبعها الذي يحمل الخاتم منديلاً ، وراحت تضغطة لإيقاف الدم الذي لم يتوقف عن المسيل ، ثم غرقت في نوم عميق . ولم يلاحظ بيلي سانشيز شيئاً إلاّ بعد منتصف الليل بقليل ، عندما توقف الثلج عن الهطول وسكنت الريح عن العويل فجأة وسط أشجار الصنوبر وأمتلأت سماء المراعي بالنجوم الجليدية . كان قد إجتاز أضواء بوردو الناعسة ولم يتوقف إلا مرة واحدة لمليء خزان الوقود من أحد المحطات الموجودة على الطريق ، لأنة كان لايزال قادراً على القيادة حتى باريس .  كان مبتهجاً جداً بلعبتة الكبيرة التي يبلغ ثمنها خمسة وعشرون ألف جنيهاً إسترلينياً ، بحيث إنة لم يسأل نفسة إن كانت تلك المخلوقة البهية الراقدة الى جانبة - والتي تلف إصبعها الذي يحمل خاتم زواجهما بمنديل يقطر دماً والتي خرمت حلم مراهقتها للمرة ومضات خاطفة من عدم اليقين -  تحس بنفس الشعور .

لقد تزوجا قبل ثلاثة أيام في مكان يبعد الآن مسافة عشرة آلاف كيلومتر ، في كارتاجينا دي إندياس ، لدهشة أبوية وخيبة أمل أبويها ، وبمباركة المطران الشخصية . ولاأحد سواهما كان يفهم الأساس الحقيقي لذلك الحب أو جذورة الخفية . لقد أبتدأت قصة حبهما منذ ثلاثة شهور قبل الزواج ، في يوم أحد على البحر ، وذلك عندما أقتحمت عصابة بيلي سانشيز كابينات تبديل الثياب الخاصة بالنساء في شواطيء ماربيلا . كانت نينا قد بلغت الثامنة عشرة للتو ؛ وكانت قد عادت الى بيتها من مدرسة شاتلني في سان- بليز ، في سويسرا ، بأربعة لغات دون لكنة ، وبمعرفة بارعة على عزف آلة السكسفون ، وكان ذلك  أول يوم أحد تخرج بة الى الشاطيء منذ عودتها . كانت قد تعرت تماماً وكانت تهم بإرتداء بذلة سباحتها عندما سمعت صرخات  الفرار المفزوعة  وصيحات القراصنة  تنطلق من الكابينات المجاورة ، لكنها لم تفهم ماكان يجري حتى تهشم مزلاج بابها وشاهدت  أجمل صعلوك يمكن للخيال تصورة يقف أمامها. لم يكن يرتدي شيئاً غير بنطال قصير من جلد الفهد الصناعي ، يستر بة جسدة المسالم ، اللدن المكتسي بلون القاطنين قرب المحيط . كان يرتدي سواراً معدنياً في عضدة الأيمن ، ويلف حول قبضتة سلسلة حديدية كان يستخدمها كسلاح قاتل ، وعلى صدرة تتدلى ميدالية لاصورة  لقديس فيها ، كانت تنبض بصمت مع دقات قلبة . كانا قد درسا في نفس المدرسة الإبتدائية ومزقا الكثير من أكياس حلوى البيناتا في نفس حفلات أعياد ميلادهما ، لأن كلاهما كان يتحدر من عوائل الأقاليم التي كانت تتحكم بمصير المدينة كما يحلو لها منذ العهد الكولونيالي ، لكنهما لم يريا بعضهما لسنين طويلة ، لذلك لم يتعرفا على بعضهما للوهلة الأولى .

ظلت نينا داكونتي واقفة ، بلا حراك ، ولم تفعل أي شيء لتغطية عريها الصارخ . ثم شرع بيلي سانشيز بأداء طقسة الصبياني . فقام بإنزال سروالة المصنوع من جلد الفهد وأراها فحولتة المنتصبة الجديرة بالتقدير . نظرت الى شيئة نظرة مباشرة لكنها لم تبد أي علامة على الإندهاش وقالت محاولة السيطرة على خوفها  لقد رأيت ماهو أكبر من ذلك وأشد صلابة ، لذلك أدعوك مجدداً الى التفكير فيما تفعل، لأن أدائك معي ينبغي أن يكون أفضل من أداء زنجي .

في الواقع لم تكن نينا داكونتي عذراء فقط ، بل إنها لم تشاهد في حياتها رجلاً عارياً حتى تلك اللحظة ، مع ذلك أثبت تحديها لة جدواة ، إذ قام بيلي سانشيز بتوجية لكمة الى الجدار بقبضتة الملفوفة بالسلسلة الحديدية أدت الى كسر يدة . فأخذتة بالسيارة الى المستشفى و أعتنت بة طوال فترة نقاهتة ، وفي النهاية تعلما كيف يمارسان الحب على وجهة الصحيح . وأخذا يقضيان أصائل حزيران الصعبة في الشرفة الداخلية للمنزل الذي قضى فية ستة أجيال من أسلاف نينا داكونتي اللامعين نحبهم . كانت تعزف لة الأغاني الشعبية على الساكسفون ، وهو مضطجع على الأرجوحة الشبكية ، ويدة في الجبيرة ، متأملاً إياها بذهول  مؤلم . كان البيت يحتوي على عدد لايحصى من النوافذ التي ترتفع من الأرض الى السقف وتواجة الخليج ومياهة الراكدة النتة ، وكان يُعد من أكبر البيوت وأقدمها  في مقاطعة لامانغا ، وبلا شك أقبحها . لكن شرفتة ذات البلاط المتعاكس التي كانت نينا داكونتي تعزف فيها الساكسفون كانت بمثابة واحة باردة في قيظ الساعة الرابعة . وكانت تطل على فناء كثيف الظلال مزروع  بأشجارالمانغو والموز ،التي كان يستكين تحتها قبر ممسوح الشاهدة ، أقدم من المنزل ومن ذاكرة العائلة . كان عزف الساكسفون يمثل حتى لأولئك الذين لايفقهون شيئاً من الموسيقى مفارقة تاريخية في بيت عريق كهذا . (إن صوتة يشبة صوت سفينة مغادرة)  قالت جدة نينا داكونتي عندما سمعتة للمرة الأولى .أما أم نينا داكونتي فقد حاولت  عبثاً أن تقنعها بالعزف علية بطريقة أخرى ، غير طريقتها التي كانت تعزف بها رافعة تنورتها فوق فخذيها وفارجة ركبتيها بطريقة حسية لا علاقة لها بالموسيقى لامن بعيد ولامن قريب ، إنما بحجة الراحة .  كانت أمها تقول لها " لايهمني على أي آلة تعزفين ، طالما حافظت على ساقيك مضمومتين ".

لكن *أصوات السفينة المغادرة * و إحتفالية الحب تلكما كانا الشيئين الوحيدين المتاحين لنينا داكونتي لكسر القوقعة المرة التي كانت تحيط ببيلي سانشيز . 

كان بيلي سانشيز معروفاً للجميع كشخص متوحش وجاهل ، لكن تحت ستار هذة السمعة البائسة التي حافظ عليها بنجاح كبير بسبب إقتران إسمة بإسمين لامعين من أسماء عائلتة ، كان يرقد بيلي اليتيم ، الخائف . وفي الفترة التي كانت فيها عظام يدة تلتئم ، أخذا يتعرفان على بعضهما البعض بشكل جيد جداً ، حتى هو نفسة كان مندهشاً من الإنسيابية التي تدفق بها الحب حين قادتة عندما خلا البيت في يوم ماطر الى فراش عذريتها ، حيث أخذا يحتفلان كل يوم ، وفي نفس الساعة  بحبهما وعريهما ، تحت نظرات الدهشة المنبعثة من لوحات محاربي الحرب الأهلية وحملقات الجدات النهمات اللواتي سبقنهما في إرتياد فردوس ذلك السرير التاريخي . كانا يظلان عاريين حتى في فترات الإستراحة التي تلي ممارسة الحب ، دون أن يغلقا النوافذ التي كانت تحمل لهما من الميناء نسيم الهواء المحمل برائحة نفايات البواخر ، الفائحة برائحة البراز ، ويصغيان عندما يصمت الساكسفون الى همهمة الحياة اليومية الصاعدة من الفناء ، والى نقّة وحيدة لضفدع مختبيء تحت أشجار الموز ، والى صوت قطرات الماء النازلة على أحد القبور ، والى الحركة الطبيعية للحياة التي لم تسنح لهما الفرصة في سماعها من قبل . عندما عاد أبويها الى البيت ، كانت نينا داكونتي وبيلي سانشيز قد تدلها في حب بعضهما البعض ، بحيث لم يعد في العالم متسع لأي شيء سوى حبهما ، وكانا يمارسان الحب في أي وقت ، وأي مكان ، محاولان في كل مرة إعادة إكتشافة من جديد . في البداية وجدا بعض المشقة في ممارسة الحب داخل السيارات الرياضية التي كان والد بيلي سانشيز يحاول من خلال شرائها لأبنة  التخفيف من حدة مشاعرة الخاصة بالذنب . ثم أخذا ، بعد أن أصبح موضوع السيارات سهلاً جداً ، يخرجان في الليل الى كابينات ماربيلا المهجورة ، التي جمعهما القدر فيها يوماً ، وخلال أحتفالات نوفمبر بلغ بهما الجنون حداً الى الذهاب بثياب الأحتفال الى غرف الإيجار الموجودة في حي العبيد القديم في غيستماني ، تحت حماية مديرات النزل اللواتي كن قبل شهور قليلة فقط يعانين الأمرين من بيلي سانشيز وعصابتة الملوحة بالسلاسل . منحت نينا داكونتي نفسها لهذا الحب السري بنفس العاطفة المحمومة التي كانت تغدقها على الساكسفون ، حتى فهم لصها المروض أخيراً ماكانت تعني عندما قالت لة بأن علية  الإنجاز مثل زنجي . وكان بيلي سانشيز يرد على حبها بنفس المهارة ونفس الحماس . عندما تزوجا ، حققا العهد الذي قطعاة على نفسيهما بممارسة الحب  فوق الأطلسي ، حينما نامت المضيفات وحشرا نفسيهما داخل مرحاض الطائرة ، ليغلبهما الضحك ، أكثر مما غلبتهما اللذة . وعرفا بعد مرور أربعة وعشرين ساعة على الزواج فقط بأن نينا داكونتي كانت حاملاً بشهرها الثاني .

وهكذا عندما وصلا مدريد  كانا أبعد مايكونا عن عاشقين متخمين حباً ، لأنهما كانا يملكان شيء من التعقل للتصرف كشخصين تزوجا حديثاً . رتبت عائلتيهما كل شيء . وقبل مغادرتهما للطائرة  حضر ضابط تشريفات الى كابينة الدرجة الأولى  ليسلم نينا داكونتي معطف الفراء ذو الحافة السوداء اللامعة كهدية زواج من والديها . وأعطى بيلي سانشيز  آخر صرعة من صرعات ستر شيرلنغ الصوفية  لذلك الشتاء ، ومفاتيح غير معلّمة  لسيارة كانت تنتظرة على أرض المطار كمفاجأة .

رحبت بهما البعثة الدبلوماسية التابعة لبلدهما في قاعة الأستقبال الرسمية . ولم يكن السفير وزوجتة أصدقاء قدامى فقط لكلا العائلتين ، بل كان السفير نفسة هو الطبيب الذي أشرف على ولادة نينا داكونتي ، وكان يقف في انتظارها حاملاً باقة من الورد  بدت رائقة ويانعة تماماً حتى قطرات الندى التي كانت تغطيها بدت وكأنها قطرات إصطناعية . حيتهما معاً بقبلات زائفة ، وهي تشعر بعدم الأرتياح من حالتها الجديدة التي دخلت فيها قبل الأوان نوعا ما كعروس ، ثم تقبلت منهما باقة الزهر . عندما أخذت الزهور وخزت إصبعها شوكة ، لكنها دارت الحادث بحيلة ساحرة . وقالت  لقد فعلت ذلك عامدة ، لكي تنتبهوا لخاتمي .

وفي الواقع تعجب كامل أفراد الطاقم الدبلوماسي من روعة الخاتم  ، لأنة لابد أن يكون قد كلف ثروة ، ليس بسبب نوعية الماسات التي كان يحملها ، بل بسبب عراقتة المحفوظة جيداً . لكن لاأحدا منهم لاحظ بأن أصبعها كان قد شرع ينزف ، لأن إهتمامهم  جميعاً كان منصباً على السيارة الجديدة التي  أوحت للسفير بفكرة طريفة  تتمثل بجلبها الى المطار وتغليفها بالسيلوفان وربطها بشريط ذهبي عملاق . ولم يلاحظ بيلي سانشيز هذة اللمسة المبدعة ، لأنة كان متلهفاً جداً لرؤية السيارة التي شرع في الحال بتمزيق غلافها ووقف أمامها مبهور الأنفاس . لقد كانت سيارة من نوع بينتلي كابريلة  موديل ذلك العام ، ومقاعدها منجدة بجلد حقيقي . في ذلك الحين كانت السماء تبدو مثل دثار من الرماد ، وكانت ثمة ريح جليدية قارصة تهب من جبال غواداراما ، ولم يكن الوقت مناسباً للبقاء في الخارج ، لكن بيلي سانشيز لم تكن لدية أدنى فكرة عن البرد ، فجعل البعثة الدبلوماسية تقف في موقف السيارات المكشوف ، دون أن يدري  إ نهم كانوا يتجمدون من البرد لمجاملتة ، حتى أنتهى من تفحص أصغر تفاصيل السيارة . وعندما أنتهى من ذلك جلس السفير الى جانبة ليدلة على مكان الإقامة الرسمي ، الذي أعدت فية حفلة غداء . وفي الطريق أخذ يشير لة لتعريفة بمعالم المدينة الأكثر شهرة ، لكن بيلي سانشيز  كان كما يبدو مأخوذاً بسحر السيارة الجديدة .

لقد كانت تلك هي المرة الأولى التي يسافر فيها خارج البلاد ، بعد أن قضى حياتة طالباً في المدارس الخاصة والعامة  ، معيداً نفس الدورات الدراسية مرارت ومرات ، حتى أنتهى بة المطاف معلقاً داخل حالة من اللامبالاة .  وكانت رؤيتة الأولى لمدينة أخرى غير مدينتة ، وبنايات المنازل الرمادية ذات الأنوار المضاءة في رابعة النهار ، والشوارع المهجورة ، والبحر النائي ، كل ذلك زاد من إحساسة بالوحشة التي كان يجاهد في سبيل الإحتفاظ بها في زاوية خفية من قلبة . لكنة مع ذلك سقط سريعاً ، دون وعي منة ، في أول فخ نصبة لة النسيان .  وأنفجرت عاصفة صامتة ، مباغتة ، من بواكير الموسم ، في الأعالي ، ، وعندما غادرا منزل السفير بعد الغداء وأتجها الى فرنسا ، وجدا المدينة مغطاة بثلج واهج . ثم نسى السيارة ، وراح يصيح فرحاً أمام أنظار الجميع ، ويهيل حفنات من الثلج على رأسة ، ويتمرغ بالثلج ، بمعطفة الجديد ، وسط الشارع .

لم تلاحظ نينا داكونتي نزيف إصبعها إلا بعد أن غادرا مدريد في ظهيرة أحالتها العاصفة الى ستار شفاف من الضباب . لقد أدهشها الأمر ، لأنها عندما صاحبت زوجة السفير المولعة بغناء الألحان الإيطالية بعد المآدب الرسمية ، بالعزف على الساكسفون ، لم يسبب لها بنصرها أي أزعاج . لكن لاحقاً ، عندما كانت تدل زوجها على أقصر الطرق المؤدية الى الحدود ، كانت تمص إصبعها بطريقة لاواعية كلما نزف ، والمرة الاولى التي فكرت فيها بالعثور على صيدلية كانت عندما وصلا جبال البرانس . ثم أستسلمت لأحلام الأيام القليلة الماضية التي فات أوانها ، و فزت جفلة على إنطباع كابوسي بأن السيارة كانت تسير خلال الماء ، ولم تتذكر المنديل الملفوف حول إصبعها الا بعد مرور وقت طويل  .  وشاهدت في الساعة المضاءة في لوحة القيادة إن الوقت قد تجاوز الثالثة ، وبعد أن حسبت الأمر في ذهنها ، أدركت عندها إنهما قد تجاوزا مدينة بوردو ، وأنگولَيم وپواتيية كذلك ، وإنهما كانا يسيران بمحاذاة حاجز نهر لواغ المغمور بمياة الفيضان . كان نور القمر يتسرب من خلال الضباب ، وكانت الصور الظلية للقلاع تبدو عبر أشجار الصنوبر وكأنها منبعثة من داخل حكايات الجن . وقدرت نينا داكونتي التي تعرف المنطقة عن ظهر قلب ، بأنهما كانا على مبعدة ثلاث ساعات من باريس ، وكان بيلي سانشيز منكباً على القيادة ببسالة .     

(أنت رجل متوحش ) ، قالت ( لقدمضى عليك أكثر من إحدى عشرة ساعة وأنت تقود السيارة ، دون أن تتناول شيئاً من الطعام ) .

كانت نشوة السيارة الجديدة قد أمدتة بطاقة عجيبة على الإستمرار في القيادة . لم يكن قد نام كثيراً في الطائرة ، لكنة كان صاحياً تماماً ومصمماً على دخول باريس قبل الفجر .

(لازلت شبعاً من عشاء السفارة) ، قال . ثم أضاف دون منطق واضح ، (على أي حال ، أنهم يغادرون السينما في کارتاگینا الآن ، لابد أن تكون الساعة تقارب العاشرة ) .

رغم ذلك ، كانت نينا داكونتي تخشى علية من النوم اثناء السياقة . ففتحت واحدة من الهدايا العديدة التي قُدمت لهما في مدريد وحاولت دس قطعة من البرتقال المطعم بالحلوى في فمة . لكنة أشاح برأسة بعيداً

الرجال الحقيقيون لايأكلون الحلوى ) قال . (

أنقشع الضباب قبل وصولهما الى أورلينز بقليل ، وأضاء قمر كبير جداً الحقول المغطاة بالثلج ، لكن حركة المركبات على الطريق أصبحت أشد صعوبة بسبب ظهور شاحنات نقل المنتجات وتناكر النبيذ الضخمة على الطريق السريع الذاهب الى باريس . كانت نينا داكونتي ترغب بمساعدة زوجها في السياقة ، لكنها لم تجرؤ حتى على مجرد إقتراح ذلك ، لأنة كان قد أخبرها في أول ليلة خرجا فيها معاً ، بأن ليس هناك ماهو أكثر إذلالاً للرجل من أن يُساق بسيارة تقودها زوجتة . شعرت بالصفاء بعد خمس ساعات تقريباً من النوم العميق ، وأرتاحت أيضاً لعدم توقفهما للمبيت في فندق من فنادق الأرياف الفرنسية ، التي تعرفها  منذ أن كانت طفلة صغيرة من خلال سفراتها العديدة هناك مع والديها  .

قالت أنة أجمل ريف في العالم لكنك قد تموت عطشاً ولاتجد من يمنحك شربة ماء واحدة دون مقابل ، كانت مقتنعة بذلك تماماً ، حتى انها قامت في آخر لحظة بوضع قالب صابون ولفة من ورق التواليت في حقيبة سفرها الصغيرة ، لأن الفنادق الفرنسية لاتحتوي البتة على صابون ، وورق التواليتات ليس سوى جرائد الأسبوع المنصرم ، مقصوصة على شكل مربعات صغيرة معلقة بمسمار . الشيء الوحيد الذي ندمت علية تلك اللحظة هو إضاعة ليلة كاملة دون ممارسة الحب . وكان رد زوجها عاجلاً ، إذ قال  لقد فكرت للتو كم ستكون مضاجعتك رائعة في الثلج ، هاهنا ، إن أحببت .

وفكرت نينا داكونتي بالموضوع بجدية . فقد بدا الثلج المأتلق بالقمر على حافة الطريق السريع وثيراً ودافئاً ، لكن عندما أقتربا من ضواحي باريس زادت شدة الزحام على الطريق ، وكان ثمة عناقيد من المصانع المضاءة وجموع غفيرة من العمال على ظهور الدراجات  الهوائية . ولو لم يكن الفصل شتاءاً لكانا الآن في رابعة النهار .

قالت نينا داكونتي ( من الأفضل أن ننتظر حتى الوصول الى باريس ، حيث سيكون كل شيء نظيفاً ودافئاً وفوق شراشف نظيفة ، يليق بنا كزوجين ) .

قال ( إنها المرة الأولى التي أتعرض فيها للخذلان ) .

أجابت ( بالطبع ، لأنها المرة الأولى التي نتزوج فيها ) .

قبل الفجر بقليل غسلا وجهيهما وتبولا في مطعم على الطريق ، وتناولا قهوة وكرواسون * ساخن ، على الكاونتر ، حيث كان سواق الشاحنات يتناولون النبيذ الأحمر مع الفطور . وفي الحمام شاهدت نينا داكونتي بقع من الدم على بلوزتها وتنورتها ، لكنها لم تحاول غسلها . ورمت منديلها المخضل بالدم في سلة القمامة ، ونقلت خاتم زواجها الى يدها اليسرى ، وشطفت إصبعها الجريح بالماء والصابون . كان الخدش صغيراً لايكاد يُرى . ورغم ذلك ما أن عادا الى السيارة حتى بدأ النزف ثانية ، فعلقت نينا داكونتي يدها خارج النافذة ، ليقينها بأن الهواء الجليدي الهاب من الحقول لة خواص شفائية . ولم يثبت هذا التكتيك  جدواة أبداً ، لكنها لم تكترث ، وقالت بسحرها الطبيعي المعهود " لوفكر أحدهم بإقفاء آثارنا ، فستكون مهمتة في  غاية السهولة ، لأن ماعلية حيئذ سوى أن يتتبع آثار الدماء الموجودة على  الثلج " .  ثم فكرت قليلاً بماقالتة وتورد وجهها بأول أشعة من نور الفجر ، وقالت ، " تخيل إن هناك خيط من الدم على الثلج من مدريد الى باريس ، ألا يصلح ذلك موضوعاً لأغنية جميلة ؟ "

لكن لم يكن لديها وقت للتفكير ثانية ، لأن إصبعها أخذ عندما وصلا ضواحي باريس ينزف بشكل جنوني ، وشعرت كما لو أن روحها كانت تُستَل من بين جوانحها عبر ذلك الخدش الصغير . وحاولت  إيقاف تدفق الدم بإستخدام ورق التواليت الذي كانت تحملة في حقيبتها ، لكن تضميد إصبعها كان يستغرق وقتاً أطول من وقت رمي شرائط الورق الدامية  من  النافذة . الثياب التي كانت ترتديها ، معطفها ، ومقاعد السيارة  تخضلت بالدم ، الذي كان يجري ببطء لكن دون توقف . وشعر بيلي سانشيز بالذعر حقاً وأصر على البحث عن صيدلية ، لكنها أدركت ان الأمر قد تجاوز قدرات الصيادلة الآن .

قالت " نحن في بورت دورلينز تقريباً ، واصل المسير على طول جادة أفينيو جينيرال لوكريك ، الجادة الكبيرة المحفوفة بالأشجار ، وبعد ذلك سأخبرك بما ستفعل " .

لقد وصلا الى أصعب مرحلة من الرحلة ، وذلك بسبب توقف المرور من الجانبين على جادة أفينيو جينيرال لوكريك ، التي كانت محتقنة  بعقدة جهنمية من السيارات الصغيرة والدراجات النارية  والشاحنات الكبيرة التي كانت تحاول الوصول الى الأسواق في مركز المدينة . وأثارت أصوات منبهات السيارات التي كانت تُطلق في الهواء دون جدوى  حفيظة بيلي سانشيز ،  فأنطلق يوزع الشتائم و اللعنات بلغة سوقية على عدد من السواق ، حتى انة حاول الخروج من السيارة لضرب أحدهم ، لكن نينا داكونتي نجحت في اقناعة بأن الفرنسيين لايتعاركون بالأيدي ، رغم كونهم أكثر شعوب الأرض وقاحة . وأثبتت للمرة الثانية رجاحة عقلها ، لأنها كانت في تلك اللحظة بالذات تحاول جاهدة الا تفقد الوعي .

وصلا الى دوّار ليون دو بلفور الذي كانت مقاهية ومخازنة مظاءة كما لو أن الوقت كان منتصف الليل  ، لكن اليوم لم يكن غير يوم ثلاثاء عادي في يناير باريسي غائم وقذر  ذو أمطارة دائمة الهطول لكنها لاتفلح أبداً في التحول الى ثلوج . كان الزحام أقل حدة في جادة دينفيرت - روشيرو ، وبعد اجتياز عدد من البنايات القليلة طلبت نينا داكونتي من زوجها أن ينحرف الى اليمين ، فانحرف واوقف السيارة خارج مدخل بناية الطواريء التابعة  لمستشفى ضخم وكئيب المنظر .

ساعدوها في الخروج من السيارة ، لكنها لم تفقد شيئاً من رباطة جأشها وصحوها ، وبينما كانت تتمدد على نقالة ذات عجلات   بإنتظار الطبيب الخفر ، مجيبة على أسئلة الممرضة الروتينية المتعلقة بهويتها وتاريخها الصحي . حمل بيلي سانشيز حقيبتها وأمسك بيدها التي كانت تحمل فيها خاتم الزواج ؛ وشعر بأن يدها كانت واهنة وباردة وبأن شفتيها قد شحُب لونهما . وظل على تلك الحال واقفاً جنبها ومطوقاً يدها بيدة ، حتى وصل الطبيب  وأجرى فحصاً سريعاً لأصبعها الجريح . كان الطبيب شاباً في مقتبل العمر ، حليق الرأس ولة لون نحاسي . ولم تعر لة نينا داكونتي أي أهتمام ، وخصت زوجها بابتسامة شاحبة ، وقالت بروحها المرحة الخفية " لاتخف ، الشيء الوحيد الممكن حدوثة هو أن يقوم آكل لحوم البشر هذا بقطع ذراعي وألتهامها " .

 أنهى الطبيب فحصة ، ثم أدهشهما عندما أخذ يتحدث  باسبانية فصيحة جداً ، ذات لكنة آسيوية ، قائلاً : " كلا ، ياأبنائي ، يفضل آكل لحوم البشر هذا الموت جوعاً على قطع هذة اليلد الجميلة " .

شعرا بالحرج ، لكن الطبيب هدأ من روعيهما بحركة من يدة دلت على دماثة أخلاقة . ثم طلب أن تُدفع النقالة ذات العجلات ، فحاول بيلي سانشيز اللحاق بهما وهو ممسك بيد زوجتة ، لكن الطبيب أمسك بذراعة  وأوقفة قائلاً :

" ليس أنت ، انها ذاهبة الى العناية المركزة " ابتسمت نينا داكونتي لزوجها ، وواصلت التلويح لة بيدها تلويحة الوداع حتى أختفت عن الأنظار في نهاية الردهة . ولبث الطبيب في مكانة ، دارساً المعلومات التي سجلتها الممرضة على  لوحة بيانات محمولة ، فناداة بيلي شانشيز قائلاً : " دكتور ، انها حامل . "

" منذ متى ؟ "

" منذ شهرين . "

ولم يعر الطبيب هذة المعلومة الكثير من الأهمية كما توقع بيلي سانشيز . وقال  " حسناً فعلت بإعلامي  بذلك " ثم أخذ يسير خلف السرير النقال ، تاركاً بيلي سانشيز واقفاً في الغرفة المحزنة التي تعط برائحة عرق المرضى ، وحيداً وحائراً ولايدري ماذا يفعل وهو يبعث بنظراتة على طول الرواق الخالي الذي  أختفت خلفة نينا داكونتي . ثم جلس على المصطبة الخشبية التي كان ينتظر  عليها أناس آخرون . ولم يعلم كم من الوقت جلس هناك ، لكنة عندما قرر الخروج من المستشفى وجد أن الليل قد حل والسماء لاتزال تمطر  ، فشعر بنفسة منسحقاً تحت ثقل العالم ، وحائراً لايدري ماذا يفعل .

أُدخلت نينا داكونتي المستشفى في الساعة التاسعة والنصف من يوم الثلاثاء ، المصادف  7 يناير ، كما علمت لاحقاً من سجلات المستشفى . ونام بيلي سانشيز ليلتة الأولى داخل السيارة ، التي أوقفها خارج مدخل مبنى الطواريء ، وألتهم ستة بيضات مسلوقة وأحتسى كوبين من القهوة بالحليب في أقرب كافيتيريا عثر عليها ، لأنة لم يتناول وجبة كاملة منذ أن غادر مدريد . بعد ذلك عاد الى مبنى الطواريء ليرى نينا داكونتي ، لكنهم أفهموة بعد لأي ان علية أستخدام المدخل الرئيسي . وهناك عند المدخل ، ساعدة أخيراً عامل الصيانة النمساوي على التفاهم مع موظف الأستقبال ، الذي أكدّ في الواقع حقيقة ادخال نينا داكونتي الى المستشفى بشكل رسمي ، لكن الزيارات كانت ممنوعة الا في أيام الثلاثاء ، من التاسعة حتى الرابعة .  وهذا يعني ان علية الأنتظار  لستة أيام أُخر . وحاول رؤية الطبيب الذي تحدث معهما بالاسبانية ، ووصفة  بأنة كان رجلاً أسوداً ، حليق الرأس ، لكن لم يتمكن أحد من مساعدتة لمجرد ذكرة هذين التفصيلين البسيطين .

وبعد أن أطمئن قلبة من أن اسم نينا داكونتي كان مدرجاً في سجل المستشفى ، عاد الى السيارة . وأجبرة شرطي مرور على ايقاف سيارتة  على بعد بنايتين ، في أحد الشوالرع الضيقة ، على الجانب المخصص للسيارات ذات الأرقام الزوجية . وشاهد عبر الشارع بناية رُممت حديثاً تحمل يافطة " فندق نيكول " . وكان فندقاً ذو نجمة واحدة ، و قاعة استقبالة  لاتعدو أكثر من حيز صغير جداً ،  تشغلة كنبة وحيدة وبيانو عتيق منتصب ، لكن المالك ، الذي كان يتمتع بصوت عال ذو نبرة موسيقية كان قادراً على التفاهم مع الزبائن بكل اللغات ، طالما كانت جيوبهم  مليئة بالنقود . وأستأجر بيلي سانشيز هو وحقائبة الأحدى عشر وعلب هداياة التسعة الغرفة الوحيدة المتوفرة ، وهي علّية مثلثة في الطابق التاسع ، وصل اليها بعد صعود مضن فوق سلم حلزوني يفوح برائحة القرنبيط المسلوق . كانت الجدران مغطاة بورق حزين ، ولم يكن ثمة  مجال لأي شيء في النافذة الوحيدة غير نور معتم كان ينبعث من  فناء داخلي . وكان هناك سرير لشخصين ، وخزانة ثياب كبيرة ، وكرسي ذو ظهر مستقيم ، وشطّافة متحركة ، ومغسلة مع طاسة وأبريق ، وكانت الغرفة من الضيق بحيث ان الطريقة الوحيدة للوجود فيها هي التمدد على السرير فقط . كانت قديمة بشكل يفوق الوصف ، وكان كل شيء فيها مهجوراً وبائساً ، لكن نظيف جداً ، تفوح منة رائحة المطهرات . وفكر بيلي سانشيز بأنة لو تسنى قضاء عمرة كلة محاولاً حل ألغاز ذلك العالم القائم على موهبة البخل ، لما تمكن من الوصول الى حل ، وهكذا فشل في تفسير سر إنطفاء نور السلم قبل وصولة الى طابقة ، ولم يكتشف أبداً كيف يضيء النور ثانية . وتطلب الأمر منة نصف نهار ليعرف بأن على منبسط كل طابق كان ثمة غرفة صغيرة تحتوي على دورة مياة ينظفها المرء من خلال سحب سلسلة ، وعندما كان قد قرر بالفعل إستخدامها في الظلام ، أكتشف  بالصدفة إشتعال النور  عند غلق الباب بالمزلاج من الداخل ، لكي لاينسي أحد إطفاء النور  ثانية . أما الدش  الكائن في نهاية الممر ، والذي أصّر على أستخدامة مرتين في اليوم ، تماشياً مع عادتة التي نشأ عليها في بلدة ، فقد كان علية أن يدفع المال نقداً لكي  يستخدمة . أما الماء الساخن ، الذي كان تحت سيطرة ادارة الفندق ، فقد نفذ خلال ثلاث دقائق . وفكر بيلي سانشيز بوضوح كاف مدركاً  بأن الطريقة التي يتم بها التعاطي مع الأمور الآن ، رغم أختلافها الشديد مع ماأعتاد علية ، تعتبر بكل الأحوال أفضل من وجودة في العراء في شهر يناير ، وشعر بحيرة ووحدة شديديتين ولم يفهم كيف تسنى لة العيش  دون مساعدة وحماية نينا داكونتي .

 عندما صعد الى غرفتة في صباح الأربعاء ، القى بنفسة على وجهة فوق السرير بمعطفة ، وراح  يفكر بتلك المخلوقة المعجزة التي كانت ماتزال تنزف على بعد بنايتين منة ، وفي الحال غرق في نوم طبيعي جداً وأستيقظ ليجد إن ساعتة كانت تشير الى الخامسة ، لكنة لم يكن يعرف إن كانت الخامسة مساءاً أم صباحاً ، ولم يكن يعرف في أي يوم كان ، وأي مدينة ، وذلك بسبب المطر الذي كان يضرب على النوافذ . فأنتظر صاحياً في الفراش ، دون أن يتوقف لحظة عن التفكير بنينا داكونتي ، حتى تأكد بأن النهار كان ينبلج في الواقع . ثم خرج لتناول الفطور في نفس المطعم الذي إرتادة يوم أمس ، وهناك عرف إن اليوم كان خميساً . كانت أنوارالمستشفى مضاءة ، والمطر قد توقف عن الهطول ، فإتكأ على جذع شجرة كستناء خارج المدخل الرئيسي ، الذي كان الأطباء والممرضون والممرضات بمعاطفهم البيضاء يدخلون ويخرجون منة ، آملاً في رؤية الطبيب الآسيوي الذي أدخل نينا داكونتي الى المستشفى . ولم يفلح في رؤيتة حيئذ ، أو حتى في فترة مابعد الظهر بعد الغداء ، حيث أضطر الى إنهاء ترقبة لة بسبب البرد القارص . في السابعة تناول فنجاناً آخر من القهوة بالحليب وبيضتين مسلوقتين جيداً أختارهما من  واجهة عرض الأطعمة بنفسة بعد يومين من تناول نفس الطعام في نفس المطعم . وعندما عاد الى الفندق لينام ، وجد ان سيارتة كانت تقف وحيدة على جانب من الشارع ، وقد ثبتت في زجاجتها الأمامية ورقة غرامة ، بينما جميع السيارات الآخرى كانت واقفة على الجانب الآخر . وواجه موظف فندق نيكول مهمة صعبة  في التوضيح لة بأن على المرء إيقاف سيارتة في الأيام المخصصة للسيارات ذات الأرقام الفردية على رصيف الشارع المخصص لذلك ، والعكس صحيح بالنسبة للسيارات ذات الأرقام الزوجية ، حيث يتعين إيقافها على الجانب المقابل من الشارع ، وهكذا . وأثبتت مثل هذة الستراتيجيات العقلانية عدم قدرة سليل آل سانشيز دي أفيلا العريق على إستيعابها ، والذي قام قبل سنتين بسياقة سيارة المحافظ الرسمية داخل أحد مسارح الحي وتسبب في احداث خراب كامل في الوقت الذي وقف فية أفراد الشرطة البواسل  مكتوفي الأيدي . وزادت حيرتة عندما  أخبرة عامل الفندق بضرورة نقل السيارة ثانية عند منتصف الليل . وعندما كان يتقلب في الفراش محاولاً النوم ، فكر للمرة الأولى ليس بنينا داكونتي فقط ، بل في ليالية المؤسية في  حانات البهجة الكائنة في السوق العمومي لكارتا گينا الكاريبية . وتذكر طعم السمك المقلي ورز جوز الهند في المطاعم الممتدة على طول رصيف الميناء الذي ترسو فية المراكب القادمة من أروبا .  تذكر بيتهم ، وجدرانة المغطاة بزهور " راحة القلب " ، وتخيل في الوقت الذي تكون فية الساعة قد بلغت السابعة ليلة أمس ، أباة بمنامتة الحريرية  يطالع صحيفة  في برودة الشرفة اللذيذة .

تذكر أمة - التي لم يكن أحد يعلم أين كانت تذهب ، بغض النظر عن أي ساعة من ساعات النهار -  تلك الأم المشتهاة ، المهذارة ، التي كانت ترتدي ثياب الأحد وتضع عند حلول الظلام خلف أذنها زهرة ، وترتدي أفخر الأنسجة التي تكاد تختنق بحرارتها . وتذكر عندما كان في السابعة  ، ودخل حجرتها ذات أصيل دون أن يطرق الباب  ووجدها عارية في السرير مع واحداً من عشاقها العديدين . وتسبب هذا الحادث المؤسف الذي لم يأتي على ذكرة معها أبداً في أقامة علاقة معقدة بين الأثنين أثبتت انها أكثر جدوى من الحب . لكنة لم يفكر  يوماً بذلك ، ولا بالعديد من الأشياء الرهيبة الأخرى التي طبعت بصمتها على طفولتة وأحساسة بالوحدة كطفل العائلة الوحيد ، حتى في تلك الليلة التي وجد فيها نفسة يتقلب في سرير احدى غرف السطوح الباريسية ، دون أنيس يبثة شكواة ، ودون قدرة على تمالك نفسة من الغضب لأنة  لم يعد يتحمل كبت رغبتة الشديدة بالبكاء .

لقد كان أرقة مفيداً ، فنهض من السرير في يوم الجمعة حاملاً جراح ليلتة الشريرة التي  قضاها دون نوم ، ومصمماً على منح حياتة معنى ما . وقرر في النهاية كسر قفل الحقيبة وتبديل ثيابة ، لأن جميع المفاتيح كانت في حقيبة نينا داكونتي ، مع معظم ماكانا يحملان من نقود ودفتر العناوين الذي كان من الممكن لة ، ربما ، أن يجد فية  رقم أحد المعارف في باريس . وفي مطعمة المعتاد أدرك أنة كان بإمكانة قول مرحباً بالفرنسية ، وأن يطلب شطائر  لحم  خنزير وقهوة بالحليب . وكان يعرف انة من غير الممكن لة طلب الزبدة أو أي نوع من أنواع البيض لأنة لن يكون قادراً على تلفظ الكلمات بالشكل الصحيح ، لكن الزبدة كانت تُقدم مع الخبز دائماً ، والبيض المسلوق جيداً كان معروضاً على النضد ، بحيث كان بإمكانة  إلتقاط مايريد دون حاجة للسؤال . علاوة على ذلك ، أصبح معروفاً لنُدل المطعم الذين كانوا يساعدونة في التعبير عن نفسة . وهكذا طلب في فترة الغداء يوم الجمعة ، قطعة من لحم العجل مع بطاطا مقلية وزجاجة نبيذ ، محاولاً تنظيم الفوضى الدائرة في رأسة . وشعر بإرتياح كبير فطلب زجاجة  نبيذ أخرى ، وأحتسى نصفها تقريباً ، وعبر الشارع الى المستشفى عازماً على الدخول بالقوة . لم يكن يعرف أين يجد نينا داكونتي ، لكن صورة الطبيب الآسيوي الذي بعثتة العناية الآلهية كانت مثبتة في دماغة ، وكان متأكداً من العثور علية . ولم يدخل من البوابة الرئيسية ، لكنة أستخدم مدخل الطواريء ، الذي بدا لة أقل حراسة ، لكن لم يتمكن من عبور الممر الذي لوحت لة فية نينا داكونتي تلويحة الوداع . وعندما كان يسير داخل الممر ، سألة حارس يرتدي مريلة طبية مبقعة بالدماء شيئاً ، لكنة لم يعرة إ نتباهاً . فتبعة الرجل ، وأعاد علية السؤال بالفرنسية عدة مرات ، وفي النهاية أمسك بة من ذراعة  بقوة هائلة جعلتة يتوقف عن الحركة . حاول بيلي سانشيز التملص منة بحركة من الحركات التي  كان يجيدها أيام الصعلكة ، فشتم الحارس أمة بالفرنسية ، ولوى ذراعة خلف ظهرة بمسكة مطرقية  من مسكات المصارعة ، وهو يكيل الشتائم لأمة العاهرة ، وحملة الى الباب ، وهو يتميز من الغيظ ، وألقى بة الى الخارج وسط الشارع  مثل كيس من البطاطا .

ذلك المساء ، وهو يعاني من آلام العقاب الذي تلقاة ، شرع بيلي سانشيز بالنضوج . وقرر ، كما كانت نينا داكونتي ستقرر ، الإتصال بالسفير . وأثبت موظف الفندق ، رغم مظهرة  الإنطوائي ، أنة  متعاون جداً وذو صبر شديد مع اللغات ، فعثر لة على رقم وعنوان السفارة في دفتر التلفونات وكتب هذة المعلومات على بطاقة . وردت على التلفون  إمرأة لطيفة جداً ، وأدرك بيلي سانشيز على الفور في صوتها البطيء الكابي طريقة الكلام المستخدمة في مناطق الأنديز. وبدأ يعرفها بنفسة ، مستخدماً اسمة الكامل ، موقناً بأن إسمي العائلتين سيتركان أثراً لدى المرأة ، لكن الصوت الموجود في التلفون لم يتغير . وسمعها تردد الدرس الذي حفظتة عن ظهر قلب : سعادة السفير غير موجود في مكتبة الآن ، ومن غير المتوقع أن يعود حتى يوم غد ، لكن يمكن رؤيتة على أي حال بعد الحصول على موعد فقط  ، ولايتم ذلك الا في الظروف الإستثنائية . وعرف بيلي سانشيز أنة لن يكون قادراً على الوصول الى نينا داكونتي بهذة الطريقة أيضاً ، فشكر المرأة على المعلومات التي منحتها اياة بنفس اللطف الذي عاملتة بة ، ثم أستقل سيارة أجرة وذهب الى السفارة .

كانت السفارة في شارع الشانزليزية 22 ، في أحد أكثر أحياء باريس هدوءاً ، لكن الشيء الوحيد الذي  أثر في نفس بيلي سانشيز ، كما أخبرني بنفسة في كارتا گينا دي اندياس  بعد سنين ، هو نور الشمس الذي رآة يشع لأول مرة منذ وصولة كنور شمس كاريبية باهرة ،  وبرج ايفيل المشرف على المدينة  الذي كانت تشع من خلفة سماء حمراء . وبدا الموظف الذي استقبلة نيابة عن السفير وكأنة قد نجا تواً من مرض قاتل ، ليس فقط بسبب بذلتة السوداء ، وياقتة الكئيبة  وربطة عنقة السوداء ، لكن أيضاً بسبب حركاتة الرسمية الصارمة  وصوتة الهاديء . وتفهم قلق بيلي سانشيز لكنة ذكّرة ، دون ان يفقد شيئاً من رصانتة وتعقلة ، بانهم يعيشون في بلد متحضر بُنيت قوانينة الصارمة على أكثر المعايير عراقة وعلماً ، عكس  ماهو موجود لدى شعوب الأمريكيتين البرابرة ، الذين  كل مايفعل المرء منهم هو تقديم رشوة للبواب لدخول المستشفى . وقال " كلا يابني العزيز ، ففي كل الأحوال لم يبق لك سوى أربعة أيام من الإنتظار " .  ثم أردف خاتماً كلامة " وفي غضون ذلك يمكنك زيارة متحف اللوفر. إنة يستحق المشاهدة " . فلم يكن من بيلي سانشيز ، والحال هذة ، غير اللجوء الى ملاذة الوحيد وهو الاحتكام الى صوت العقل والانتظار حتى يوم الثلاثاء .

وعندما خرج وجد نفسة في ساحة بلاس دولا كونكورد دون أن يدري ماذا يفعل . وشاهد برج إيفيل فوق سطوح البنايات ، وبدى لة شديد القرب حتى إنة حاول السير الية مشياً على الأقدام بمحاذاة أرصفة رسو القوارب . لكنة أدرك في الحال إن المسافة كانت أبعد مما كان يتصور ، وواصل السير في دروب مختلفة بحثاً عنة . ثم اقتعد أحد المصاطب الموجودة على طول ضفة السين وشرع يفكر بنينا داكونتي . وشاهد قوارب السحب تمر من تحت الجسور ، وبدت لة أشبة ببيوت جوّالة منها بقوارب ، بسقوفها الحمراء وأصص زهورها الموضوعة على حافات نوافذها وحبال غسيلها الممتدة عبر سطوحها . وراقب لفترة طويلة صياد سمك ساكن الحركة ، كان ممسكاً بصنارة ساكنة ذات خيط ساكن في التيار ، لكنة تعب من إنتظارة لحدوث حركة ما ، فقرر العودة بتاكسي الى الفندق . وهنا أكتشف إنة كان يجهل إسم الفندق أو عنوانة ولم تكن لدية أدنى فكرة عن أي مكان في باريس يقع المستشفى .

 دخل أحد المقاهي القريبة ، بعد أن شعر بأن الهلع قد أذهلة ، وطلب كأساً من الكونياك ، وحاول أن يستجمع أفكارة المشتتة . وبينا هو يفكر شاهد نفسة متكرراً عدة مرات ومن عدة زوايا في المرايا العديدة المعلقة على الجدران ، وشاهد بأنة كان خائفاً ووحيداً ، وللمرة الاولى منذ ولادتة فكر بواقعية الموت . لكنة شعر بتحسن بعد إحتسائة لكأس الكونياك الثانية ، وخطرت لة بفضل العناية الآلهية فكرة العودة الى السفارة ثانية . وبحث في جيبة عن بطاقة العنوان ، وأكتشف بأن إسم ورقم شارع الفندق كانا مطبوعين على ظهر البطاقة . لقد هزّتة تجربة الضياع هزّاً حتى إنة لم يغادر غرفتة طوال عطلة نهاية الأسبوع إلا لتناول الطعام أو لتغيير مكان السيارة من رصيف الى آخر . وكانت نفس الامطار القذرة التي شرعت بالهطول عند وصولهما في الصباح قبل ثلاثة أيام مستمرة بالهطول دون إنقطاع . وتمنى بيلي سانشيز ، الذي لم يكمل كتاباً في حياتة ، أن يكون لدية كتاب يدفع عنة الإحساس بالملل الجاثم فوقة وهومستلق على السرير ، لكن الكتب الوحيدة التي عثر عليها في حقيبة زوجتة كانت مكتوبة بلغات أخرى غير الإسبانية . وهكذا واصل إنتظارة ليوم الثلاثاء ، وهو يتأمل الطواويس المتكررة على ورق الجدران ومفكراً بنينا داكونتي دون توقف .  في يوم الإثنين قام بترتيب الغرفة ، متسائلاً ماذا ستقول لووجدتها على تلك الحال ، وفي هذة الأثناء فقط إكتشف بأن معطف الفراء كان ملوثاً ببقع الدم اليابس . وأمضى فترة مابعد الظهر في تنظيف المعطف بصابون معطّر عثر علية  داخل حقيبة السفر الصغيرة ، حتى تمكن من إعادتة الى حالتة الطبيعية التي كان عليها عندما حُمل الى الطائرة في مدريد .

بزغ فجر الثلاثاء غائماً وجليدياً ، لكن دون مطر . ونهض بيلي سانشيز في السادسة صباحاً ووقف ينتظر خارج مدخل المستشفى مع حشد من الزوار الذين كانوا يحملون الهدايا وباقات الزهور لمرضاهم . ودخل مع الحشد ، حاملاً معطف فراء المنك على ذراعة ، ومتجنباً طرح الأسئلة ، رغم جهلة التام بمكان نينا داكونتي ، إلا إنة كان يشعر بيقين من رؤية الطبيب الآسيوي . سار داخل باحة داخلية كبيرة ، تزينها الأزهار والطيور ، وتقع على جانبيها ردهتان : ردهة للنساء الى اليمين ، وأخرى للرجال الى اليسار . تبع خطى الزوار ليدخل ردهة النساء . وشاهد صف طويل من النزيلات يجلسن على الأسرّة بثياب المستشفى ، ينسكب عليهن ألق النور الكبير المنبعث من النوافذ ، حتى إنة فكر إن المستشفى من الداخل يبدو أكثر بهجة بكثير مما يتخيلة المرء عنة من الخارج . وصل الى نهاية الممر ثم عاد أدراجة ، حتى تأكد من أن نينا داكونتي لم تكن من بين المريضات . ثم دار حول  القاعة الخارجية ثانية ، وهو يحدق بنوافذ ردهة الرجال ، حتى ظن إنة عثر على الطبيب الآسيوي الذي كان يبحث عنة .

وفي الواقع كان ذلك صحيحاً لأن الطبيب كان يقوم بصحبة أطباء آخرين وعدد من الممرضات بفحص أحد المرضى . دخل بيلي سانشيز الى الردهة ، ونحى أحدى الممرضات جانباً ووقف قبالة الطبيب الآسيوي، الذي كان منحنياً يفحص المريض ، وأخذ يكلمة . رفع الطبيب عينية الحزينتين ، وفكر للحظة ، ثم تذكرة وقال :

" أين كنت بحق الجحيم ؟

شعر بيلي سانشيز بالحيرة ، وقال " كنت في الفندق المجاور للمستشفى "

ثم أكتشف الحقيقة . لقد نزفت نينا داكونتي حتى الموت ووافاها الأجل  في الساعة السابعة وعشر دقائق من مساء يوم الخميس المصادف 9 يناير  ، بعد أن ذهبت جهود أفضل الأخصائيين في فرنسا لايقاف النزيف أدراج الرياح . وظلت حتى النهاية محتفظة بصفاء ذهنها وحضورها وهي تخبرهم بكيفية العثور على زوجها في فندق بلازا - أثينيية وهو الفندق الذي كانا قد عزما على النزول فية هي وبيلي سانشيز ، وقدمت لهم المعلومات الضرورية للاتصال بوالديها . وقامت وزارة الخارجية باعلام السفارة في يوم الجمعة ، وهو اليوم الذي شرع فية والدا نينا داكونتي بالسفر فعلا الى باريس بالطيارة . وقام السفير شخصياً بتنفيذ الإجراءات الرسمية المتعلقة بإجراءات حفظ الجثة و مراسيم إقامة الجنازة ، وظل على إتصال بمديرية شرطة باريس التي كانت تبذل الجهود في سبيل العثورعلى بيلي سانشيز وتحديد مكان إقامتة . وأذيعت نشرة مستعجلة تحتوي على أوصافة إبتداءاً من ليلة الجمعة حتى مساء الأحد من الراديو والتلفزيون ، ليصبح بيلي سانشيز خلال تلك الساعات الأربعين أكثر المطلوبين في فرنسا . وعُرضت صورتة ، التي وجدوها في حقيبة نينا داكونتي ، في كل مكان . وتم العثور على ثلاث سيارات من نوع بينتلي مكشوفة السقف من نفس الطراز ، لكن لم تكن أي منها سيارتة . ووصل والدي نينا داكونتي في ظهيرة يوم السبت وجلسا مع الجثة في مذبح المستشفى ، يحدوهما الأمل حتى اللحظة الأخيرة بالعثور على بيلي سانشيز .

وتم إعلام والدي بيلي سانشيز أيضاً وشرعا بالإستعداد للطيران الى باريس ، لكنهما لم يفعلا ذلك في نهاية الأمر بسبب تضارب البرقيات . وأقيم المأتم يوم الأحد في الساعة الثانية بعد الظهر، على بعد مئتي متر فقط من غرفة الفندق القذرة التي كان بيلي سانشيز يتمدد فيها ، تؤرقة تباريح الوحدة والغرام بنينا داكونتي . لقد أخبرني الموظف الذي أستقبلة في السفارة بعد سنتين ، بأنة أستلم برقية الخارجية بعد ساعة من مغادرة بيلي سانشيز لمكتبة ، وذهب للبحث عنة في البارات السرية المعتمة الممتدة على طول شارع غي دو فوبوغ - سانت - أونورية . وأعترف لي بأنة لم يعر بيلي سانشيز الكثير من الإهتمام عندما قابلة ، لأنة لم يكن يتخيل أبداً بأن ذلك الصبي القادم من الساحل ، والمبهور بحداثة باريس ، والذي يرتدي سترة شيرلنغ غير لائقة ، لة كل ذلك الأصل العريق  .

وفي نفس الليلة عندما تغلب على رغبتة في البكاء حنقاً ، أنهى والدي نينا داكونتي البحث عنة ووضعا الجثة المحنطة في كفن فضي ، وذكر من رأى الجثة مرات ومرات لعدة سنين بأنهم لم يشاهدوا في حياتهم  إمرأة أخرى أجمل منها ، حية كانت أم ميتة . ولذلك عندما دخل بيلي سانشيز المستشفى صباح  يوم الثلاثاء ، كان الدفن قد تم فعلاً في مقبرة لاماگنا الحزينة ، التي كانت لاتبعد غير بضعة أمتار عن المنزل الذي فكا فية رموز أولى مفاتيح سعادهتما . وأراد الطبيب الآسيوي الذي أخبر بيلي سانشيز بالمأساة أن يعطية بعض المهدئات في غرفة الإنتظار ، لكنة رفض . لقد غادر بيلي سانشيز المستشفى دون كلمة وداع ، ودون كلمة شكر ، وهو يفكر بأن الشيء الوحيد الذي كان يحتاجة دون إبطاء هو العثور على أحد ما وضربة بالسلاسل حتى يتطاير مخة خارج رأسة إنتقاماً لفجيعتة . وعندما خرج من المستشفى ، لم يكن يدرك إن ثلجاً دون أثر للدم فية كان يهطل من السماء ، على شكل ندف ناعمة ، ولامعة مثل ريش الحمام المتساقط ، وبأن شوارع باريس كانت تعيش جواً إحتفالياً لأنها كانت تستقبل أول هطول كثيف للثلوج منذ عشرة أعوام .

(الهلالية : كعكة محلاة هلالية الشكل *

  

  

ترجمة

علي سالم 

  

علي سالم


التعليقات

الاسم: علي سالم
التاريخ: 22/05/2011 18:02:16
الأخت العزيزة خلود انا سعيد جداً بحضورك ، شكراً على متابعتك ، دمت بكل خير

الاسم: خلود اوراهم
التاريخ: 17/05/2011 19:05:31
غابريل غارسيا ماركيز ادبه من اصعب ماقراءت كلما استعير احدى كتبه لفراءتها اعيدها ويفولون لي اقرئي كتبه كيف اقرء كتبه اذا كان اسلوبه لايٌفهم
بكل صدق اقول باءنها المرة الاولى انهي احدى قصصه ولو انها قصة قصيرة
مشكورة جهودك وترجمتك يااستاذ علي
تحياتي
خلود

الاسم: علي سالم
التاريخ: 06/05/2009 22:13:04
ليست الكلمات ولاغرابة التجربة من يصنع الابداع والتغيير ، انة الصدق فقط ، الصدق وحدة ، علنا نتعلم من هولاء الكبار شيئاً من الصدق
محبتي لك رضا الحربي
وعسى أن أكون قد علمت نفسي شيء من الصدق وانا في بداية الطريق الطويل

الاسم: رضا الحــــــــــــــــــــــــربي
التاريخ: 06/05/2009 11:12:48
بسم الله الرحمن الرحيم
تحيه طيبه .
كم هائل من القصص القصيره التي دونها غارسيا ماركيز
ولم يترجم منها الئ العربيه الا النزر اليسير.ربما القئ
جميع المترجمين اسلحتهم اوعزفوا عن قراءه ادبه فما جنينا سامحهم ا لله . وانبرئ لها ماركيز العرب هذا مااتنبأ
له به.انه علي سالم.سلمت يداك .


رضاالحــــــــــــربي
كتاتب قصصــــــــــي
6\5\2009 1310




5000