.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


النخب؛ البيئة الثقافية، والمشروع السياسي

سعد محمد رحيم

ـ 1 ـ

   تلوّن الثقافة البيئة الاجتماعية وتطبعها بطابعها، حتى يكاد يكون كثر من العناصر الاجتماعية عناصر ثقافية في الوقت ذاته، أو الوجه الآخر لها. وحين نقول أن أية ظاهرة أو شخصية إنسانية أو مؤسسة هي نتاج بيئتها الاجتماعية وامتداد لها فيمكن القول كذلك أنها ( الظاهرة والشخصية والمؤسسة ) تغدو مشبعة بالقيم والأشكال الثقافية الفاعلة في تلك البيئة قبل أي شيء آخر. حتى لنستطيع أن نتحدث عن بيئة ثقافية ليست غير معزولة عن إطارها الاجتماعي فقط، وإنما هي، إلى حد بعيد، المحدد الرئيس لمحتوى ذلك الإطار.

   وتتشكل البيئة الثقافية من منظومات القيم والتقاليد والأعراف والعادات والمعتقدات والأفكار السائدة ونظم التربية والتعليم، والقوانين المتبعة. وهذه كلها تتجسد بدءاً من أنماط الملبس والمأكل، وإحياء المناسبات كالأعياد والأعراس والمآتم والطقوس الدينية والفنون الشعبية، وطبيعة وأشكال العلاقات الاجتماعية، وحتى أشكال ومضامين ومستويات الإبداع الرفيعة المنعكسة في الآداب والفنون المنجزة، والتي ستنجز. وبالمعنى الواسع للاصطلاح يدخل، أيضاً، كل من الفكر السياسي والممارسة السياسية في ضمن مكونات ومعطيات البيئة الثقافية.

   وتشمل البيئة الثقافية المؤسسات التقليدية والحديثة التي تنتج القيم الثقافية أو تعيد إنتاجها بكل ما تحويه هذه المؤسسات من فاعلين إجتماعيين ونشطاء وتقاليد وآليات عمل ووسائط اتصال ووسائل تقنية. ويمكن إدراج، في ضمن هذه المؤسسات؛ ( الأسرة، دور العبادة، المدرسة، الجامعة، أجهزة الإعلام، منظمات الثقافة والمجتمع المدني، فضلاً عن الأحزاب والمؤسسات الحكومية ). من هنا تنطوي البيئة الثقافية على شروط ومقدمات وممكنات ( أي أرضية ) الإبداع الثقافي والمعرفي ( الرسم، النحت، الموسيقى، المسرح، السينما، الشعر، الرواية، القصة، النقد الأدبي، الفلسفة، الإيديولوجيات، العلوم الإنسانية كافة.. الخ ). فضلاً عن الصيغ والسلوكيات والاستراتيجيات في حقول النشاط البشري كالسياسة والاقتصاد والقوات المسلحة.  

   وظلت البيئة الثقافية تبدو وكأنها هي التي توفر تلكم الشروط والمقدمات والممكنات كما لو أنها تمتلك سلطة موضوعية تؤثر إلى حد بعيد، ولا تتأثر إلا بشكل محدود. بعبارة أخرى تراءت البيئة الثقافية وكأنها تبقى محافظة على بنيتها وآليات اشتغالها وشروطها زمناً طويلاً. لكن الإشارة إلى شروط وتحديدات البيئة الثقافية لا تعني قطعاً الكلام عن بنية ثابتة قارة نهائية، تُغيّر ولا يصيبها التغيير، وإن كان التغيير الذي يجري عليها بطيئة، وغير ظاهرة للعيان ( بسبب بطئها ذاته ). وقد تبدل الأمر الآن، بشكل ملموس، مع تطور تقنيات الإعلام والاتصال.

   اليوم، يكيف الإعلام البيئة الثقافية، ويؤثر فيها، ويعيد إنتاج عناصرها وقيمها، وحتى مؤسساتها، أكثر من أي شيء آخر، منافساً المؤسسات التقليدية الراسخة التي احتكرت التأثير فيها وإعادة إنتاجها لقرون. فتقنيات الاتصال والإعلام الحديثة وأساليبها المبتكرة وخطابها الجديد باتت تخلق بيئة مغايرة لتفاعل الثقافي والسياسي ( في سبيل المثال ) ترغمهما معاً على تغيير وسائلهما وآليات عملهما وخطابهما.. إن مثقفين من نمط إدوارد سعيد وتشومسكي وروبرت فيسيك ومحمد حسنين هيكل ( وبالمستطاع إيراد عشرات الأسماء الأخرى ) استطاعوا التأثير في الرأي العام وقناعاته وبالتالي في السياسات المتبعة، عبر أجهزة الإعلام، بأكثر مما نظن. فبوساطتهم ( وغيرهم كثير ) أربك السؤال الثقافي سؤال السياسة وحدده، نسبياً، وتواطأ معه أحياناً، وغيّره في كثير من الأحايين.

   إن الإعلام المعاصر القائم على قيم السرعة والإثارة والمشهدية الصورية والإمتاع والاختزال صار يرغم الثقافي، أيضاً، على تكييف سؤاله وتحديده. والإيجابي في هذا هو أن الإعلام يقرّب الثقافي من الواقع والممكن ويسمح بالتفاعل بينهما. أما السلبي فإن الإعلام بأساليبه وآلياته المستحدثة راح يغري الثقافي بتبني قيمه ومن ثم يجرّه، في كثير من الأحايين، إلى التسطيح والتجزؤ والتشتت.

   من ناحية أخرى يعزز الإعلام مع رسوخ قواعد مجتمع المعلومات والمعرفة وتطور تقنيات الاتصال الحقل الذي يجمع السؤالين ( الثقافي والسياسي ) ويداخلهما. أو يخلق المشهد الذي عبره تظهر طبيعة العلاقة بينهما. وحتى هذه اللحظة ولاعتبارات عديدة يبدو وكأن الأمر يحصل على حساب السؤال الثقافي ولمصلحة السؤال السياسي..

   في هذه البيئة ( الثقافية ) تحديداً، تبرز النخب ( الثقافية والسياسية )، وتتبلور خطاباتها، وتتجسد سلوكياتها، وأنماط أنشطتها. وتُطرح مشروعاتها. والمشروع الذي لا يلتفت إلى مقتضيات وسلطة البيئة الثقافية سيبقى هائماً في سديم التخيلات الطوباوية التي لابد أن تصطدم بالواقع وحقائقه العاملة على الأرض.

   ينتج المزاج السياسي العام لمجتمع ما ( إن كان بمقدورنا التحدث عن مثل هذا المزاج ) عن تفاعلات البيئة الثقافية لذلك المجتمع، إذ يتشكل ( المزاج السياسي ) في مناخ تاريخي ثقافي يترشح بدوره عن التجربة الإنسانية للأفراد في إطار علاقاتهم الاجتماعية ـ الاقتصادية، وتفاعلهم وتواصلهم تاريخياً مع محيطهم الطبيعي والاجتماعي، في ضوء، وبوساطة قيمهم ومعتقداتهم وخبراتهم العملية المتراكمة والتي تتأثر وتتطور هي الأخرى تبعاً لذلك التفاعل والتواصل ( الجدلي بطبيعة الحال ). ولذا لن يفلح السياسي ما لم ينفتح على الحقل الثقافي. بالمقابل لن يفلح المثقف ما لم يأخذ بنظر الاعتبار حضور ( العامل ) السياسي الطاغي.

   تشتغل النخب، ومنها السياسية، في بيئة ثقافية ( إطاراً ومناخاً وبنى مولِّدة ومعطيات ) سواء أدركت ذلك أو لم تدركه. وإذا لم تنطلق ( في الممارسة وإنشاء خطابها، وصياغة مشروعاتها) من البيئة الثقافية ( واقعاً ) ولا تأخذ بنظر الاعتبار حقائقها واشتراطاتها والقواعد التي تسير على وفقها، ومن غير أن تطمح وتعمل على تنميتها في الوقت نفسه. وإذا ما كانت رؤيتها قاصرة، ولم تجنح إلاّ إلى استثمار ممكنات البيئة تلك في ضوء مصالح آنية ضيقة فإن عليها أن تتوقع الأزمة واستفحالها والتخبط والإخفاق وستصل، حتماً، إلى طريق مسدود. وستبقى معزولة من ثم، عن ( أو في ) محيطها الاجتماعي.

 

ـ 2 ـ

إن واحداً من أخطر أسباب فشل التجربة السوفيتية ( والاشتراكية عموماً ) هو أن السياسي صادر الثقافي وألحقه تابعاً له أو أقصاه بحسب مقتضياته وضروراته في الوقت الذي كان يجب أن يحدث العكس، أو أن يحصل نوع من التعاطي الجدلي الخلاق بينهما مثلما تفترض الماركسية في جوهرها؛ الماركسية التي هي، في جانب من جوانبها الثرية العديدة، ماكنة ( إنتاج ) ثقافية جبارة استولى عليها السياسيون بمنطق السياسة المجردة وكادوا يخربونها وإن فعلوا جزئياً. ويشير الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه ( الزلزال السوفيتي ) إلى واقع "أن الذي يتابع تاريخ روسيا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ما يلبث أن يكتشف أن الحياة السياسية طوال هذه الحقب الدامية كانت صراعاً بين المثقفين والقياصرة. وحين جاءت الثورة ( البلشفية ) بالسلطة لم تعثر لنفسها على حل غير القضاء على الاثنين معاً!". وهذا على عكس الرأسمالية ( وبإشارة هيكل كذلك) التي كانت "قد اكتشفت بتجربة ما قبل الحرب العالمية الثانية أن المفكرين في كل مجالات العلوم والفنون والآداب هم عنصر القلق الرئيسي والمراجعة في مجتمعاتهم، وإن اجتذابهم لصالح مؤسسة الامتياز والنفوذ والسلطة أولى من تركهم عنصراً للشك والتشكيك في هذه المجتمعات"

   إذن بالمقابل، ولعل الولايات المتحدة تعطينا النموذج الأبرز والأوضح في هذا، حصلت تسوية ( لاسيما، بعد المرحلة المكارثية ) بين الطبقة الرأسمالية الحاكمة والنخب الثقافية الأميركية كانت أشبه ما تكون بعملية دمج، أتاحت الفرصة لتلك النخب من خلال توفير الظروف المادية والمؤسسية للمساهمة في المشروع الرأسمالي كما لو أنه مشروعها هي. فبدءاً من استوديوهات هوليود وما تنتجها من أفلام وحتى مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية والجامعات انخرطت أعداد متزايدة من المفكرين والمثقفين في دعم المشروع الاستراتيجي للدولة الرأسمالية ( وبطبيعة الحال لا نعدم وجود استثناءات نوعية كبيرة جسدت الممانعة بهذا الخصوص ) وظهر المشهد الثقافي ( الأميركي ) بدرجة عالية من الفعالية وكأنه يصدر عمّا يُطلق عليه بالعقل الإمبراطوري الأميركي لتكريس فكرة ما يسمى بالحلم الأميركي ( الرفاهية العالية في مجتمع الاستهلاك ) وصورة الأميركي السوبرمان المنقذ ( ذكاء خارق، وسائل تقنية متقدمة، قوة لا تُضاهى ولا تنفد، وسامة وجاذبية شخصية، وحظ مستيقظ على الدوام ). وبدا وجود الاستثناءات المعارضة ( إدوارد سعيد، تشومسكي، نورمان ميللر، في سبيل المثال ) جزءاً من المشهد الضروري؛ مشهد الحرية والديمقراطية الكبير. مع الوعي بأن تأثير هؤلاء سيبقى محدوداً في النهاية ولن يغير من واقع ما سماه هربرت ماركيوز بـ ( الفكر ذو البعد الواحد، والإنسان ذو البعد الواحد، والمجتمع ذو البعد الواحد ). أما الآخرون، من المثقفين والمفكرين المدمجين، في مسار المشروع ومؤسساته فقد حظوا بفرص كبيرة للتأثير على السياسات والقرارات والرؤية الاستراتيجية ( فوكوياما وهنتنجتون في سبيل المثال ). أو للتقدم في المواقع الوظيفية العليا، ولعل ( باراك أوباما ) الأستاذ الجامعي المتخصص في القانون الدستوري، الفائز بانتخابات الرئاسة الأميركية، يعد النموذج الأحدث في هذا المقام.

   أما في العالم الثالث فغالباً لم تصل الفئات الحاكمة ونتيجة قصر نظرها ونرجسيتها الوهمية إلى آلية شبيهة بتلك الموجودة في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة لجذب ودمج النخب الثقافية في مشروع حضاري لبناء المجتمع والدولة ( وباعتقادي أن هذا المشروع هو هدف كل أمة خرجت من تحت العباءة الكولونيالية وما زالت تبحث عن هويتها وطريقها ). وعلة هذا الأمر يكمن إما في عدم وجود مثل هذا المشروع أو أنه ( أي المشروع ) لم ينبع من رؤية استراتيجية واقعية وطموح، أو أنه يفتقر إلى المقومات والآليات التي يتطلبها تحقيقه.

   وقد بينت تجارب العالم بهذا الصدد  إن الافتقار إلى البيئة الحاضنة والملائمة يعد واحداً من أخطر الأسباب التي تؤدي بالنخب الثقافية إلى الانعزال والتمرد والسلبية في العلاقة مع السلطة السياسية. فضلاً عن أننا لا ننكر ما لفساد السلطة أو تخبطها وفشلها وقصورها الذاتي ناهيك عن افتقادها للشرعية من تأثير فعال على الموقف الإيديولوجي والأخلاقي للمثقفين. وفيما يخص العراق، في هذه الفاصلة الدراماتيكية والخطيرة من تاريخه فإن أول صورة للعلاقة الإشكالية بين النخب الثقافية والنخب السياسية تظهر لنا مطبوعة بطابع الندية وعدم الثقة والتوتر الموروث من العهود السابقة.. هذه الصورة التي لما تزل طاغية بسبب استمرار تمظهرات تلك العلاقة وانسحابها على المرحلة الحالية.

   تكون الفرصة سانحة أكثر لعلاقة مثمرة إذا ما تمحورت حول مشروع بناء الدولة الوطنية الجديدة على أسس حديثة ( سلطة القانون، قيم المواطنة، المؤسسات والتقاليد الديمقراطية، حقوق الإنسان، العدالة الاجتماعية، التنمية الاقتصادية والاجتماعية، الخ ). وهذا يستدعي في المقدمة إيجاد بيئة تفاعل حقيقي لها ميزة جذب واحتضان للنخب الثقافية التي تستطيع أن تقوم بدور فعال كمنتجة للأفكار الخلاقة ومساهمة في تحويل المزاج الثقافي والسياسي للجمهور ومستشارة في القضايا الرئيسة إن تطلبت الأمور، إلى جانب كون بعض أفرادها يعملون موظفين في مواقع حساسة  في مؤسسات مهمة يمكن الاستفادة من قدراتهم وخبراتهم بهذا الخصوص. وطبعاً من غير أن تفرّط تلك النخب بوظيفتها الأصلية ومسؤوليتها الأخلاقية كمنتجة في حقول الفنون والآداب والمعرفة، وكناقدة يقظة وصارمة للمجتمع والدولة أفكاراً وفعاليات ومؤسسات.

 

 

سعد محمد رحيم


التعليقات




5000