..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصص قصيرة / حارس الجثث

د. رياض الاسدي

عقود طنطلية  

 

سارتدي افضل ما عندي هذه الليلة بالذات. عندما يراني بهذا النفنوف الأسود لن يعرفني أبدا. طبعا. ارتدي شيئا آخر: هكذا قالت لي صديقتي روز. روز تعرف أشياء كثيرة عن الدنيا. انا لا أعرف إلا أشياء قليلة منذ ان غادر زوجي. اوف ياربي! ماذا سأرتدي وكلّ ملابسي سود كالحة ومن سنين (أبو ربية)(*): لم يكن هذا الأخير غير (طنطل) قديم ينام في خزانة عتيقة. كيف يعرفني وقد ملأ الشيب رأسي؟ ربما نسي شكلي الآن، من يدري؟ أكثر من عشرين عامايوووووه، وهذا النفنوف الوحيد رافقني طويلا، يتهرأ فافصّل غيره يتهرأ فأفصل غيره: أسود دائما. طنطلي. لم يرني بثوب أسود قبل أن يغيب عني زوجي.

آخر ليلة كانت لي معه، تعريت تماما ولأول مرة منذ زواجنا، يآآآآآآآآآآآآآآآه ورقصت لأول مرة أيضا (بردح) الجنوب: ليلة صاخبة. جنجلوتيه. لا تنسى. سوداء كانت على حظي. اخيرة. لكنها ليلةعجيبة. لا تنسى لا تنسى. ضحكت روز وقالت: وبعدين وبعدين!؟ شنو صار؟ فللت شعري الطويل وردحت بعنف: حا حا حا! هيك وهيك. لم أفعل ذلك من قبل. يبوي. ثم تأمل مفاتني مليا؛ كأني سأغيب عنه ألف عام. يآآآآآآآه مصيبة روز أخية طركاعه. كان جسدي أبيض ثلجيا كأنما يكتشفه لأول مرة بكلتي يديه وهو يتحسسني كالمذهول معتصرا بعض المناطق بقوة. جندي ش ضاحكةة. لم يفعل ذلك من قبل ابدا. بقي ذلك الزوج كالمجنماذا أفعل اخية روزه. تحسّسني طويلا كزهرية بلور ثمّ ردح معي أخيرا: حا حا حا هيك وهيك. كان سكرانا. طوووخ. وأشبعني عضا ليلتئذ. وقرصني بقوة من اماكن حساسة. كنت اصرخ لم يفعل ذلك من قبل. ثم ضحكنا كثيرا اكثر من اي وقت مضى بأصوات لم نعهدها: هو هو هو هي هي هي ها ها ها يبووو! لا لا لا، لا لم تكن أصواتا ، أبدا، كانت تشبه صيحات مبهمة قادمة من أماكن غامضة ليست على هذه الأرض. آخر ليلة روز من موت الطواني بعد ذلك.

ولم يكن ثمة احد يتوقع ما سيجري لنا. قلت في سرّي: اللهم اجعلها ضحكة خير لكلينا. ربي لا تحرمني منه ودعه هكذا دائما ربي. آخر ليلة لنا هووووو ياربي لماذا. كانت. عجيبة جنون: هل كان يعرف بانه سيغيب عني ألف عام طنطلي؟ وهل أخبره طنطله بذلك؟ لكلّ منا طنطل يرافقه هكذا يقولون. من البداية إلى النهاية. هكذا يكون الطناطل خيالاتنا في النهار ورجالنا في الليل؛ الغائصون تحت جلودنا: طواطمنا الأثيرة. "يابنية يازغيرونة عقد عليك الطنطل"!

تحت جلد كلّ واحد من المخلوقين طنطل، أسود، او بأي لون اخر. الطناطل تتلون حسب الظروف. غير مهم اللون المهم الفعل. لكنه طنطل ردّاح غالبا، يخبره بما يجري؛ منا من يسمعه، ومنا من تأخذه الاصوات الكثيرة فلا يتنبّه له. الطناطل كائنات موجودة خلقها الله في كلّ مكان تقريبا، مثلي لا يخطئها أبدا، ويمكن لأي مدقق اكتشافها: يكثرون في الزوايا المهملة، والسلالم المتروكة، وأقبية المطابخ، وصرر الملابس الداخلية النسائية العتيقة، وتحت الجلود البشرية. وفي الأماكن النجسة. وفي الحروب والمصائب والفيضانات والطواعين يكثرون ويتناسلون أكثر من أي وقت مضى، كما هي الحيوانات في الربيع على الأرض اكثر من أي وقت آخر. مسودنين مثلنا. أسالوني. وليس ثمة صعوبات كبيرة في التعرف اليهم. كائنات مشاغبة. لكنها ليست معادية دائما.  

كانت الحرب في بدايتها: طابطيب طابطيب، طبببآآه!: حرب غير التي نراها في أفلام الأسود والأبيض، طابطاب من طراز خاص: نحن مشينا للحرب، ومن اجل الشط، كما قيل لنا بعد ذلك. أي شطّ كان هذا الذي يأخذ الأحبة عنوة؟ ويأأكان الجنود يحملون الحقائب ذاهبين إلى الجبهة، عبر الشط دائما، يخالونها سفرة مدرسية، والطناطل بانتظارهم: طنطل وراءهم. طنطل على الجانبين. طناطل تلحق بهم دون ان يشعروا وتقدم الاعيب مخزية.. يمارس الطناطل العادة السرية أيضا. رداحون جدد دائمون ومختلفون يشبهون البشر، لكن عيونهم طولية دائما. لم ير الجنود الطناطل السود بعد؛ اولئك كانوا على مرمى حجر بعد الساتر الاول. ولم يعد ثمة جندي يحمل حقيبة بعد شهر واحد. ذهب الطناطل بكل الحقائب. الموت لا يحتاج إلى حقيبة. لم تعد الحقائب مهمة. وكانت الطناطل تستاف آلاف الحقائب يوميا. اما هو، وحده، زوجي العزيز, فقد بقي يحتفظ بحقيبة معسكر التدريب على غير العادة السائدة، ولم يدعها لأي طنطل. سبع. وربما هو آخر من كانت له حقيبة من جنود الساتر المتقدم. ثمة شغل - ما - له في تلك الحقيبة حتما، من يدري، لم اسأله عن ذلك قط. " ولج عوبه ياطناطل يا سوالف عتيقة ولج هاي حرب حرب بين دول واحنه صرنا حطبها شنو طنطل!"

عندما غادرني آخر مرة، كانت عنده حقيبة جلدية جديدة رسم عليها مضربا تنس أبيضين، سوداء مثل نفنوفي هذا الذي اردح فيه في عزاءات الموتى المتكررة. لم أحاول ان أعرف سرّ تعلقه بالحقائب:تتجمد الحروف على شفتي دائما. لا ادري ما لون الدنيا، كلها، صارت, مثل نفنوفي بعد ان غاب. ثم قيل لي: مفقود! والمفقود كالطنطل يمكن ان يحضر في أية لحظة، ويمكن ان لا يحضر أبدا. ومثلما يفعل جميع اولئك الذين يغيبون عن المنزل عقودا، ينسون الريح، ومواجهات الطناطل، وعذابات الخدمة، وباب المنزل، واستقبال الاطفال المتصايحين. بيد انهم يحنون إلى المنازل كثيرا، إذ كانت الطابطيب تفترش أحلامهم في سني الأسْر الفوقية, وسني التحول القسري أيضا                         .                                          

اراهم: الأطفال أصبحوا رجالا، والريح لم تعد معبأة برائحة البارود- لا ليست ريحا. الريح نعرفها. إنها شيئ ما تذكر برائحة الدم المتدفق على الأرض من الجنود المصابين توا. نتشممها ونبكي. نتشممها ونلوب.نتشممها ونموت مثل رائحة تفاح عفن. ماتت الامهات، وهن يرقبن الطرق، كلّ يوم، امام ابواب المنازل، والساحات فارغات من الجنود؛ والآباء رحلوا، جميعا، تقريبا، والاخوة الأحياء أجتهدوا في إسعاد زوجاتهم، من بقي إذا؟ كلّ ردح على طريقته. جميعا. الغائبون والحاضرون. الذين جاؤا واولئك المنتظرون، هناك، في مكان ما. عقود أخر، ثم يتحولون، بلا حقائب، ويجدون نفوسهم في مكان ما ايضا؛ لحظة فقدان الاحساس بالمكان. الطيارون المواجهون للحالات الطارئة المشبعة بالمجهولية؛ كلهم طاروا؛ لا احد ليس طيارا، هنا. هنا او هناك، فالزمن السفلي غير زمننا هذا، ولن يستثني احدا. وكلّ ما يخيف هنا: هو الانتظار الغريب هذا. لا ليس أنتظارا إنه شيء آخر يشبه الغصة الدائمة       في الحلق.. رؤية القادمين الجدد وهم يتلفتون لأستكشاف المكان. يمكننا ان نرقب كلّ شيء من هنا، عبالك سينما بلاش، أصدقائي الرعاة، الخدميون،هناك، وأنا، حامل الحقيبة الرياضية؛ هذا أسمي هنا، اسماء وألقاب طويلة. هنا. لكننا نحفظها لأن لا مشاغل لدينا. اكتشفنا كلّ شيء بسهولة. لا احد توقع ذلك مطلقا. هم يحدثونني عن  منازلهم الطينية والقصبية، او تلك المبنية من "بلوك" رطب عند حافات المدن، وانا احدثهم عن شقتي المعلقة في الطابق الرابع، وزوجتي المنتظرة هناك: أراها في كلّ لحظة. والله. لا احد يتحدث عن بيته هنا: رعاة كسالى بلا حقائب، خيولهم وماعزهم سائبة بالبر الكبير اللامتناهي، وخيامهم متهرئة تكاد ريح الشرق الزفزف تقتلعها بعد ان غادروا جميعا. يالها من لعبة ماكرة هنا أيضا.                                                        ورادحون حقيقيون: الخيول تصهل وراءهم، وهي تبكي بأصوات سيارات مزحومة.. ونساؤهم الأرامل يعوين في الأسفل بالصوت نفسه تقريبا من اجلهم.. ديييييييييد! أسمعهن ويسمعونهن ولا احد يستطيع الاجابة.. لكن يمكنني ان اسمع زوجتي: يا ذا الحقيبة الرياضية المرسوم عليها مضربا تنس ابيضين، هآي،أين انت؟؟ ولا شيء غير ريح زفزف عاتية وعنيدة وأصوات مختنقة. مممممممم. يسمعون كلّ شيء ولا يفصحون. يرون. يردحون. وكم هم يكتمون ما يرون. رعاة مغادرون. دائما. أية محطة بين محطتين غياب. ربما كان علينا ان لا نحضر منذ البداية، لكننا بعد ان حضرنا أصبحنا من جماعة (أبو ربية) ذاك وخدمتنا الجليلة  السماوية ذات العباءة المقدسة بالحضور دائما.

دعوتهم بالرعاة لأني لم اجد كلمة مناسبة في قاموسي الحالي. آسف. إنهم رعاة جوالون يطّوفون في كلّ الارجاء تقريبا، وثمة خروف سماوي مذبوح يرافقهم دائما في الأعلى.. خروف املح بقرنين كبيرتين لما يذبح بعد. ربما هذا هو السبب الذي جعلني أصفهم بهذه الصفة، واصرخ بهم: ميييع ميييع مييع! ميعيون حقيقيون؛ وأنا على اية حال راع مثلهم أيضا. والخروف السماوي المذبوح لا يكف عن التمعمع والبكاء معا. من رآى دموع الخرفان عند الذبح من اجلنا. ربما. ثمة أشياء تصعب على التفسير في هذه الوهدة. " ابو درب ياخروف ولك هذي حرب ومصالح دولية هيي حيوان"

اصدقاء حرب. صفر الجلود. نزفوا كلّ دمائهم. شعث الشعور. عيونهم غائرة. متشابهون يصعب التمييز بينهم. واقفون واقفون. منذ لا زمن. هنا. شمس فستقية لا تغيب. خطيه. واليوم طويل طويل. سامحوني مرة اخرى ليس ثمة كلمة مناسبة له. خططططيييه. ليس يوما عاديا. وهم يبكون. غالبا. ينوحون بأصوات قططية . رعاة متلبسون من طينة حمراء واحدة بجلود خرفان متيبسة. نحن خلقناكم من طينة واحدة لكنكم تعبثون. لا. لم يكونوا رعاة؛ هذه الكلمة انا أخترعتها لهم، لأنهم كانوا قد وقفوا طويلا بباب الأرض ذاك، باب طويل وعريض ومرصع بالذهب والآيات الكريمات. ثمّ غابوا ولم أعد اراهم. أنتقلوا. وبقيت وحدي أمعمع هنا.

من الصعب ان يكون الواحد وحده هنا؛ كالحرب أنت لا تذهب لها وحدك. رعاة منقادون من رقابهم، يصعب معرفة المزيد عنهم. كنت أرقبهم وهم يقفون جماعات ووحدانا. " خرفان فاتحة مو؟" هنا او في اي مكان آخر. رعاة صابرون. سذج هنا، سذج هناك. رداحون من طرز شتى. كم بكيت من أجلهم، لكني ابكي الآن وحدي من اجل نفسي والمراة التي تركتها هناك، بانتظاري، وقد تعرت وانتصب ذكري.. وبعد ان نقلوا إلى معسكر آخر- مازلت افكر بطريقة قديمة، اعذروا زلات لساني وجهلي وبلادتي " لازلت تفكر بطريقة المعسكر مطي"

- وأنت؟

- من؟ انا؟

- مثلنا؟

- طبعا مثلكم.

- مييعميع!

- مييييع!

- أنوب!!

- مييييع ميييييييع!!

- حيل حيل ولك حيييييل!!

الكرسي الهزاز يعمل وحده، ربما يحركه الطنطل هذه الليلة أيضا. أعرفه. يأتي بين حين وآخر، وحتى صديقتي روز تعرف ذلك. رأيناه معا يجلس في غرفة نومي: كان يرتدي زيا خاكيا وقبعة حمراء وبجانبه حقيبة، والشرفة مضأة بقوة. أضواء غريبة علي وعلى روز. لم أسأله من هو، وكذلك روز. صمتنا. خفنا. لكنه حالما رآنا غادر الشقة كأنه من اهلها. ربما استحى منا. طنطل رجولي. والجارات نائمات. والشط هاديء. ليلتئذ نامت روز معي. قالت:

- الطناطل قدماء.

- من سنين ابو ربية!

- أبو ربية طنطل؟

- ربما.

- هل تعرفينه؟

- لا

- لماذا هو بلا حقيبة؟

- ما حاجة الطنطل لحقيبة؟!

 روز لم تأت كعادتها للثرثرة المسائية. صديقتي العجوز. كبر عليها ان تحزم امرها و تغادرني وأبقى مع طنطلي. لكن اولادها كلهم هاجروا. ولم تعد تذهب إلى الكنيسة في الآحاد. لذلك انقطعت حكايات الناس عني، وحكايتي التي عرفتها كلّ امراة تذهب إلى الكنيسة وقابلتها روز. لكن لم تحدث روز احدا عما رأت قط. خافت. قد يعرف بالأمر القس العجوز وحده؛ فروز تجلس للأعتراف كلّ احد تقربيا. وحينما بدأ الغريب بردحه في تلك المرة، رعبنا، ثم قالت لي: دعيه، إنه مجرد زائر، وسيذهب يوما ما، نامي، كأنه غير موجود، تعلمي ذلك قبل ان تصابي بالجنون ياعزيزتي. لكنه لم يتركني أبدا. كان يتحسس جسدي ليلا او عند الفجر، مثله لا يغادر بسهولة. الأسود الطنطلي تعودت زياراته دائما. لم يكن أسود باللون، للحقيقة، كان يتلون بألوان شتى، لكن الغالب عليها هو السواد. أعرف ذلك تماما في زياراته الليلية لي. أستحيت ان أخبر روز بذلك. لكني لم أستطع كتمانها حتى بدأ بالردح أمامي وهو عار. صحت:

- من انت؟!

- ألم أقل طنطل؟

- ماذا تريد؟

- ماذا يريد طنطل من إمراة فقدت زوجها؟

- هل تعرف زوجي؟! 

- طبعا. الرداح. هناك.

-  أين؟؟ هل هو ميت أم حي؟

-  مفقود.

- حتى انت تقول هذا؟! أأنت جندي مثله؟

- لا.

- الم يقل لك متى يعود؟

- ...

- أنت تعرف أشياء كثيرة عنه ولا تخبرني. لماذا تجيء إذا؟

- أردحي لي وساخبرك..

- أأنت جاد؟!

- وتعري.. هل تذكرين ليلتها؟

- أيها السافل!!  

عربة مذهبة صغيرة تقف في فناء قصر أبيض ناعم مثل قطعة حرير هفهاف تطل على نهر أعرفه. ما هو ياربي؟ اعرفه بس صبر.. ما هو؟ هـ هـ هـ شط العرب! اخيرا تذكرته ما أغباني. اما القصر، لا ادري، لم اره من قبل، ولو كنت أعرف ما هو ومن بناه لأخبرتكم، لا اخسر شيئا، من يخسر شيئا هنا؟ ولكن لم ليس ثمة أحد من الخدم الرسميين الهادئين بطبعهم, المترفين بالبدلات السود الطويلة ذات الذيول المنسرحة. ولا واحد. طشوا. لا حرس ولا رجال استعلامات ولا بستانيين ينتشرون صباحا لتهذيب الورود الجوري الأحمر المعروش في جميع الزوايا تقريبا. ربما غادروا. كانوا يردحون ردحا عجيبا هنا. لا أحد على الاطلاق. هنا. شيء محير: الابواب مغلقة، لماعة، ظهور طناطل وحشية. كتب على الجانبين ممنوع التدخين، ورسمت سيكارة وسط علامة ممنوع التوقف. الدخان يملأ المكان. دخان سجائر الأخوة الرعاة من اصدقائي الذين غادروا او عبروا من هذا الباب او أحد هذه الابواب المقفلة الدخانية؛ لما يزل يتطاير الدخان هنا معبئا بالرائحة التي طالما كرهتها. سكائر سيئة التبغ من النوع الرخيص: بغداد. 

لا، ليست أبوابا؛ الأبواب أعرفها من زمان؛ هذه أشياء أخر تشبه الابواب قليلا: لا رتاجات، لا رسوم، لا زخارف، ولا أستطيع حتى لمسها. مكهربة تفتح آليا. حيرة. لكن من ولجها سيذهب إلى اهله، وهو آمن. وسيردح كثيرا. هكذا يردد الرعاة. آه، وهذا ما يقال لنا دائما بمكبرات الصوت المنتشرة في كلّ مكان أيضا. جميعا نسمع الشيء نفسه طوال الوقت: تعليمات أيضا! نحن الجنود الغائبون عن التعداد المسائي! ثم كتب في أعلى كلّ باب بخطوط متداخلة كآيات أو احاديث قدسية تصعب قراءتها، كتابات متطامنة؛ لو أستطعت أن اتأملها كثيرا لعرفت ما هي، لكنها عالية، عالية جدا، تعذروني. لو أستطعت ان أفك حروفها لما ترددت وقلت.. طبعا. لكنها ابواب مغلقة الآن تماما، كتابات مطلسمة، وأنا أريد الذهاب إلى أهلي عبر الشط. هل امدّ يدي واطرق.. ساطرق أيّ باب، فإنها بالآلاف..؟ أبواب جنب ابواب، عبالك أفلام كارتون، هنا، وبعد كلّ باب، ألف باب، ووراء كلّ باب من الالف ألف باب: هكذا قيل لنا في التعداد بمكبرات الصوت الخفية. تكررت هذه التعليمات كثيرا. لكني لا احتاج إلا إلى باب واحد فقط يوصلني إلى أهلي والسلام ختام.

وهواء الشط رطب يبعث رائحة تذكر بالقادمين دائما. تشممت طويلا بلا جدوى. عيناي دامعتان، لم تكد ترمق الاضواء المتلألأة البعيدة في الجرف الآخر من النهر حتى اجهشت ببكاء مفاجيء آخر. كانت القطة تموء بصوت مبحوح في حضني. اجل. لم يكن يجيد السباحة، ربما أبتلعه النهر وهو يحاول العبور، هكذا قال لي العابرون الآخرون من معيته. كانت الكهرباء قد انقطعت منذ وقت قصير، فوجدت نفسي وحيدة تغمرني الوساوس. عينا القطة براقتان في الداخل بالقرب من لعبة عربة مذهبة صغيرة اهدانيها زوجي أيام خطوبتنا. تعالي هنا. روز. لندخل سيأتي غدا. حتما. ظلام محير يرخي جناحه على المدينة المقوضة من جديد. كان الهواء داخل الشقة أقلّ وطأة على جسدي الذاوي. ثمة طقطقة خفيفة في غرفة النوم. وماءت القطة بصوت ممطوط.

سنوات طويلة بهذا الثوب الأسود الكالح وعصابة الرأس السوداء في هذه الشقة الصغيرة المكونة من غرفتين صغيرتين. وحدي. ماتت امي منذ مدة طويلة اثناء قصف المدينة. جلست ساعات طويلة في الشرفة المطلة على الشارع المؤدي إلى كراج قريب، كنت أنتظر مجيئه حاملا حقيبة سوداء: سيأتي هذا اليوم. سيأتي في يوم آخر. سيأتي هذا اليوم. سيأتي في يوم اخر. لا يمكنه البقاء كلّ هذه المدة بلا خبر وبلا حتى رسالة من الصليب الاحمر. سنوات. سنوات لا يمكن احصاؤها مرت بسرعة كبيرة لكنها ثقيلة مثل طابوق فرشي قديم.

ربما اخطأ أصدقاؤه العابرون التقدير وعبر إلى الضفة الأخرى من النهر، من يدري، فالحروب لا وجه لها؛ رادحة أرضية مجنونة أيضا. ربما لم تسعفه يداه المجذفتان ثمّ عاد ادراجه إلى المحمرة. من ادراهم في تلك الساعات أنه هو؟ ربما، لم يعبر النهر أصلا، فالجنود متشابهون في وقت المحنة. وثمة اسرى كثيرون ظهرت اسماؤهم بعد سنوات، سيظهر أسمه كالآخرين، اجل حدث ذلك كثيرا، لا يمكن للنهر ان يبتلعه بهذه السهولة، فقد كان مولعا بي، يحبني؛ هاجس ما يؤكد لي إنه سيظهر على الرغم من جميع الاخبار.

كان عليّ ان أرتدي شيئا آخر، أفضل من الخاكي، هذا البسطال الكبير المطين، وهذه البيرية المثقوبة. وكان علي ان اتناول بعض الخبز الصباحي والشاي الممزوج بالحليب. فالرحلة كما يبدو طويلة. اطول من أي شيء آخر. ليس ثمة غيري يقف وسط هذه الحديقة: قصر كبير، ولا أحد يسألك عن هويتك، ولم انت هنا؟ كلّ شيء هاديء. غريب. وليس ثمة غير صفير خفيف في الآذان بعد مرور طلقة قناص قريبة جدا من الرأس.

أصبح جلوسي في الشرفة بذلك الثوب الأسود من العلامات المميزة للشارع ولعمارتي. في البداية كان وقوفي او جلوسي ساعات طويلة محطّ حيرة دائمة من جاراتي، وكذلك من اولئك العاملين في الكراج القريب. لكنهم الآن لا يوجهون لي أية كلمات.. كانوا يطلقون على عمارتي: ام الثوب الأسود، ثمّ أجتهد آخرون على ان وراء وقوفي او جلوسي ثمة سرّ ما.. بيد ان احدا ما لم يكن ينسج أية حكاية غير: انتظار جندي. سنة، سنتان، ثلاث، أربع، خمس، ست، سبع، ثمان، تسع, عشر،، أنتهت الحرب ولما يزل ثمة جنود يأتون من المجهول.. عبر الشط.

ترى لماذا اخترعت الحرب؟ ومن اخترعها؟ في هذه الأيام يمكنني أن أجلس ساعات طويلة أخر في الأنتظار. لم أيأس. أبدا. جلست على كرسي هزاز قديم أهدته لي الجارة روز التي هاجرت إلى أستراليا اخيرا وتركتني وحدي وسط هذا المعمعان القديم. عقدت رباط الروب الاسود الخفيف على بطني بقوة. وهاانذا من جديد أجهش بالبكاء من اجل روز هذه المرة. لو استطعت الردح لردحت من اجلها، لكن لم يعد في الجسد قوة كما كان سابقا. كانت جارتي المسنة تشاركني هذا الطقس اليومي تقريبا، كل مساء، لكنها هاجرت في وداع صاخب مرّ, وتركتني وحدي في الانتظار اخيرا. بكيت من جديد.

وفي الأيام الاخيرة لم يكن بكاء عاديا، كان أقرب إلى المواء المكتوم. ربما أقلد القطة التي أشتريتها من سوق الهرج واطلقت عليها اسم الجارة: روز الصغيرة. قطة بيضاء منفوشة الشعر، جميلة، جيء بها عنوة من الكويت أخيرا، طنطلية أيضا، قلت:

- بكم؟

- بخمسة دنانير خانم.

- كثير.

- قطة من نوع نادر، أغاتي، كانت في قصر احد الشيوخ..

- يسكن كلّ قطة جني!

- هذه قطة اجنبية مدام!

- أعرف. لكنها خمسة دنانير. 

 - أشتريتها بدينار واحد فقط. تعلمت القطة ان ترافقني للجلوس في الشرفة بالانتظار أيضا،   كما كانت تفعل روز تماما.

- هل تعرفين، روز، أنا أنتظر منذ عشرين عاما

- مممممممبرررررر!

- لم يظهر حتى هذه الساعة. وروز صديقتي غادرت.

- روز حبابة!

- أنت حبابة أيضا!

- شكرا.. بررررررر!

- هل كنت في بيت شيخ حقا؟

- دعاية! ررررررر!

ربما ماتت روز الآن.. من يدري كانت مصابة بمرض القلب. أنقطعت اخبارها تماما، قالت لي، تعالي معي، هناك، بعيدا، حيث لا طناطل، ولا احزان، ولا ردح على الموتى، لكني أردت ان ابقى هنا، فربما يأتي ولا يجدني في بيته.. عيب عليّ ماذا سيقول عني؟

- ربما ..

- لماذا يغيب من احب دائما؟ هل تعرفين ياروز؟

- ميو. ميو. ميو.

- عاد جميع الجنود، أعرف ذلك؟

- يقولون..ميييو!

- هل أنت متاكدة أنهم عادوا جميعا؟

- لست أدري..ميييييييو!

مسدت على ظهر القطة قليلا، وفي لحظة مبهرة نهضت من مكاني صحت: روز أنظري.. اخيرا ها هو..! ألم أقل لك أنه سيعود.. قفزت القطة على ظهر الكرسي الهزاز فجاة وراحت تتأمل.. يآآآآآه أنظروا هو هو أخيرا. جاء. بعد عيني طولت! شكرا لله. اعرفه. زوجي الرادح القديم نفسه. سأفاجئه بقطتي. هه. اعرف مشيته. ياسلام. يؤرجح حقيبته دائما كاطفال المدارس الملتحقين بأول عام دراسي، هو والله! انا لا اخطئه أبدا. لكنه لم يقف هناك بعيدا؟ هل أخطأ المنزل؟

ــــــــــ 

(*) مثل شعبي عراقي يدلّ على القدم.

 

 

  

د. رياض الاسدي


التعليقات




5000