..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


المولع بالخيول

د. رياض الاسدي

-1-

إقتربت من الأسطبل الصغير الكائن خلف البيت. إنتابني شعور غامض ومباغت بأن ثمة طلقة بندقية دوت بالقرب من المكان في أثناء نومي.. لم اكن قد سمعت بتلك الطلقة من قبل.. وكنت أحسب كلّ ما أسمعه محض حسد عيشة وغيرة من اصدقائي الجاكيه. 

الفرس "السبوق" التي لاحقتها العيون وسط عاصفة من غبار متطاير كسهم أحمر أنطلق فأدهش موظفي إدارة السباق الذين تركوا مناضدهم الخشبية الهزازة لأول مرة وراحوا يرقبون مفاجأة الموسم: فرس شرطة الجمارك السابقة، وهي تتقدم الجياد بمسافة كبيرة. النواظير المؤجرة من اكشاك بيع السجائر الرديئة بدت أكثر أهمية في ذلك من يوم بدء مشاركتها في السباق. يمكننا ان نلحظ ظهور السبوق لأول مرة مع تأجير نواظير طولية جديدة "متابعة القرصان" رخيصة من صنع محلي: إنها لا تعدو ان تكون غير انبوبين أسطوانيين من الصفيح الرقيق ثبتت فيها مكبرات زجاجية مستعملة في أغلب الاحيان، مع تحذيرات كاملة بعدم السقوط على الأرض أثناء متابعة السباق. ولذلك يصعب القيام بأية حركات انفعال في عمليات المراقبة. يمكن النظر ببساطة إلى السباق من خلال اغماض أحدى العينين: صفير طويل وضاج، وصراخ هائج متواصل ينبعث من أماكن مختلفة على المدرجات شبه المتآكلة والمكتظة بالنظارة: سبوق سبوق سبوق!

كنت اول من اطلق عليها هذا الاسم: سبوكي! الجمهور هو الذي خففه إلى سبوق؛ منذ ان تسلمتها من دائرة جمارك المنطقة الجنوبية بوصل بيع حكومي، كتب تحته: حيوان (مطاردات) مصاب بعاهة دائمة. المبلغ المستوفى عشرة دنانير فقط لاغير! التوقيع: مدير حسابات جمارك المنطقة الجنوبية.

دفعت المبلغ إلى مدير الحسابات على شكل أرباع دنانير خضر كثيرة الاستعمال و ملفوفة بعناية. بيعت السبوق بعد إصابتها بإلتواء حاد في أثناء واجب مطاردة حامية ضدّ مهربي ويسكي ومسدسات على طرق صحراوية غير مألوفة.

وكان المراهنون الدائمون على المدرجات أوخارج ملعب السباق هم اول من علم بشرائي للسبوق. ثمّ عرف بشأنها مربو خيول السباق، والفضوليون، وعشاق المراهنات، ومهربو الويسكي والمسدسات, وشرطة الجمارك ممن أمتطوا السبوق في واجباتهم سابقا.

لكن سؤالا واحدا حار به الجميع: ماذا يمكن ان يفعل صبي مثل عبدول جاكي – أسمي عبدالله- بفرس عرجاء خدمت في الشرطة؟ أحد الشرطة نصحني بتشديد الحراسة عليها دون أن يذكر سبب ذلك..؟ ثمّ جاء آخرون فأكدوا لي أهمية مراقبة الفرس في الليل..؟! لم اعر ذلك ايّ اهتمام. وحينما كثرت التحذيرات، وغمضت في رأسي الكلمات، سألت:

- هل ثمة خطب لا اعرفه في السبوق؟

- لأنها السبوق!؛ الحمراء المشاكسة يا عبدول!

- وماذا يعني ذلك؟!

- ما لا تعرفه: محاولات تسميمها في مربض خيل الشرطة القديم!

- سمعت ذلك.. من يرغب بقتل حيوان مسكين؟

- أفهم.. وما لم تسمعه أيها الجاكي: هو الثأر القديم بين سبوقك والمهربين.

- أي ثأر .. أوووهووو! سأعالجها.. ما شان المهربين بحيوان أعرج اشتريته بعشرة دنانير؟

- احذر! فقط.

- على ظهرها أشعر بالطيران حتى وهي عرجاء. أفهموا.

- ولد .. ابله!

-2-

جئت بها في الصباح الباكر من كانون البارد، وانا اقودها من بستان النخيل إلى منزل هاكوبيان البيطري العجوز غير الرسمي. تجمدت قدماي، ورحت أرتجف طوال الطريق والسبوق تنظر إلي بحنو غريب خلفي. وعلى الرغم من أرتدائي معطفا خاكيا تدلت كتافيتاه جانبا إذ يستعمله الجنود في الشمال  للحراسات الليلية في الربايا، إلا إني كنت أرتجف بقوة مثل سعفة يابسة. ربما كنت مصابا بالحمى. لكن الولع بالسبوق انساني نفسي.

هاكوبيان يا هاكوبيان!

في هذا الشتاء القارص توقف الماء عن الجريان في الانابيب. يحدث ذلك نادرا في الجنوب. ولم يسبق للسبوق ان تعرضت إلى هذا الجو الثلجي من قبل. ولم يسبق للمدينة التي تقع على طرف الصحراء ان تعرضت إلى عاصفة ثلجية منذ عقود كثيرة. أي برد مجنون هذا الذي يمكن ان تشفى به ألتواء ساق؟ بدت السبوق وهي تنظر إلى حركتها حزينة من خلال تلك النظرة العميقة للأسفل وهي تشير مخذولة كانما خسرت معركة.

الباب الأزرق الواطيء نسبيا والمغلق. العتيق. المرصع بالمسامير الصدئة.

هاكوبيان! اين انت أيها الثمل؟ هل تسمعني؟ هوووو!

باب كبير يغوص في الأرض قليلا.

الدنانير العشر التي دفعتها ثمنل للسبوق العرجاء هي كلّ ما املك في هذا العالم. وما تبقى غير دينار واحد أستدنته لشراء خضار وخبز  للمنزل في الايام القادمة. مبلغ عشرة دنانير ليس بالامر السهل بالنسبة لي.

هاكوبيان!! او صمخ!

لم يستطع المراقب البلدي أن يمنع هاكوبيان من ممارسة البيطرة على أية حال لأنه كان يعالج خيل الشرطة مجانا. ها قد اتيت له بالفرس أخيرا ماشيا- كما امر من قبل - على طول الطريق المؤدية إلى وسط المدينة الموحلة، تبعني الصبيان العابثون، والهنود الجوالون، والفلسطينيون الذين يحملون على اكتافهم اقمشة للبيع، والكلاب السائبة، واولئك الذين أسمعوني كلمات لا معنى لها.. فجأة، فتح الشباك الخشبي، وأطل برأسه الاشيب الصغير وعينيه الزرقاوين المتورمتين.

- لماذا تصرخ منذ الصباح الباكر؟ ها؟

- هاهي السبوق!

- اسم لا باس به.. دنيا جامدة. ألا ترى؟

- كما أتفقنا.. جئت. هل أنت سكران أيضا؟

- أي سكران ..أي اتفاق! لا اذكر.. ماذا يمكن ان أفعل في يوم مثل هذا؟

- تفعل الكثير .. ياصديقي.

- هات دينارين أولا للسكران!

- كان أتفاقنا بعد السباق..

- غيرت رأيي! هل سمعت لسكران رأي ثابت؟ هه؟!

- طيب.. طيب. سأعطيك دينارا الآن، ودينارا آخر بعد السباق.

خرج من الشباك الخشبي. تأمل السبوق جيدا وقال: اعرف هذه الفرس جيدا. ربت على رقبة الفرس كثيرا وهو يحدق في عينيها. ثمّ قبلها برفق. لم أستطع ان أفهم سلوكه ولذت بصمت مطبق. كانت الزجاجة ما تزال في جيبه الخلفي. رمقني بنظرة ملؤها الحيرة، وهو يحتسي قليلا منها. أكتشفت أن هاكوبيان بلا أسنان. وأن ما يضعه منذ ان رأيته هما فكان أصطناعيان.

اخرج مشطا أسود صغيرا من جيب بنطاله الخلفي، ورتب من شعيرات فوديه البيض القليلة المتطايرة. وقال: العناية بفرس، أيها الجاكي!، يتطلب كثيرا من الوقت والمهارة والحب. هل أنت قادر على ذلك؟

أمتلاك فرس يتطلب الظهور بمظهر حسن أيضا. من أين لك بهذا المعطف يا عبدول؟ السبوق تكره المعاطف العسكرية. يمكنك شراء قميص أبيض وقمصلة سوداء قصيرة من سوق "البالات" لكي تبدو جاكيا محترفا ووسيما. أليس كذلك؟ خذ دينارك من اجل هذا، وأذهب إلى سوق "البالات" فورا ايها الجاكي المبتديء. لن تقبل السبوق بجاكي ودشداشتة ممزقة كبالون ساقط من دائرة الأرصاد الجوية. أبدا. مفهوم؟

- شكرا هاكوبيان. أنت نعم الصديق.

- لست صديقا لأحد.. أنا كبير.. لكني صديق السبوق من هذه اللحظة!

- هل عالجتها من قبل؟

- لا اذكر .. ثمة خيول كثيرة مرت علي.. خيول عربات ، خيول شرطة خيول سباق، خيول    زينة، خيول تائهة لا احد لها تركت بعد خدمة طويلة. لا يسالني عن الخيول: أعرفها جميعا. لكني لم أشاهد مثل سبوقك هذه. كلّ خيول السباق اصدقائي تقريبا.   

- أشتريتها بعشرة دنانير!

- مبلغ تافه!

- لكنك غالبا ما تخسر في المراهنات.

- أخسر .. ومن فينا الرابح؟ اشترِ للسبوق جلالا جديدا أيضا.

- هذه مصاريف لا أقدر عليها الآن..

- هل تريد ان تربح في السباق دون ان ترضي سبوقك؟ جاكي بخيل!

- هل ستعدو كالسابق؟

- لست أدري.. ولكن مادام لدى هاكوبيان رأسا .. ساحاول كلّ جهدي.

- شكرا.

أجلس الفرس على الارض بحركة واحدة منه تطلبت مهارة خاصة قلما يعرفها الجاكية. وكان قد احضر عدة عمله الطبية من الداخل؛ وهي على شكل صندوق شاي خشبي علامة (الفلاحة) احتوى على مفكات سيارات وكماشات كهربائيين وروابط حديدية وخرد حديد متنوعة. وشرع بربط الساق الملتوية. ثم حدث الفرس باللغة الارمنية، وراح يترنم باغنية متداولة طالما كررها وعلّم الآخرين معانيها، عن ضياع المزارع والبعد عن احراش الطفولة، والسير في طرقات جبلية موحلة وزلقة. الارمن المطاردون. الأرمن الذين فقدوا أرضهم. وبعد دقائق من الغناء المشحون ببكاء هاكوبياني لم أستوضحه؛ نفرت السبوق بقوة.

- ماذا فعلت؟!

- اعالج الالتواء.

- عاملها برفق من أجلي.

- أتعلمني عملي!؟

كانت السبوق تستجيب لجبيرة هاكوبيان بسرعة على نحو غريب. قال بعد انتهاء عمله هاتفا: اما الآن ياعبدول عليك إحضار عربة لحمل سبوقك. ونفّذ كل ما اقوله لك بالحرف الواحد.. ثمّ عد بها بعربة بعد شهر.. من اليوم.. أحسب جيدا.. انا ضعيف بالحساب هذه الايام .. مفهوم؟ ولتتغذ السبوق جيدا طوال هذه المدة. أما أنت، أيها الجاكي المتدرب، فخفف من وزنك خلال هذه المدة حتى تصبح ريشة صقر.

-3-

لا تشد اللجام بقوة، دعها تنطلق وحدها. تعلم ان تطلق صفيرك الخاص في الربع الأخير من المسافة. لا تلتفت إلى الوراء أبدا، إن فعلت ذلك - كما يفعل كثير من الجاكية - فانت تهين فرسك. ثمّ تذكر ان حب الفرس والتعلق الدائم بها هو سرّ الفوز بالسباق دائما: نصائح هاكوبيان قواعد ذهبية؛ أنا لا انصح كلّ جاكي ياتيني بفرس مريضة. طبعا. معظم الجاكية مغرورون. لا تغتر انت. وأجتازت السبوق الخط النهائي دون ان تثير خلفها أية عاصفة. كأنما تطير في الهواء. وازدادت صيحات الجمهور: سبوق سبوق سبوق!

وبعد السباق دعاني مدير ملعب السباق نفسه، عبادي البدين الذي يجلس في دائرته دائما ويرقب السباق بناظور إنكليزي قديم ورثه عن ضابط إسكوملأ من غليونه المرصع بالفضة. وكان المكان قد دعاني إلى وليمة لأسماك بحرية. وجلس هاكوبيان حذرا وهو يرقب السبوق من وراء زجاج المكتب في كلّ لحظة تقريبا.

قال المدير: من هذا ياعبدول؟

- هاكوبيان!

- وماعلاقته بالفرس؟

- صديقها.

- هل هو شريكك فيها؟

- قلت: صديقها!

- لا أفهم..

- يمكنك ان تعده شريكا..

- طيب أيها (المولّد)(*) اسمع: خسرتنا سبوقك كثيرا!

فقال هاكوبيان: ولسوف تخسرون أيضا!. فصرخ عبادي المدير:

- دع هذا الأرمني السكير خارجا يا عبدول.

- لا، هو صديقي. قل لي الآن ماذا تريد منا؟

- يمكنك التباطؤ قليلا في السباق يا عبدول..

- ماذا؟! يصعب السيطرة على سبوقي في الركض.. الجميع يعرف ذلك. أسأل هاكوبيان!

- أيها الافاق!

- والله!!

- قم قم!

-4-

عصا الجاكية، السوداء الرفيعة، ذات النهايات المفلطحة. البنطلون الاسود القصير. القبعة البيضاء الجديدة بشريطها الازرق المتطاير إلى الخلف. عشرة امتار بين السبوق وثاني فرس في السباق. شخير متواصل بعد كلّ جولة وهياج عام في الملعب وسط صيحات حامية: سبوق سبوق!! رفع القبعة تحية للجمهور المتماوج والملوح بدنانير الرهان الزرق. الفائزون والخاسرون.السكارى والصاحون. كلهم قذفوا احذيتهم وخفافهم "الشطراوية" والاسفنج، والزجاجات الفارغة إلى ساحة الملعب، ولأول مرة في تاريخ السباقات والمراهنات كما حدثني هاكوبيان.

تقبّل الجاكية تلك الثورة عن طيب خاطر. وعدوها حالة طبيعية بعد ان اصبحت المراهنات بعشرات الدنانير، وازداد رواد "الريسز" اضعافا. لحظة تأملت السماء وسط الهياج بدت حمراء شفيفة عجيبة. كانها غير السماء. ريح مفعمة برائحة مطهرات. صفير في الخارج وصفير في الرأس. خلع هاكوبيان قبعته السوداء الكالحة وانحنى لأول مرة للسبوق التي ربح من المراهنة عليها مائة دينار في يوم واحد. لكنه ترنم بالاغنية الارمنية نفسها.

جلس هاكوبيان بالقرب من باب الأسطبل الذي أعددته للسبوق حديثا. ولم يكن يبكي كعادته، كان ساهما نحو مكان ما في السماء القريبة. كمن يرقب مجهولا قادما. باب الاسطبل منخلعا تماما. وثمة ساقية صغيرة من دم احمر قان تسيل ببطء بالقرب من مشبك الخشب المصبوغ بالابيض. كلانا لم يدخل الأسطبل أبدا.

ــــــــــــــــــــــ

(*) المولد: الخلاسي.

د. رياض الاسدي


التعليقات




5000