.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


( إمبراطورية العقل الأميركي ) ـ قراءة أولى ـ

سعد محمد رحيم

ربما تكون كلمة ( أميركا ) هي الأكثر تكراراً واستعمالاً من أية كلمة أخرى في وسائل الإعلام وفي الكتابات السياسية العربيتين، لكن المعرفة الدقيقة، عربياً، بأميركا وعقلها السياسي والطبيعة الحقيقية للثقافة، ولنمط الحياة الذي تروّج له تبقى قاصرة إلى حد بعيد، تفتقر، إلاّ في القليل النادر، إلى الدقة والعمق وتغلب عليها السمة العاطفية والأحكام المسبقة والسطحية. ومن غير معرفة أميركا وطبيعة عقلها السياسي بآليات تفكيره ورؤيته وموجهاته الإيديولوجية ومصالح واتجاهات القوى المؤثرة فيه لن نفهم عصرنا الآخذ بالتعولم والعاج بالأزمات والمشكلات والصراعات ذات الطابع العابر للقارات حيث تتسيد القطبية الواحدة بقيادة الولايات المتحدة الأميركية بعد حسم الحرب الباردة وانهيار المعسكر الاشتراكي. وصدور كتاب ينطوي على قدر ملموس من الجدية والموضوعية العلمية الممنهجة في هذا الشأن لهو شيء سار، يضيف إلى مكتبتنا ما يغنيها، ولا سيما إذا كان مؤلف هذا الكتاب باحث عراقي شاب يخطو خطوة واثقة في الضفة التنويرية من دنيا ثقافتنا العربية.

   الكتاب المعني، ها هنا، هو ( إمبراطورية العقل الأميركي: الفوضى الشاملة والسلام الدائم )* لكاتبه ( سعد سلّوم ) والصادر عن مؤسسة مسارات في بغداد بطبعته الأولى/  2006. 

   بعد فراغنا من قراءة الكتاب يمكننا إعادة صياغة الجزء الأول من العنوان بالشكل التالي: ( العقل الإمبراطوري الأميركي ) فالكتاب يسعى لاستكناه البعد الإمبراطوري في العقل السياسي الأميركي، فيما أحسب أن وضع حرف العطف ( أو ) بدلاً من حرف العطف ( و ) بين ( الفوضى الشاملة ) و ( السلام الدائم ) يكون أكثر ملاءمة طالما أننا منذورون، كما تقودنا استنتاجات الكتاب، بأحدهما دون الآخر بحسب السياسات التي ستتبعها الدول المختلفة ولا سيما الكبرى منها في المستقبلين المنظور والبعيد. والمؤلف نفسه يشير في الصفحة 11 من كتابه، مقتبساً مقولة لتوفلر مؤداها أن عالم اليوم "أمام مفترق طرق، إما أن يحصل تفاهم دولي يحفظ الثقافات الوطنية من الذوبان ويسهّل التعايش في عالم من التنافس القاسي، أو الفوضى"، أي أن البشرية، في راهنها، تقف أمام خيارين، بحسب منطلقات الكتاب الذي يحاول رسم نوع من خارطة الطريق بين عالمين يطلق عليهما ( عالم هوبز وعالم كانط ) منحازاً لصالح العالم الثاني، وسنشير، فيما بعد، إلى ما يقصده الكاتب منهما. أما فيما يخص اصطلاح  ( إمبراطوري )  فإنه يبدو ملطِّفاً نسبياً بالقياس لاصطلاح ( إمبريالي ) فالاصطلاح الأول اشتغل إجرائياً على مسار زماني أطول بكثير امتد من تشكيل الدول والإمبراطوريات قبل بضعة آلاف من السنين، وربما سيبقى متداولاً حتى نهاية الكون.

   نعرف، أو نتعرف على، موجِّهات الكاتب وتحيزاته بدءاً من اقتباساته التي يصدر بها فصول كتابه، ومنها نقرأ المسكوت عنه، أو نتنبأ بما سيؤول إليه قوله في تضاعيف تلك الفصول، وفي سبيل المثال فسلّوم يصدر مقدمته بقول هنتنغتون "عندما تنشأ دولة الحضارة العالمية يغشى بصر شعبها ما يطلق عليه توينبي ( سراب الخلود ) ويصبح مقتنعاً بأن ما لديه هو الشكل النهائي للمجتمع الإنساني". فحدس الخلود، في هذا السياق، ليس حقيقياً، إنه محض سراب، فدولة الحضارة العالمية التي هي أميركا ( الآن/ هنا ) معرّضة كغيرها من الإمبراطوريات البائدة للتدهور والانحلال، غير أن هذا التدهور، إذا ما جرى في ظل فوضى كاسحة، لن يصيبها وحدها في مقتل وإنما سيتدهور العالم معها وهذا يذكرنا بأطروحة شبنجلر في كتابه الذائع الصيت ( أفول الغرب ) بتأكيده أن الإمبراطورية الغربية تختلف عن الإمبراطوريات التي كانت سائدة في الماضي من أن تدهورها سيفضي بالعالم كله إلى النهاية، أو بحسب مقولة جون فايسك في تعريفه للولايات المتحدة بأنها "تلك التي يحدّها الشفق القطبي شمالاً، والاعتدالان جنوباً، والعماء البدائي شرقاً، ويوم القيامة غرباً". وبهذه المقولة التي لا تخفى دلالاتها، يصدر ( سلّوم ) الفصل الأول الخاص بنقد العقل السياسي الأميركي.  

   إن فكرة النهايات أصيلة في بنية العقل الإنساني، وطالما قال المفكرون وحتى البشر الاعتياديون أو تنبأوا منذ فجر التاريخ بالنهايات، وأبداً كان ثمة هَوَس بالمصير القيامي، وهذه الفكرة كانت تأخذ أحياناً طابعاً دينياً، وأخرى فلسفياً، وتتسم غالباً بهالة طوباوية تنتجها المخيلة المحمومة لبعض البشر.

   يقتبس سلوم بعضاً من فرضياته من مفكرين آخرين، وهذا ليس عيباً، طالما أنه يتصدى لمهمة ضخمة هي قراءة العقل الأميركي الذي قيل فيه وحوله، من ممثليه أو المعادين له، أو الدارسين المحايدين، الشيء الكثير.. من هذه الفرضيات، ما يذهب إليه إدوارد جيبون في كتابه ( سقوط الإمبراطورية الرومانية واضمحلالها ) من أن هذا السقوط والاضمحلال حصل نتيجة طبيعية لعظمة مفرطة، فيعرج ( سلّوم ) إلى ما يقوله محمد حسنين هيكل في كتابه ( الإمبراطورية الأميركية والإغارة على العراق ) بأن الإمبراطوريات الكبرى لم يهزمها خصومها في الصراعات وإنما هزمت هي نفسها بالإفراط في استعمال القوة، وفي الغرور. ويتساءل الكاتب؛ لماذا سقطت الإمبراطورية السوفيتية ولم يحدث هذا حتى هذا اليوم للولايات المتحدة؟ ثم يقوم بإعادة صياغة سؤاله الإشكالي "هل العقل الأميركي غير مزود بحصانة فلسفية تحميه من المأزق الذي حكم الإمبراطوريات الكبرى؟ أولم يتعلم الأميركيون الدرس الحضاري جيداً؟ أم أن هذا العقل بحكم نشأته وتطوره في مناخ القوة والصراع أدرك أن منطق القوة الذي حكم تشكيله لا يحمل بذور فنائه فيه بل بذور استمراره وبقائه؟" ص17. ومن هذا السؤال يحاول استشفاف الآليات الدفاعية للحضارة الأميركية وإمبراطوريتها التي قد تقدم لها الوقاية من مصير الاضمحلال المحتوم، كما يقول.

   ليست الولايات المتحدة قوة عسكرية مجردة، ليست حضارة يمكن انتزاعها، حين الدراسة، عن الأرضية الاقتصادية ـ الاجتماعية التي صيرتها على هذا النحو، فهي الممثلة الأولى لمرحلة تاريخية كبرى هي المرحلة الرأسمالية بتشكيلتها الاقتصادية ـ الاجتماعية ومستوى تطور قوى الإنتاج فيها، فضلاً عن نظامها السياسي الليبرالي، وفلسفتها البراغماتية. والعقل الإمبراطوري الأميركي ليس عقل فلاسفة حالمين، أو عسكر طامحين مغامرين، بل هو تجسيد وانعكاس لمرامي إستراتيجية تتبناها طبقة رأسمالية قوية من خلال شركات عملاقة عابرة للقارات كان شعارها منذ عقود ( الحرب، الحرب إلى أن يتحول العالم إلى شركة واحدة كبرى ) على حد تعبير أحد البراغماتيين في ذلك الوقت.

   إذن فمن غير المنطقي التحدث عن عقل إمبراطوري أميركي مع إغفال البعد الاقتصادي/ الطبقي، أي مجمل القوانين الاقتصادية المحركة للنظام الرأسمالي في سياقه العولمي الحالي.

   يتبنى ( سلّوم ) تعريفاً للعقل الأميركي مقتبساً من كتاب ( العقل الأميركي يفكر ) لشوقي جلال الذي يقول عنه بأنه "أداتي تبريري يتخذ هدفاً له الدفاع عن أو تبرير الهوية الذاتية ومكوناتها ومنهجها ضماناً لهيمنته أو بقائه.. إنه غير قادر أصلاً على عملية النقد فهو مزاج قيمي وجودي، أو هو قناع تبريري أي إيديولوجيا تصوغ ذهنية الفئات الاجتماعية حين تتهيأ لها السلطة، وتنزع إلى المحافظة". ولا شك أن هذا التعريف يؤكد على المحتوى الثقافي الإيديولوجي من غير الإشارة إلى موجِّهات تشكيله ( أي العقل ) الاقتصادية ـ الاجتماعية. وإذا كنا نوافق على الجزء الأول من التعريف الذي يشير إلى أداتية العقل الأميركي وتبريريته فهل بالمقدور نزع صفة النقدية عنه تماماً وإسباغ الطابع الإيديولوجي المحافظ عليه؟. إذن كيف استطاع هذا العقل أن يحسم صراعه مع المعسكر الاشتراكي الذي انهار تحت تأثير عوامل عديدة أولها الشكل الدوغمائي لعقيدته السياسية؟.

   يرى ( سلّوم ) أن "العقل السياسي الأميركي يقوم على وجود النقيض بحيث إنْ لم يتوفر فلا بد من اختراعه" ص20، أي أن هذا العقل يحقق حضوره وفاعليته في مواجهة آخر/ عدو يجسد تحدياً لابد من الاستجابة له، وهذه الاستجابة هي التي تلخص مجمل السياسات الأميركية ولا سيما الخارجية منها، وما يتمخض عنها من أفكار وفرضيات منها:

   ـ النظام ينبثق من الفوضى.

   ـ الأزمة تقود إلى الفرصة.

   ومن ثم استثمار حاجة الناس الماسة إلى النظام فتتم إعادة صياغة الأزمات فتتاح الفرصة لخلق مكاسب إستراتيجية. وشرط وجود النقيض/ العدو يضمن حركية العقل ( الأميركي ) "من خلال دينامية تجاوزه ومحقه عبر السعي دوماً للوصول إلى تركيبة/ توليفة وهو ما يتطلب حسب هيجل قوتين متعارضتين"ص23. فهل استثمر العقل الأميركي جدل هيجل من زاوية أكثر براعة مما فعل الماركسيون؟. أم أنه استفاد من قلب ماركس نفسه لجدل هيجل فخاض صراعه وهو يعي جوهر القانون التاريخي ليكتشف وقد باتت أميركا الدولة العالمية ذات القطب الواحد "قوة مطلقة السراح لا يقف إزاءها النقيض، فواجهت الرعب الرهيب الكامن في الانهيار من السفح المطلق لجبروتها المنفرد" ص23.

   يومئ سعد سلوم إلى حقيقة أن الفوضى قد لا تؤدي إلى النظام بقدر ما تؤدي إلى مزيد من الفوضى، ولا شك أن سعد يكتب ونصب عينه الوضع العراقي حيث أدت عملية صناعة الأزمة وصناعة الأعداء، ومفهوم الفوضى الخلاقة إلى خلق معادلة "انعدام/ توفير الأمن: نحميك من نفسك ( من خلال تدميرك ) ـ نحميك من الآخرين ( من خلال الاحتلال )" ص24ـ25. وللوهلة الأولى تبدو هذه المعادلة عاكسة لمنطق العقل الأميركي وقد تراءى على أرض الواقع من خلال احتلال العراق لولا أن علينا أن لا ننسى حقيقتين متصلتين أخريتين، الأولى؛ طبيعة النظام السياسي العراقي قبل الاحتلال وممارساته/ مغامراته غير المحسوبة التي قادت وسهلت وهيأت الأرضية وأعطت التسويغات لعملية الاحتلال. والثانية؛ مجمل مفاعلات الصراع في منطقة الشرق الأوسط والنظر إليها من زاوية المصالح العليا للولايات المتحدة والمتمثلة بتأمين تدفق النفط إلى الأسواق الرأسمالية العالمية، وضمان أمن إسرائيل، لتبرز حقيقة أخرى مضافة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول أعطت مسوغاً جديداًً لأميركا في سياستها الخارجية، كما راحت تدّعي، متمثلاً بإستراتيجية محاربة الإرهاب، ونشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط حتى غدت "حدود أمن دول الجوار هي ذاتها حدود جغرافية ترهيب العراق" ص25. على حد تعبير ( سلّوم ) الذي يستدرك متهكماً وهو يصوغ المعادلة، وهذه المرة من وجهة نظر الأنظمة السياسية في المنطقة المهددة بالتغيير؛ "لم يقل لنا سابقاً أي متخصص في الجيوبولتيكس أن حدود الإشكاليات المعولمة ستتقلص يوماً لتصبح هي ذاتها حدود العراق" ص25. ويبدو هذا المقطع وكأنه يلخص المأساة العراقية الراهنة برمتها.

   إلى مَ يقود هذا المنطق الشائك؟. قطعاً إلى ضرورة إدامة عجلة الصراع العسكري/ أي الحرب بعدِّها المصل الذي ينعش الجسد الرأسمالي ويعيد له عافيته كلما أصيب بتصلب الشرايين، أو عجز عن أداء بعض وظائفه.

   ومن مقولة شبنجلر "الحرب هي الخالقة لكل ما هو عظيم" إلى الاستنتاج المفزع لـ ( فتيان جبل الحديد ) في دراستهم غير الرسمية بأنه "يجب أن نجيب بأقوى ما نستطيع، إنه لا يمكن أن يُسمح لنظام الحرب أن يختفي" نجد أنفسنا أمام واحدة من آليات النظام الرأسمالي الأساسية حيث:

   1ـ ينبغي أن تستمر الصناعة العسكرية في الإنتاج لأن توقفها يعني بطالة واسعة النطاق ليس بمستطاع النظام إيجاد حل سريع وفعال لها.

   2ـ أن تستمر الحروب لأن الجنرالات ومعيتهم لابد أن يكون لديهم ما يفعلونه.

   3ـ وهذا هو الأهم؛ أن تستمر بؤر التوتر والفوضى، هنا وهناك، كي تنتعش تجارة الأسلحة ويحقق التجار والمستثمرون أعلى الأرباح، فالفوضى والحرب تؤمِّنان للاقتصاد الرأسمالي دينامية قلقة، لكنها جبارة للربح والانتشار والاستحواذ.

   4ـ ولكي يُدام زخم الفوضى يظهر الدور الأميركي تحت وطأة حاجة البشر للنظام ليقدم ( الأميركي ) نفسه منقذاً، وهذا أيضاً ما يدرأ عن النظام ( الرأسمالي ) خطر التفسخ والانهيار.

   5ـ هنا، تتدخل المخيلة لتفبرك الحقيقة/ الواقعة، لتصنع الأسطورة، وتخرجها هوليودياً وإعلامياً "فخشبة المسرح مهيأة لصناعة المشهد، وكل ما يحدث في العالم مختلق، والحروب ليست سوى خيال ينعكس على شاشات الفضائيات ( ومن ثم في العقول ) والحقيقة لا تحدث سوى في الكتب، أو في قصص العجائز" ص29ـ30.

   هل الأساطير تؤسس العقل أم العكس، فمع أميركا يتحول التاريخ إلى سرد متخيل، وتعكس أميركا صورة ملتبسة لما بعد الحداثة حيث تسفّه الإرث المفاهيمي للحداثة وعصر التنوير الأوروبي ( العقلانية، والذات المستقلة، والحرية، والأصل، والنظام، والقدرة على معرفة الحقيقة ) لمصلحة أهداف غامضة، ويردم الحدود بين الواقعي والمتخيل، بين الحقيقة والزيف، بين الممكن والمحال، فيبرز النموذج السوبرماني الأميركي، صانع القيم للعالم، غير الخاضع له ولقوانينه، المسؤول عنه وعن مستقبله، ومنقذه ساعة الملمات.. تلك الملمات، غالباً، ويا للمفارقة، هي من نتاج فعله في التاريخ.

   ليس المهم صحة الأفكار، بل نتائجها، هذه هي فحوى الفلسفة البراجماتية "لذا تعامل الخرافات والأساطير معاملة الحقائق الثابتة ما دامت تحافظ على كيان الأمة" ص32. ومثلما كان القرن العشرون قرناً أميركياً فيجب أن يكون القرن الواحد والعشرون قرنا أميركياً كذلك، هذا ما يؤكد عليه خطاب السياسة الخارجية الأميركية الحالي، وأحد الأهداف التي تنطوي عليها خطة الدفاع الأميركية كما يحدده بول وولفوفيتز هو "منع ظهور أية قوة جديدة تنافس الولايات المتحدة".

   تصبح الرأسمالية بتشكيلتها الاجتماعية الاقتصادية على وفق تخريجات قادتها ومنظريها هي المرحلة الأخيرة من تطور قوى الإنتاج وعلاقاته، وتصبح الليبرالية الرأسمالية هي نهاية التاريخ بحسب ما يذهب إليه فرانسيس فوكوياما وهو يتبنى منظور كوجيف لهيجل، وتصبح أميركا هي "غاية الله في التاريخ" كما يقول سيكستولوبيز، من هنا تنشأ أسطورة أخرى، هي عبارة عن مسرد متخيل، مثلما نشأت قبلها، في القرون الخوالي، أساطير تستمد بعض عناصرها من الواقع العياني لتكمل، المخيلة الموجهة بالأهواء والرغبات والمصالح والأوهام، البقية، ليؤسس ما تبّقى. وهكذا كان الأمر مع الفاشية والنازية والشيوعية الستالينية، وقد تحطمت أمام التيار الجارف للحياة والتاريخ.

   عالمنا منذور بين خيارين، بين لحظتين تقعان على طرفي نقيض، بين اتجاهين في مجال العلاقات الدولية، الاتجاه الواقعي ( الميكافيلي ـ الهوبزي ) وهذا الاتجاه قائم على فكرة "أن العلاقات.. منتظمة في نوع من العداء المستحكم بين أمم وشعوب تحتمي وراء تواريخها الجغرافية والثقافية" ص47. وهو اتجاه سيقود فيما بعد إلى نظرية ( صدام الحضارات ) كما طرحها صموئيل هنتنغتون، في مقابل اتجاه مثالي ( كانطي ) والذي يراهن "على إمكانية تغيير مسار البشرية من التوحش إلى المدنية، ويتوافر على قدر كبير من الإيمان بقدرة الإنسان على وضع حد للحروب والصراعات والتطاحن الذي شغل البشرية طوال تاريخها عن حلم تحقيق سلام أبدي شامل" ص47 ـ 48.

  ابتكر العقل السياسي الأميركي مفهوم ( الهجوم الوقائي/ الاستباقي ) المستند على أساس استشعار الخطر أو التهديد، على وفق معايير ارتأت الأخذ بها في تقويم سياسات الدول التي تعدّها معادية لها أو للمجتمع الدولي. وهو المفهوم الذي لم تقل به مواد الميثاق صراحة أو ضمناً، وبهذا تتجاوز الولايات المتحدة الأمم المتحدة وتغدو بديلة عنها في تسيير شؤون العالم، لنشهد كما يقول ( سلّوم ) "أفول عصر التنظيم العالمي للأمم المتحدة وانحساراً لحلم الفلاسفة الإنسانيين العظام في عالم أفضل يكتنفه سلام أبدي شامل لتطل قضبان عالم معولم، مسلح كاتم للأنفاس ــ حسب تصور كافكوي ــ وبزوغاً للوثايان الدولي في صورته الأميركية المعاصرة"ص61.

   وللخروج من هذا المأزق الدولي/ الإنساني يناقش ( سلّوم ) عبر الصفحات التالية من كتابه قضية وجوب وضع إستراتيجية دولية جديدة قائمة على التوازن والمشاركة الفعلية للدول كافة ( شمالاً وجنوباً ) في اتخاذ القرارات التي تتصل بالأمن والسلم العالميين، وهذا يتطلب إجراء إصلاحات في هيكلية الأمم المتحدة تضمن أداءً مختلفاً لها، وأحسب أن هذه دعوة مثالية مستندة إلى نظام قيم لا يمكن فرضها من غير ثقل سلطة عالمية سياسية واقتصادية وعسكرية تعيد التوازن للمعادلة المختلة المعبر عنها واقعياً باصطلاح القطبية الواحدة. وفي كتابه ( الفوضى ) يناقش بريجنسكي حقيقة أن القوى المرشحة لمنافسة الولايات المتحدة ( الصين، اليابان، الاتحاد الأوروبي ) غير مؤهلة حتى هذه اللحظة لمثل هذا الدور لافتقادها لواحد أو أكثر من الشروط التي ينبغي توافرها كي نقول عن دولة ما، أو كتلة ما بأنها تمثل قطباً جديداً منافساً وموازناً لقطب الولايات المتحدة.

   وبريجنسكي، هو الآخر، يدير نظره نحو الأمم المتحدة فيقترح إعادة هيكلة  لها في السنوات القادمة لتساير بنيتها الجديدة وقائع القوة الدولية، مدركاً أن التطور صوب تعاون كوني حقيقي سيتحسن عبر مراحل طويلة. وفي الأحوال كلها لا توجد حلول سحرية يمكن أن تبدل موازين القوى بين ليلة وضحاها. والفوضى الضاربة بأطنابها في مفاصل السلوكيات السياسية والاقتصادية للمجتمعات المختلفة تضعنا إزاء رؤية تشاؤمية قاتمة، فالهدر غير المسبوق في الموارد والمشاكل البيئية المتفاقمة من ( تلوث، ونقص في المياه، وارتفاع في درجة حرارة الأرض، الخ ) إلى جانب الزيادات غير المسيطر عليها في عدد السكان، لا سيما في دول الجنوب، في مقابل فشل برامج التنمية لتوفير شروط الحياة الكريمة للأجيال الآتية من غذاء وصحة وتعليم وفرص عمل، ناهيك عن انتشار الجريمة والإرهاب وتجارة المخدرات والاضطرابات المسلحة الحادثة هنا وهناك.. هذا كله يجعل البشرية أمام ضرورة تبني منظور جديد للمستقبل، واستراتيجية منقذة قبل فوات الأوان. وبقدر تعلق الأمر بالكتاب الذي بين أيدينا يحاول سعد سلوم تحديد خارطة طريق لإصلاح الأمم المتحدة ليخلص إلى القول بأن " الجنس البشري ليس إلاّ في أول رحلته الأنثربولوجية على هذه الأرض فإنه يقترب يوماً بعد يوم من القضاء على مستقبله، ولأننا لا نريد من أحقاد الماضي أن تأكل مستقبلنا فإننا نعي أن تهديد السلام اليوم يعني تهديد البقاء، لذا سيمثل رفض اعتبار واقع اللحظة الإمبراطورية الأميركية مرجعية مؤبدة لمستقبل عالمنا والدعوة لاستعادة اللحظة الكانطية عبر تفعيل مرجعية العقل والعودة إلى التضامن الدولي الجماعي من خلال الأمم المتحدة جوهر دعوتنا للوحدة الإنسانية التي كانت تمثل حلم جميع الفلاسفة الإنسانيين العظام" ص155.

   لم يستشف سعد سلّوم طبقات العقل السياسي الأميركي كلها في كتابه، وقد يبدو متسرعاً في جوانب من معالجاته واستبصاراته ولم يتأن من أجل كشوفات أعمق، و155 صفحة خصص نصفها تقريباً لقضية إصلاح الأمم المتحدة لا تكفي قطعاً لمثل هذه المهمة الضخمة التي انكب على أدائها، لكنها تبقى محاولة جدّية تُحسب له، وهو يخطو بثقة ليضيف ما يغني نتاجنا الفكري المعاصر.

•·   ( إمبراطورية العقل الأميركي: الفوضى الشاملة والسلام الدائم ) سعد سلوم.. إصدارات مسارات.. بغداد ـ ط1/ 2006. 

 

 

سعد محمد رحيم


التعليقات




5000