.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة قصيرة / لمّا سقط المطر

سعد محمد رحيم

يبرز رأس المرأة من وراء صف الملابس المنشورة على حبل الغسيل.. سياج السطح واطئ، والمرأة ترفع ذراعها العارية فيلمع جلدها في نور الشمس.. تنفذ الشمس بأشعتها من بين قطع الغيم، تغمر المرأة التي تنظر باتجاه المتجر.. وبين المتجر والدار التي تقف المرأة على سطحها تنشر الغسيل عرض الشارع..الشارع مجدّر بالحفر.. برك الماء صغيرة براقة.. ربما كان المطر يسقط، هنا، قبل ساعة، لكن الأرض حولها يابسة مغبرة.. ربما، لكن المؤكد أن المرأة، الآن، فوق سطح الدار والغيمة الرمادية معلّقة فوق رأسها.. إنها تنشر الغسيل.. نظر الشاب إليها فرمقته بنظرة عدّها ذات مغزى، واعتقد أنها غمزت له.. لوّح لها فأدارت رأسها واختفت. لعلها جلست أو هبطت الدرج من مكان قريب.. استأذن الشاب من صاحب المتجر لاستخدام جهاز التلفون.. أدار رقماً وراح يتحدث.

   تنبه صاحب المتجر إلى اللغة الغريبة التي يتحدث بها الشاب.. صوته مشروخ بمخارج حروف  حادة.. فكر؛ لا شك تعابير وجهه هادئة، إنه هادئ، وخجول قليلاً، وما يتحدث عنه مع الشخص في الجانب الآخر جدي..

   استغرقت المكالمة ثلاث دقائق أو أقل، لم يفهم منها صاحب المتجر كلمة واحدة.

   ـ كم؟

   ـ الدقيقة بـ 250 ديناراً.

   أخرج الشاب رزمة ثخينة من الأوراق المالية وناول صاحب المتجر ورقة من فئة الـ 5000 دينار..

   وهو يعيد له بقية نقوده سأل صاحب المتجر:

   ـ هل أنت كردي؟ لست كردياً..

   ـ لا.

   ـ لست تركمانياً كذلك.

   ـ لا.

   ـ ولم تكن تتكلم الكلدانية..

   ـ لا، كنت أتكلم الفرنسية.

   ـ مستحيل.

   ـ أتتكلم الفرنسية.

   ـ لا،لكنني أعرفها من الإذاعة والتلفزيون، أقصد أستطيع تمييزها.

   ـ هذه لهجة منطقة الألزاس.

   ضحك صاحب المتجر؛

   ـ لا، لا أصدق.

   ـ لا تصدق.

   عادت المرأة مع كمية أخرى من الملابس المغسولة، لكن الغيمة لم تكن على رأسها، بل الشمس، الشمس حارقة، والمرأة لا تنظر باتجاه المتجر ، وتصور أنها تغيضه بحركات متغنجة، مغرية، وهي تنحني أو تتمطى أو ترفع ذراعها ويظهر ما تحت إبطها بقعة بيضاء كبطن ضفدعة مقلوبة.. سأله صاحب المتجر فيما إذا كان ينتظر شخصاً ما، قال انه يقتل الوقت قبل أن يحين موعد السفر. وكما لو استبطن صاحب المتجر في لهجة الشاب نغمة سخرية وتخيل نظرته الشزرة راح يتشاغل بترتيب علب الحليب المجفف وعصير الطماطم.

   بدت الملابس المنشورة على حبل الغسيل مثل رايات المهرجانات الرياضية تخفق في الريح ملونة ووقفت المرأة وراءها، لا يبدو منها إلاّ رأسها ورقبتها الطويلة البيضاء، تنظر إلى شيء ما إلى جانب المتجر ولكن ليس إليه.. بان على وجهه الامتعاض كأنه يقول في سره؛ أيتها السافلة.. اختفت المرأة وطلعت غيمة من وراء صف البيوت، ثدي هائل كلما لعقته الريح اسوّد وتضخم. تنبه الشاب للبرك الصغيرة البراقة من الماء، وحولها الحصى تلمع نظيفة، ربما سقط المطر قبل وصوله، فكر الشاب.. قال:

   ـ المطر سيعاود السقوط.

   ـ لم يسقط المطر هنا منذ شهر.

   لكن برك الماء.

   ـ أنت لست من هنا.

   ـ وماذا في ذلك؟

   ارتجف شاربا صاحب المتجر.. كان مرتاباً أو خائفاً قليلاً، في تلفته وحركات أصابعه علامة من يتوقع سوءاً. هكذا افترض الشاب وأدار رأسه باتجاه السطح، تهيأ له أن المرأة رقّصت أصابع يدها اليسرى لثانية واحدة أو اثنتين قبل أن تهبط، لعلها هرّبت إليه رسالة ما.

   عبرت طائرة سمتية.. كانت قريبة إلا أن الشاب لم ريها من مكانه. ومن بعيد تناهى صوت غطلاقات نارية.. صليات شبه مخنوقة تشبه صوت طقطقة حبات البلوط المشوي بين جمر الموقد.. هكذا تصورها صاحب المتجر.. قال؛

   ـ منذ زمن لم آكل البلوط المشوي.

   ـ البلوط المشوي.

   ـ البلوط لذيذ.

    رفع الشاب حاجبيه كما لو أنه يتهيأ له أن صاحب المتجر مصاب بمس.

   ـ تفكر بالبلوط المشوي.

   ـ تفكر بالبلوط المشويز

  ـ لا أدري ما الذي ذكرني به... أصوات الطلقات...

   ـ طلقات.

   ـ هل أنت من هذه المدينة؟

   ـ وماذا أبدو لك؟

   ـ هذه المدينة تلم بشراً من أصناف عديدة.

   ـ أصناف.

   ـ أقصد هي مدينة فيها أناس جاؤوا من أماكن مختلفة.

   حاول صاحب المتجر تغيير وجهة الحديث.

   ـ تنتظر صديقاً.

   ـ شخص لم أره قط.

   ـ موعدكما هنا.

   ـ أجل وأظنك تعرفه.

   ـ من هو؟

   ـ صاحب السيارة الرمادية.

   ـ عرفته، لا أعرف اسمه. يقف يشتري سجائر ويبادلني الحديث.

   ـ نعم.

   ـ نعم، رجل طيب.

   ـ طيب.

   ـ كيّس، صوته عميق.. نتحدث في كل مرة عمّا يحصل.

   ـ عمّا يحصل.

   ـ أشياء كثيرة، يخيل لي في بعض الأحيان، أنه قلق.

   ـ قلق.

   ـ أو حائر، أو خائف ربما.

   ـ خائف.

   ـ أو ربما يضمر أمراً، والله أعلم.

   ـ أي أمر.

   ـ من يدري، أخمن.

   ـ كيف هو شكله.

   ـ لا أستطيع أن أقول لك كيف هو شكله.

   سُمع صوت انفجار.. ارتجت المواد المعروضة على رفوف المتجر، وصدرت عن امرأة كانت تمر بالمكان، تلبس عباءة سوداء صرخة مخنوقة.. نوّه صاحب المتجر وقد ارتجفت شفتاه إلى أن بعضاً من سكان المدينة لابد أن يكونوا قُتلوا أو جُرحوا الآن.. لم يعلق الشاب بشيء واكتفى بإشعال سيجارة أخرى والنظر إلى الملابس الملونة المنشورة، لم تكن المرأة ذات الذراع العارية هناك، فوق السطح، لكن الغيم تكاثف وانكسرت حدة ضوء الشمس، وشيء من حرارتها.. سعل الشاب وطلب ماء. فتح صاحب المتجر البراد وخرج زجاجة ماء وقدح.

   ـ احذر، الماء بارد ونحن في أواخر الربيع، والجو لا يؤتمن.. وأردف وهو يرسم على وجهه شبح ابتسامة؛

   ـ قل لي ما الذي يؤتمن في هذا الزمن؟

   شرب الشاب نصف كأس الماء وأعادها للرجل صاحب المتجر.

   ـ بالعافية.

   تظهر المرأة مرة أخرى، تلوح بذراعها الممتلئة العارية وتخشخش بلعبة أطفال في يدها. والرجل صاحب المتجر يطلب منها بحركة من أصابعه الملمومة أن تتمهل.

   ـ هذه المرأة تخشخش بلعبة أطفال.

   ـ تناديني، إنها زوجتي.

   ـ زوجتك؟! ولماذا تخشخش، لماذا لا تكتفي بالإشارة.

   ـ وكيف يمكنني رؤيتها؟

   ـ أنت...؟!

   ـ نعم.

    ـ لم يقولوا لي هذا؟

   ـ من هم؟

    سكت الشاب لثوان، ثم قال؛

   ـ حين وصفوا لي المتجر، لم يقولوا صاحبه أعمى.

   ـ أخشىأنك بصدد متجر آخر.

   ـ مستحيل، والسيارة الصفراء وصاحبها.

   ـ آه...

   توارت المرأة وخفقت الملابس في الريح الخفيفة الناهضة.. ملابس امرأة ورجل وأطفال.

   ـ كم طفل لديك؟

   ـ ستة.

   ـ ستة.

   ـ زوجتي تريدني أن اغلق المتجر.

   ـ إنه وقت الغداء.. وقت استراحتي.

   ـ ولكنني لا أستطيع الوقوف أمام متجر مغلق.

   ـ تعال وتغدَ معي.

   ـ لا، قد يأتي من أنتظره في أية لحظة.

   ـ آه، نعم، سأنتظر نصف ساعة أخرى.

   أقبلت طفلة في التاسعة أو العاشرة، شملت الشاب بنظرة صافية وابتسمت وناولت صاحب المتجر ورقة نقدية.

   ـ أريد شوكولاتة.

   أخذت الشوكولاتة وعادت تنظر للشاب.

   ـ تحمل مسدساً، هل أنت رجل شرطة؟ 

   ارتبك صاحب المتجر فأوقع علبة من الكرتون كانت أمامه.. تناثرت قطع الحلوى على الأرض.. دخلت الطفلة إلى المتجر وراحت تلملم القطع الصغيرة المسلفنة بينما ظل صاحب المتجر يحدق في الفراغ.. قال الشاب؛

   ـ ربما جاء في أية لحظة.

   ـ قلت أنه ليس صديق لك.

   ـ أنا لا أعرفه.

   ـ وكيف ستعرفه؟

   ـ من سيارته الرمادية.

   ـ موعدكما أمام متجري.

   ـ تقريباً.

   ـ إذن هو الرجل الذي يقف هنا، ويشتري علبة سجائر مارلبورو في كل يوم.

   ـ هو بعينه.

   ـ أتراه من الشرطة، أم مطلوباً...

   ـ شيء من هذا القبيل.

   لم يسأل صاحب المتجر على الرغم من أنه لم يفهم مقصد الشاب تحديداً. غير أن الشاب سأل؛

   ـ المنطقة تبدو مهجورة.

   ـ بعضهم هاجر بسبب الأحداث.

   ـ أية أحداث؟

   ـ الأحداث.. ألا تعرف؟

   تجمدت أسارير صاحب المتجر وأصابعه تضغط على اللوح الخشبي للمنضدة التي تفصله عن الشاب؛

   ـ ترى لماذا.. هذه الأحداث؟

   ـ ها...

   ـ ها؟

   ـ الأحداث، ما سببها؟

   ـ جنون.

   ـ جنون.

   ـ عسى أن تتغير الأمور.

   ـ تتغير.

   زم صاحب المتجر شفتيه فيما كان الشاب يحدجه ساخراً.

   ـ بعض الناس يستحقون أن يُقتلوا.

   ـ بعضهم أبرياء.

   ـ كيف تستطيع أن تحكم؟

   ـ وكيف أحكم أنهم ليسوا كذلك.

   ـ كيف أدين أي شخص من غير دليل.

   ـ على كل شخص إثبات براءته.

   ـ هذه فتنة....

   ولأول مرة أحس صاحب المتجر أنه تجاوز الحد في الكلام. وسكت الشاب مشعلاً سيجارة اخرى والتفت عله يجد المرأة عارية الذراع فوق سطح دارها. لكن كان هناك طفلان يمسكان بالسياج الواطئ للسطح وينظران إليه هما دون سن المدرسة.. سقطت قطرات مطر قليلة.

   ـ تمطر ونحن في الصيف.

   ـ في أواخر الربيع.

   قال صاحب المتجر ونظر الشاب إلى ساعته للمرة التاسعة أو العاشرة.. كان نافد الصبر فيما لم يلحظ صاحب المتجر ذلك.

   ـ من السخرية أن أسألك عن شكل الرجل صاحب السيارة الصفراء.

   ـ زوجتي تقول أنه ضخم وأنيق، ولاشك أنه غني.. سيارة جديدة ويرتدي بدلة ويضع ربطة عنق مختلفة في كل مرة، غير أن صوته لا يشي بضخامته. زوجتي قوية الملاحظة.

   ـ هذه هي.

   رفع صاحب المتجر رأسه إلى الأعلى..كانت المرأة هناك غير أن الشاب لم يكن ينظر ليها.

   ـ زوجتي؟

   ـ السيارة الرمادية.

   أخرج مسدسه وأطلق النار على صاحب المتجر الأعمى بينما كانت السيارة الرمادية تقف إلى جانبه.. انفتح بابها فهمّ الشاب بالدخول وهو يضع مسدسه في حزامه.. في هذه اللحظة وهو ينحني نظر إلى السائق وتراجع.. تقلصت ملامحه وامتلأت عيناه بالرعب.. حصل كل شيء في لمح البصر.. أخبرت زوجة القتيل الأعمى الشرطةَ أنها صعدت لتنزل الملابس المنشورة لأن المطر كان على وشك السقوط.. رأت الشاب يطلق الرصاص وسمعت صوت الرصاصة، رصاصة واحدة قاتلة في الرأس ثم انطلقت السيارة بسرعة هائلة وسقط الشاب على الأرض .. قالت إنها لم تسمع صوت طلقة نارية في هذه المرة لكنها رأت الدم يغطي رأس الشاب لما نزلت لترى ما حل بزوجها. وكانت تبكي، ورجال الشرطة يحيطون بها، وأطفال على سياج سطح الدار المقابلة ينظرون ويصرخون، والمطر الذي ينهمر بغزارة لا أحد يأبه به.

 

سعد محمد رحيم


التعليقات

الاسم: منذر عبد الحر
التاريخ: 29/11/2008 11:30:14
قصتك رائعة , ذات بناء سردي محكم , ولغة ثرية عميقة , دمت مبدعا أصيلا أيها القاص المبدع سعد محمد رحيم , مع كل أمنياتي ومحبتي وتقديري




5000