..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
رفيف الفارس
امجد الدهامات
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


عبّود يغنّي في بيت الأحلام

جواد كاظم غلوم

عنوان المقال مستوحى من عمل فني تمثيلي للممثل العراقي القدير المرحوم يوسف العاني "

قرأت منذ فترة ليست بعيدة تقريرا صحفياً في الإعلام الألماني عن مشروع غاية في الرقيّ الانسانيّ لرعاية كبار السنّ من الرجال والنساء الذين وهنت قواهم العضلية والعقلية المقيمين في دور المسنين ومأوى العاجزين والذين اعلن معظمهم ممن أرغم على السكن بتلك الدور عن تذمّرهم من الحال والمآل خلال تواجدهم في تلك الأماكن بسبب حالات ضيق النفس والتذمّر الذي قد يلقونه من قبل العاملين هناك باعتبارهم ضيوفا ثقيلي الظلّ وفي حاجة شديدة الى الرعاية والاهتمام واحيانا لا تستطيع  تلك الدور  الاستجابة لكل مطالبيهم الانسانية نظرا للوهن والعجز سيما وانهم في الهزيع الاخير من العمر .

على اثر هذا التقرير واستجابة لمطالب هذه الشريحة المنهكة فقد شمّرت الجهود الهندسية والفنية والتقنية عن سواعدها  وقامت الحكومة الالمانية بانجاز بيوت لهم مساحة الواحد منها 140 مترا مربعا لكنها دورٌ ذكية تعتمد ارقى سبل التكنولوجيا رقيّاً تعينهم على قضاء ماتبقى لهم من العمر دون الاعتماد على الاهل والأولاد والذريّة من اصلابهم ونسلهم المنشغلين بأسرهم وأعمالهم في هذه الحياة المعقدة التركيب ودون الاتكال على دور المسنين والعاجزين والتي كثيرا ما يبدي المسؤولون هناك عن استيائهم من هؤلاء نظرا للعجز الواسع الكامن فيهم وتضاؤل قواهم الجسدية والعقلية خاصة وان البعض منهم يعاني وهنا في الذاكرة بسبب الزهايمر .

ولأني هرمت وبدأ الوهن يدبّ في اوصالي وغادرتني رفيقة عمري إذ كانت قبل وفاتها هي الاخرى تعيش مهاوي الشيخوخة قبلي وكثيرا ماوقعتْ على الارض وهي تتقدم نحو الحمام او المطبخ ويصعب عليها ان تتناول الادوات المنزلية ، ثم اني من طباعي أربأ ان اكون عالة وعبئا ثقيلا على احد في زمن خفت فيه السند والوتد الذي ينهضني اضافة الى ان بناتي بعيدات ؛ عائشات في تخوم الارض النائية مع ازواجهنّ ونسلهنّ ولم يبق قريب مني سوى ولدي وقرينته وثلاثة اولاد صغار يقيمون معي ولا اريد ان اثقل كاهلهم وانا ارى المصاعب الجمّة التي تعتريهم وكاهل المسؤوليات التي ترافق حياتهم … ولا اخفي فقد استأنست بهذا الانجاز الملفت الذي بدأ العمل في المشروع المسمّى ( البيت الذكي ) وشيدت مساكن في مرحلتها الاولى وقد اثبتت التجارب الاولى نجاحه وسهّلت الكثير من المتاعب التي ابتليَ بها الكبار من امثالي وحلمت حلما مغلّفا بالتمني ، والتمني كما يوصفون بأنه رأسمال المفلسين بان احوز على واحد من هذه المساكن ولكن أنّى لي هذا الحلم وهذا المطلب وانا ارى جلّ عوائل وطني بلا سكن مملوك لهم فاضطرَّ الكثير منهم الى التجاوز على بنايات الدولة جزافا ومنهم من قام بتجميع الصفيح والأنقاض والمرميات وكل ما يعينه ليلتمّ زرافات ووحدانا في عشش من بيوت عشوائية تكاثرت هنا وهناك مما نسميه في بلادنا بأحياء التَنَك بعد يأس مرير وترقّب آمال عريضة يخالطها الوهم والكذب والخديعة من قبل ساستنا غير الكرام الاّ على حاشيتهم وذيولهم وأحزابهم .

حين يكبر الانسان وتبدو عليه علامات الشيخوخة والهرم وتبدأ ذاكرته بالضعف وترتخي قواه العضلية والعقلية بحيث لايستطيع ان يعيش بمفرده في بيت مستقل وقد يقع مغشيا عليه او يتعثّر في مشيته وهو يتجه الى الحمام و الى المطبخ او الى سريره وقد يصعب عليه حتى ان يتناول دواءه وعقاره المعتاد عليه من المنضدة .

دعوني اتندّر قليلا واسخر بملء فمي وأرسم لكم كوميديا سوداء من المضحكات المبكيات وأتخيّل مفترضا وأتوهّم طوباويا ان حكومتنا ودولتنا الرشيدة جدا والتي تهتم بالشيوخ والعاجزين وكبار السن اكثر مما تهتم بالشباب القادرين قد مهّدت لي جنّة صغيرة في هذه الحياة اسمها ” البيت الذكي ” بحيث لا استعين من اقرب المقربين اليّ بما فيهم اولادي ولا احبذ الاقامة في بيوت المسنين ولا اشكّل ثقلا على احد من خاصتي وبني لحمتي ومنبتي ومحتدي فانا اعرف همومهم ومسؤولياتهم امام أسرهم وبيوتهم وارتباطاتهم العملية المكتظة فما اسعدني حين ابتعد عن اهانات موظفي الرعاية الاجتماعية او اكون عبئا ثقيلا على اولادي وخاصتي ، فقد وهبتني دولتي الشريفة جدا مسكنا تلعب فيه التكنولوجيا لعبتها الراقية ، بيتا الكترونيا وسأعيش بمفردي سعيدا هانئا وحدي لغياب رفيقة عمري ؛ مع ان مساحته لاتتجاوز 140 مترا مربعا لكنه واحتي الجميلة وحصني في تلك الدنيا الفانية يتيح لي هذا البيت ان ادخل الحمام بسهولة ويسر معتمدا على المساند التي علقت من اجلي لكي يتاح لي الجلوس والنهوض بمفردي دون مساعد وقد شيدت غرفة للنوم في الاعلى ويمكنني ان استقل المصعد الصغير مع كرسيي المتحرك وأينما اتجه تساعدني المقابض والمساند ؛ فمنها الظاهرة ومنها الخفية تحت ديكورات المنزل حالما اضغط على الازرار المثبت في عربتي المتحركة يحلو لي ايام الصيف ان استحم كثيرا فادخل الحمام بعد ان يرتفع مقعد الكرسي المتحرك بإشعار مني ليعينني على النهوض فأتحرك نحو البانيو المزود بمقعد وثير واستطيع تحديد درجة حرارة الماء المنسكب على الدش وفق الارقام المتاحة امامي على الجدار القريب وانتشي منتعشا بالماء .

ولأنني كبرت كثيرا ولازمني الهرم واخاف من هجوم الميكروبات والجراثيم فان سطوح المقابض والمساند التي ارتكز عليها لا تعْلق فيها اية ملوثات ميكروبية حرصا على سلامتي وتقوم بتنظيف نفسها تلقائيا تماما مثل مقعد التواليت الذي يقوم بعملية تدوير الماء المخالط بالمعقمات حالما انتهي من قضاء حاجتي  ويجدر بي ان اذكر ان بيتي الذي وهبتْني إياه حكومتي الرشيدة العاقلة العطوفة لايحتاج الى مفاتيح لفكّ الأبواب والمزالج لان يدي المرتجفة تعجز عن تدوير المفتاح  اذ ان عملية الغلق والفتح تتم بتقنية الكترونية وفق بصمة صوتي حتى ان الباب تفتح بمصاحبة موسيقى جميلة ترحب بي .

 بيتي الجميل الذكي مزود بسلسلة انارة مدمجة في الارضيات ويهديني بضوئه الآسر الى طريق التواليت ليلا او الى مقاعدي في الصالة واللوحات الالكترونية المعلقة في كل غرفة ترشدني الى فتح اجهزة التلفزيون والراديو وشبكة الانترنيت العنكبوتية ويتيح لي ان اشغّل المكوى والتدفئة والتبريد وهناك لوحة الكترونية اخرى في المطبخ تسعفني على فتح شعلة النار او الفرن وتقريب الصحون بواسطة رفوف متحركة كي انال الأواني والملاعق وكل مااحتاج اليه دون ان ارفع قامتي الواهنة .

اضيف ان انابيب الماء تدرّ عليّ ماء بتقنية الكترونية مثلما هي حنفيات المطبخ علاوة على انتشار المجسّات  الظاهرية والخفية وهي تحذّرني عن كل حريق قد يحصل -- لاسامح الله -- او اي تماس كهربائي او تسريب في انابيب الماء كما تنذرني تلك المجسّات في حالة دخول غرباء او لصوص في الليل او النهار على السواء . 

اضافة الى اني لم اعد انزلق او اتعثر لأن ارضية مسكني الحالي مؤمّنة ضد الوقوع بنسبة 100% ، وحتى لو وقعت وهذا احتمال بعيد جدا فان المصممين المعنيين في صناعة الارضية وضعوا مجسّاً لإنذار يصل المشفى  فورا في حالة سقوطي وبقائي بلا حركة لفترة طويلة ، كما اني آنس كثيرا لأجهزة الاستشعار الموزعة بشكل مدروس وجميل في ارضية بيتي وهي تنذرني في حالة حدوث ايّ شيء غريب اما كابينة التلفون الموجودة في الدار فهي مزودة بأرقام تتضح امامي وتبدو كبيرة الحجم وأتمكّن من قراءتها دون الحاجة للبحث عن نظارتي مع وجود عدة ازرارات قرب الهاتف يكفي مجرد لمسها لإشعار مراكز المراقبة او المشفى المسؤول عن علاجي ورعايتي مقاعد الجلوس كلما قربت منها لأستريح عليها تذعن لي وفق ما أشاء فترتفع لتمكننني من اختيار جلستي بكل راحة وبعد أن استقرّ تعود لتنخفض تلقائيا لتزيد من راحتي عند الجلوس والاسترخاء ، والاجمل في مطبخي ان كل شيء يشتغل اوتوماتيكيا بمجرد كبسة صغيرة على الازرار لتشغيل الفرن وتوقيته او ابقائه مشتعلا ويشير لي منبّها بان الطعام قد نضج واستوى ، بعدها تقرب مني الصحون لأتناولها دون ان يتطلب الامر وقوفي .

وبشأن ملابسي المعلقّة في الدولاب فانها تأتيني لمجرد النقر على الزرّ المثبت على الكرسيّ المتحرك في جيب خاص فأنال قميصي وبنطالي واتهندم بكل راحة وطمأنينة ، كما يتاح لي ان اغلق او افتح ستائر الغرفة او اسدالها كلــــــها في نقرة صغيرة على الريمـــــوت  كونترول المثبت على مقبض اتّكاء اليد اليمـنى او حتى نزعها كليا من مكانها اذا وجب غسلها.

يجدربي القول ان ما اكتبه هنا ليس كل المميزات التي زوّد بها هذا البيت ؛ فهناك ميزات اخرى لكني ذكرت الاهم والأكثر فعالية في تقديم الخدمات لي دون عون احد ؛ فالكاميرات الموضوعة في المسكن تلتقط لي صورا تكاد تكون دائمية تُظهر سحنة وجهي والتحوّلات التي قد تطرأ عليها اصفرارا او تغييرا في الملامح او ذبولا وهذه الصور تنقل فورا الى طبيبي البعيد عني وهو الذي يتفحصها دوريا لمعرفة التغييرات التي طرأت عليّ ، كما زوّدني المشفى الذي يعمل به طبيبي المعالج بساعة يدوية أضعها في عضد يدي وهذه الساعة تقوم وحدها بقياس ضغط الدم ودرجة الحرارة في جسدي وعدد الدقّات التي ينبض بها قلبي مع اظهار شريط بين آن وآخر من الساعة نفسها لإيضاح تخطيط القلب وكل هذه المعلومات تنتقل تلقائيا الى ادارة المشفى لتظهر بارزة على الشاشة امام انظار طبيبي المعالج .

ألم اقل لكم اني لم اظهر كل ماعندي بشأن بيتي الذكي فكيف لي ان اشرح النظم الإلكترونية التي تربو على الثمانين الموزعة فيه بعناية ودقة ومهارة فما ذكرته يعدّ غيضا من فيض ونزرا يسيرا من كمٍ كبير من التقنيات الحديثة جاءت لخدمتي لتكون ساعدا ايمن لي وعكازا يصونني ويعين هيكلي المتعب على مواصلة الحياة وهذه كلها توفّر لي الراحة والاكتفاء الذاتي دون ان اطلب العون من احد سواء من ذريتي وأصدقائي وجيراني .

بقي ان اقول ان هذا المشروع الراقي المفعم انسانية وعطفا وتحنانا لبناء مساكن كهذه للكبار المسنين ليس ضربا من الخيال ولا من تصوّرات اليوتوبيا ؛ فقد كلّف الدولة الالمانية 125 مليون يورو فقط ( وهو مبلغ ليس كبيرا بالقياس الى ما يسرقه مسؤول سياسي عندنا في خمطة واحدة ) ، وتم انجاز المرحلة الاولى منه ووزّع على مجموعة من كبار السن الذين غادروا دور العجزة ومساكن المسنين طواعيةً وسوف يكتمل بناء المتبقي قريبا ليشمل بقية من يرغب في ترك الملاجئ الخاصة بالكبار والعاجزين .

 ولا يسعني الاّ ان اذكر ان فكرة هذا المشروع الحيوي النبيل قد اسْتُوحيت من فيلم انتج حديثا اسمه ” ثورة المُسنّين ” يصور حال هؤلاء الآباء الكبار وظروفهم القاسية في اماكن سكناهم في دور الرعاية الخاصة بالدولة ومايلقونه من عنت وإذلال احيانا من قبل العاملين بتلك الدور وظروفهم المعيشية الصعبة بسبب اهمال نسلهم لهم وانشغالهم بأسرهم وأولادهم وأعمالهم وقلة الرعاية التي لاحظها المعنيون بالأمر والإحساس بالضعف والدونية من لدن هؤلاء العاجزين المنهكين الذين ارهقتهم الشيخوخة وسلبت منهم السنون العجاف اعمارهم وفتوتهم وصلابة قواهم وإرادتهم .

أولادنا الاعزّاء وأحفادنا حبّات القلوب ؛ تذكروا دائما ان آباءكم وأجدادكم وسلَفكم الواهن الآن ، كم كانوا أقوياء ذوي عزمٍ ومروءة ونبل وتضحيات جسام وعريكة تجابه أعتى الرياح السموم وتركب الصعب والمحال وهم من قاموا بتعليمكم وتربيتكم وتغذيتكم وإروائكم قيما سامية وخلقا قويما حتى كبرتم وصرتم نخبا لامعةً وساسةً في مجتمعنا ونشأتم من وقود هؤلاء الذين لم يكونوا هرمين قبلاً وانتم صبية صغار وزغبٌ ليّن اللحم والعظم  فلا تنبذوهم وتتركوهم نهبا بيد الزمن الوغد والحال المائل انْ أصبحا مملّين الان لأنهم دفعوا ثمن حياتكم ونهوضكم .

أحسب اني أصرخ في وادٍ مهجور وأنادي أذانا لاتسمع وأهزّ حجَرا صوانا تخيّلته قلبا دافقا كقلوبنا نحن الاجيال المليئة حنوّاً ومنعَة من الشرور والأطماع غير اني موقنٌ بـــاني لا انتظر خيرا من اولادنا وأحفادنا وأصدق بأنهم مثل صخرة صمّاء جرداء لاينفجر ماؤها .



جواد كاظم غلوم


التعليقات




5000