.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الأهوار .. الحياة المبتلاة بوهم الفردوس ..

نعيم عبد مهلهل

( في اليوم الذي وزعت فيه الأنصبة كانت الحصة المخصصة لي العذاب والألم )... 

شاعر سومري مجهول 

 من كتاب ألواح سومر لصومائيل كريمر

  

 ( ليس هناك أعذب وأجمل ما يمنحه الماء لنا من خيال ، فهو يطفو بنا أينما نريد ، حتى الى أمكنة الفردوس وحدائقه ، وبالرغم من هذا ليس للماء السنة تقول وداعاً لكل من على الضفاف ) 

 الروائي البرازيلي أستورياس

  

يوم أنزل الله آدم (ع ) على الأرض ، كانت رغبة النبي الأول أن يكونَ مهبطهُ قرب ساقية ماء ، فلبي طلبه وأنزلَ قرب ملتقى نهرين يهبطان من شمال الأرض الى جنوبها ، دجلة والفرات

اللذان يشكلان ذاكرة التحضر لكل ذرة تراب فوق هذه الأرض ، وقد أستوطن على ضفافهما مختلف الأقوام والحضارات والممالك والعشائر وانتهاءً بمترنحي الليل وعشاق الهوى ، الجميع أخذوا من النهرين كلمة الوجود وصنعوا منها حياتهم وعاشوا على حب الله والماء اخوة من مذاهب واثنيات واعراق مختلفة حتى إن دجلة والفرات لملما اطراف الثوب العراقي بأصرار وعناد بالرغم من الريح الغريبة التي كانت تمزق اطراف هذا الثوب في غزاواتها التاريخية العديدة ، وعلى ضفاف الفرات وقف الأسكندر المقدوني واطلق آهة أوصلته الى المنية : ( هل لي آملا بالأنحدار جنوب بابل لأجد الالهة التي صنعت من جنائن الماء خلودها وحروف الكتابة ) ، وربما كان المقدوني يبحث عن مغامرة مشابهة الى مغامرة ملك اوروك جلجامش ، التي قد يكون قد قرأها في ترجمتها البابلية على واحد من رفوف مكتبات معابد الآله المردوخ ، وجلجامش كان إبن القصب والماء ، يعني إنه أبن الأهوار ، وحتماً كان يجيد صناعة القارب المطلي بالقير وكان يجيد دفع ( المردي ) ليصل ربما أبعد مما وصل اليه الأسكندر حتى لو في حدود الخيال فقط ، وهذا ربما هو ماشد الملك المقدوني ليحذو حذو جلجامش ، لأن البطل السومري كان يتحدث عن خلود وفردوس وأبد لاينتهي بظلمة قبر وجسد ينخره الدود وهو ما كان وما زال يرهب ويهز جميع مضاجع الأباطرة والملوك ورؤساء الجمهوريات والأثرياء من اعضاء البرلمانات ومجالس الشيوخ...
كانت سهول وادي الرافدين مكاناً مثالياً لصناعة البؤر الحضارية المختلفة ، وكانت منطقة جذب مغرية لكل أولئك الباحيثن عن الدفء والغذاء والأستقرار لهذا تعاقبت عليها الدويلات والسلالات ذات العروق والأنتماءات المختلفة ، كل هذه المفاصل دفعت هذا الوعي لكشف الجديد ، فكانت المناغاة ، وكان الطين ، وكان اللوح ، وكان الحرف ، وكانت الكلمة التي صنع العراقيون منها تأريخهم الذي تلونت فيه أشكال وجود لم تستقر فيه حال أبداً ، بل كانت خطوطه البيانية تصعد وتنزل وفقَ إرادات خضع لها العراقي بفعل فطرته وطيبته ، أرادات تربع عليها الملوك والامراء والاقطاعيون ، فكانت الحضارة العراقية التي شهت نموها الكوني مخالطة طوب الطين بنصل السيف ، ولهذا نرى في صورة الإبداع النحتي للملاحم مشاهد غزو وموت واسود تنهش عبيداً.
ولدت الكلمة مع ولادة الحرف والتطور الذي صاحب نشأته من الشكل الصوري إلى الشكل التعبيري الذي ظل معنا حتى الساعة
كان الحرف المسماري يمثل ذائقة مكتشفة لحاجة كبيرة هيأت للمجتمع العراقي البدائي مراحل حضارية مختلفة صاحبها الكثير من المتغيرات الكبيرة والهائلة والتي كان الطوفان أكثرها تأثيراً في هذا المتغير والذي صنع مع نفاد تأثيره مكانا بيئياً صالحا لهكذا نمط  من الحياة الحضارية التي يطلق عليها حضارة القصب والطين
شكل القصب ذاكرة المعمار الأول لصناعة الظل الذي نقل الإنسان من العراء إلى السقف وليغادر والى الأبد حياة العراء ، وكان الأداة الأولى التي دافع فيها عن نفسه ضد الحيوانات الكاسرة والمتطفلين قبل أن يتعلم التعدين ويحول الحديد إلى سيف وسكين ومعهما تبدأ الحروب ويبدأ الضجيج والفوضى حتى وهو يؤسس من بقايا المياه التي خلفها الطوفان المدن والقرى والممالك البدائية في عصور جاءت بعد الانكماش الجليدي والبدائية الحجرية ليأتي القصب ومنه يصنع أول أداة للكتابة وهو القلم الذي سير حافته المدببة على لوح الطين الرطب ليكتب أول الحروف التي حلمت معنى هاجسه الأول وعبرت عن رغبةٍ مكبوتة ربما أولها كانت مشاعر حب ومودة اتجاه أنثى ما.
خلفت حضارة القصب الرافدينية مجدا هائلا من المنجز الذي أورث المتعاقب من الزمن تراثاً رؤياً ومادياً وفكرياً مهد لولادة حضارات عظيمة أخرى كالبابلية والأكدية والأشورية ، وكان تأثريها ممتدا إلى جهات كثيرة من العالم بفضل تأسيس قاعدة للتجارة مع الأبعد كما كان يمارسه السومريون بناة حضارة القصب الأوائل مع الشعوب الهندية والأقوام الفارسية وتلك التي سكنت الخليج العربي وكان لهم أيضا صلات تجارية مع آسيا الوسطى وربما ابعد من ذلك.
وعلى مدى عقود طويلة عاشت حضارة القصب والطين وازدهرت فيها حواضر وممالك كانت في ذلك الزمن تمثل نقطة المدن على الأرض ومحطة لبعث الرسل والأنبياء ، من آدم ومرورا بنوح وإبراهيم ولوط وأيوب ويونس ( عليهم السلام )  وغيرهم من الذين حملوا شمعة التبشير ليقاموا ما أسس عليه الإنسان من رؤى في طرائق التعبد والإيمان كما فعل إبراهيم ( ع ) ، عندما حطم آلهة أور بفأسه وليثبت لقومه إنها مجرد أحجار ودمى لاتنطق ولا تفعل شيء...
لا تؤرشف الألواح تواريخ الأنبياء بصورة واضحة ودقيقة مثلما فعلت الكتب السماوية ، ولكن اللوح أرخ لتفاصيل الحياة بكل مفاصلها حتى الروحي والديني منها ، ولكنه في هذا الجانب كان يؤرخ عبادات غير تلك التي أنزلت بواسطة الرسل والأنبياء ، وهذا لا يعني أن هذه الأمم والشعوب لم تنتبه إلى هدي هذه الكتب ، بل لأن تلك الألواح أرخت تواريخ كان فيها الإنسان يؤمن بالشرك والحجر وآلهة مسماة من قبله يعتقد إنها المخلصة ، وكان لكل شعب ألهته ، بل ولكل مدينة ألهتها .. وبالرغم من هذا خلق هذا التنوع في اختيار وصناعة الآلهة أفاقاً واسعة للاكتشاف والأبداع والتطور في كل الميادين ، وما تم كشفه في أقبية مقبرة أور المقدسة من قبل العلامة ليوناردو وولي في عام 1920 يكشف لنا عن مدى التطور والرقي الذي وصلت له الحضارة السومرية في زمن سلالة أور الثالثة بدءاً من الموسيقى وانتهاء بدقة وروعة المصوغات الذهبية وما خلفته هذه السلالة من ألواح تشريع لملوكها وأهمها شريعة مؤسس هذه السلالة الملك السومري أور ـــ نمو . فيما كان ابنه شولكي من امهر العازفين والمؤلفين الموسيقيين وكان كاهناً وشاعراً أيضاً..
صنع القصب وعياً مفتوحاً للذاكرة العراقية ، وشكل مع الطين ثنائياً أزلياً في محاولة العراقي لتطوير حياته وبيئته في الجانب الفكري والمعماري ، وكانت بيوت القصب التي مازالت شاخصة حتى هذا اليوم في قرى ومدن الأهوار ، هي ذاتها من اتخذها العراقيون الأوائل أمكنة للسكن وللتعبد ولبناء سلالاتهم المجيدة.
كان الطين يرتبط بالخلق العراقي الرافديني من خلال خلق الله للبشر ، لهذا فهو يرتبط  بالوجود الحضاري والأزلي للإنسان أكثر من أي عنصر آخر ويشاركه الماء في هذا الامتياز ، لنتجاوز مسمى حضارة القصب والطين فنقول الحضارة العراقية هي حضارة الطين والماء والقصب.
تكلم الطين فأنتج لنا آدم عليه السلام. .. وتكلم آدم فأنتج لنا البشرية ، وتكلمت البشرية فأنتجت لنا التأريخ ، وتكلم التأريخ فأنتج لنا العبر والتجارب..
هذه البديهية هي نتاج هذا الاختيار الذي وقع على هذه البقعة من الكون لتكون موطن البدء الحلم والهاجس وهندسة الحرف ، ومن الحرف كانت المعرفة ، ومن المعرفة كانت الحياة الجديدة التي كان الطين واحد من أساسيات نشأتها وتطورها ، الذي حمل كل اشتغال البشر وإحساسهم بالوجود وفعالياتهم التي يكاد يكون فيها البناء وطقوس العبادة والحرب والزراعة هي أهم ما كان الإنسان العراقي الأول يعيه ويمارسه.
العناصر الثلاثة امتزجت في وحدة صلبة وصنعت هذه الخارطة . وعلى أديم شاطئيها كتبت تفاصيل الدهشة الكونية الأولى . من قصيدة الشعر إلى سند شراء العبد وحتى الملحمة.
تدوين يؤرخ الفعل والحديث ، فكانت يوميات القرية والمدينة والمعبد ترينا سير ينبض بالفعل الجاد والعمل الدوؤب الذي رافق الإنسان الرافديني منذ صوت مطرقة الحداد ومروراً بمحراث الزراعة وانتهاء بسيف المعركة ، .
وقائع تتلوها أخرى أراد فيها الإنسان أن يثبت رقي انتماءه وتحوله من برية اللامعنى إلى مدنية الكلام والعاطفة والحب . وهذا ما بدا تأثيره واضحاً في جميع المدونات التي كتبها بقلم القصب على الطين الرطب والتي تحكي تفاصيل مدهشة عن أحاسيس الفرح والحزن والخلود وطاعة الملك وافتراس العدو في ساحة المعركة وشرائع النكاح والخيانة الزوجية والبيع بالمقايضة وأسلوب الرسائل المتبادلة بين العاشق وعشيقته وبين الإنسان وإلهته وبين الملك وولاته.
دون العراقيون خليقتهم الأولى بأنتظام واستعانوا بالحرف الذي اكتشفوه ليسجلوا هذه الوقائع وفق المرئي والمتخيل .
المرئي هو ماسجلته يومياتهم والمراسيم وتواريخ الملوك والأحداث وحروب المدن والسلالات وطقوس الأعياد والمناسبات ، والمتخيل هو أساطيرهم والملاحم والتعاويذ ونصوص التودد إلى الآلهة وطلب رضاها والمغفرة. وبين هذين الهاجسين تعاقبت أجيال وعاشت السلالات والممالك والأمبراطوريات تبني مجدها وحضاراتها وفق ما اكتسبت شعوبها من أرث وتقاليد وثقافة ليختلط في تلك الأمم أهم فعلين حضاريين ظلا يلتصقان في حياة الشعوب والأمم حتى يومنا هذا ،هما هاجس التدوين وهاجس الحرب. ويبدو أن أقتران التدوين في الحرب ظل لصيقاً تاريخياً وملازماً زمني أنتجا هذا الكم الهائل من التراث والشواهد مثل المسلات والرقم وأسفار حياة الشعوب التي كانت لا تكتب جيداً إلا عندما تنتهي معاركها المصيرية. كما فعل ملوك سومر واشور وبابل وغيرهم من الشعوب العراقية التي سكنت هذه البلاد منذ خليقة الطين وحتى اكتشاف المعدن والحديد وغيره من المعادن التي ساهمت في دفع المنتج الحضاري وتطوره ومنها صناعة ادوات الفلاحة والمصوغات الذهبية والفضية ومكاييل البيع والشراع وأسلحة الحروب والأواني النذرية والطبخ وغيرها من مستلزمات الحياة ، وكل هذه الفعاليات كانت أرض مابين النهرين هي مكانها المزدهر والأزلي.
 
وكانت المنطقة التي غمرت بالفيضان الموسمي للنهرين والتي تسمى الأهوار هي الحضارة الأولى للتجمعات المدنية في العراق بعدما كانت الحياة المدنية في الشمال تقترب من حياة الكهوف والمجمعات الطينية الصغيرة ، ويبدو أن الوعي العراقي في أزله بدأ جنوبياً عندما أكتشفت اوروك صورة الحرف ومفهومه ، وكان للقصب النابت بكثافة في المياه الضحلة دوراً كبيراً في تطوير شكل الحرف ورسمه ، وعندما ولد الحرف هناك ولدت معه الأفكار والمدونات وما كان يشغل بال الأنسان من أن النهاية لن تكون مجرد هيكلاً عظمياً في العدم بل أن الخلود الآخر موجود في مكان ما ، بعض المدونات افترضته سماوياً ، والآخر أفترضه أرضياً كما في جنة دلمون .
أعتقد أن المكان وجماله وأتساع مدى المسطحات التي فيه أضافت الى الثروة الطبيعية ،الحيوانية منها والنباتية والدفء الدائم أعطى للمكان خصوصية ان يتعلق فيه الإنسان الأول ويضيف اليه الكثير من الهالات المؤسطرة والحقيقية ولتجعله مكاناً مقدساً ينظر اليه بكثير من الرهبة والتأمل والتطلع ، ولهذا كانت أدبيات وأساطير الأنسان الأول تبني موضوعاتها على هذه المكونات ، كما في حلم الملك كوديا الذي يعد أول الأحلام التي كان فيها مؤشر الأمر يراد فيه خدمة الآخرين كما في أشارة التبيلغ السماوي للأنبياء والرسل عندما حلم بأمر الآلهة بأن يذهب الى عمق الأهوار ليجلب القصب ويبني معبداً لها.
وفي أسطورة التحدي الأولى التي أراد فيها الأنسان أن يصبح نداً لآلهة الفردوس وهي أسطورة آدابا ، الذي كان صيادا للسمك ، وهي واحدة من اهم وأشهر مهن سكان الأهوار ، وهذا يعني ان آدابا كان رجلا اهوارياً ،ورؤى تخيل الفردوس ورغبته فيه سكنته قبل غيره من سكان البيئات الأخرى في وادي الرافدين ، حيث لم تذكر لنا الأدبيات القادمة من آشور وبابل عن هاجس البحث عن الخلود سوى ما نقلوه هم وورثوه من الأداب السومرية التي عاشت سلالاتها في عمق الأهوار وعلى ضفافه ، والكثير من الجداريات ترينا طبيعة ما كان موجوداً ويعاش في هذه البيئة من صور ونحوت لأسراب الطيور والسمك والعربات التي تجرها الجواميس وبيوت القصب ، حتى اكتشف علمياً أن شكل المضيف العربي الذي يبنى في الأهوار من مادة القصب والمتميز في بوابته وشكله المحدودب ما هو إلا شكلاً متوارثا ًمن بيوت اهل الأهوار من السومريين الذين كانوا يعيشون هناك ويتخيلون فراديسهم وحياتهم مثلما تعكسها عليهم رؤى الطبيعة وبيئتها وليظل هذا الفردوس واحدا من صفات التشبث في المكان والألتصاق فيه بالرغم من الظروف القاهرة التي عاشها ابناء هذه المناطق بدءاً من الغزوات الأجنبية التي قادها الفرس والعثمانيين والأنكليز وانتهاء بمؤثرات الحروب الحديثة ومشاريع التجفيف ودفع سكان هذه المناطق للهجرة والأبتعاد عن موطن سكناهم ، فكانت هذه العملية كمن يخرج السمكة من شاطئها ويريد لها أن تعيش بعيداً عنه .  غير أن المكان وكما عهدته التواريخ ظل مرتبطاً بذاته البشرية والجغرافية ، وعاش رغم ظمأ الأنهر والسواقي في ممكن الحياة البسيطة وتحولت تلك المسطحات الى مشاريع لزراعة موسمية للحنطة والشعير لم يكتب لها النجاح في الكثير من مفاصلها ، وأختفت بشكل تدريجي تلك ( الأيشنات ) التي كانت تشكل مجتمعات سكانية صغيرة داخل المياه ، فيما أختفت بعض أزليات الطبيعة التي كانت تشهد مواسم تجمعات الطير القادم من امكنة بعيدة حيث مثلت الأهوار مشاتي آمنة للكثير من طيور المناطق الأوربية الباردة مثل الآوز والسنونو وبعضها يأتي بهجرات منتظمة من الصين ومناطق جنوب شرق آسيا مثل البط والحذاف والكراكي ودجاج الماء وغيره من الطيور.
هذا المفترض كما في الأخيلة العراقية القديمة أشتغلت عليه ومنذ سنوات الكثير من الأفكار والخطط والمشاريع والمزايدات ، وظهرت على هامش المكان الكثير من منظمات المجتمع المدني والمؤسسات والتجمعات البيئية والشعبية ، تدافع عن المكان وخاصيته وضرورة تطويره وعقدت عشرات المؤتمرات والندوات ، وصارت لافتة أحياء بيئة الأهوار لافتة عريضة لمن يحب المكان ويحرص بنفس غيور ووطني على تقديم المقترحات والعون والكشوفات ، وآخرون يريدونه واجهة للكسب والأثراء والأيفاد ، وبدأ الصراع الخفي بين المؤسسات الحكومية المسؤولة عن تطوير المكان وبين جهات أخرى لها الكثير من المصالح والأجندات تجاه المكان ومنها أجندات حزبية واخرى عشائرية وربما هناك من يحاول التأثير في المكان حتى من خارج الحدود ، وكان دائما يقال أن الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو ومنظمات عالمية اخرى كانت تسعى قبل تغير النظام الى اعادة المكان الى سابق عصره ، ولكنها اليوم لاتفعل شيئاً سوى بعض الخطوات الصغيرة على شكل مؤتمر سنوي او نداء او خطط مستقبلية ، وربما وزارة الموارد المائية وحدها من يتحمل العبئ الأكبر في محاولتها لأعمار المكان وتطويره، لكنها ايضا تعمل في حدود امكانية موازنة خطة اعمار الأهوار وهذه الموازنة معرضة للكثير من ضغوط الفساد الاداري وضعف كفاءة المقاول والمنفذ والضغوط الأخرى التي تتعرض لها من جهات حزبية وعشائرية وغيرها. وكنت في أكثر من مناسبة قد تحدثت وحاورت السيد وزير الموارد المائية في هذا الجانب وشاهدت عن قرب مشاريعه وخططه ومنجزه ، ولكني أيضاً لمست الى جانب الحرص الكبير من الرجل أن روح التنفيذ عند من تحال اليهم تلك المشاريع والرؤى لتنفذ يقعون في خانة بعض بيروقراطية ومزاج ونفسية المستشاريين عندما شاهدت في واحدة من هذه المفاصل طبيعة تعامل احدهم ، وهو يتصرف على هذا النحو مستنداً الى عصبيته القومية والحزبية وغير ذلك من امور كنت اعتقد ومازلت انها سبباً في التأخير للكثير من المشاريع والطموحات التي يسعى اليها الوزير ، ثم هناك عامل آخر ساهم في تعطيل الكثير من المشاريع التنموية لعالم الأهوار هو انخفاض وقلة مناسيب المياه القادمة من أعلى النهرين حيث ينبع النهران من تركيا ويمر احدهما بالاراضي السورية وكلتا الدولتين اقامت السدود والخزانات لتطوير بنيتها الزراعية او استخدامها كورقة ضغط  مما ادى الى ظهور مصطلح حرب المياه ، وعدت هذه الحرب أقسى وأكثر تاثيراً من العمليات العسكرية ومن نتائجها تعطيش المكان وزيادة رقعة المناطق المجففة وموت الثروة السمكية والزراعية وظهور الكثير من الأمراض الجديدة والغريبة على قطعان الجاموس والماشية والطيور ايضا ، اضافة الى أن ضحالة المياه المستخدمة في الشرب ساهمت بأنتشار الأمراض بين سكان المنطقة ومنها الكوليرا والتايفوئيد وامراض هضمية اخرى ساعدها في ذلك قلة الخدمات الصحية والمتابعة في بلد وصلت ميزانيته بصورتها الأنفجارية الى90 مليار دولار .
أذن نحن نتحدث عن وهم فردوس عندما نريد ان نظهر للعالم جمال بيئتنا وسحرها وأصولها التأريخية ، ويبدو إن هذا العالم مبتلى بكل شيء على مستوى الطبيعة والأنسان حيث لا يتجزء الأستلاب هنا ، فما يصيب الطبيعة يصيب الأنسان وما يصيب الأنسان يصيب الطبيعة لأن ثنائية التعايش قائمة بين الأنسان وطبيعته منذ الأزل ، ولهذا أبعاد عن اهل الأهوار عن بيئتهم قد يعني ابادة او انتحار ،وعلى مدى عقود كان سكان هذه المناطق يظهرون للغازي والمحتل عناداً في المقاومة ، وكان الغزاة يولون هذا المكان عناية الدهشة ويبعثون مستشرقيهم وضباطهم الأشداء لمعرفة المكان وطبيعته ليسهل السيطرة عليه ، لهذا نرى أن الأجانب والغرباء من كتبوا عن المكان وخصوصيته هم أكثر وأهم من الكتاب العراقيين الذين تناولوا الموضوعة نفسها ، وكتابي ( العودة الى الأهوار) و( المعدان ) لماكس كالفن وثيكيرز دليل على هذا ، فالكتابين صورة حية لوقائع الحياة ومشاهدات صادقة عن عالم يصفه ماكس كالفن في مقدمة كتابه بأنه يمتلك ارثاً حضارياً اصيلاً ورائداً ،وأن المكان بخصوصيته وطبيعته الساحرة يمتلك الحق ليسكن ذاكرة العراقيين وهي تفترضهُ واحداً من امكنة الفردوس التي تخيلها البشر وأقترحوها أو تلك التي كتبوا امكنتها والسعي لها في قصصهم وأساطيرهم ، فيما كتبت المستشرقة البريطانية الليدي دوورا عن المكان من خلال حياة طائفة الصابئة المندائيين ، وفي أول محاضرتها عن المندائيين والامكنة التي يتواجدون فيها والتي القتها في المعهد الاسيوي العالمي في لندن تحدثت دوورا عن الأهوار واعتبرتها واحة لجنائن ضمت بين ثناياها الكثير من الأعراق والديانات والأصول ، وقالت إن هذا المكان كان في نظر الصابئة المندائيين المكان الأنسب لممارسة طقوسهم الدينية والدنيوية حيث الماء الجاري الذي لايمكن اجراء التعميد بدونه ، وحيث القصب والطير والأسماك ولهذه الأشياء أهمية كبيرة في الطقوس الدينية ، ويعتقد المندائيون أنهم من اقدم المذاهب والأعراق التي سكنت المكان وهم كانوا مع آدم ونوح وأبراهيم  ( عليهم السلام ) ثم العصور التي تلتهم ، ولم يزل هؤلاء الى اليوم يحتفظون بما ورثوه وتعلموه من أجدادهم الأوائل في ممارسة طقوسهم وعاداتهم ،وظلوا ومنذ آلاف السنين يحتفضون بخصائصهم الأجتماعية والروحية في ترابط تأريخي نادر وأصيل.
كان المندائيون الأوائل الذين سكنوا بطائح أهوار العراق وعلى ضفاف دجلة والفرات قد نشأوا أصلاً في المناطق الجنوبية من بلاد فارس وبالضبط  في سفوح جبال دهلران المقابلة لمنطقة الطيب قرب الحدود الشرقية للعراق مع بلاد فارس  ، وكان هذا الأمتداد يمثل تضاريسياً العمق المائي لمناطق الأهوار العراقية حيث يمتد هذا العمق مع فيضان نهر الكارون القادم من المرتفعات الايرانية وليشكل هذا الأمتداد مسطحات أهوار الأهواز أو مايسمى اليوم ( هور الحويزة ) الذي يعقتد إنه واحد من بوابات النزوح المندائي القديم نحو عمق البطائح العراقية فسكنوا أولاً أهوار العمارة الشمالية في الكحلاء وقلعة صالح وبمرور الأزمنة واصلوا نزوحهم الى العمق ليصلوا أهوار البصرة وسوق الشيوخ في الناصرية حيث كان لديهم في القرن التاسع عشر واحدة من اكبر المحلات السكنية في هذه المدينة ( محلة الصابئة ) التي نشأ فيها طور غنائي مشهور هو طور الصبي ، والآه والونين القادم من ذلك الطور المبني أساساً على الشكوى والتضرع يمثل امتداداً تاريخياً وآثارياً وأجتماعياً لتلك الآه التي كان السومري يطلقها بحثاً عن رفاهية حياته وفردوسه المفقود.
في الكتب المندائية المقدسة التي حفظها المندائيون بآمان وحرص وأهمها كتابهم المقدس ( الكنزا ربا ) الكثير من الآيات التي تظهر بعضاً من صور ومناخات هذا الفردوس المقرب للمندائي من خلال ملائكة النور والتسبيح ، وكذا كانت ألواح سومر المكتشفه في الكثير من المناطق الأثرية في الأهوار تتحدث بذات المعنى عن ذلك المكان ، وربما المتداول من الأساطير الحالية حول أيشان ( حفيظ ) ، أو مايسمى تل حفيظ  المنسوجة حوله الكثير من الحكايات والعجائب والقدرة الخارقة للمكان ومن يحرسهُ من جن ووحوش غريبة الأشكال والمنطقة المغناطسية التي حوله كما في نظرية مثلث برمودا ، حيث يعتقد أن في هذا المكان يوجد الكثير من الكنوز الأثرية التي هي احمال من الذهب والجواهر، والنور القوي بسطوعه المخيف يمثل واحدة من اخيلة التصور عن هذه الجنة المعتقدة والفردوس الخيالي الذي دونه الأنسان في الواح خياله وظل متوارثا ومعتقدا فيه حتى يومنا هذا.ولكن الحقيقة العلمية المطلقة أن لاشيء مثل هذا ، وماتخيله الأنسان عن هذا الفردوس ليس سوى صور لحلم يتمناه ويريده ، وانعكاساً لكل تلك اللحظات القلقة وما ورثه من النظم الأقطاعية والملوكية وحروبها ، ظل ذلك الفردوس الملاذ الوحيد والآمن والذي بناه الأنسان في خياله السري وليس العلني إذ كان يخشى ليجاهر برغبته في رغبته لأمتلاك الفردوس الذي كان حكراً للآلهة والملوك
والكهان والطبقة الراقية.
إذن المكان تخيل الفردوس بعدة صور نظرا لتباين وأستيطان الثقافات التي عاشت في المكان من أزمنة سومر وحتى الثقافة العربية الأسلامية التي مازالت قائمة الى اليوم ، فلكل ديانة وثقافة صورة متخيلة آتية من تعاليم الكتب وآداب تلك الديانية ، ولكنها قد تلتقي في ذاكرة واحدة وهي  أن أبناء الأهوار كانوا يعتقدون جازمين أن الفردوس يقع في أو بالقرب من بطائحهم ، وربما جعلوه أبعد كي يكون السعي اليه جزء من مهمة بطولية يستحق من اجلها الحصول على هذا المكان الخالد كما في أسطورة جلجامش وقصص الخليقة الأولى وبقية الملاحم والأساطيرالعراقية.
اليوم ومع تراكم الأزمنة وظهور الفكرة العلمية وسيطرتها على العقل البشري ، بدا واضحاً إن كل مايتخيله الأنسان كان في اغلبه ضرباً من الخيال وخاصة في أفتراضه لتلك الأمكنة ومواقعها على الأرض ، فهي لم تكن موجودة أصلاً سوى في النصوص المقدسة للكتب السماوية ، وهذا ما اعتقده الإنسان العراقي وآمن فيه في مراحل متقدمة من عصوره عند بعث الرسل والأنبياء ، ولم يعد اليوم ينظر الى الأهوار كما كان يتخيله اجدادنا وهم لا يلامون على اخيلتهم الجميلة وذلك لأن جمال المكان وسحره وتاثيره كان يمنح الكثير من التصورات والأفتراضات التي يصنعها المكان في الخيال ويحاول الأنسان من خلاله التخلص من بؤسه وضعفه ووضعه الطبقي البائس.
 
وعليه فأن صناعة جديدة للفردوس ينبغي ان يكون بصورته الأرضية والواقعية التي يمكنها أن تعيد لأبناء الأهوار ذات المشاهد القديمة من ذلك الخيال الخصب والذي يصور المكان بفنتازيا مكوناته الجميلة والخالدة وهذا قد يتحقق في عبارة واحدة يتمسك فيها الجميع دولة ومؤسسات ومواطنين ( الأهوار فردوسنا الأرضي المفقود فالنعمل جميعا لعودة ذلك الخيال الى سابق من خلال العمل والتطوير وشحذ الهمم )..

 

نعيم عبد مهلهل


التعليقات

الاسم: نعيم عبد مهلهل
التاريخ: 06/03/2009 09:24:56
good day for all
iam hope for all happy days
naim _möhalhl
solingen-- germany

الاسم: حسن الكاتب
التاريخ: 05/03/2009 07:12:39
اتمنى ان تراسلني سلمت وماذكرته قد اجاد به الدكتور سلمان كيوش مترجم كتاب عرب الهور لثيسغر حتى ماذكرته كان وصفا رائعا اتمنى ان تقرا ترجنمة الكتاب للدكتور ابلغك كل احترامي وتقديري
حسن الكاتب / مدينة الصدر / بغداد.

الاسم: وجدان عبدالعزيز
التاريخ: 05/03/2009 06:01:48
حبيبي المبدع
تقديري لجهودك
وحضورك المبهج
مودتي

الاسم: خزعل طاهر المفرجي
التاريخ: 04/03/2009 22:16:26
المبدع نعيم عبد مهلهل حياك الله دراسة رائعة متكاملة نتمنى لك النحاح والتوفيق الدائم دمت وسلمت ايها المبدع الاصيل

الاسم: بلقيس الملحم
التاريخ: 04/03/2009 21:02:13
بحث يحرث في اعماقنا جمالا وسحرا وشوقا!
سلمت يداك

الاسم: اسماء محمد مصطفى
التاريخ: 04/03/2009 19:17:23
تحية وتقدير
وبالتوفيق لك ولصاحب فكرة الملف الأخ جواد ولجميع المشتركين بملف النور للاهوار وهو موضوع جميل ، فيه الكثير من الصور الجميلة لارتباطه بطبيعة ذات ذاكرة حية ..

الاسم: محسن وهيب عبد
التاريخ: 04/03/2009 14:12:11
الاستاذ نعيم
لم ارك ولم اسمع عنك ولم اقراء لك منذ رايتك في دمشق؟!
سلمت واجدت
فنان وانت تترسم الصورة، ومبدع وانت تصور المكان و الآمال بقلمك. تقبل مودتي واحترامي

الاسم: سلام نوري
التاريخ: 04/03/2009 13:14:11
الاستاذ الجميل الروائي العراقي نعيم عبد مهلهل
مرحبا بك في واحة النور
وانت ترسم بحروف من روعة والق سومري
روعة الهور
في بحثك الجميل
كل الحب
سلام نوري
العمارة

الاسم: عادل فليح الخياط
التاريخ: 04/03/2009 11:01:51
الاخ نعيم المحترم
شكرا لما كتبت عن عالمنا الجميل وفرحة بلقائك بعد الغياب الطويل مع حبي




5000