..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


‫قراءة في رواية ( الهدنة) لماريو بينيديتي

زيد الشهيد

اليوميات حين تكون مادة سردية تنتج رواية

 

في عمليةِ القراءةِ التي تتمُّ عبرَ ثلاثية : المُتلقّي المثالي  والمؤلّف المنتج والوسيط الذي يمثله النص أو الخطاب تتحقَّق الرسالةُ المعرفيةُ ويصبح الانتاجُ فِعلاً ذا فائدةٍ ناجزة .. وفي ضوءِ عمليةِ القراءةِ  يكتشفُ المتلقي الاساليبَ التي اتَّبعَها المُنتجُ والنوايا التي بثَّها داخلَ المُنتَج كهدفٍ الغرضُ منه اثارةُ الاهتمامِ والأخذ بيده -بيد المتلقي- إلى ناصيةِ التلذُّذِ والمتعةِ والقبولِ بشغفٍ ومن ثم الانتهاء بنتيجةِ كسبِ هذا المتلقّي واعلانِ اشادتِه بالمنتِج .. ومن هنا فإنَّنا إذ نلجُّ ( الهدنة) كخطابٍ روائي نجدُ ماريو بينيديتي الذي قرأنا له يوماً رواية (بقايا القهوة) يواجهنا بيومياتٍ بمثابةِ تداعيات مؤرخة ، تبدأ بيومِ الاثنين 11 شباط/فبراير وعملٍ لموظف اسمُه "مارتين سانتومي" آيل إلى الانتهاءِ بسببِ قربِ حيانِ يومِ التقاعد في مؤسسةٍ عتيقةٍ مُتخصصةٍ باستيرادِ قطعِ تبديلِ السيارات في مدينة مونتفيديو التي تشهد حركةً دائبةً ، مُصوِّراً  أُناسَها  بما يشبه اللوحات التشكيلية (( النحيلات اليانعات اللواتي يخرجن عند العصر وقد استحممنَ لتوهنَّ )) ،(( الابناء المدللين الذين يستيقظون في الظهيرة ))،( المسنين الذين يركبون حافلة الاومنيبوس ثم يعودون دون أن ينزلوا من الحافلة )) ،(( الامهات الشابات اللواتي لا يخرجنَ في الليل أبداً ))،(( المربيات اللواتي يغتبن اسيادهنَّ بينما الذباب يأكل وجوهَ الاطفال الذين في عهدتهنَّ))،(( المتقاعدين والمتطفلين بكلِّ أنواعهم ، أولئك الذين يظنون أنهم يضمنون الجنةَ بتقديمهم لُباب الخبز إلى حمائم الساحة )) ص21 .. وعندما نقول يوميات فإنَّ ذلك - كما نَحسب- يبعُدنا عن البناءِ السردي التقليدي الذي يضمُّ في بوتقتهِ الحِبكةَ والاحداثِ وتطوّر الشخصيات ؛ ويصبح السَّردُ مُجردَ معلوماتٍ تنسكبُ على الورقِ مَشفوعةً بإبداء رأيٍ ، وتداعٍ ، وتحليل .

تتكوَّن اسرةُ مارتين سانتومي من زوجةٍ " ايزابيل " توفيت قبلَ عشرين عاماً وهو الآن بعمرِ الخمسين . ماتَت بعمرِ الشباب بعدما خلَّفَت ثلاثة ابناء : ولدين " استيبان " متوحِّد يكنُّ له الاحترام لكنَّه غيرُ متأكدٍ من ذلك ، وبنت "بلانكا " تشبهُه ، كئيبةٌ وتميلُ قليلاً إلى السعادةِ ، و"خيمي " المُفضَّل لديه لكنَّه يعتقد أنَّه حسّاسٌ ويَحقدُ عليه ... وأسرةٌ كهذهِ بمثابةِ كينونة اجتماعية سلَّط صانعُ الخطابِ الضوءَ على مُجرياتِ أحداثِها اليوميّة وكشفَ مكنوناتِ كلِّ شخصيةٍ فيها ، فلا نرى ما هوَ غيرَ اعتياديٍّ حين المقارنةِ مع أيّةِ أسرةٍ يرأسُها أبٌ يعملُ موظَّفاً .. هذه الاعتيادية سيعتريها ما يجعلها يوماً تأخذ مَنحاً فيَكسرها هذا الأب إذْ يقحم حياته بـ" لورا ابييانيدا" الموظفة - بعينيها الهادئتين وأنفِها الدقيق وشعرِها الأسود وبشرتِها البيضاء - حديثة التعيين في المؤسسة . هذا الاقحامُ يمكن اعتبارُه تصرُّفاً بمثابةِ مُعادلٍ موضوعي لسدِّ فراغٍ مُستقبلي كانت تشغله الوظيفةُ وستطيحُ به أعوامُ التقاعُدِ التي في واقعِ الحالِ بطالةٌ اجباريةٌ . فـ"ابييانيدا" لم تُقحم نفسَها في حياتِه إنّما هو من فَعلَ ذلك . و "ابييانيدا" لم تضع في مُخيلتِها أنْ سيُحبُّها رجلٌ عمرُهُ ضعفُ عمرِها ... وهكذا تشكَّلت عقدةُ الرواية كمشكِلٍ وجدَ سانتومي نفسَه ينقاد إليه وقد حَدسَ أنْ ستتغيرُ حياتُه فينتقلُ من الجَّدبِ العاطفي إلى الرواءِ الروحي ، ومن الوحدةِ داخلِ كينونةِ البيتِ إلى الرفقةِ والبحبوحةِ الزوجية ، ومن عُمرٍ صَرفَ أغلبَه في الوظيفةِ والروتينِ إلى زمنٍ سيكون فيه حرّاً مع الشريكةِ الجديدةِ ... وبذكر سانتومي وعُمره وشعوره بالأسى على نفسِه تعيد إلينا منظومةَ الكآبةِ التي تصبح رديفةَ العمرِ للإنسان  الذي يتفاجأ وهو يتجاوز النصفَ الثاني من عَقده الرابع ، فترةُ تأجُّجِ الوعي ، بحدوثِ بريقٍ خاطفٍ يأتي على شكلِ نهوضٍ مباغتٍ  من الرِّقاد  يُعلمه بأنَّه سيفارق الحياة يوماً- وهو قبل ذلك لا يُدرك وقعَ هذا الهول العظيم على نفسه ، ولا يوليه اهتماماً - فتنتابُه منذ تلكَ الهنيهة كآبةٌ مُزمنةٌ .. ويروح يشعرُ بأنّه سيموت فِعلاً فقد ماتَ غيرُه ملايين من البشر ، ملوكٌ وحكام ، أنبياءٌ ورُسُل ، فلاسفةٌ وعلماءٌ وبشرٌ عاديون ؛ وأنَّ الموت سيبعدُه عن كلِّ لَذاذةٍ وهناءٍ وجَذل ، وسيُحرَمُ من تَتبعِ سَيرِ الحياة وحركةِ الناس ، وسيغدو هذا الموتُ هاجِساً مُحتمل الحضور في أيّة لحظة ، وسيدخل في جدليةِ الغيابِ الأبدي والفناء ؛ لا ينفعه مالٌ ولا يُبدّد من كآبته جاه .. هذا الشعورُ السرمدي يتمثَّل كثيراً وبصورةٍ أخرى مُقاربةٍ عندما يدنو العاملُ لدى المؤسساتِ الحكوميةِ بقربِ احالته على التقاعد واحساسه أنّه أصبحَ عضواً لا نفعَ منه في عَجلةِ الحياة بعد أنْ كان عَتلةً مهمّةً ومؤثِّرةً في آلةِ العملِ وديناميته ؛ وهو ما جَرى وحصلَ لسانتومي المُقبل على انتهاءِ حُقبةٍ عمليةٍ عمريةٍ ليست بالقصيرة .

الهدنة .. شفرةُ العنوان

ما الذي يدفع روائيُّ مُحترفٍ مثل " ماريو بينيديتي "  ليجعلَ عنوانَ روايتِه بمفردةٍ لا يمكن حين سماعها أو قراءتها إلّا وذهَبت مُحفِّزات الخيال إلى تصويرِ الحروب وجبهاتِ القتال في معاركٍ حاميةٍ حيث ضرباتُ المدافع وأزيز الرصاص وفورات الدُّخان وصرخاتُ الجرحى ودفَقُ الدَّمِ المسفوكِ وتبعثرُ الاعضاء ، وأخيراً الأنينُ المتواصلُ لضحايا يوشكون على لفظِ ما تبقى من الانفاسِ في صدورِهم ؛ ثم بعد ذلك تتحقَّق هدنةٌ طرفاها عَدوّان مُتصارِعان فَقدا الكثير من كبريائِهما وجموحِهما واحلامهما في السيطرةِ والاستحواذ .. لكنَّ الهدنةَ عند بينيديتي لا علاقة لها بكلِّ ما مرَّ ؛ فهي هدنةٌ كرَّسَها للتعبيرِ عن فسحةِ أيامِ سعادةٍ عاشها سانتومي في علاقته مع ابييانيدا وقد حدَّدَها للفترة من يومِ قدومِها للوظيفة إلى سماعِ خبرِ موتِها بعدما أُصيبت بزكامٍ أبعدَها عن العمل ، هو الذي فكَّرَ يوماً بالزواج منها مُطارَداً بتَرَدُّدٍ يخلقه فارقُ العُمرِ ويكرِّسُه هاجِساً وخشيةً من الفَشلِ أو اللوم ِالذي سيتوجه إليه من قِبَل الاصدقاءِ والمعارفِ ، وحتى من الاولادِ بعدما قضى عازِباً  أعواماً طويلةً .

 

أبجديةُ العمل .. شفرةُ الزمكان

يحتلُّ ميدانُ العملِ في الدائرةِ والزمنِ المَحصورِ بين الصباحِ وما بعدَ الظهرِ حيّزاً كبيراً في الخطاب . فهو احدى الثيمات التي تتمحورُ حولَها هواجسُ وافكارُ سانتومي ، وبوحُه أيضاً على شكلِ يوميات يدرجُها مَقرونةً بتواريخَ متقاربة لا تجعل المُتلقّي يبتعد زمنياً عن وقعِ الاحداث .. وبين الزمان والمكان يتبارى صانعُ الخطاب بذكاءٍ وحرفةٍ على تعريفِ المتلقّي بتفاصيل الحياة اليومية ، صغيرُها وكبيرُها ، ماراً على شخوصٍ  تمسُّ حياةَ سانتومي عبرَ صداقةٍ بعيدةٍ ( كما هو الحال عند بينغالي او آنيبال ) أو موظفين ( شباب عُينوا حديثاً كما هم : روبليدو ، وسانتيني ، ومينديث وغيرهم ) يشاركونه العملَ أو مراجعين لا تأثير لهم في سيرِ الاحداث كاليهودي الذي يراجع من أجل وظيفةٍ فيدفع به مديرُ الشركة الى سانتومي تخلَّصاً من مراجعاتِه العديدة المُملَّة .

السايكلوجية العُمرية

يُحسن صانع الخطاب التعامل سايكلوجياً مع بطلِه عبرَ ابرازِ افكارٍ واعلانِ تداعياتِ شخصٍ بلغَ الخمسين وجد نفسَه يدخل منطقةَ الشعورِ بالتصرّفِ البعيد عن نزقِ الشباب ، القريب من الركودِ العاطفي . يمارسُ سلوكاً مُحدَّداً يخصُّ هذه الفئة العمرية في حين يعتريه بعضَ الأحيان احساسُ التصرّف مثلَّما كان شابّاً (( أودُّ لو أنَّني أبقى في السرير إلى وقتٍ متأخِّرٍ بعض الشيء ، على الاقل حتى التاسعة أو العاشرة . لكنني استيقظُ بمفردي منذ السادسة والنصف ، ولا أعودُ قادراً على اغماض عيني .))ص36 . وتلك سلوكيةٌ يمارسها كبارُ السن ولا يشعرُ بها إلا مَن هُم في سنِّهم .

إنَّ الوعيَ بتبدّلِ الحال وتفاوتِ المَظَهر من سَنةٍ لسَنةٍ ، ومن عَقدٍ لعَقد  يتفاقم تأجُّجاً ، وهو ما يَعطي شعوراً للبشري بعدمِ دوامِ الحال ؛ وما الزمنُ إلا مَحطات يمرُّ بها قطارُ العُمر ؛ حتى إذا أدركَ المحطةَ الأخيرةَ آلَ إلى التَّعطّل والاندثار ، فثمّةَ مَحطةُ الطفولةِ : لعبٌ وبراءةٌ وجذل ؛ وثمّةَ الفتوةُ : مُغامرةٌ وتحدٍّ واكتشاف ؛ ثم الشباب : نزقٌ وتألقٌ وعنفوان ؛ تأتي بعدُه الكهولةُ : جِدٌّ وطموحٌ وبناء ؛ وها هو على أعتابِ الشيخوخة (( عندما أنظرُ إلى بشرتي التي بدأت تتهدَّل ، وعندما أرى التجاعيدَ تحيطُ بعيني ، وهذه الأوردة المُحتَقِنة عندَ كاحلي ، وعندما أشعرُ في الصباحِ بسعالي  الشيخوخي (...) فإنني أفقدُ احساسي بالمراهقةِ عندئذٍ ، وأشعرُ أنَّني رجلٌ مُضحِكٌ))

إنَّ البعدَ النفسي لدى سانتومي يَشي بحالةِ احتدامٍ دائمٍ ، وانفعالٍ لا يرى له انتهاءَ  . فكلُّ ما حوله يَشغلُه : الأولاد ، والعمل ، وابييانيدا ، والزمنُ المتهافت الذي يأتي بالشيخوخةِ ويُجبرُه على التفكيرِ بثقلِها وتأثيرِها عليه ، هو الموظفُ المثقَّفُ الذي يرى في القراءةِ اليومية لجرائد البلاد - وهو هنا يأتي بأسمائها " المناظرة " و" اليوم " و " البلاد " و" الصباح " كتوثيقٍ معرفيٍّ لصحافةٍ متداولة - ، وهو الذي يقول " هنالكَ أيامٌ اشتري فيها كلَّ الصحفِ " بوصفِها مأدةً ثرَّةً ومنهلاً يغترف منه ماءَ نميرِ المعرفةِ فيجعلُه قادِراً على التعبيرِ عمَّا يساورُه ، ويدفعُه إلى تصنيفِ هذه الجرائد حَسبَ مستوياتِها واغراضِها ، مُعطياً رأياً بحكمِ اطلاعِه الدقيقِ والمستمر لها (( إنّها تلعبُ في ما بينها لعبةَ المكائد ، وتخدعُ كلٌّ منها الاخرى ، وتغمزُ من مصداقيتِها . ولكنَّها تستفيد جميعُها من المطرقةِ نفسِها ، وتتغذّى على الكِذبةِ نفسِها .))ص154 . ولا شكَّ أنَّ مثلَ هذه القراءات تتركُ اثرَها الثقافي على رؤيتِه للواقعِ وتأثير هذا الواقع على سلوكِه وتصرفِه ، إذ تزيد من مضمارِ تجربتِه في الحياة ، وتغذّيه بحكمةِ فَهمِ ما يحيط به ، وما يبني مِن تصوراتٍ عنه . فالقراءة شيفرة سايكلوجية تخلق تأثيرها التنويري على البعدِ النفسي للإنسان ، وتجعله يرى بمنظورٍ واضحٍ كلَّ ما هو أمامه .

الانغماسُ في شؤون العائلة

لم يترك صانعُ الخطاب سانتومي يعيش في دوّامةِ حبّه فينسى شؤونَ العائلةِ ؛ فهو - وقد قضى ما يزيد على العشرين عاماً - يتابعُ الأولادَ ويراقبُ فعلَهم وسلوكَهم ، ويتداعى في حوارٍ مع الذاتِ عن كلِّ واحدٍ منهم . فيقلقُ على استيبان اثرَ تعرضِه لوعكةٍ صحيّةٍ . ويألمُ لسماعِ أمرٍ جَللٍ يخصُّ  خيمي المُتعلِّق بسلوكِه الشذوذ مع أقرانٍ  له ، وتركه البيت نهائياً اقراراً بأنَّه أصبحَ راشداً يعرفُ مسارَه في الحياة . ويتابعُ  بلانكا يحدوهُ أملُ سماعِ سعادتِها مع حبيبٍ يغدقُ عليها رسائل الحبِّ الصادقة . لكن كلَّ ذلك لم يبعده عن حالةِ الرتابةِ التي يعيشها بلا رفيقِ عمرٍ يتبادل وإيّاه الأحاديثَ والمشاعرَ . رفيقٌ يملأُ له كثيراً من الفراغات التي توجدها حالة التوحُّد والانفراد اللذين يعيشهما الآن .. الرتابةُ تلك كثيراً ما تأخذه صوبَ الاهتمام  بشؤونٍ لا أهميةَ لها غير أنَّه يسلكُها من بابِ قتلِ الوقت أو التخلّص من تأثيرِ الغَثيان الذي يأتي به الفراغ .. ففي واحدةٍ من سيناريوهات ملئ هاتيك الفراغ  يجلس في مَقهى لا ليقرأ صحيفةً أو يتابع برنامجَ تلفازٍ إنَّما لأمرٍ لا يمكن تفسيرُه إلّا من بابِ العبثِ بالوقت من أجلِ انصرافِه (( تمكَّنتُ من العثور على منضدةٍ إلى جوارِ النافذة . وخلال وقتٍ لا يتجاوز الساعةَ والربع مرَّت أمامي خمسُ وثلاثون امرأة بالتمام ، مِمَّن يثُرنَ الاهتمام . ولكي أتسلّى ، رحت أُنظّم جدولاً احصائياً حول أكثر ما يروقني في كلِّ واحدةٍ منهن . سجَّلتُ ملاحظاتي على منديل ورقي . وهذه هي النتائج التي خرجت بها : اعجبني في اثنين منهن الوجه ؛ وفي اربع الشعر ؛ وفي ست الصدر ؛ وفي ثمان منهن السيقان ، واعجبني في خمس عشرة واحدة منهن مؤخرتهن . انه انتصار ساحق للمؤخرات .)) ص37 ... وهو  الفراغُ  نفسُه الذي حين حاول ملأه بابيانييدا واجهَهُ  خيمي بخنجرِ نقدِ الأبن للأبِ عندما همَّ الأبُ بنقده على سلوكه المِثلي الشَّاذ فجاءَ الجواب (( عجوزي : أعرف أنَّكَ تريد التحدث معي ، وأنا أعرف الموضوع مسبقاً . ستلقي عليَّ موعظة أخلاقية ، ولديَ سببان لعدم قبول موعظتك . الأول ، أنَّه ليس لدي ما أُؤَنِّبُ نفسي عليه . والثاني ، هو أنك أنت أيضاً لك حياتُكَ السرية . لقد رأيتُكَ مع البنية التي أوقعتكَ في شباكها ، وأظنُّ أنكَ توافقني على أنَّ سلوكَكَ هذا ليسَ بالطريقةِ المُثلى للحفاظ على الاحترام اللائق بذكرى أُمّي .))ص148 ... ويدخل سانتومي في أمرِ التحليلِ السايكلوجي لكرِه خيمي له فيعتقدُ أنَّ الفراغ الذي شعرَ به الصبي بفقدانِ أمِّه وشعوره أنَّه يعيش كمخلوقٍ ناقصٍ لعدم وجودِها في الحياة ، خصوصاً عندما يسأل عنها من قبلِ مُعلماته وزملاؤه والمجتمع فيروحُ يصبُّ غضبَه عليه كأبٍ لم يولي لأمه عنايةً فتركَها تموت .(( ربما كان يفكر في أنني لو اعتنيت بها بصورة أفضل لما اختفت . فأنا المذنب في نظره .))ص158

الشخصيات الثانوية .. تشكيل بنيوي

كثيراً ما يعتمد صانعُ الخطاب في عرضِ حكايته على تقنيةِ زجِّ عَددٍ من شخصياتٍ موازية لحركة الشخصيةِ المركزيةِ وانْ تبدو ثانويةً أو نظنّها نحنُ المتلقينَ في أولِ الأمرِ هامشيةً لكن الواقعَ التقني للخطابِ الروائي كثيراً ما تطلَّب ذلك . فالكاتبُ (( يلجأُ إليها في العادة لأغراض عدة ، من أهمها كبحُ جماح الزمن في تدحرجه الموصول باتجاه النهاية لإيجاد المزيج من التشويق .))(*) اضافةً إلى اعتقادِ الكاتب أنَّ هاته الشخصيات التي تظهر أثناءَ مسارِ الرواية ويستغرقُ وجودُها وقتاً من زمنِها  يمكن أنْ تلعب دوراً في تقديمِ الكثير مِمّا يجبُ عرضَه علينا بدلاً من الراوي الذي يتسبّ!ب بثقلِ وجودِه علينا إنْ جعلَ نفسَه عليماً بكلِّ شيء ؛ وهذا ما يُدركه صانع الخطاب إذ أوجدَ شخصية  " ماريو بيغنالي " ومنحه مُهمّةَ عرضِ كثير من الاماكن التي عاش فيها سانتومي  ، وكثير من المعلومات الأُسرية التي تخصه  . فـ" بيغنالي " يأتي عَرَضاً بوضعه وجهاً لوجه أمام سانتومي في أحد شوارع منتيفيديو ، ويروح يسأله :" ألستَ مارتين سانتومي ؟" ص22 . هاته السؤال يفتح الذاكرة لتسكب المعلومة في بوتقة تخيل المتلقي الذي سيعرف ان سانتومي عاش في شارع " براندثين " وارتاد "مقهى شارع ديفنسا" كثيراً قبل  ثلاثين عاماً يوم كان اعزب .. ويسأله بيغنالي عن أمِّه وكيف كانت تصنع لهم عجة الخرشوف البري ؛ وعن أبيه . كذلك يسأله عن زوجته ايزابيل التي كانت جميلة . ويخبره سانتومي ، بل يخبرنا صانع الخطاب عبر حوار الاثنين أنَّ الامَّ والأبَ والزوجةَ توفوا .. ثم افترقا على أملِ اللقاء ... ثم يلتقيان أو يتم وجودُ تلك الشخصية عبر الهاتفِ أو الرسائلِ المتبادلة . 

ثم تظهر شخصيةٌ  ثانويةٌ أخرى " آنيبال " يزجُّ بها صانعُ الخطاب ليرينا مِن خلالِها صديقاً يعتزُّ به وهو واحدٌ من اصدقائِه القلّة المفضَّل لديه (( فهو الوحيدُ على الأقل الذي اتحدَّث معه في بعض الموضوعات دون أنْ أشعر بأنّي مضحكٌ (....)  والحقيقة أنّه يدفعني في أحايين كثيرة إلى حسمِ أمري في اتخاذِ قَرارٍ ما ، وأكون أنا في أحيان أخرى مَن يكبح اندفاعه باحدى شكوكه .))ص56

وهناك شخصية باسكايولا صديقُ المراهقة الذي يلتقيه بعد ثلاثيين عاماً ويصفه بسخريةٍ وبفكاهةٍ تبعث على ضحكٍ شبيه بذلك الضحك الذي كان يصنعه في قلوبِ اصدقائه عندما كان يحكي لهم بفكاهةٍ  - لا يضحك لها - عمّا حصل له أو ما جَرى لغيره  (( لقد تحوَّلَ ذلك المراهق الطويل والعصبي والممازح إلى مسخٍ ذي كرش ، ومؤخرة مذهلة ، وشفتين ممتلئتين وطريتين ، ووجه به لطخات تبدو كأنها لطخات قهوة تسيل ، وأكياس دهنية رهيبة تتدلى أسفل عينيه وتهتز عندما يضحك ..... كان مفعول دعاباته يتركز تحديداً في أنّه يرويها بجدية كبيرة . كنا نغرق جميعاً في الضحك ، بينما يظل هو غير متأثر . )) ص98  ... وهناك "مارتينث" و "سواريث" و" مونيوث " و "روبليدو " الموظفون الذين عينوا في المؤسسة حديثاً فدخلوا نسيج السرد وأعداد الشخصيات .

 

                       التداعي .. والحوارُ مع الذات

يتوخّى صانع الخطاب في جعلِ الشخصيةِ المحورية ذاتَ رأيٍ فيمنحُها قدرةَ البوح والتحدُّث مع الذات عبر التداعي وطرحِ آراءٍ  تكشف عن ثقافةٍ ما تتحلى بها الشخصية  ، سواء المتعلقةُ بها او بالآخرين ؛ وهي ثقافةٌ تشكِّل مساحةَ الفضاءِ الاجتماعي الذي تعيش فيه اعتماداً على تحليل سايكلوجي وسيسيولوجي  يمسُّ حياةَ الافراد - داخل محيطِ الأُسرة أو خارجها- وتعالقها بهم كشخصيةٍ لا تنفصل عن محيطِها . فليس من طبيعتِها  القفزُ على مألوفيةِ المسار الاجتماعي ، ولا التراجعُ عبر الانكماشِ والرفضِ لما هو سائدٌ .. شخصيةٌ ديناميكية متفاعلةٌ مع الذات  في كثير من التداعي ، حتى لتظنَّها مهووسةً في كلِّ شيء يتحرك امامها وحولها .. إنَّ سانتومي الذي يسردُ فُسحةً من حياته ويجعلها على شكلِّ يوميات انَّما يَعدُ نفسَه قادراً على التكلُّم ، مُعبراً عن الذات وراكباً غيمةَ التحليل لما يراه  بناء على عمر ادرك الخمسين عاماً . لذا لا تجده يفارق شخصيةً تَذكَّرها من خلالِ التداعي بالمعاني أو التقاها مُصادفةً إلا وسلَّط عليها رؤيتَه الذاتية مشفوعةً بذكرياتٍ مرّت كان لها ايماءةٌ في حياته ؛ ولا وقف في مكانٍ أو جلس إلا وانطلقت لغةُ التداعي تعبِّر وتَجيش ، تحلِّل وتقيِّم ما يجعل المتلقي يساوره شعور أنه يرافق مُنظِّراً وصاحبَ افكار . لذا تراه يذكر بيغنالي كصديق قديم ؛ ومعه آنيبال مثلما يذكر ابييانيدا ومعها افراد اسرته سواء زوجته الراحلة ايزابيل أو اولاده الثلاثة استيبان وخيمي واختهما بلانكا ؛ وهو تداعٍ يريد منا صانع الخطاب أن نستشف التفاصيل عبر الذاكرة والتحليل الذاتي . تدعاٍ نجده - نحن المتلقين -  يأخذ حيزاً كبيراً في مسار الخطاب ، موسعاً المعرفة التي نبتغيها ونحن نواكب السير القرائي . فلم تكن ابييانيدا التي هي المحورُ الرئيسي في هذا الخطاب هي الشغلُ الشاغلُ له بحيث ينسى الآخرين ، إنّما جعلَها لَبنة - وإنْ كانت مُهمّة - من لَبناتِ همّه اليومي الذي يريدُه يستحيل سعادةً لما تبقّى من حياته ، هو المتقدِّمُ إلى نيلِ فراغِ التقاعدِ من الخدمة الوظيفية .

الخاتمة

لا مواربة في الاعترافِ أنَّ ماريو بينيديتي قدَّم خطاباً روائياً امتزجت فيه حالةٌ انسانيةٌ لمخلوقٍ كشفَ أوراقَ حياتِه بمسارٍ صادقٍ لم تساوره الخشيةُ في كشفِ الكثير من الأسرارِ الاجتماعية الدفينة ؛ بل  الكثير من الأسرار الشخصية . وهو بهذا اسقطَ المتلقي - وبنجاح - في حبائل الشَّغفِ والرغبة العارمة في تتبّع مَسار سانتومي ، وجعله يتعاطف معه بناءً على بوحٍ حوى كلَّ التفاصيل الحياتية مثلَّما جعله يعيش الألمَ والأسى لموتِ ابييانيدا . أي أنّه اختار التراجيديا في النهايةِ وليس الكوميديا الآيلة إلى زيجةٍ ناجحةٍ وإنْ حملت الفارقَ العمريَّ بين الاثنين . وبذلك دفعَ المتلقّي إلى الاحساس بأنَّ هدنةَ السعادة قد كُسرت - كسرها صانع الخطاب - بإطلاقةِ الموت التي دوَّت في حياةِ سانتومي ... فبينيديتي قلبَ المعادلةَ العُمرية التقليدية التي تشير إلى افتراضِ موتِه قبلها باعتماد الحكمة الموضوعية للزمن حيث عمر الفتاة يشكِّلُ نصفَ عمرِ الرجل ، فجعلها هي التي تموت قبله .. ولقد اعترف بينيديتي جواباً على سؤالٍ وجِّهَ اليه إنْ كانت ابييانيدا فعلاً ماتت قبل سانتومي فترمَّل للمرة الثانية كما وردَ في الخطاب ، قائلاً : (( من أجلِ تجنّبِ اخفاقَ الروايةِ كانَ عليَّ أنْ أقتلَ ابييانيدا .))

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

•·       ابراهيم خليل ، بنية النص الروائي ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، 2010 ، ط1 ، ص113

•·       ماريو بينيديتي ، الهدنة ، ترجمة صالح علماني ، ص14

زيد الشهيد


التعليقات




5000