.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
.
عبدالجبارنوري
د.عبد الجبار العبيدي

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


سؤال الثقافة.. سؤال السياسة

سعد محمد رحيم

لا تتطابق أسئلة الثقافة مع أسئلة السياسة في الواقع والتاريخ، لكنهما في المجتمعات المستقرة والمتحضرة تمتلكان فرصة الوصول معاً إلى نوع من التناغم ( الهارموني ) على الرغم من بقائهما غالباً في حالة من توتر العلاقة بينهما، إن لم نقل؛ على طرفي نقيض. فهما تتضادان، وتتداخلان من غير أن تشكِّلا حالة قطيعة أو تصادم مزمن ( بعكس ما يحدث في مجتمعات التخلف ذات الاقتصاديات الريعية، ما قبل الرأسمالية ). والمدن الفاضلة المتخيلة منذ أفلاطون ليست سوى الأمكنة السعيدة والأوقات المؤاتية للانسجام بين الأسئلتين، أو ربما استنفاد ضرورتهما. لكن في المجتمعات الأخرى؛ ( الراكدة في المنظور الاقتصادي التنموي، وغير المستقرة في المنظور الأمني والسياسي، وغير المتماسكة حول هوية مشتركة في المنظور الاجتماعي ) فلا شك أن أسئلة الثقافة ستنحو منحى الصدام مع البيئة السياسية وتستدعي نمطاً معيناً من الأسئلة السياسية، المنبثقة من الحقل الثقافي، وتحرِّض عليها. وإذا قلنا أن من العسير أن يستقل الثقافي عن السياسي في المجتمعات التي تعيش مرحلة ما قبل الرأسمالية فهذا لا يعني أن يحل المثقف، ثمة، محل السياسي أو أن يتماهى معه أو أن ينافسه في حقله، وإنما أن يكون نتاج المثقف جزءاً بنّاءً في معمار النهضة المتوخاة ومشروعها الفكري والثقافي. فلا يعزز قوة الثقافي سوى استقلاليته وتجرده من تهمة مزاحمة السياسي على سلطته. وإذن المثقف لا يسعى ( أو هكذا يفترض أن يكون الأمر ) كي يكون بديلاً للسياسي في موقعه وأداء وظيفته.. لا يريد أن يتنازل عن نطاقه الثقافي لينغمس في النطاق السياسي، وإذا فعل فإنه يكون قد خسر جزءاً لا يعوّض من دوره ورهانه الثقافيين واحترف السياسة. 

  لا نود حقا فض الاشتباك بين السياسي والثقافي لأن هذا غير ممكن واقعياً. غير أن تأشير وظيفة كل منهما في استقلال عن الآخر لا يعني ألاّ يأخذ كل منهما الآخر بنظر الاعتبار.. إن بعداً سياسياً في الثقافي لا يفقده استقلاليته، وكذلك حين نتكلم عن البعد الثقافي في السياسي.. إن الفصل النظري بين السياسة والثقافة ( وبين أسئلتهما لاحقاً ) لا يفترض بالضرورة وضع معسكرين متقابلين أو متجاورين أحدهما للمثقفين وآخر للسياسيين.. إننا نتكلم، ها هنا، عن الفاعلية والوظيفة وليس عن الأشخاص. ولا نعدم وجود سياسي مثقف؛ سياسي لعبته السياسة ومسند بثقافة رصينة، ومثقف يحاور وينظِّر في الحقل السياسي، أو حتى يضع عيناً على السياسة ويتورط بلعبتها. إلى جانب أن كل سياسي يمتلك خطاباً واضحاً هو مثقف بالمعنى الواسع لكلمتي الثقافة والمثقف ( تحديدات غرامشي ). وكل مثقف هو سياسي بقدر ما تحوي ثقافته من بعد سياسي. لكننا نركّز على طبيعة وحقيقة الإنتاج في الحقلين وعند الشخصين ( السياسي والثقافي ). فالسياسي يؤثر ويغيّر في الواقع المعيش بآليات السياسة المعروفة وعمل مؤسساتها فيما المثقف يؤثر ويغير الواقع بإنتاجه الثقافي حيث يشتغل خطاب الثقافة. بالمقابل تنشأ بين النخب السياسية والنخب الثقافية منطقة رمادية حيث يتسلل بعض المثقفين إليها للتقرب من السياسيين أو لأداء دور سياسي ووظيفة سياسية. أو بالعكس. وقد تكون لهذا أحياناً بعض حسناته. نقول أحياناً، لأن عواقب وخيمة أيضاً يمكن أن تنتج عن هذا.

    هناك من المثقفين، عندنا، من ينكر اهتمامه بالسياسة، أو يتبجح بالسمو على الحقل السياسي، وفي هذا نجد مغالطة كبيرة، فالحقيقة أن السياسة تحاصره من كل جانب وتؤثر على أسلوب معيشته وواقع مجتمعه ومن ثم على طريقة تفكيره ومحتوى هذا التفكير واتجاهه، ولابد أن الهمّ السياسي سيسكنه حين ينتج ويبدع، وإلا فإن نتاجه سيغدو بلا روح أو مصداقية. غير أن التورط بالسياسة لا يجب أن يصل إلى حد مغادرة الموقع الثقافي من أجل السياسة ومغرياتها.

   رشح الروائي البيروي ماريا فارغاس يوسا نفسه لرئاسة الجمهورية غير أنه أدرك بعد فشله في الانتخابات أن وظيفته الرئيسة هي الكتابة والإنتاج الأدبي والثقافي. وربما يكون الروائي الكولومبي غابريل غارسيا ماركيز من أكثر الكتّاب المعاصرين تماساً مع السياسة والسياسيين، لكنه أبداً لم يقبل بأداء دور سياسي مباشر وظلت سلطته مستمدة من مكانته مثقفاً وكاتباً. والمثقف المبدع، لاسيما إذا كان نجماً له شهرته الإعلامية، حين يتكلم في السياسة فإن الآخرين يصغون إليه باهتمام، حتى وإن ادّعوا غير ذلك.  وفي سبيل المثال، إذا كان الساسة الأميركان ومعهم المتخصصون في العلوم السياسية في أميركا يتهمون عالم اللغة الشهير ناعوم تشومسكي، والذي غالباً ما يكتب مقالات وكتباً ويلقي محاضرات ذات طبيعة سياسية ساخنة، بأنه غير متخصص في علم السياسة، بمعنى أن رأيه لا يعوّل عليه، فإن كتاباته وآراءه ( أي تشومسكي ) بقيت ومازالت مؤثرة ومسموعة في أميركا والعالم من قبل دوائر إعلامية وثقافية وسياسية، وشرائح اجتماعية واسعة.

*   *    *

   التغيرات التي تطرأ على أسئلة الثقافة تكون في الغالب بطيئة، طالما نحن نتحدث عن المثال الذي قد يتجاوز الممكن، وعن الحقيقة، أي عمّا يجب، عن المأمول والمرتجى والمنتظر.. أما أسئلة السياسة فتكون ( كذلك، في الغالب ) خاضعة لتبدلات وتغيرات سريعة طالما كانت تلاحق الواقع بتوتراته واشتراطاته ومقتضياته واتجاهاته.

   تبدو الصورة الأولى هكذا؛ يطرح الثقافي سؤاله من وضع مريح؛ وضع المراقب ( بكسر القاف ) الراصد، أو الرائي ( من برج عاجي ) فيما السياسي يطرح سؤاله وهو في وضع المراقب ( بفتح القاف ) المرصود والمرئي؛ منغمساً في التجربة على أرض الواقع القلق، غير المستقر، الخطر والمتقلب. وفي النهاية قد يجري نوع من المزاودة بين الاثنين؛ الثقافي الذي يزاود على مثال متخيل، ليس بالضرورة أن يكون معقولاً وممكناً. والسياسي الذي يزاود على الواقع والتاريخ حد الخضوع لمنطقهما وضرورتهما المباشرة. في هذه النقطة قد تكون خسارة الاثنين مؤكدة.. الأول وهو يجعل الواقع ( بقوانينه وحركته وتحولاته ) يفلت منه والثاني حين يستسلم للتيار الجارف إلى حيث يأخذه.

   يتلمس سؤال الثقافة طريقه في الزمان الممتد، المركّب، فهو يُعنى بالسياق، وينشغل إلى حد بعيد بالمستقبل، حتى غير المنظور منه، أو غير المنظور منه في رؤية متخصصي علوم الاجتماع والاقتصاد والسياسة. وفي الشأن السياسي في سبيل المثال، يستغرق السؤال التحليل الجزئي الخابر من غير أن يتعدى السطوح والمرئيات والمؤثرات المباشرة إلا استثناءً. ويكون الحاضر نطاقه غالباً موغلاً لمسافة زمنية قصيرة، وبتحكم موجِّهات المصالح. وإذا كانت هذه المصالح فئوية ضيقة ( وهي كذلك في معظم الأحيان في الدول المتخلفة ) فإن حصيلة المنتج المعرفي تكون شحيحة وبائسة.

   إن سؤال السياسة لا يبغي إنتاج معرفة لذاتها.. إنه موصول بالسلوك والممارسة ومعطياتها وبالهدف الملموس والمباشر والمحدد في الواقع الموضوعي، لكنه في النهاية يراكم خبرات ويؤسس لمعرفة. وحتى لو قلنا أن السياسة تخترق كل معرفة في الحقول المجاورة فإنها لا تكتسب عمقها الكافي ولا تبلغ أسئلتها الحية إلا بالتفاعل مع تلكم الحقول ( علم الاقتصاد السياسي، الجيوبوليتيك، القانون، الأدب والفن، علم الاجتماع، الخ ) والثقافة تتماسك باللحمة السياسية لكنها أبداً تمتلك قوتها بسعة منظورها وعمقه.  

   إن سلطة المثقف منتجاً للثقافة تمنحه حق إبداء الرأي في الشأن السياسي وهو الذي يكون قد خبر الحياة بما فيها لونها السياسي بأعمق مما فعل غيره ( وإلاّ كيف نطلق عليه تسمية مثقف! ). وحين يفرض عليه واجبه الأخلاقي  أن يقول ( الحق بوجه السلطات كلها ) كما يؤكد إدوارد سعيد فإنه بذاك يكون في مرمى هجمات السياسيين ممن يخشون الحقيقة تلك. نرى مثالاً معاصراً لهذا في شخص الكاتب التركي أورهان باموك ( صاحب جائزة نوبل للآداب 2006 ) كيف أثارت تصريحاته بخصوص ( مقتل مليون أرمني و30 ألف كردي على الأراضي التركية ) حنق القوميين المتعصبين الذين اتهموه بالخيانة العظمى.

   يمنح شكل السؤال نفسه ( طبيعته وأسلوبه ) الاقتراح الأول للإجابة.. وفي سؤال الثقافة نحن نبحث عن أفق أرحب؛ عن الحرية في نهاية المطاف.. أو قل عن الحياة في ذروة تفتحها وتألقها. وسؤال السياسة في ظل السلطات المستبدة الذي يبغي تدجين الحياة وضبطها على وفق رؤى إيديولوجية ومصالح خاصة يواجه نقيضه أو ندّه في سؤال الثقافة. الثقافة التي تستمد نسغها ومشروعيتها من قوة التحامها بالحياة واحتفائها بها ودفاعها عنها، ومحاولتها للارتقاء بها.

   الحرية هي فرضية الثقافة الأولى، أو هكذا يجب أن تكون. وفي ظل السلطات الكليانية والفاشية تغدو السؤال المتربص. وكانت الانقلابات الراديكالية، وحتى وقت قريب، وما زالت، تفترس عالمنا العربي باسم التحرر والحرية. لكنها في النهاية كانت تخلق مراكز سلطة ونفوذ لها قواعد لعبة وآليات ومصالح وديدنها الأول أن يستمر القائمون عليها في مواقعهم الحالية، لذا كانت تجد في الحرية وسؤالها التهديد الأعتى لها، وهذا يفسر نزوعها نحو التوتاليتارية ( الكليانية ). إن الاستثمار البراغماتي المخادع لموضوعة الحرية في الحقل السياسي لا ينتج سوى أمل مرجأ. فالذرائع تكون حاضرة لانتهاك المبدأ بصرامة وخشونة وقسوة باسم مبدأ آخر ملفق، أو واقعي على طريقة ( حق يراد به باطل ).

 حين نفترض في التجربة التداخل بين حقلي السؤالين ( السياسي والثقافي ) فإن الحد المتوتر اللاعب بينهما هو الأخلاق. أي منظومة القيم والمعايير والأعراف الإنسانية. فسؤال الثقافة هو معطى حضور الأخلاق ولاسيما حين يواجه سؤال السياسة وخطابها وفعلها في عملية سجال لا ينقطع. ومنذ عهد بعيد ظلت السياسة تتعاطى مع حقائق القوة  أكثر مما تتعاطى مع أي شيء آخر، بما في ذلك القيم العامة والمبادئ. وترينا تجاربنا المعاصرة، عراقياً وعربياً، كيف جرت عمليات مزاودة لا تنتهي تحت اللباس التنكري للقيم والمبادئ ومن طريق رفع شعارات صاخبة وبراقة أُفرغت في النهاية من محتوياتها ( أي تلكم القيم والمبادئ ) حتى باتت في وضع البؤس وصارت مثار تندر وسخرية. وذلك الخراب والهتك كله الذي أصاب القيم والمبادئ ( التي هي نتاج تجربة مجتمع وأمة وتطور ثقافتهما عبر قرون ) بفعل أخطاء وخطايا وحماقات سلطات سياسية متعاقبة يفرض على النخب الثقافية ( إن لم يكن الفساد والخراب طالها هي الأخرى ) أن تعيد إنعاش روح الأمة وتنهض بثقافتها وتهيئها للقيام بدور حضاري جديد. وهذا يتطلب بدءاً صياغة أسئلة صحيحة تتسم بالجرأة، أي ألاّ تخشى التابوات وألاّ تتردد في دخول المناطق الممنوعة التفكير بها، وأن تصدر عن نظر عقلاني وعملاني عميق. وإذا كان بالإمكان صياغة مفهوم نطلق عليه ( السؤال السياسي للثقافة ) فإن هذا السؤال في واقعنا المعاصر لابد أن يدور حول الكيفية التي يمكن بها خلق البيئة الثقافية التي فيها وعبر مفاعيل عناصرها تُصاغ عقلية المجتمع وتوضع في المسار الحضاري المطلوب. وفي هذه النقطة لابد أن يتآزر ويشتبك سؤال السياسة مع سؤال الثقافة للوقوع على مفصل النهضة الصحيح. ولقد كان المشروع النهضوي الفكري العربي الذي بزغ في منتصف القرن التاسع عشر ذو محتوى ومضمون سياسيين، وبقواسم مشتركة في طبيعة الأسئلة التي يطرحها كل من المشتغلين في حقلي السياسة والثقافة، على الرغم من مفترقات الطرق والأزمات والإشكاليات الحاصلة فيما بعد.

   والسؤال الخطير والمهم الذي يفرض نفسه، في سياق أطروحتنا، هو؛ متى تكون إستراتيجية السياسة جزءاً من إستراتيجية الثقافة، وليس العكس؟.

   يبدو، للوهلة الأولى، كما لو أننا نوحي بالحديث عن مدينة فاضلة.. عن مستوى مغاير من التناقضات بعد حل التناقضات المعروفة التي تنخر، الآن، جسم مجتمعنا وتطبعها بطابعها.. عن مجتمع الوفرة لا الندرة ( نسبياً ولكن ملموساً بوضوح وقوة ).. عن التصالح بين الثقافة والسياسة والاقتصاد والأخلاق.. بين المجتمع والمؤسسة.. بين النخب والدولة.. بين العام والخاص.. بين المبدأ والمصلحة.. بين الحرية والضرورة.. وأكاد أقول؛ بين الديمقراطية والاشتراكية.

 

 

سعد محمد رحيم


التعليقات




5000