..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
رفيف الفارس
امجد الدهامات
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


إغتراب

د. ناهدة محمد علي

الزمان نهاية الثمانينات ، الموقع وسط عاصمة عربية عريقة . 

كنت في العشرين من عمري أعيش في بيت كبير ضمن عائلة كبيرة مكونة من أربع أخوات وثلاثة أخوة . كان بيتنا جميلاً تفوح منه رائحة ورد الياسمين ورائحة طبخات أمي الرائعة . كانت أمي في حركة دائمة ترفض أن يساعدها أحد وكانت قوية الإرادة وإكتسبت هذا منها ، غير أني لم أكن أحب الطبخ أبداً ، وكانت أمي تسخر مني وتعتقد بأني سأكون ربة بيت فاشلة . وكنت فتاة عنيدة أفخر بتفوقي دائماً ، وأذكر أني سمعت أمي وهي تردد دائماً بأن لي عقل ولد وليس بنت ، أنت لا تحبين الملابس الملونة ولا اللعب مع البنات ومع أنك جميلة لكن خُطابك سيكونون قلة . كنت أغرق بالضحك لسماع كلامها وأهرب إلى غرفتي .

كان طموحي أن أنهي دراستي الثانوية وأذهب للدراسة في الخارج ، وكنت أعتقد أن كل ما في بلدي هو متخلف ، وكنت أود القفز عالياً إلى السماء وأن أكون شيئاً مختلفاً . وحينما ظهرت نتائج إمتحانات البكلوريا وجدت صعوبة كبيرة بإقناع والديَّ وإخوتي . قبل أن أُسافر لم أستطع أن أنظر في عيون أمي ، كانت تكتم دموعها فقلت لها سيتغير كل شيء بعد أن أعود . ربما الأثاث ومحتويات المنزل ، وربما لون الجدران ووجوهكم وأيضاً لون شعر أمي ، لكني أريد أن يبقى شيئاً واحداً يربطني بالمنزل وبذكرياتي به وبكم . كان هذا الشيء هو وعاء زجاجي صغير كانت تضع به أمي ( الملَبس ) وقطع الحلوى وكنت أجده دائماً على طاولة الطعام ، كان يشبه ثمرة الأناناس الكبيرة ، تعودت أن ألتقط قطعة حلوى صغيرة منه قبل أن أخرج كل يوم .

قد يكون شيئاً جنونياً لكني كنت أريد شيئا يربطني بذكرياتي حينما أعود . بعد أن سافرت عشت أياماً موحشة في شقتي الصغيرة ، كانت أمي هي الشيء الوحيد الذي لم أستطع أن أنزعه من حياتي . كنت أشعر أحياناً بأني لا زلت طفلة تحتاج إلى حضن أمها وكنت أخجل من شعوري هذا وأعلم أن الأيام ستعلمني القسوة ، وأعلم بأنه لا مجال للعودة وقد إخترت الغربة ، تصورت أن هذا العالم يستحق أن أتعرف عليه  وأن أتعلم فيه المزيد وأن أقرأ بلغات مختلفة ، لكني كنت أشعر أن هذا لن يمنحني السعادة . كان هذا يدور بخاطري وأنا أنتظر سيارة الأجرة ، كان الثلج الأبيض يدمي يدي وقدماي رغم إرتدائي للقفازات ، وكان يخرج من أنفي وفمي بخار ساخن سرعان ما يتجمد . وصلت إلى البيت 

أخيراً وإستلقيت على الأريكة الصوفية وفتحت التلفاز كان يؤلمني سماع الأخبار عن بلدي وكل شيء فيه آخذ بالإنهيار . أغمضت عيني وقررت أن يكون العالم وطني ، أن أعمل وأنتقل من بلد إلى بلد ، وقررت أن أقطع حبل ذكرياتي ، وأن أفكر دائماً باليوم والغد وأن أتعرف على أناس كثيرين ، إلا أني كنت أتساءل مع نفسي ، هل سأكون سعيدة مع كل هؤلاء ، وهل سأشعر بالطمأنينة . 

كل نجاح كنت أحققه كنت أعود سريعاً بعده كطفلة خائفة ويراودني منظر بيتي القديم ووجه أمي ، وأتساءل دائماً من أنا ، وأين أنا . 

مرت سنوات طويلة وجمعت أصدقاء كثيرين لكني لم أشعر أبداً بأنهم عائلتي ، وكنت أعود دائماً وحيدة وأخشى الظلام كما كنت صغيرة ، لذا أُبقي أنوار الشقة مضاءة ليلاً . لم يكن يُسكت مخاوفي شيء فبيني وبين يد أمي الدافئة قارات ومحيطات .

عدت ذات يوم من نهار طويل ووقفت أنتظر مرور الأوتوبيس في شارع خلا من المارة إلا من بعض السكارى وبعض العشاق المتعانقين ، كنت أسمع أحدهم يتقيأ في الحديقة التي خلفي ، وقفت بعد حين إمرأة عجوز تنتظر معي . نظرت إليها ، كل الأمهات متشابهات ثم أدرت وجهي نحو الجهة الأخرى ، أسرعت فالأوتوبيس قادم ، جلست على الكرسي في الداخل وأخذت أفرك يدي ببعضهما ، سألنا السائق ، هل تريدون أن أفتح جهاز التدفئة ، قلت نعم من فضلك . 

عدت إلى البيت ودخلت المطبخ لكي أتناول فطيرة صغيرة وكوب من الحليب الحار ، إستلقيت وأخذت أرتب قراراتي ، بعد شهر سأكمل دراستي وسأذهب إلى بلد عربي دافيء . كنت سعيدة بعملي لكن إحساسي بالغربة لازمني كما كنت أيام دراستي . لم أستطع أن أكون كأي فتاة أُوربية تمارس شبابها بشكل طبيعي . كانت محاذير أمي تلاحقني أينما ذهبت .

بعد سنوات من العمل قررت العودة إلى الوطن ، كنت أعلم أن أمي لم تعد هناك ، لكني قررت التوجه إليه . تنفست رائحة الوطن . لم يستقبلني أحد . كانت الطرق متعرجة ومحفورة ولم يكن سهلاً المرور فوقها ، تساءلت لِمَ كل هذه الحفر ، ولماذا تتدلى أسلاك الكهرباء في الشارع كخيوط العنكبوت ، أهي آخر مظاهر فسادنا الإقتصادي وربما قتال الشوارع . أخيراً طرقتُ بابنا القديم . حدقن أخواتي بوجهي لن يعرفنني ، إحتضنتني أختي الكبيرة ، ثم جاءت أختي الأخرى باكية وحزينة ، قالت تأخرت كثيراً أرادت رؤيتك قبل موتها ، قلت لها لم أعلم ، قالت تعالي لأريك غرفتها ، قلت لا أستطيع أنا متعبة الآن ، قالت أخرى أُنظري إلى هذه القارورة ، هل تذكرك بشيء ، ثم قالت أمي إحتفظت بها لسنين طويلة ثم أوصتنا أن نحافظ عليها من الكسر ، هل تذكرتِ . قلت ما هذه لا أذكر شيئاً ، قالت أنظري جيداً قلت إنها جميلة وقديمة ولكن ماذا تعني . نظرت إليّ أختي بحزن وقالت ، تلك كانت إتفاقاً بينك وبين أمي على العودة لنا ، قلت نعم تذكرت ، لقد مرت سنوات طويلة وصنعت لنفسي ذكريات جديدة . أجابتني أنت لست أنت ، قلت لها نعم لست أنا الصغيرة التي خرجت من عندكم ، قالت لِمَ عُدت ، قلت مع نفسي أنهم لا يريدونني ويجب أن أعود من حيث أتيت ، لقد بقيت سنيناً بلا وطن وسأنهي حياتي كذلك . كانت ملاحظتي الأولى على هيئة أخواتي هو أن ملابسهن كانت تشبة ملابس جدتي ، ملابس مضفاضة وسوداء طويلة إلى الكاحل ، وهكذا كان غطاء الرأس . بعد يومين طلبت سيارة أجرة وتجولت في المدينة ، وجدتها لا تشبه المدينة التي خرجت منها ، وجوه الناس عابسة ، كل شيء هنا بثمن ، الكل لا يحمي الكل ، كل ما كان لم يعد كائناً ، وجوه المارة ، عفة الموظفين ، شهامة ولطف سائقي الأجرة ، رائحة النظافة في الشوارع . أحسست بغربة لم أشعر بها من قبل ، الكل كان ينظر إلى ملابسي بإستهجان مع أنها كانت محتشمة ، تعمدت أن لا أنظر بعيون المارة فأنا أنثى ، عدت سريعاً إلى البيت ، وقررت أن أعد حقيبتي . عند المساء أحسست بألم في معدتي ولا أدري إن كان بسبب الطعام أو الماء ، لم يطلب لي أحد الإسعاف وأعطتني أختي حبة دواء وقالت خذي هذا لقد تعودنا على هذه الآلام . نمت في غرفة أمي لمدة يومين وحينما صحوت سمعت صراخاً عند الباب وكان إبن أخي يتشاجر مع أحد أولاد الجيران ، كل منهما يهدد الآخر حتى تشابكا بالأيدي ، تراكض الجميع لوقف المعركة ، بقيت واقفة وأنا مذهولة ، قلت ما سبب كل هذا قال إبن أخي إستعار مني الموترسكل وكسره . إبتسمت ساخرة

وعدت إلى الغرفة .

في اليوم التالي ناداني أخي الكبير لكي نعقد جلسة أُسرية لحل مشكلة الإرث . وجدت الجميع في حالة غضب وتبرم لم أفهم سببه . كان كل واحد منهم يتهم الآخر بإغتصاب بعض الأمتار ، وكان البعض الآخر يريد واجهة البيت ، وأصبح الكل ينادي بأنه قد ظُلِم . وقفت بينهم غاضبة وقلت : ما الذي تفعلونه بربكم ، أنتم لستم بالأخوة وأنا لا أريد شيئاً . وقررت بعدها  أن أعود من حيث أتيت . أعددت حقيبتي وفي صباح اليوم التالي  كانت تنتظرني سيارة إجرة ، خرجت أختي الكبرى دامعة مع إناء ماء وسكبته على الأرض علني أعود ذات يوم . لم أشعر بالمسافة أو الطريق ولم أستعد أنفاسي إلا وأنا على كرسي الطائرة ، وكان سؤالاً واحداً يتردد في رأسي من أنا وأين أنا ، ولم أجد له جواباً إلى اليوم .


د. ناهدة محمد علي


التعليقات

الاسم: جمال حكمت عبيد
التاريخ: 12/02/2019 23:00:08
ان لم تكن قصصنا واقعية لماذا نكتب، ما قرأته واقع حقيقي مرير عشناه ونعيشه يوميا ،زمانه في كل الاوقات ،ومكانه في اغلب بلداننا التي انهكتها الحروب ولحقها التخلف، قصة متكاملة في سردها وصياغة بلغت هدفها .. دامت افكارك ودام مداد يراعك.
تحياتي ..




5000