..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قراءة نقديَّة في ديوان (خسائر جميلة) للشعراء الأربعة

باسم الحسناوي

 

ديوان خسائر جميلة

لقراءة الديوان كاملا اضغط على صورة الغلاف

أنا أفهم الظروف الشاقَّة الصعبة التي يعيشها الشعر في النجف، خاصَّةً بعد أن أصبح من المحال تقريباً إنضاج ذائقةٍ جديدةٍ فعلاً لتلقِّي القصيدة الحديثة عند القارئ النجفيِّ الذي ما زال غير ذي ثقةٍ بما دعت إليه أو جسدته الحداثة، بفضل من يستمدون شرعيَّة استمرارهم في ممارسة الجريمة بحقِّ القصيدة النجفيَّة من كونهم إما أقرباء مباشرين لشعراء تقليديين مارسوا جريمتهم بحقِّ الشعر من قبل، وإما لكونهم عاصروا أولئك الشعراء، فجلسوا تحت منابرهم تارةً، وقرأوا ما كانوا ينشرونه في الصحف والمجلات التي قررت مؤازرتهم في جريمة الإبقاء على تخلف القصيدة العراقيَّة آنذاك.

كلُّ المحافظات العراقيَّة تخلصت من أعباء المراحل السابقة تقريباً، إلا النجف، فإنها ما زالت تثار فيها إشكالياتٌ مضحكةٌ حول شرعيَّة قصيدة التفعيلة مثلاً، أو وجاهة أن يكثف الشاعر من نصِّه باستغلال الطاقات الكامنة في أدواته الشعريَّة إلى أقصاها. ناهيك عن كون مجرَّد فتح باب النقاش حول شرعيَّة الوجود بالنسبة لقصيدة النثر أو النصِّ المفتوح يعدُّ هرطقةً من الهرطقات النقديَّة التي لا تغتفر.

ليس هذا فقط، بل إنَّ تحديث اللغة الشعريَّة، وتثوير طاقاتها داخل القصيدة العموديَّة نفسها، مازال إلى الآن ملفّاً غير مفتوحٍ على الإطلاق، مع أنَّ النجف لو انسجمت منطقياً مع نفسها لكانت هذه المسألة بالذات مهمتها الخاصَّة، بحيث لا يمكن مناقشتها في مكانٍ آخر إلا بالتعريج على ما يفترض أن تكون حافلةً به من النظريات النقديَّة الحاسمة التي تعالج هذه القضيَّة، لكن أرجوك جرِّب فاقرأ نصاً عمودياً مكتوباً باللغة وبالفضاءات الشعريَّة الحديثة، حتى تجد نفسك معدوداً على من استباح قدس القصيدة، وعرَّض شرفها ومكانتها السامية إلى الذلِّ والعار والشنار.

إنَّ لهذا الكلام الآنف مدخليَّةً لا يمكن إنكارها من الناحية الموضوعيَّة في كلِّ ما يمكن أن نطلقه من أحكامٍ نقديَّةٍ على النصوص الواردة في هذا الديوان، الذي اشترك في إصداره الشعراء الأربعة لاحقاً، حيث أنَّ نصوصهم رغم محاولاتها الشجاعة للتمرُّد على التعليمات الجاهزة المكتوبة على لائحة هذا المعتقل، وبالرغم من أنها أنجزت المغامرة فعلاً، إلا أنَّ الكلام حول تماميَّة نتائجها من حيث التحقُّق يبقى قابلاً للمناقشة على صعيد نسبةٍ لا بأس بها من النصوص داخل الديوان في الأقلّ.

ولا أعتقد أنَّ السبب كامنٌ في ضعف موهبة أحدٍ من الشعراء الأربعة، بقدر ما يكون السبب هو الفضاء العامُّ الذي يسبح به اضطراراً كلُّ شعراء المدينة، فهو فضاءٌ أقرب ما يكون إلى ممارسة مهنة الرقابة على كلِّ موهبةٍٍ شعريَّةٍٍ تريد التحرُّر من الأغلال العزيزة التي أورثها إياها الحبوبيُّ والجواهريُّ ومصطفى جمال الدين وكلُّ من عداهم من فرسان القصيدة، طبقاً لمعايير الفروسيَّة التقليديَّة على الخيول، لا طبقاً لمعايير الإنطلاق بها إلى مستوى غزو الفضاء.

هذه هي الرؤية العامَّة التي تبخس حقَّ الشعراء بالتأكيد، لأنها تغفل جانب الإبداع الخاصِّ بكلِّ واحدٍ منهم، حيث استطاع من خلال العديد من نصوصه المتفرقة أن يحقق جانباً مما كانت نفسه تصبو إليه من التمرد على القيم النقديَّة السائدة المستمدَّة من استمرار جاهليَّة هؤلاء الشعراء القدامى، حيث تحولوا فعلاً إلى أصنامٍ حقيقيين في أذهان الغالبيَّة العظمى من متذوِّقي الشعر في هذه المدينة العزيزة، وإن كانوا يزعمون أنهم لا يصنمونهم للعبادة إلا ليقربوهم إلى عبقريَّة الشعر الحديث زلفى.

لذلك، فإنَّ من الإنصاف أن نعرِّج على النماذج الراقية لكلِّ واحدٍ منهم، لنشير إلى ما فيها من عناصر التميز والإبداع، راجين منهم أن يخترقوا كلَّ الحجب على هداها حدَّ طلب الشفاعة مستقبلا من شياطين القصيدة لا من ملائكتها الطيبين، فمن أجل جهنم الشعر لا من أجل جنته يتسابق الشعراء.

  

ملاحظة: الأحكام النقديَّة الصادرة منا بحقِّ الشعراء المذكورين، ليست على إطلاقها، فأنا لم أقرأ لأيِّ واحدٍ منهم أكثر مما قرأت له في هذا الديوان، إلا الشاعر الصديق وهاب شريف، فأنا قرأت له نماذج شعريَّةً أخرى في مواضع مختلفةٍ هي أفضل طبعاً من قصائده الموجودة داخل الديوان.

فلا بدَّ من التنويه إلى أنَّ قراءتي النقديَّة هي في حدود ما هو موجودٌ للشعراء داخل هذا الكتاب، وليست متعلقةً بالتجربة الكليَّة الشاملة لأيِّ أحدٍ من هؤلاء الشعراء الأربعة. 

  

الشاعر: سعيد قنبر

تسيطر على مخيلة الشاعر سعيد قنبر هواجسُ مختلطةٌ من الأمل واليأس معاً، ولا أعتقد أنه اليأس الساذج البسيط في كلِّ الأحوال، بل هو يأسٌ منفتحٌ على ذلك المعنى العميق المفلسف الذي يشير إلى أنَّ تحطيم كلِّ تابوات الأمل الكاذب الذي لا يستند في وجوده إلى أساسٍ متين، هو السبيل الفلسفيُّ الأوفق إلى الإنفتاح المستقبليِّ على كلِّ ما من شأنه أن يبني قاعدةً قويَّةً لا تنهدم لاستناد آماله الوليدة الجديدة، مما يشير إلى أنَّ الشاعر يختزن في خياله الشعريِّ وفي أعماق لاشعوره وعقله الباطن كلَّ التجارب الإلهيَّة التي تحدث عنها القرآن مع الأقوام السالفة، مما هو معلومٌ لكلِّ من قرأ القرآن، فكلما بلغ الأمل في إصلاح الأوضاع القائمة الراسخة الموروثة درجة الصفر لم تتردَّد الإرادة الإلهيَّة في أن تمحق ذلك الوجود المنحرف، الذي لم يعد يستمدُّ عناصر بقاءه وامتداده في الأجيال اللاحقة المتتابعة من عواملَ طارئةٍ يمكن علاجها واستبدالها بظروفٍ وعواملَ طارئةٍ أخرى تعدِّل من المسار وتجعل الإصلاح ممكناً، لينفتح المجال أمام وجودٍ مغايرٍ جديدٍ ليس متصلاً بالوجود المنحرف السابق بعلاقةٍ أو برابطةٍ من أيِّما نوعٍ، فيكون الفضل في تأسيس هذا الوجود الجديد منفصلاً تماماً عن أيِّ وجودٍ سابقٍ، بل هو ابن نفسه، ومنبثقٌ فجأةً من أبعد نقاط اليأس من إصلاح الوجود السابق وتعديل مساراته واتجاهاته.

يقول سعيد قنبر في قصيدته (عرس التحرير):

بعد سنواتٍ من التحرير

سأقيم عرسي

في غرفة نومٍ مسوَّرة

بالأسلاك الشائكة

ومحاطةٍ بجدرانٍ إسمنتيَّة

وسأكتب على باب الغرفة

خطرٌ لا تقترب

هناك محاولةٌ لإخصاب الحياة

  

وفي نصٍّ لاحقٍ جميلٍ حقاً، يؤكد سعيد قنبر هذا المعنى في جملٍ شعريَّةٍ متسلسلةٍ مترابطةٍ بطريقةٍ تنمُّ عن أنَّ الشاعر لا يقبل لنفسه أن يقع فريسة المجانيَّة في التعبير كما هو شأن الكثير من شعراء قصيدة النثر الذين تأثروا بوسائل السرياليين في توليد المعنى داخل القصيدة، أو قل في توليد اللامعنى الخالص رغم ما يقال في تبريره من الحجج التي لا تنقذ موقفهم بالطبع.

يقول سعيد في قصيدته التي حملت عنوان (زاهد):

سأزهد في كلِّ الدنيا

إلا مسماراً

مسماراً أعلق عليه هزائمي

وأجرُّ منه حبلاً

أنشر عليه هزائمي

وحين أموت

سيقولون كان هنا

تحت المسمار سمسارٌ

باع عمره مجاناً

واشترى اللاشيء بالتقسيط

لا أعرف لماذا ترك الشاعر كلمة مسمارٍ مجردةً من تنوين النصب، فهذه التجاوزات على قواعد النحو البسيطة مما يذهب بالبريق الموجود في أيِّ نصٍّ شعريٍّ، إلا أنَّ الكثير من شعراء الحداثة مصرون على هذا السيل الجارف من الأخطاء النحويَّة مع شديد الأسف.

لكنَّ الجناس المنتج للمعنى المغاير بين كلمتي مسمار وسمسار لهو في غاية الروعة حقاً، ومما يزيد في روعته أنه جاء بشكلٍ عفويٍّ تماماً، ولم يتعمله الشاعر تعملاً كما يفعل بعض الشعراء إذ يتكلفون هذه الصناعة.

  

إنَّ الشاعر إذ يشتري لاشيئه بالتقسيط، يلمح إلى ضرورة أن تأخذ الأجيال اللاحقة من الشاعر تجربته في إفراغ ساحة الوجود من كلِّ الآمال العاطلة التي لا تكون مسؤولةً عن إنتاج شيءٍ إيجابيٍّ محمودٍ بالمرَّة، لكي تكون الفرص أمامها متاحةً جداً لتأسيس حالةٍ أخرى تكون الآمال فيها مبررةً من حيث أنها سبلٌ حقيقيَّةٌ وواقعيَّةٌ لتحقيق كلِّ النتائج المحمودة التي تقع تلك الآمال مقدمةً معقولةً لحصولها وتنجُّزها على أرض الواقع.

  

إنَّ كلَّ أشياء العالم تنقلب في عين الشاعر إلى وجودٍ سفسطائيٍّ مخادع، لكنه الوجود المعقول الوحيد، في نظر المجتمعات التي خاضت هذه الصيرورة التأريخيَّة المذلة لإنتاج القيم على مرِّ التأريخ. فكان حال الناس جميعاً ونحن منهم طبعاً هي الحال التي حكاها بيت المتنبي الشهير:

ومن يك ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ    يجدْ مراً به الماءَ الزلالا

وإذ يقرُّ الشاعر هذه التسميات الفارغة للمسميات المقلوبة، فإنه لا يقرها وهو مخدوعٌ بها شأنه شأن سائر الناس، بل يقرها مؤقتاً ريثما يكشف زيفها وخداعها، ويخرج عصارتها السفسطائيَّة التي جعلت الجميع يغفلون عن حقيقتها الوجوديَّة الزائفة.

يقول سعيد في قصيدته "حفلة تنكريَّة":

متنكرون

وصلوا كلُّ الضيوف

وحتى الزعيم أتانا بوجهه المألوف

إنَّ كلمة (متنكرون) هي حالٌ متعلقٌ بالضيوف في الجملة الآتية بعدها، لذا كان من حقها أن تكون منصوبةً، إلا أنَّ الشاعر تركها مرفوعةً، ويمكن توجيهها في حالة الرفع، لكنَّ المعنى يصبح أقلَّ إدهاشاً بالتأكيد، مضافاً إلى أنَّ الشاعر آثر استعمال الفعل (وصلوا) على لغة (أكلوني البراغيث) فلا إشكال لنا معه من هذه الناحية.

  

  

إنَّ الأشياء المألوفة لم تستمدَّ ألفتها بمشروعيَّةٍ حقيقيَّةٍ كما تحاول أن توهمنا اللغة بذلك، بل استمدت هذه المشروعيَّة من المؤامرة الكبرى التي حصلت بين اللغة بما هي جهازٌ تواصليٌّ بشريٌّ مخادع، وبين القسم الماكر من وجود العقل، حيث يكون متأثراً مئة بالمئة بكلِّ ما هو فاحشٌ وشهوانيٌّ ومتسلطٌ وما إلى ذلك من القوى التي يتنكر لها العقل البشريُّ ظاهراً وهو ساعٍ إلى الوقوع في فخاخها واقعاً.

 لذلك فإنَّ كلَّ الغموض قائمٌ في كلِّ الوضوح، وكلَّ الفضيلة متقومةٌ بكلِّ الرذيلة، وكلَّ النقائض إنما تكتسب وجودها من كلِّ نقائضها، مع أنَّ العقل الإنسانيَّ الظاهر مكابرٌ جداً وينتفض علينا بقوةٍ كلما أعلنا بوجهه هذه الحقيقة.

أحيانا تبلغ درجة السخط في قلب الشاعر حدَّ الهرطقة، ومن المؤكد أنها هرطقةٌ هي أقرب ما تكون إلى رسوخ الإيمان، لأنَّ كلَّ رذائل البشر إنما تعزى بحسب المنطق السائد إلى خالق البشر، ليكونوا هم الأبرياء من جرائم وانحرافات اقترفوها بإراداتهم واختيارهم، فيكون خالقهم بحسب هذا المنطق المنحرف هو المتهم.

  

 في قصيدة (وصايا) يقول سعيد قنبر:

يا ولدي

وارحل من هذي الدنيا

مرحاً بات الربُّ

يحبُّ كلَّ محتالٍ فخور

هذا اللعب الجميل بكلمة محتال، إذ هي راسخةٌ في المخيال الدينيِّ بزيادة نقطة فتكون (مختال) شحن النصَّ بطاقةٍ شعريَّةٍ لم تكن لتوجد لو لم يلجأ الشاعر إلى مثل هذا الإحتيال فيرفع النقطة ويحدث هذا التحوُّل الجميل في الدلالة.

لقد نجح الشاعر في البلوغ ببعض المقاطع الشعريَّة إلى ذروة القصيدة، لكننا نشكل عليه في أنه إذ قرر أن يكتب قصيدة النثر فإنه لم يلتزم بفضاءاتها واشتراطاتها غالباً، لأنه يكتب عادةً مقاطعه وهي من قصيدة النثر، بإيقاعاتٍ مستمدةٍ من التفعيلة، وهذا ما يسيء إلى قصيدة النثر واقعاً، لأنه يحرمها من فضاءها الشعريِّ المناسب، فلو أنه كتبها موزونةً خالصةً لكان هذا الصنيع مما يخدم القصيدة، لا أن تكون مكتوبةً بفضاءات قصيدة الوزن وببعض إيقاعاتها المنبثة في جملها، وهو مع ذلك قاصدٌ أن يستمرَّ في الإيحاء بأنه إنما هو بصدد كتابة قصيدته نثراً.

كما أنَّ هناك مأخذاً آخر على بعض قصائده، وهو أنه يلجأ إلى التقفية المزدوجة أو المتتابعة بأكثر من قافيتين، وهذا مما يسيء إلى قصيدة النثر في نظري، ومع ذلك فربما تكون للشاعر وجهة نظرٍ أخرى غير هذه تبرر له مثل هذه التقنيَّة في كتابة القصيدة.

ناهيك عن أنَّ مواضع الترقيم ووضع النقاط، كله مما لم أستطع فهم الضرورة فيه واقعاً، فكلُّ كلمةٍ تقريباً مسبوقةٌ بمستقيمٍ طويلٍ من النقاط ومتبوعةٌ به أيضاً بشكلٍ مربكٍ للجملة على المستوى الدلاليِّ الصحيح، ولا أعتقد أنَّ هناك أيَّة ضرورةٍ فنيَّةٍ تستلزم مثل هذا الإجراء.

  

الشاعر: كاظم ناصر العبادي

ينضمُّ الشاعر كاظم ناصر العبادي إلى قافلة الخسائر الجميلة بحصاده الخاصّ، لكن بإيقاعٍ آخر، وبلونٍ مغايرٍ من التعبير والصياغة، ليرينا كيف أنَّ اللمحة القصيرة أو الومضة الشعريَّة المشرقة هي الأقرب إلى معنى الشعر وحقيقته، فأغلب قصائد الشاعر هي من هذا النمط المختزل المشرق الوامض، ونادراً ما يميل إلى كتابة النصِّ الشعريِّ الذي يسوِّد به صفحةً كاملة.

لقد صدرت قصائد الشاعر كلها تقريباً من إحساسٍ مفرطٍ بالخيبة من كلِّ الإيديولوجيات والأفكار والشعارات الحزبيَّة والدينيَّة وغيرها، والحقُّ مع الشاعر طبعاً، فكلُّ شيءٍ يتحول إلى إيديولوجيا لا يعود إلا منبعاً للخيبة والإنكسار والهزيمة، مهما كان موعد كلِّ ذلك مؤجلاً، حتى الجمال مصيره مستقبلاً أن يكون مختوماً بما يشعر بهذه الخيبة المفجعة، بفرقٍ واحدٍ، وهو أن فجائع الإيديولوجيات لا يمكن أن تعدَّ من الخسائر الجميلة في حياة أيِّ فردٍ أو مجتمع، أما انتكاسات الجمال وفجائعه حاضراً ومستقبلاً فهي العنوان الأكثر إشراقاً من بين كلِّ تلك الخسائر التي قدر لها أن تكون محببةً ومحترمةً بسبب كونها في الغاية القصوى من الروعة والجمال.

يقول الشاعر كاظم ناصر نابذاً وراءه إيديولوجيا السياسة دون أن يتأسف، في قرارٍ شجاعٍ بالفعل، وهو أن يستخدم آليَّة الصمت وحدها في حسم معركة النزاع على المناصب:

 حين أيقنت أنَّ السياسة

فنُّ التسلق على أكتاف البلهاء

قررت أن أدلي بصمتي

ويقول في نصٍّ جميلٍ آخر، معبراً عن حالةٍ لا يمكن أن يعبَّر عنها إلا بلغة الشعر، وبهذا الطراز الشعريِّ الخاصِّ الذي هو قصيدة الومضة، ليصعق الوعي البشريَّ المتأمل الحالم بهذه الحقيقة التي يحسها كلُّ إنسان، لكنه ينتظر من ينجح في التعبير عنها ليتعقلها ويفهمها ويحسها ويحسن التعبير عنها بدوره:

أدمنت وجهك عشرين عاماً

وأدركت بعد فوات الأوان

أنك مثل السيجارة

تسببت في تدهور قلبي

كلُّ شيءٍ في العالم المعاصر مزيفٌ ولا يستحقُّ التقدير، مع أنَّ عقل الإنسان نجح في جعل كلِّ الخيالات واقعاً تقريباً، فالحديد لم يعد جماداً، بل هو أفضل كتابٍ ناطقٍ على الإطلاق، كما أنَّ الإنسان لم يعد تغريه حتى الجنان الموعودة بسبب ما يجده من أسباب الراحة والسعادة والرفاهية التي لم تكن لتخطر على قلب بشرٍ في العصور السابقة القريبة، لكنه مع ذلك في أشقى مراحل وجوده، فهو منهكٌ ومرهقٌ على الدوام، حتى سئم نفسه ووجوده الخاصَّ في النهاية، لأنه فقد أعزَّ ما كان يملك في السابق، وهو كيانه المفعم بالإحساس والشعور الوجدانيِّ العنيف بالأشياء.

لذلك، لم يعد الإحساس بالأشياء من اختصاص الإنسان في الأزمان الحاضرة، بل انتقلت هذه المهمَّة من الإنسان إلى الأشياء نفسها لتحسَّ مكانه بوجوده هو وتعطيه من تجليات المعنى ما يكون مناسباً له، وما يكشف عنه حجاب الغموض ليتبدى كما هو في الواقع كائناً مزيفاً لا يستحقُّ الإستمرار بالوجود إلا بصفته حجراً أو جماداً من أيما نوع، أما الأشياء الجامدة التي أخذت على عاتقها مسؤوليَّة الشعور فليس أمامها إلا أن تعترض على عمليَّة المسخ الكبرى التي تحصل على صعيد كلِّ شيء، فتنتحر، ليس انتحاراً عادياً مفهوماً، بل انتحاراً يبلغ بها الحدود القصيَّة من الإحساس بالمأساة.

يقول كاظم ناصر في أحد المقاطع الشعريَّة الجميلة:

حين أنهكه الحزن

تصنع الإبتسام

حدق برهةً في المرايا

لم تطق مرآته الزيف

فاستحالت شظايا

إنَّ قوة الشاعر تتجسد في قصيدة الومضة على وجه التحديد، فإذا أراد أن يطفح شعراً على امتداد صفحةٍ أو صفحتين، فإنه سرعان ما يفقد هذه الطاقة على التركيز، وتجنح استعاراته ومجازاته نحو ما هو مستهلكٌ ومكررٌ من هذه الإستعمالات عند الشعراء، فلا تتعدى في أحسن الأحوال الطريقة التي كان يكتب بها بعض الشعراء الخمسينيين أو الستينيين على أفضل التقديرات، كما أنك تحسُّ بمعاناته الكبيرة في تطويع التراكيب والجمل للوزن الشعريّ، وهذا ما يجعل تجربته في ميدان كتابة قصيدة التفعيلة الطويلة مجالاً واسعاً لإيراد مختلف النقود الموضوعيَّة الصحيحة، وأنا متأكدٌ من أنَّ الشاعر سيكون شجاعاً للغاية ليتحمل مني مثل هذا النقد.

 

 

الشاعر: شهيد الشمري

مع قصائد الشاعر شهيد الشمري برهان حديثنا الآنف عن تخلف الفضاء الشعريِّ العامِّ في مدينة النجف، فالشاعر مأخوذٌ بالتجارب الشعريَّة العشرينيَّة والثلاثينيَّة التي ما عاد لها مكانٌ إلا في الكتب التي تؤرخ لتلك المرحلة، فلو أنك مثلاً سحبت هذه القصائد من الديوان ووضعتها في ديوان عبد الغفار الأخرس أو في ديوان واحدٍ من شعراء فترته التي سبقت القرن العشرين لما وجدت كبير فرق، وربما لو قدم أحدٌ سؤالاً عن أعظم شعراء الحداثة لما كان جوابه إلا أنَّ ديوان الحبوبي هو المثال الرائع لشعر الحداثة في القرن العشرين.

يقول الشاعر من قصيدة تحمل عنوان (جولة في علوة الأغنام):

الحظُّ يرفع بعض الناس للقممِ   وقادني الحظُّ حتى علوة الغنمِ

أقصى المدينة أطلالٌ مميزةٌ     ليست لخولة إذ لاحت كما الوشمِ

ضاعت ملامح سطح الأرض في بعرٍ    مصفرِّ محمرِّ من بولٍ به ودمِ

ولا أعرف لماذا تكون ظاء الحظِّ ضاداً، كما أجهل لماذا جرَّد الشاعر كلمتي (مصفر ومحمر) من التنوين، فربما كان للقصيدة الكلاسيكيَّة نحوها الخاصُّ الذي لا علاقة له بنحو ابن هشامٍ وابن عقيلٍ وسيبويه.

المهمُّ أنك إذ تقرأ هذه القصيدة مثلاً وهي أنموذجٌ عامٌّ لما ورد من حصة الشاعر داخل الديوان، تشكُّ في أنك قادرٌ على قطع تذكرةٍ والذهاب بها من أقصى الأرض إلى أقصى الأرض في مدةٍ لا تزيد على ساعاتٍ معدودة، وربما أعددت شويهاتك للرحيل بها إلى مكانٍ قصيٍّ قبل أن يأتي خبر الوحي من السماء، لأنَّ الشعر زمن حسان بن ثابت بعد الهجرة إلى المدينة قد قطع أشواطاً بعيدةً جعلته يبدو قياساً إلى هذا الشعر في غاية الدهشة والروعة والرشاقة.

ولا أعرف لماذا يعتبر الشاعر محاكاة قصائد أحمد شوقي أو الجواهري في مطالع قصائدهما المشهورة غايةً لا تدرك، ومطمحاً لا ينال، فتراه في أكثر من قصيدةٍ يحاول أن يحيلك بصراحةٍ إلى تلك الأبيات المعروفة، ولا يبلغ مدياتهما طبعاً في الإبداع الشعريّ، بل يبقى شاخصاً بعينيه نحوهما دون أن يبلغ معشار قامتهما الشعريَّة، فلهما مكانتهما طبعاً في تأريخ الأدب ضمن تلك المرحلة التي ظهرا بها مهما كان رأينا في طريقة إبداعهما للقصيدة سلبياً، فنحن ننقد ذلك الشعر بروح عصرنا على كلِّ حال، ومن الطبيعيِّ أن يلحقهما من جراء هذه العمليَّة بعض الإجحاف.

يقول الشاعر:

أرح فؤادك من لومٍ ومن ضجرِ    وانس العتابَ وما في العتب من وجرِ

من ذا تعاتب من ذا سامعٌ كلماً      فكم غضبت وكم أسديت من عبرِ

وقد وردت في البيت كله (من وذا) متصلتين وكأنهما كلمةٌ واحدة، ومن الواضح أنه ليس خطأً طباعياً، بل هو ما اختاره الشاعر فعلاً، وليس هذا هو الخطأ اللغويُّ أو الإملائيُّ أو النحويُّ الوحيد في قصائد الشاعر، بل إنَّ الأخطاء تتكرر بشكلٍ يجعل من العسير الحديث عن كلِّ ذلك في هذه الدراسة.

ألا تحيلك هذه القصيدة إلى قصيدة الجواهريِّ المعروفة:

أرح ركابك من أينٍ ومن سفرِ    كفاك جيلانِ محمولاً على خطرِ

وهكذا قل عن القصيدة الأخرى التي منحها الشاعر عنوان (وإنما المرأة الأخلاق). فالعنوان نفسه يحيلك إلى بيت أحمد شوقي المعروف:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت   فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وتسيطر على الشاعر النزعة الوعظيَّة مع شديد الأسف، علماً أنَّ وظيفة الشاعر الأولى هي الجمال والفنُّ وتقليب المعاني والأفكار بأدوات الشاعر طبعاً، وليس بأدوات الخطباء الحسينيين أو خطباء الجمعة وما إلى ذلك، فمن تخيل أنَّ وظيفة الشاعر إنما هي هذه فليعلم أنَّ ما كتبه لم يكن شعراً على الإطلاق.

 

 

وهاب شريف  

إنَّ الحسَّ الفجائعيَّ في قصائد الشاعر وهاب شريف حاضرٌ بقوةٍ، إلا أنه ليس حساً ساذجاً بالفاجعة، بل هو إحساسٌ من طرازٍ خاصّ، كونه لا يقطع وشائج الإتصال معها، بل يحاول أن يضفي عليها من ذاته الإنسانيَّة الرحبة ما ينتقل بها من منطقة العداوة إلى منطقة الصداقة الحميمة، لأنها ليست في النهاية إلا خسائر جميلة، وهي لأنها حائزةٌ على صفة الجمال جديرةٌ بحبِّ الشاعر، وبأن يمنحها من خياله هذا الشعر المتغزل المنساب قصائد نثرٍ تارةً وقصائد موزونةً تارةً أخرى.

يفتتح وهاب شريف قصيدته التي حمل الديوان اسمه منها (خسائر جميلة):

أيها الذي يسير مثل مدينةٍ طاعنةٍ في العشق

كلما توقف عند حيرة انشغال التقاء اثنتين:

لهفة ابتسامةٍ مسنة

وخيبةٍ بطيئةٍ كادت أن تكون فيما أظنُّ وردةً

فخيبة الشاعر أي خسارته لا تعادل شوكاً مثلاً باعتباره رمزاً للصعوبات أو للنكسات، وإنما هو وردةٌ، في محاولةٍ منه للإيحاء بأنها محببةٌ إلى نفسه، ولا يشعر معها بأيَّة عداوةٍ من أيِّ نوع، وإن كان الأفضل لو أنه لم يستعمل فعل المقاربة كاد، كما إنه ليس من الصحيح أن يسبق الفعل الذي يجيء بعد كاد حرف أن، مع أنه خطأٌ يكاد يكون شائعاً في الأوساط الأدبيَّة مما يجعل الخطب هيناً، إلا أنه خطأٌ على كلِّ حال.

  

من الطبيعيِّ جداً أن يحبَّ الشاعر وطنه مهما كان عاقّاً له ومتنكراً لفضيلته، وليس في هذا ما يعدُّ خروجاً على المألوف إطلاقاً، لكنَّ ما هو خارجٌ على المألوف أن يحبَّ الإنسان خساراته التي تسبب له الألم دون أيِّ مغزى ظاهريٍّ آخر له صلةٌ بمنفعةٍ آنيَّةٍ يتوقعها المرء منها، لذلك فإنَّ كلَّ البشر مجمعون على نبذ الخسارة والحذر من أسبابها، إلا إذا تضمنت موقفاً يقع مقدمةً لتبدلها إلى منافع أعظم على مستوى النتائج المتوقعة.

لكنَّ وهاب شريف متعلقٌ تعلقاً وجدانياً عنيفاً بهذه الخسارات إلى حدِّ الغزل، بل إلى حدِّ أنه يقارن بينها وبين الوطن الذي هو أكثر شيءٍ يحبه في الوجود، في سؤالٍ يبدو استفهامياً لكنه محسوم الإجابة بالنسبة للسائل فيقول:

أيهما أحلى

الخسارات أحلى أم الوطن

إنَّ الثيمة الرئيسيَّة التي تتحرك باتجاهها وحولها وفي داخلها إنما هي الخسارة عندما تكون موضوعاً للحبّ، لذلك فإنَّ وهاب شريف لا يتردد في أن يخسر الناس أحياناً، ليس تعبيراً عن بغضه لهم بالطبع، فهذا يتناقض كلياً مع فلسفته، لكنه يفضل أن يخسرهم لكي يحبهم أكثر، فهو الكائن المتخصص بعشق الخسارات، فكلما أراد أن يحبَّ شيئاً أكثر فضل أن يتعمق الأسباب التي توجب أن يخسره أكثر، وهذا المعنى التأمليُّ العميق شعريٌّ مئة بالمئة، لولا أنَّ الشاعر لا يكثف عباراته إلى درجةٍ تجعلها صادمةً، كما إنه ينسى تحت إلحاح المعنى أكثر استعمال أدوات الشاعر، فلا يلجأ إلى التركيب الإستعاريِّ إلا نادراً:

يقول الشاعر في مقطعٍ رائعٍ من مقاطع قصيدته (خسائر جميلة):

شيئاً فشيئاً تتحجَّر التأملات

ويصبح كلُّ فراغٍ ممتلئاً باللامبالاة والإنشغال السخيف

لأنَّ الذي مضى كان حباً قاسياً

لا يطيقه المغرورون

بينما الأطفال يغرقون وهم يحاولون السباحة

بينما يئست من حضوري

بينما العيد يحتفي بخسائره الجميلة

ألم أقل إنَّ المسرَّة فادحة

لأنهم قرروا قتل المغني

شماتةً بأنفسهم

وحقداً على ضآلة ما يربحون

سأخسرهم

وهم يقفزون على حبل رموشي

سأقبِّلهم كأيَّة خسائر أخرى جميلة

في قصائده العموديَّة لا يركز وهاب شريف كثيراً، فإنه لا يريد أن يفرط بأيَّة قافيةٍ تطرق خياله، كما إنه لا يريد التضحية بأيَّة جملةٍ تنصاع للوزن الشعريِّ مهما كانت شحنتها الشعريَّة ضعيفةً أو متلاشيةً، لكنه في داخل هذا الشتات يأتي بأبياتٍ رائعةٍ ربما لو اقتصر عليها وخلصها مما يتقدمها أو يأتي بعدها من الأبيات الأخرى لكانت في الذروة العليا من الإبداع، لأنه في الحقيقة شاعرٌ مستلهمٌ لمعنى الحداثة، ويعمل على طبقها في أكثر ما يكتب.

طبعاً أنا لا أحمل موقفاً ضدياً من القصيدة العموديَّة، لكنني أدعو فقط إلى تبديل لغتها وتخليصها من ركام المعاني المطروقة، وأدعو كذلك إلى جعلها مركزةً جداً، ومستثمرةً لأقصى ما يتيحه المجاز الشعريُّ من الطاقات والإمكانات التي توجد في الغالب في فضاءات قصيدة التفعيلة، وليس تحقيق هذا المطلب عسيراً على شاعرٍ مثل وهاب شريف.

ففي قصيدته (ضحايا تفجير) يأتي الشاعر بأبياتٍ عاديَّةٍ عديدةٍ لا تساهم في دفع القصيدة إلى أمام باتجاه نموها الداخليِّ على صعيد المعنى، لكنه مع ذلك يفاجئنا بهذه الأبيات الشعريَّة التي تحلق عالياً في فضاء الإبداع:

في لوعة النارنجة اتحدوا كبسمتهم وفاحوا

لم يندموا لكن يعذبهم جمالٌ مستباحُ

يبست أسامينا على دمنا فذرَّتها الرياحُ

ويقال الشيء نفسه عن قصيدة وهاب شريف التي تحمل عنوان (قطف الضحالة واضمحلا)

حيث بدأت هذه القصيدة بأبياتٍ جميلةٍ للغاية، لكنها سرعان ما بدأت تفقد قوتها الأولى:

والمطلع الجميل هو:

قطف الضحالة واضمحلا    ذئب الضلالة حين ولى

وتسلقت شغفَ القلوب نبوءةٌ نزلت لأعلى

هي بهجة الله التي القرآن رتلها وصلى

يا سيد الكونين ما الكونان إلا بعض كلا

شمخ البهاءُ بها فصار بها البهاءُ يلوذُ ظلا

هذا المقطع جميلٌ للغاية، وما ضرَّ الشاعر لو أنه اقتصر عليه وضحى بما عداه من أبيات القصيدة.

  

الحقيقة أنَّ واحداً من الأسباب المهمة التي تحول دون أن تبلغ القصيدة العموديَّة غايتها في تفجير إمكاناتها، هو هذا الميل اللامبرر عند الشعراء للإكثار من أبيات القصيدة، ولم ينج من هذه الخديعة حتى الشعراء المنضوون تحت لافتة الحداثة.

 


باسم الحسناوي


التعليقات

الاسم: علاء الموسوي / اليمن
التاريخ: 27/04/2009 15:05:13
شكرا للاستاذ باسم الرائع
ان قراءتك للشاعر العراقي وهاب شريف رائعة تدل على محبتك للشاعر المبوب الاستاذ وهاب
محبتي لكما وصداقتي
اخوك علاء اليمن




5000