..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


المقالة الحادية عشر / التقسيم المنطقي لأفعال الإنسان طبقاً للقرآن العظيم وفقا لنظام الملة

محسن وهيب عبد

إن لكل مايصدر عن الانسان علل وغايات، باعتباره  الفعل الكوني الوحيد الذي لاتسبقه الطبيعة او الغريزة فقط، بل تسبقه وتوجهه الارادة، وعليه فهو فعل له جوهر واسلوب قد يتباينان بطبيعة تلك الارادة، فالفعل ينطلق من تلك الارادة ليكون حسنا أو ليميز الإنسان بالقبح..وان معرفة ماهيتيّ الجوهر والاسلوب في فعل الانسان، والعمل بمقتضاهما، هي من ميزات رقي الإنسان في مدارج الكمال.

 ان الفعل، اي فعل انما هوظاهر قوة، والقوى المعرّفة في الكون هي، مادية(اربعة اصناف) وحياتية وعقلية وروحية، وهي جميعا لها صفة الرحمة واللطف الا اذا توجهت بجزئيات عمل العقل الى غير ما كانت له.

وان تعمق الناس في وعي وفهم الأسس الواقعية للفعل، وخيار الاحسن منها؛ سيبرز نسقا علميا، يقرن وجود الإنسان بفعله، وهو ما تلتقي عليه جميع التيارات الفكرية المهتمة بالإنسان من أقدم العصور؛ دينية سماوية كانت، أو وضعية اعتبارية.

 وفي هذا البحث سنبرز توكيدا علميا على ان نظام الملة هو النظام الوحيد في الكون الذي يصلح لتقويم الفعل باتجاه النسق الكوني، فيحسن ويجنب المعتقد به مخالفة النسق فلا يسيء.

 

نظام الملة والسياسة الاسلامية:

لن تنتظم الامة اية امة دون خلل او ضلال، الا من خلال تطابق خيارت الفعل في افرادها ومجتمعها مع النسق الكوني، الذي فصلنا دقائق معانيه في المقالات الخامسة والسادسة، وهذا مستحيل الحدوث الا في حال كون القيادة المتأسى بها كونية ومحيطة بمعاني النسق، او انها مسددة عليه، ونقول مسددة عليه بمعنى العصمة التي يؤمن بها اتباع مدرسة اهل البيت عليهم السلام، والتي فصلنا ماهيتها وضروراتها العلمية في مقالاتنا السابقة. ولذا جاء قول سيدتنا لزهراء عليها السلام: ((...وجعل طاعتنا نظاما للملة ، وإمامتنا أماناً للفرقة)) .. وقد اعلمت صلوات الله عليها بما ينتظر الامة من ويلات لعدم التزامهم ذلك النظام، ثم حذرتهم من انهم سقطو في الفتنة بنقضهم بيعة الوصي فقالت:

(فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه، هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين. ثم استنهضكم فوجدكم خفافاً وأحمشكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم، هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، والرسول لما يقبر، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة، (ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين).

(فهيهات منكم، وكيف بكم، وأنّى تؤفكون؟ وكتاب الله بين أظهركم أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة وأعلامه باهرة، وزواجره لائحة، وأوامره واضحة، قد خلفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تريدون، أم بغيره تحكمون (بئس للظالمين بدلاً) (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).

ثم اعلمتهم سلام الله عليها، ما هم قادمون عليه بسبب فقدانهم لنظام ملتهم؛ فقالت سلام الله عليها:

(ثم لم تلبثوا أن تسكن نفرتها، ويسلس قيادها ثم أخذتم تورون وقدتها، وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي، وإهماد سنن النبي الصفي، تُسرّون حسواً في ارتغاءٍ، وتمشون لأهله وولده في الخَمَر والضراء، ونصبر منكم على مثل حز المدى، ووخز السنان في الحشا، وأنتم تزعمون ألا إرث لنا، (أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون). أفلا تعلمون؟ بلى تجلى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته).

الى ان قالت بمعنى انكم بفقدكم العصمة فقدتم تاويل الكتاب الحكيم ايضا:

(معاشر الناس المسرعة إلى قيل الباطل، المغضيةعلى الفعل القبيح الخاسر (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، كلا بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم، فأخذ بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما تأولتم، وساء ما به أشرتم، وشر ما منه اعتضتم، لتجدن ـ والله ـ محمله ثقيلاً وغبه وبيلاً إذا كشف لكم الغطاء، وبان ما وراءه الضراء، وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون وخسر هنالك المبطلون).

  

 

قراءة نظام الملة لما يصدر عن الانسان:

 

ليس سيدتنا الزهراء عليها السلام فحسب، من اشار الى ضرورة نظام الملة بل الرسول صلى الله عليه واله وائمة اهل البيت عليهم السلام كذلك اشاروا الى ضرورة هذا النظام ومعانيه.

 

 فالنظام؛ هو كل ضمانة او منهج اوعقد يتم به ومن خلاله تحقيق الغاية او الهدف المنشود.

والملة : هي الشريعة، او الدين؛ بمعنى انها الاعتقاد الذي تنطوي عليه النفوس من العلم الذي يرى من خلاله المعتقد، أن فيه وسائل واساليب الاستجابة الصحيحة لحاجاته والعلم الذي يجيب فيه على تساؤلاته عن وجوده ومستقبله.

ولذا فان نظام الملة يعني هو ضمانالذي يجمع الناس في الشريعة الاسلامية، وتحقق من خلاله اهدافها وغاياتها في مسيرتها الى الله تعالى، طبقا للنسق الكوني.

وقول الزهراء عليها السلام هذا، يعني ان امامة المعصومين المطهرين هي أمان للامة من التفرق كما هو ضمان لتحقيق الاهداف، ومثل هذا يتكررفي احاديث اهل البيت عليهم السلام:

فعن الامام الباقر  (عليه السلام): بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية. " قال زرارة: فقلت: وأي شئ من ذلك أفضل ؟ فقال: الولاية أفضل لأنها مفتاحهن، والوالي هو الدليل عليهن)[1] .

وعن الإمام الكاظم (عليه السلام) - لما سئل عن قوله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) قال: إن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله تعالى في كتاب هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الحق)[2]

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): نحن أصل كل خير، ومن فروعنا كل بر، فمن البر: التوحيد، والصلاة، والصيام، وكظم الغيظ، والعفو عن المسئ، ورحمة الفقير، وتعهد الجار، والإقرار بالفضل لأهله. وعدونا أصل كل شر، ومن فروعهم كل قبيح وفاحشة، فمنهم: الكذب، والبخل، والنميمة، والقطيعة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بغير حقه، وتعدي الحدود التي أمر الله، وركوب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والزنا، والسرقة، وكل ما وافق ذلك من القبيح، فكذب من زعم أنه معنا وهو متعلق بفروع غيرنا)[3].

 

وعن الإمام الرضا (عليه السلام): إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين)[4].

وعن الإمام علي (عليه السلام): الإمامة نظام الامة)[5].

وعن  رسول الله (عليه السلام)( اسمعوا وأطيعوا لمن ولاه الله الأمر، فإنه نظام الإسلام)[6]

وعن الإمام علي (عليه السلام): مكان القيّم بالأمر؛ مكان النظام من الخرز، يجمعه ويضمه، فإن انقطع النظام تفرق وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا)[7].

وهكذا فان نظام الملة هو الاسلام الحق والقراءة الصحية لكتاب الله جل شانه.

 

الفعل الصادر من الانسان في القران،

الفعل المختار من قبل الانسان بماهو قوة، فانه دوما  يقع في جوهر، ويقدم في اسلوب، ولذا فان تصنيفه في السوء والحسن( الحسنات والسيئات) يقع كما يشير الكتاب الحكيم في اربع احتمالات، فإذا عجزنا عن الإبداع في خيارات الأسلوب الحسن لجوهر الفعل الحسن، فإن في نظام الملة في مدرسة اهل البيت عليهم السلام؛ توجيهات وسيّر الأنبياء عليهم السلام والأئمة المطهرين المعصومين  من عترة رسولنا المصطفى محمد صلوات الله عليه وعليهم السلام، خزيناً رائعاً لقواعد السلوك والقول بل والصمت، وفي كل ما يصدر عن الانسان... وقد رتب لذلك مراجعنا رسلات عملية جعلوها في متناول الناس، تتناول الانسان من قبل ان يولد فتضع له التشريعات وتوقف العمل بالتشريع حتى يولد الوليد ويعرف جنسه، ومن ثم الى ما بعد ان يموت وكيف يتعامل معه بعد الموت...

ولذا فلن يصعب مطلقا على المرجعية بما هي تمثيل وتجسيد لنظام الملة في زمن الغيبة، أن تشرع للانسان بقراءة صحيحة لمصادر الاسلام، في كل اتجاه، بما في ذلك السياسة وعلومها وخيارات فعل الانسان فيها، فهي تستنبط وتوجد التشريع وتتابع المعتقد في كل ما يحتمل ان يصدر عنه وفي ادق التفاصيل، فمثلا؛ لن تعجز المرجعيات في نظام الملة، ان تضع للانسان كيف يكون مواطنا صالحا في موقعه من الرعاية ان اكان راعيا او من الرعية ان كان مرعيا.. ففي رسالة الحقوق على سبيل المثال لا الحصر تتوزع الحقوق، وبما هي حقوق لك قد تكون واجبات لغيرك. فاذا اسقرئت الحقوق ونفذت الواجبات وبدافع عقائدي لا خوف من القانون كان ذلك ابلغ في رقي الانسان سياسيا فردا ومجتمعا.. والواقع ان الرسالات العملية الموجودة الان تضم كثيرا من ابواب الفعل الصادر في السياسة ولكنها غير مبوبة بهذا العنوان.

وعن الأسلوب الذي يمتلكه ذوو الحظوظ العظيمة مثلا، نذّكر بقصة شائعة عن الحسن والحسين عليهما السلام في الأسلوب الذي اتبعاه في تعليم الشيخ الوضوء: فقد رأيا شيخاً لا يحسن الوضوء، فطلبا منه أن يكون حكماً بينهما في أدائهما الوضوء، ليدرك الشيخ بالتالي أنه لا يحسن الوضوء، فيتعلم الوضوء، ولكن بأسلوب غاية في الحسن، مثلما ان جوهر تعليم الوضوء غاية في الحسن.

والله سبحانه وتعالى يعلمنا في كتابه العزيز: أن نجادل الخصوم، أن احتجنا للجدال، بالتي هي أحسن، سواء كانوا من الأعداء، أو من أهل الكتاب، أو حتى من أهل الملة، وطلب منا في كتابه العزيز الدفع بالتي هي أحسن السيئة، مع أن أصل الحوار في الله تعالى ولأجل دينه، إنما هو جوهر فعل حسن لا عنف فيه.. إلا أنه يمثل تكامل اللطف عندما يبرز بأسلوب التي هي أحسن. وهذا عكس الخبث، حيث أصل الفعل وجوهره قبيحان بينما الأسلوب الذي يبرز به حسن مختار بعناية من لدن الدهاة.

 وهنا فالقران يعلمنا ليس فقط  الاسلوب الاحسن في خيار التعامل مع الاخر بل يعلمنا الحذر والتعريف بالنوايا المسبقة للاخر، وهذا من سمو الفعل في خيارات الافعال التي نتعلمها من القران الكريم، وهو من اسس التحليل السياسي.

إذن فنحن نحتاج إلى قدرة في التشخيص لبيان التمايز بين جوهر الفعل وأسلوب طرحه، وهذا ايضا يحتاج إلى معرفة في ماهية جواهر الأفعال وأساليب إبرازها، أيهما قبيح وأيهم حسن، ومعاني اقترانهما في الأداء الظاهر للنشاطات والفعاليات الإنسانية المختلفة وعلى كل صعيد، وهذا ما لم تبلغ تعلمه السياسة والدبلوماسية المعاصرة .

نجد في القرآن العظيم، الفعل الإنساني في تقسيم استقرائي يقع في هيئات تناسق أصل الفعل باعتباره قوة منجزة لحركة ما، أو محققة لمضمون حسن معين، أو خارقة لسنة حسنة فهو سوء وقبح.. وهذه الهيئات هي:

1-الفعل الارادي الصادر عن الانسان: نتاج حكم عقلي.

2-الفعل الارادي الصادر عن الانسان : جوهر وأسلوب.

3-الفعل الارادي الصادر عن الانسان : نفوذ لسنة حسنة أو خرق لها (حسنة أو سيئة).

4-الفعل الارادي الصادر عن الانسان : قوة استجابة لحاجة، أو قوة في طلب.

5-الفعل الارادي الصادر عن الانسان: ظاهر قوة رحمة، أو قوة قسوة (لطف أو قبح).

ونأتي إلى تفصيل ذلك وكما يلي:

 

1- الفعل الارادي الصادر عن الانسان نتاج حكم عقلي:

ماهية الحكم العقلي طبقاً للبناء الإنساني، ووفقاً للنظرية القرآنية: هو فعل الانسان المريد المختار، فان الفعل هو نتاج ما يحكم به العقل، كقوة ربط، بين الغرائز والارادة الروحية في تحصيل الحسن والاحسن وتجنب القبيح والاقبح.

باعتبار كون الإنسان كيان موحد من جزأين: جزء حيواني (الداب)، تلبس به الجزء الثاني الذي هو الروح، التي هي من أمر الله تعالى، واما قوة العقل[8] (قوة الربط): الذي يجسد ترابط قوة الإرادة الروحية من الجزء الأول بالغرائز الحيوانية من الجزء الثاني.

قال تعالى: (وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاّ الْعَالِمُونَ)([9]).

فالأمثال: بمثابة مفاهيم تحتاج إلى حكم عقلي لاستيعابها من مصاديقها.. ويؤكد هذا قوله تعالى:

(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ)([10]).

 بمعنى أن الحكم العقلي يحتاج إلى قوة الروح لعقل(ربط) غرائز الداب في التكوين الإنساني. وفد نفرد بحثا خاصا لماهيات الحم العقلي وكيف يبرز بالتفصيل ان شاء الله تعالى.

فان الفعل هوظاهر حكم عقلي سلوكي مثلما الكلام حكم عقلي لغوي، ومعرفة اسايات الحكم العقلي في السياسة يمنح السياسي، قدرة في التشخيص للذات و للغير تفتقد في الدراسات السياسية الحالية ، وحتى ان درست فلن تدرس على اساس التكوين الانساني الصحيح، بل وفقا لنظريات نفسية غربية لفرويد ونيتشة وغيرهما، وقد جاء مثل هذا التحليل في رسالة الامام علي عليه السلام لعامله على مصر مالك الاشتر.انها احكام عقلية مبدأية سياسية معصومة، ليس لها مثيل في عالم براغماتا المصالح والمغالبة والكيد  والدهاء والضحك على الذقون، والتي مع بالغ الاسف استلبت عقيدة حتى الاحزاب التي تسمي نفسها اسلامية لتمحو من نظامها الداخلي هذه الصفة التي تشرف بها المؤسسون لها.

الفعل الانساني الارادي المختار هو حكم عقلي قد يتجسد في سلوك، او قد يتجسد في قول، او ربما صمت اذا ترتب على الصمت هذا حسن او سوء، فلا بد من الالتفات لهذا، فالاسلام يرى في الساكت عن الحق شيطان، فمع هذه الفهم القراني لخيار الفعل، يكون السياسي تحت رقابة الرقيب الذي لا يغفل ولا يسهو ولايفوته شيء، والمراقب هنا حكم وخصم فانظر كيف يكون الموقف، والمرَاقب لا يريد الا رضوانه وعفوه ورضاه.

 

2- الفعل الارادي الصادر عن الانسان جوهر وأسلوب.

يتحد جوهر الفعل في كونه حسنة أو سيئة طبقاً لموافقته للسنن الحسنة في الكون أو تضاده معهما، أما الأسلوب فطلب قرآني لتمام كمال الحسنة في جوهر الفعل يتحدد في كيفيفة عرض الفعل من أمثال قوله تعالى:

(لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذى) ([11]).

(وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) ([12]).

فمثلا، الصدقة: جوهر فعل حسن إذا قدم بأسلوب المّن بطل، أي فقد حسنه. والإنفاق جوهر فعل حسن إذا قدم بدون نية التخلص من الخبيث، وهكذا يلحظ القرآن تكاملية الفعل بالحسن من خلال أسلوبه مع كون الفعل حسن في جوهره.

 فالحسن انما يتحقق من خلال التكامل في النظرية القرآنية، والفعل لا يكون حسنة مرضية عند الله تعالى إلا من خلال تكامله في ذاته وفي نفس مقدمه، فالله تعالى مطلع على السرائر التي لا يطلع عليها قانون في الكون، وليس عليها سلطة من أحد على الإطلاق.

ولذا فإن الإيمان بالإسلام وبالقرآن  بقراءة مطهرة معصومة وفق نظام الملة، ضمان أكيد لا بديل عنه في شيوع الحسن والاحسان في سياسة بني البشر. وعلى أساس من جوهر الفعل وأسلوبه فإن الأفعال تصنف إلى اربعة اصناف قرآنية هي:

أ- قبح او سوء: وتحصل عند تطابق جوهر واسلوب الفعل في السوء، وهو الفعل الإنساني غير المعلول في جوهره لمعاني الرحمة والمضادة في أسلوب إنجازه لحكم السنن الحسنة في الكون. من أمثال أفعال المفسدين في الارض، الطغاة والجبابرة والتكفريين التي شهدها العالم وشهد عليها، فهي قبح وقسوة في جوهرها وأسلوبها.

ب - خبث: وهو الفعل الإنساني غير المعلول في جوهره لمعاني الرحمة، ولكنه يقدم أو ينجز بأسلوب منسجم مع نفاذ السنن الكونية الحسنة، من أمثال المكر والخداع والنصب والاحتيال.

قال تعالى في وصف المكر بأنه عمل المجرمين: (وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها) ([13]).

ولارتباط جوهر الفعل الحسن بالرحمة يقول الله تعالى:

(قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ قُلْ للهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) ([14]).

 

ويقول الإمام علي عليه السلام:

(احذر أن يراك الله عند معصيته، ويفقدك عند طاعته، فتكون من الخاسرين) ([15]).

والمكر والخداع يقابله مكر أشد واستدراج من قبل الله تعالى، حتى من يظن أنه من جوهر الخير مقتدر، إذا عدم الأسلوب الحسن في إسداء الفعل وإنجازه.

يقول الإمام علي عليه السلام:

 (لا تأمنن على خير هذه الأمة عذاب الله لقوله تعالى: (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) ([16]) ([17]).

ج-الضياع أو الضلال: وهو فعل جوهره حسن لأن علته معاني الرحمة، ولكنه ينجز بأسلوب خشن قبيح يتضاد مع هذه المعاني، فيفقد الجوهر حسنه على أعتاب الأسلوب القبيح الذي أنجز به، وقد مر معنا أمثال الصدقات كجوهر فعل حسن تقدم بالمن والأذى وأمثلتها في القرآن كثير.

د-اللطف والحسن: وهي الأفعال التي يتفق بها جوهر الفعل (القوة المنجزة له من معاني الرحمة)، مع أسلوب إنجاز ذلك الفعل، الذي ينسجم مع نفاذ السنن الكونية في الطاعة، والرحمة، والعدل، والحق، والسعي للآخرة، والتطلع للأحسن وطلب الكمال والمربوبية للواحد الأحد جل وعلا والصبر على البلاء.

وقد مرّ معنا في المقالات الخامسة والسادسة تشخيص ما هي القوى الكونية المجسدة لمعاني الرحمة في تقسيم القوى الكونية.

 

 

3- الفعل الارادي الصادر عن الانسان: هو نفاذ سنة كونية أو التضاد معها:

إن الفعل أي فعل إنما هو ظاهر لباطن قوة، فإن كانت القوة كونية، فالفعل حسن،  لأنه ضمن النسق الكوني في سبيل نفاذ لسنة حسنة.. ولكن إذا كان الفعل يمثل تعبيراً لقوة إنسان واختياراته في التضاد مع السنن، فإن الفعل قبيح سيء في جوهره، فإن قدم أو أنجز بأسلوب قبيح أيضاً فهو القبح. وعلى هذا الاساس العلمي فان الله تعالى جعل ميزان الاعمال الحسنات والسيئات كما هو شائع ومعلوم.

يسمي القرآن العظيم الأفعال النافذة في حكم السنن الحسنة وسياقاتها المنجزة بمعاني القوة الكونية التي هي معاني الرحمة، يسميها (حسنات)، أما التي معلولة للقهر والقسوة من معاني القوة المنجزة لها والمضادة لحكم السنن، فهي أفعال قبيحة، فهي (سيئات). قال تعالى في ذلك يعرّف الإحسان:(وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ) ([18]).

وبمعنى أن الإحسان هو عكس العذاب والقسوة يقول تعالى:

(قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) ([19]).

ومن امثال معاني الحسن والحسنات التعامل بالرحمة مع الوالدين:

(وَوَصَّيْنَا الإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً) ([20]).

وبما أن القرآن يفسر بعضه بعضاً فإن من وصاياه قوله تعالى:

(وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً) ([21]).

والأصل في القرآن، وحيثما تقرأ؛ فان الكون: إنما كان من أجل الفعل الحسن لا غير.. قال تعالى:

(الّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) ([22]).

وقد وصف الله سبحانه المحسنين في أكثر من آية: ذلك بأنهم الذين تكون أفعالهم معلولة لمعاني الرحمة من القوى الكونية: في قوله تعالى:

(إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) ([23]).

وفي قوله تعالى:

(وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ([24]).

وفي قوله تعالى:

(فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ...) ([25]).

فصفات المحسنين من خلال هذه الآيات هي:

التقى: وهو أن يتخذ الإنسان الوسائل التي تحميه من التعرض للسوء والقبح والأذى، ويصدق في التمسك بخيارات الرحمن الرحيم، بمعنى انه لا يفعل المتقي ما يخالف الرحمة بمعانيها الربانية.

والصبر: هو تجسيد لقوة التحمل، فلا انفلات، ولا تطرف، ولا ردات فعل غير محسوبة، كما عند القبحيين.

وكظم الغيظ: وهو حبس الغيظ، واحتساب ما عند الله.

والعفو، والصفح: خلق كريم يتجاوز به الحليم عن سفيه القول وفعله إذا صدر ضده.

وهنا لابد من التوكيد ان ليس للسياسي في نظام الملة ان يخالف هذا الفهم باي دعوى، فالحسنة مطلوبة على وجهها الدقيق جوهرا واسلوبا، وعدم التضاد مع السنن، وكل المسميات التي في حقيبة المصالح وتجاهل الرقيب الذي لا يغفل مرفوضة.

فالحسنات، والسيئات في القرآن العظيم هما من مقاييس ومعايير الفعل الذي يصدر عن الإنسان، وبما هو واضح من البيان السالف، نجد أن الفعل الحسن هو الفعل الذي ينسجم به الجوهر الحسن مع الأسلوب الحسن، قال تعالى:

(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) ([26]).

 

 

4- الفعل: الارادي الصادر عن الانسان استجابة لحاجة أو قوة في طلب:

ونجد ذلك واضحاً مما احتوته كتب الفقه الإسلامي من معاني الحقوق والواجبات المترتبة على الآدمي.

أ) الواجبات: وهي تشريعات لكل ما يحتمل أن يعترض الإنسان فيوجب عليه إزاءها فعل ما. أما بفرض لا بد من فعله فهي واجبات.. أو ما بنهي لا بد من تركه فهي محرمات. وأما أن تكون هناك أحوال اضطرارية يقع فيها الآدمي، فلها أحكام أخرى. (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) ([27]).

والواجبات في الإسلام والمحرمات كلها تتعاضد في خلق الإنسان التقي الورع والذي هو في غاية ميزات الآدمية والتي تمنع عليه أن يكون سيئا او مفسدا، والذي يشجع الانسان على فعل الحسنات هو دعم الله تعالى  للمتوجهين اليه والمؤمنين بشرعه، قال تعالى:

(فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ([28]).

ب) الحقوق: أوجب الشارع المقدس للإنسان في وجوده وفي حياته وفي عقله حقوقاً، فأطلق له المباح من كل فعل، وأعطاه الحق في الضمان في كل ما يهم وجوده وحياته وعقله وأطفاله وذريته ومن يلوذ به، وقد فصل الله تعالى ذلك لبني آدم تفصيلاً يدعوهم لاستباق الخيرات واللطف ويمنع عليهم الفظاظة والفساد.. قال تعالى:

(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) ([29]).

ولدينا في هذ المجال رسالة الحقوق للامام زين العابدين عليه السلام، لابد ان تدرس في التربية السياسية للناشئة، لنؤسس لوعي وطني طبقا لنظام الملة.

وعلى هذا فإن هذه الدعوة وهذه الشرعة، وهذا الوعد بالرجوع إليه، كلها تتعاضد لتسديد الإنسان لفعل الأفضل.. هذا أولاً.

وثانياً: إن تعطيل نظام الملة مع الامكان، هو تعطيل لاستباق الخيرات، وان عدم العمل بهذه الشرعة وتجاهلها، هو خسارة للانسان دنيا واخرة؛ ومن هنا تاتي دواعي الفظاظة والغلظة والعنف الذي نجده اليوم، مع الاسف باسم شريعة الاسلام العظيم.

 وإلا فإن سيادة الإسلام في زمن الرسول الأعظم صلى الله عليه واله، كان قد قضى تماماً على الجريمة إلا ما ندر، لأن الإسلام الحق إذا ساد واستوعبته النفوس يجعل المرء يأنف من الجريمة أكثر مما يخاف العقاب، بل إن الذي كان يأتي الجريمة يأتي الرسول الأعظم صلى الله عليه واله ليعترف له كي يحدّه فيطهر.

وللارتقاء بالإنسان إلى الحدود العليا للأفضلية ندب الشارع المقدس الإنسان للمستحبات، وهي كثيرة جداً وإلى ترك المكروهات، قال تعالى في الدعوة إلى الأحسان ونبذ القبائح: (وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ) ([30]). وفقط في مدرسة اهل البت ونظام الملة يتحقق هذ من خلال النظام المرجعي، قال تعالى :

(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ...) ([31]).

حتى في منع التجاوز على الله تعالى مصدر كل خير، منع سب المضلين، فالسب مدعاة للقبح، بل هو بذاته جوهر قبح.

(وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) ([32]).

 

رفض حكم الطاغوت والتحاكم اليه:

كلف الله تعالى الفضلاء  ومصاديقهم المراجع في نظام الملة، من بني آدم كفائياً بالرعاية للآخرين وللقضاء بينهم مما أنزل الله تعالى.. قال تعالى في خصوصيات الحاكمين والسياسيين:

(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) ([33]).

والحكم بالعدل من خصوصيات الخاصة من ذوي الميزات الإنسانية وخصائصها في الفضل بما يعنيه الامتناع عن التحاكم للطغاة، والطغاة تشمل بالضرورة مؤسسي ومنظري سياسة الغرب التي تبتلع النظم السياسية في العالم.. قال تعالى:

(يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) ([34]).

إن التوازي في فعل الناس بين طلب العدل من مظانه، الذي لا يتحقق ولا يشيع الا في نظام الملة، والقران يقرر ان رفض حكم الطاغوت، مدعاة لشيوع الاحسان والفعل الحسن بينهم: لأن السوء والقبح هي أساليب الظالمين والطغاة، ولذلك يقول تعالى:

(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ) ([35]).

 

 

5- الفعل الارادي الصادر عن الانسان ظاهر قوة رحيمة أو ظاهر قوة قاسية:

نؤكد دائما ان الفعل كحقيقة علمية لا لبس فيها ، هو ظاهر قوة، والقوى الكونية كلها مصنفة كقوى رحمة، فاذا كان الفعل ظاهر قوة رحيمة: فهو حسنة، أو ظاهر قوة قاسية فهو سيئة، وهذا طبقا للتعريف العلمي للقبح والسوء، والتعريف العلمي للحسن والحسنات من الافعال، والذي يتطابق مع كلّ هذه التقسيمات المنطقية لأفعال التشريع المقدس وفق معاني نظام الملة، اي بقراءة اهل البيت عليهم السلام  للاسلام دون غيرهم الذين جعلوا من الاسلام دينا دمويا لتقر بذلك عيون اعداء الله.. وليلبسوا على الناس دين الله تعالى.

نجد أن القراءة الاسلامية في نظام الملة يحدد الدافع في قيام الفعل، و هو بلوغ الحسنة وتجنب السيئة، وإن تكون العلة المنجزة للفعل هي الرحمة وكل معانيها الكونية في الألفة والود والمحبة... وبهذا فقد توفر الضمان الأكيد لعدم قبح الفعل بانسجام القصد المبيت في نية الفعل لبلوغ الحسنة وتجنب السيئة مع شرط عليّة الفعل لمعاني الرحمة الكونية، فيكون الفعل بذلك محاكياً لسنن الرحمة في الكون وفي اتجاه نفاذها، وهي مقسمة في القران إلى واجبات ومحرمات بشكل أوامر ونواهي ووصايا.

ان افعال السياسة وبناء العلاقات مع الاخر، كلها تنضم وتترتب تحت ابواب هذا التقسيم المنطقي لما يصدر عن الانسان من افعال مختارة، والذي يحسن في رعاية الناس او الذي يسيء فيها ، كذلك الذي يحسن في اداء واجباته، او يسيء ازاء وطنه وشعبه معرّف ومشار اليه،  فالسياسي انسان لايختلف عن غيره في التكالف، وعليه من موقعه واجبات وله حقوق، ولافصل في ذلك، ولذا تشدق المتكايسون، بان الاسلام لايشرع في السياسة وليس له فلسفة سياسية او نظرية سياسية واضحة.

على الانسان ان يحسن في كل مايصدر عنه جوهرا وسلوبا سياسيا كان او بقال اومعلم او كاتب، والد كان ام ولد... وان ينطوي في ذاته على حب المحسنين وان يبغض الطغاة والمستكبرين.

- من أين تأتي النسبية والاعتبار للحسن والسوء؟:

ان من جميل جوهر الإسلام: أن لا يعتبر الفعل من الحسنات ما لم يكن قد صدر من الإنسان بقصد القربى إلى الله تعالى، لأنه اعتبار وفق ميزان دقيق. فكل شيء مشدود للحسن والكمال، وسار اليه وفق انماط، والله تعالى هو الرحمن وهو الكمال وهو محض الحسن.

وعلى هذا فان النسبية في اعتبار الفعل حسنة أو سيئة يحصل بلحاظ أمرين:

 

الأول: هو موقع الفعل من النمط زمكانيا:

 بالرجوع للمقالة الخامسة والمقالة السادسة نقول: بما أن نسق الكينونة يقع في ستة أنماط، وكل نمط يتكون من طورين، وطور البسط السابق، هو قبض للاحق. لذا فان التطابق مع النسق من اجل الحسنة يقتضي استيعاب الفعل للزمكان ذاته في النمط، و إلا فانه غير حسن وان وقع في النسق.

فعلى سبيل المثال؛ ان ما يقع من الرضيع من فعل قد يعد حسنا، في نفس الآن لو وقع نفس الفعل من الشيخ، لكان مستهجنا، وذلك تقييم جمعي لفعل يقع زمكانيا وضمن النمط ذاته.

ومثله، يقولون: حسنات المؤمنين سيئات الأبرار، فاستيعاب المرء لموقعه الزمكاني من النمط حسنة، والقصور عن استيعابه عجز وسيئة. وهذا ما يجب ان يعتبر به السياسيون اكثر من غيرهم، لان موقع السياسي وفي نمطه يفرض عليه ان يكون قدوة لغيره، فيتاسى به اضعف الناس؛ جاء في نهج البلاغة، الجزء الثاني، محمد عبدة :ص:187-188

(قال له العلاء يا أمير المؤمنين أشكوا إليك أخي عاصم بن زياد، قال وماله؟ قال لبس العباءة وتخلى عن الدنيا. قال علي به. فلما جاء قال عليه السلام: ( يا عدي نفسه[36]  لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك، أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على الله من ذلك).

 قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك. قال عليه السلام: (ويحك إني لست كأنت، إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره )[37]

وكذلك المرء - على سبيل المثال- في موقع الشيخوخة يقل ضبطه عن المتعارف، لضعفه، فهو شيء غير مستنكر، ولكن هذا الشيخ عندما يتقدم لموقع متقدم من النمط في سعيه لحيازة الفضل، فيصير مرجعا مثلا، عندها وفي ذلك الموقع الزمكاني يعتبر قلة ضبطه عن المتعارف: قصورا أو عجزا من اجل استيعاب موقعه من النمط، فيعتبر ذلك غير حسن، مع انه ليس بسيئة، لأنه لا يناسب نمطه في السعي إلى الحسن، فهو قاصر عن التطابق مع النسق، فلا يليق بالمرجع.. وهذا فقط في نظام الملة دون غيره .

 وهكذا ينسحب الاعتبار دوما على مقتضى التطابق مع النسق على الزمكان في صدور الفعل.

 أما معنى الزمكان فيتحدد بموقع الفعل من النمط ومرتبته، وحال الطور من ذلك النمط، فيتحدد الاعتبار بمناسبة الفعل لموقعه من مصدره مع نسق الكينونة.

فيكون حسنة في تناسبه مع النسق، ويكون غير حسنة عند عدم تناسبه، إلا انه لا يكون سيئة، لتفاوت في النمط أو في الطور وليس لمعاكسة النسق: ويسمي المتشرعون ذلك الفعل: فعل بترك الأولى. كما لا تتناسب حسنات المؤمنين مع سيئات الأبرار مع أنهما في وحدة نسق الكينونة.

كما يفسرون أفعالا صدرت من الأنبياء: سماها أو أشار إليها القران كمعاصي، مع أنها ليست ذنوباً.

الثاني: صدور الفعل من الإنسان العارف بثوابت نسق الكينونة ومتغيرات الزمكان، وتنطوي نفسه على ثوابت من خزائن الرحمة: فيختار فعله متطابقا مع تلك الثوابت ومستوعبا تلك المتغيرات: فيحرز الواقع الحسن.

 و هنا يأتي الاعتبار في هذا الموضع، وقد يكون مخالفا للواقع لكن الفعل يبقى بما هو الواقع.

فقد أنكر موسى وهو نبي من أولي العزم عليهم السلام، ما جاء به الخضر من أفعال غاية في الحسن واعتبرها نكرا.

فعلى ما جرى من الأمثلة بين موسى والخضر، نجد كثيراً من اعتبارات الحسن والسوء التي نطلقها دو تكلف، أو دون تحري لمقدار تطابقها مع النسق أو مقدار تحكم السنن الكونية فيها.

وفي هذه القصة نوذج ارقى لفهم نسبية الاعتبار في الحسن والقبح، قد يحتاج الى عرفان وتقى لكننا اوردناه اتماما لاستقراء ما يصدر عن الانسان من فعل طبقا للثقل الاكبر.

ومن اجل هذا الفهم نحتاج الى تربية اسلامية سياسية، يفتقدها الكثير منا، لاسباب كثيرة، قد نخصص لها بحثا مستقلا بتوفيق الله تعالى. 

 

غياب التربية السياسية في الاسلام:

التربية السياسية هي إعداد الفرد المسلم ليكون مواطناً صالحاً في المجتمع المسلم ، يعرف واجباته فيؤديها من تلقاء نفسه ، طمعاً في ثواب الله عز وجل ، قبل المطالبة بحقوقه ، كما يعرف حقوقه فيسعى إلى اكتسابها بالطرق المشروعة ، وخير منهاج لتربية المسلم على معرفة الحقوق والواجبات نجده في نظام التقليد والاجتهاد في مدرسة اهل البيت عليهم السلام.

فالاسلام عقيدة كاملة، لان فيها استجابة لكل حاجات الانسان فردا ومجتمعا، وفيه اجابة على كل تساؤلات الانسان، عن وجوده وكونه ومستقبل وجوده.

ان في نهج البلاغة، ورسالة الحقوق منهجا تربويا شاملا لا ادري لم يهمله المربون خصوصا الذي يتمتعون بحرية فكرية، ويحترمون عقولهم.

فالتربية السياسية ركن أساس من أركان التربية الإسلامية لأن التربية الإسلامية تشمل الاعداد الروحي للفرد وبناء مجتمع متكامل في السعي  لمواجهة الحياة والفوز برضا الله تعالى ، والذي هو حتما صلاح النفوس وجمالها ، فالإسلام دين للفرد وللمجتمع ، فالتربية السياسية ( تعد المواطنين لممارسة الشئون العامة في ميدان الحياة ، عن طريق الوعي والمشاركة ، وعن طريق إعدادهم لتحمل المسؤولية ، وتمكينهم من القيام بواجباتهم، والتمسك بحقوقهم ، طبقا لنظام الملة، وتوعية بماهيته، وتبدأ التربية السياسـية الاسلامية في مرحلة مبكرة من العمر ، وتستمر خلال سـنوات العمر كله).

ولا بد أن تنهل جميع المؤسسات التربوية في المجتمع  من سيرة المعصومين عليهم السلام، لان فيها حقوق كل الفئات، والحق بالنسبة لك لابد ان يكون واجبا لاخر، وبهذا تنهض تربية اجتماعية وسياسية في مجاميع الافراد ، كي يقوم المجتمع المسلم .

ومما ابتلي به المسلمون خوفهم من السياسة ، وابتعاد علماء المسلمين عنها ، بعد أن شـوّه مكيافللي مفهومها ، وبعد أن سبق اليها الاحزاب التي تسمي نفسها اسلامية، ولكن بقراءة خاطئة للدين لانها جانبت الثقلين العاصمين، او هي في واقعها احزاب مدعية للدين ولكنها ترقيع للعلمنة ليقبلها الناس. ثم ان السياسة التي احترفها العلمانيون والملحدون وأعداء المسلمين، وكانت لهم ميزة شرفتهم ورفعتهم للتحكم ولحيازة المال والسلطان والجاه، وهذا مما يانف منه المسلم الذي يرى في كل ما يصدر عنه يجب ان يكون بقصد القربى الى الله تعالى. ولهذا السبب اعتبرت السياسة نوع من العهر يأنف كل ذي لب من الاقتراب منها، وصار اصحاب الخلق الرفيع ينظرون الى السياسة على انها لعبة المكر والمخادعة، وقد مقتها الناس  وصاروا ينظرون إلى البلدان التي خربها تصارع الأحزاب السياسية فيها، وصاروا يظنون أن كل بلد سوف يشجع العمل السياسي سوف يحصل لـه ما حصل لتلك البلدان التي خربها السياسيون، وهذا مجانب للصواب ، لقد حصل في تلك البلدان ماحصل ؛ لأن المجتمع يجهل السياسة ، ولم يرب َ ذلك المجتمع على مفاهيم نظام الملة.

 ان التربية السياسية التي تعد المواطن المسلم كي يقدم واجباته نحو المجتمع طاعة لله عزوجل وطمعاً في ثوابه ، كما انه يعرف حقوقه وحقوق غيره من خلال دراسته الحقوق من منبعها الشرعي، وانه مطالب امام الله تعالى، واما الاخرين بها ان ادعى الاسلام.

إن الصراع السياسي وبالطريقة التي تجسد تهافت السياسين برخص على المناصب لتشرفهم، دليل مؤكد على جهل اؤلئك المتهافتين لنظام الملة ومتطلباته، او على عدم وعي بالعمل السياسي الاسلامي، فالعمل السياسي ليس مغالبة، وليس فوزا بالمناصب ولا تشريفا لمن يفوز ، بل هو تكليف شرعي يبوء به المكلف امام الله تعالى والشعب والوطن والتاريخ. ولذا فنحن بحاجة ماسة لتربية ائمتنا السياسية كما وكيفا.

ومما لاريب فيه أن بلدان أوربا الغربية ، وأميركا الشمالية قد اعتادت هذا العهر، مثله مثل غيره مما لاغيرة فيه عليه ولا ضمير يحركهم ضده، لانهم اصلا لا ثقل لعقيدة تردعهم عن المغالبة، ولا وازع من من مبدأ يحملهم ان يطلبوا الاخرة بالدنيا، فالدنيا مبلغ هدفهم فمبدأهم المنفعة، وسبيلهم المصلحة، ولذا فان الانتخابات والتعددية السياسية وتداول السلطة عندهم امر لابد منه، ومع هذا فان هناك عرف سياسي ياتي عندهم تمجيدا للذات وحسب، فقد نجد مثلا؛ ان الوزير يمكن ان يستقيل لمجرد خطأ لاحد موظفيه، او لانه اختلف مع رئيس الوزراء، او لاي سبب يدل على ان للانسان قيمة اعلى من المنصب، وهذا لاباس به، اما نحن فقد ضعنا فلا قيمة ذاتية عندهم لانسان السياسة، ولادين لهم يجعل المنصب تكليفا لا تشريفا.

 

 

 

[1]  ) الكافي: 2 / 18 / 5

[2]  ) الكافي: 1 / 374 / 10

[3]  ) الكافي: 8 / 242 /134.

[4]  ) الكافي: 1 / 200 / 1.

[5]  ) غرر الحكم: 1095.

[6]  ) أمالي المفيد: 14 / 2.

[7]  ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9 / 95.

[8] ) العقل ؛ معناه الربط، فتسمية العقل جاءت من باب تسمية الشيء باسم لازمه، كما يقول المناطقة.

[9]) العنكبوت: 43.

[10]) الأنفال: 22.

[11]) البقرة: 264.

[12]) البقرة: 267.

[13]) الأنعام: 123.

[14]) الأنعام: 12.

[15]) نهج البلاغة: الحكمة 377، 383 نقلاً عن ميزان الحكمة/الري شهري ج2 ص741.

[16]) الأعراف: 99.

[17]) نهج البلاغة: الخطبة رقم 129، نقلاً عن ميزان الحكمة/ الري شهري ج2 ص740.

[18]) القصص: 77.

[19])  الكهف: 86.

[20]) العنكبوت: 8.

[21]) الإسراء: 24.

[22])  الملك: 2.

[23]) يوسف: 90.

[24]) آل عمران: 134.

[25]) المائدة: 13.

[26]) الكهف: 104.

[27]) البقرة: 173.

[28]) الفتح: 26.

[29]) المائدة: 48.

[30]) يونس: 25.

[31]) آل عمران: 104.

[32]) الأنعام: 108.

[33]) النساء: 58.

[34]) النساء: 60.

[35]) النساء: 65.

[36]  ) عدي - تصغير عدو - وفي هذا الكلام بيان أن لذائذ الدنيا لاتبعد العبد عن الله لطبيعتها ولكن لسوء القصد فيها.

[37]  ) يقدروا أنفسهم أي يقيسوا أنفسهم بالضعفاء ليكونوا قدوة للغنى في الاقتصاد وصرف الاموال في وجوه الخير ومنافع العامة وتسلية للفقير على فقره حتى لا يتبيغ أي يهيج به ألم الفقر فيهلكه. وقد روي المعنى بتمامه بل بأكثر تفصيلا عنه كرم الله وجهه في عبارة أخرى.

 

 

محسن وهيب عبد


التعليقات

الاسم: محسن وهيب عبد
التاريخ: 22/02/2009 12:25:33
الاستاذالودود والكاتب المبدع عقيل العبود
افتقدك وانت موجود واسال الله تعالى ان يطيل عمرك ويسددك دوما على الحق والرشاد مع فائق احترامي وتقديري

الاسم: عقيل العبود
التاريخ: 22/02/2009 04:42:10
استاذي العزيز محسن وهيب
تحية خالصة
سلمت افكارك وانت تحلل معنى العقل، ومعنى الإنسان، سلمت يداك وانت تنسج حسن القول ما يطابق فقه إلإمام جعفر الصادق عليه السلام دمتم موفقين وآجركم الله .




5000