..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


نقاشات وأراء حول كتاب فردينان دي سوسير « دروس في علم اللغة العام »

د. تحسين رزاق عزيز

بقلم: ماريا روزنفيلد

ترجمة: د. تحسين عزيز رزاق

يوجد في تاريخ علم اللغة قانون تناوب أحقاب التطور الرتيب نسبياً، إذ تتجمع في غضون المادة وتتكامل النظريات والمناهج، والأحقاب التحولية عندما لا تَعُد النظريات والمناهج تلبي متطلبات التطبيق وتدخل في حالة من التناقض مع المسيرة العامة لتطور المعرفة اللسانية.

تميز القرن التاسع عشر في تاريخ علم اللسانيات بتطور علم اللغة التاريخي المقارن. وأدى استعمال المنهج التاريخي المقارن في علم اللغة إلى التجميع السريع للمادة اللسانية الفعلية لكنه لم يكن كافياً لتأويلها وتفسيرها.

ظهر تيار النحاة الجدد (الشباب) الذي تطور بشكل فعال في تلك الحقبة الزمنية نفسها رداً على "التنظير غير الكافي" علم اللغة التاريخي المقارن. فقد سعى النحاة الجدد لإظهار قوانين التغيرات اللغوية وكان ذلك خطوة مهمة إلى الأمام، لكنهم ركزوا اهتمامهم ليس على اللغة بصفتها نظاماً بل على الكلام الشخصي فقط. إذ اتخذ مذهب النحاة الجدد طابعاً انعزالياً.

لقد عظمت الحاجة في علم اللغة في القرن التاسع عشر إلى طريقة نظرية وعلمية. وظهرت محاولات جدية لفهم اللغة بصفتها نظام متكامل في كتابات فلهلم فون همبولت. غير أن نظريته تضمنت الكثير من المواضيع المبهمة والتناقضات وكانت أحياناً نقلاً ميكانيكياً لأفكار الفلسفة الكلاسيكية الألمانية في مجال علم اللغة. 

صارت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لحظة انعطاف في تطور علم اللغة، وتميزت هذه الانعطافة بإصدار كتاب فردينان دي سوسير "محاضرات في علم اللغة". كان هذا الكتاب أعادة إدراك إبداعية للأفكار المتراكمة في علم اللغة للسنوات التي سبقته. وأهم ما فيه من حيث المعنى العام كانت فكرة البناء النظامي للغة وطبيعتها العلاماتية. وبيّن فيه كذلك ما يسمى "بتقاطعات اللسانيات" (لسانيات اللغة \ لسانيات الكلام، اللسانيات التزامنية \ اللسانيات الزمنية)، التي تحدد مادة الأبحاث اللسانية – أي اللغة. و "دخلت اللسانيات بعد نشر المحاضرات في المرحلة الحديثة" (بورونيكوفا 2005، ص 175). ويرى مالمبيرغ "لن يكون بمقدور أي لساني مهتم بمبادئ وأساليب علمه أن يعمل أكثر لو لم تكن دروس سوسير موجودة" (بورونيكوفا 2005، ص 174). وأشار لوي يلمسليف أن "سوسير، في حقيقة الأمر، قد أكتشف اللغة كما هي" (بورونيكوفا 2005، ص 174).

يضل "دروس في علم اللغة العام" ليس أكثر الأعمال المطلوبة في لسانيات القرن العشرين فحسب بل ربما أيضاً أكثر الأعمال المختلف تفسيرها. فمن جانب يرى ممثلو المدارس اللسانية المختلفة كثيراً بعضها عن البعض الآخر أنفسهم أتباعا لفردينان دي سوسير. ومن جانب آخر تُفَسَّر في أغلب الأحيان المقولات التي أدخلها سوسير في الاستعمال العلمي بطرق مختلفة تماماً. ويدور جدال بين المتخصصين بسوسير أنفسهم حول الموضوع الأهم في الدروس: هل هو الفصل بين اللغة والكلام، أم الاعتراف بالطبيعة النظامية للغة، أم أسبقية التزامني على الزمني؟ ولا يفسر لنا الوضعية ترتيب الفصول في كتاب "دروس في علم اللغة العام" لأن من رتبها بهذا الشكل مُعِدّوا كتاب سوسير تلامذته بالي وسيشاهي. 

يهدف بحثنا هذا إلى تقديم عرض مختصر للأعمال المكرسة لتفسير أفكار دي سوسير في كتاب "دروس في علم اللغة العام".

وعرضنا هذا مبني على الشكل التالي: في البداية نتوقف قليلاً عند مسلمة معينة في الدروس معتمدين بذلك على نص سوسير ومن ثم نتناول كيف تم فهم ذلك المبدأ النظري في أطار المدارس اللسانية المختلفة في السنوات اللاحقة.

لو أخذنا بعين الاعتبار حقيقة كون العلّامة قد أولى أهمية كبيرة في دروسه للطبيعة العلاماتية للغة ولبنيتها النظامية وأن مقولة – النظام تظهر خلال المقولات الأخرى كلها للنظرية لوضعنا مبدأ الطبيعة النظامية للغة في رأس الزاوية. لكننا سنبدأ تأمل نظرية سوسير من خلال تقاطعاته اللسانية (مقابلة اللسانيات الداخلية\ الخارجية، لسانيات اللغة\ لسانيات الكلام، علم اللغة التزامني \ الزمني) لأن مادة علم اللغة – نظام اللغة كثيراً ما تتجلى في هذه التقاطعات بالذات. عند ملاحظة تقابلات سوسير الثلاثة سرعان ما نصطدم بصعوبات منهجية لتحديد وضعية هذه التقابلات. أن تشعبات اللسانيات الداخلية\ الخارجية، لسانيات اللغة\ لسانيات الكلام، اللسانيات الزمنية\ التزامنية – أهي تقسيمات منهجية لعلم اللغة النظري أم صفات موضوعية للغة؟ بعبارة أخرى أهي غنوصية أم وجودية؟ 

يُلاحظ في نص الدروس تضارب في المصطلحات: "لسانيات اللغة" و"لسانيات الكلام"، وفي الوقت نفسه تقابل اللغة والكلام بصفتهما تنوعات للنشاط الكلامي؛ "اللسانيات الساكنة"\ "لسانيات الارتقاء والتطور" والزمني\ التزامني حالات للغة.

تثير حالة مقابلة "اللسانيات الخارجية" و"اللسانيات الداخلية" عدد أقل من الجدالات. إذ يُجمِع العلماء على فكرة مفادها أن ذلك لا يمثل إلا طرقاً مختلفة لتناول اللغة. غير أن في نص الدروس فصل مكرس للسانيات الخارجية والداخلية يحمل عنوان "العناصر الداخلية والخارجية للغة". وتشير مقابلة الزمني والتزامني عدد أكثر من القراءات المختلفة. يعتقد يو.أ.ليفيتسكي و ن.ف. بورونيكوفا أن مقابلة الزمني والتزامني عند سوسير ليس إلا تقابل منهجي. "يرى بعض الباحثين في تحديد المجالات بين الزمني والتزامني قطع لحالة اللغة عند سيرورة تطورها، أي أنهم صاروا يحولون التقابل السوسيري من مجال المنهج إلى مجال الوجود وهذا لم يعنيه سوسير أبداً. والنشاط الكلامي في جميع الحالات يفترض نظاماً ثابتاً وتطوراً في الوقت نفسه، والنشاط الكلامي دائماً هو ثبات معمول به ونتاج للماضي في الوقت نفسه" (بورونيكوفا 2005، ص 174).

يساند هذا الرأي أ.كوسيريو إذ يورد في كتابه "الزمني والتزامني والتاريخ" أن الفصل بين الزمني والتزامني لا يكمن مطلقاً في خصائص الموضوع بل يعود إلى نظرية اللسانيات ومناهج دراسة اللغة. ويتوصل الباحث إلى استنتاج: أن التزامني لا يُعد مطلقاً واقعاً تاريخياً لحالة اللغة وإنما هو إسقاط لهذه الحالة على شاشة الباحثين الساكنة. مثلاً يمكن تصوير الشخص الساقط من شاهق في صورة وكأنه يطير. لكن ذلك الشخص خارج نطاق هذه الصورة مستمر بالسقوط. واللغة كذلك يمكن وصفها "متوقفة" لكنها في الحقيقة في حركة دائمة.

بينما تقف بالضد من وجهة النظر هذه يلينا كوبرياكوفا. "لم يكن من الخطأ الافتراض أن تصنيف المادة وكذلك التشعب في أهداف البحث ومسائله يفرضان تفعيل منهج معين واحد وان بالتالي يُشترط اختيار المنهج بخصوصيات مسائل ذلك الوصف وبوجود حقيقة معينة عند اللساني يستطيع على أساسها أن يبني استنتاجاته الفكرية؟...

... إن الطبيعة المعقدة وغير المباشرة أحياناً لمثل هذه العلاقات (أي العلاقات بين خصوصيات وجود اللغة في فترة معينة من الواقع التاريخي وخطط معالجتها، من بين أساليب الوصف الأكثر عقلانية لهذا الوضع وأهدافه النهائية) تجبرنا أحياناً على الإقرار بأن مسألة الفصل بين الزمني والتزامني هي ليست مسألة خاصة بالمناهج الميثودولوجية فحسب بل مسألة انطولوجية وجودية أيضاً" (كوبرياكوفا 1968، ص122 – 123).

لم يصطدم الباحثون، على أغلب الظن، في هذه الحالة بصعوبات تفسير محاضرات سوسير بقدر اصطدامهم بمسألة تفاعل منهج البحث ومادته. فالمنهج يفترض وجود وجهة نظر ما للواقع لهذا يمكن القول أنه يشكل مادة البحث. وفي الوقت نفسه المنهج ما هو إلا أسلوب وطريقة لإدراك الواقع وبالتالي تمتلك مادة البحث العلمي ذاتية نسبية وتقرر الآلية الميثودولوجية.

ربما يرتبط إدراك الالتباس في وضع مقابلات سوسير التي جرت في نظرية اللغة في منتصف القرن العشرين كذلك بالتوجه العام للفكر الإنساني لذلك الزمن: أي الأفكار الغنوصية المعرفية والانطولوجية الوجودية. ويحتمل إن المقابلات السوسيرية التي وصفت منذ البداية كمدخل مختلف لدراسة اللغة (اللسانيات الداخلية\ الخارجية، اللغة\ الكلام، الزمني\ التزامني ) صارت تستوعب كخصائص جوهرية للغة. لكننا في عرضنا التالي للمادة سنحاول أن نأخذ بعين الاعتبار وجهات النظر لهذه التشعبات وسننظر بكل زوج من التقابلات بصفته مدخلاً لحقائق "النشاط اللغوي" (كما يسميه سوسير) وحقائقاً لهذا النشاط اللغوي. 

التقابل الأول في نظرية فردينان دي سوسير – الفصل بين اللسانيات الداخلية والخارجية. يرى أ.أ.خولودوفيتش إن محاضرات في علم اللغة العام التي ألقاها سوسير في عامي 1910 – 1911 تنقسم حسب قصده إلى ثلاثة أجزاء "1- معلومات عامة عن اللغات؛ 2- نظرية اللغة؛ 3- نظرية الكلام. إن ضرورة البدء من النظرة العامة للغات أي عملياً من ما سماه سوسير اللسانيات الخارجية تُبَرَّر بكون معرفة اللساني بمادة معينة تعطيه إمكانية التحول من المحدود إلى الشامل من تنوع اللغات إلى الآلية العامة الكامنة في أساسها – أي إلى اللغة على العموم" (خولودوفيتش 1977، ص16). 

عندما تظهر اللغة تكون موجودة وتتطور وأحياناً عندما تموت في ظروف معينة لا يمكن أن تنقطع عن تلك الظروف. وفي الوقت نفسه اللغة "نفسها تمتلك بناءً داخلياً معيناً. وهذا يحدد مسبقاً تقسيم اللسانيات إلى مادتين رئيسيتين – لسانيات خارجية التي تتناول الظروف الخارجية لوجود اللغة ولسانيات داخلية التي تعالج بنية موضوعها وخصائصها" (سوسير 1977). 

إن فكرة تأثير ظروف شياع اللغة عليها (أي على اللغة) لا تنسب بذاتها إلى سوسير. فهذا المبحث موجود بالتفصيل في نظرية فلهلم فون همبولت حول روح الشعب. روح الشعب – مبدأ روحاني أبداعي يشكل أساساً لوجود الشعب وتطوره ويحدد خصوصيته. وهو العقيدة الخاصة بالشعب التي تكوِّن ظروف حياة الناس. وأوضح تجسيد لروح الشعب موجود في اللغة. ولأن روح الشعب سنخ مثالي فهو غير خاضع للمراقبة المباشرة ودراسته تتطلب التوجه إلى لغة شعب معين. "لغة الشعب هي روحه. ومن بين جميع الظواهر التي تعرف بها خصوصيات الشعب اللغة وحدها تسمح بالاقتراب من الجانب الخفي لروح الشعب" (همبولت 1984، ص157).

يخصص سوسير من بين العوامل الخارجية المؤثرة على اللغة تاريخ الشعب وتاريخ العرق والحضارة. "الأحداث التاريخية الكبرى مثل الفتوحات الرومانية كان لها عواقب لا تحصى على الكثير من جوانب اللغة. والاستعمار الذي يمثل احد أشكال الفتوحات ينقل اللغة إلى وسط مغاير يستلزم إحداث تغيرات فيها. وتلعب سياسة الدولة الداخلية دوراً لا يقل أهمية في حياة اللغات: فبعض الدول، على سبيل المثال سويسرا، تسمح بوجود عدة لغات... ويعمل المستوى الثقافي العالي على تطوير بعض اللغات الاستثنائية الخاصة (اللغة القانونية، المصطلحات العلمية وهلم جرا... ينسب إلى اللسانيات الخارجية كل ما يمت بصلة إلى التوزيع الجغرافي للغات والى تقسيمها إلى لهجات" (سوسير 1977، ص59 – 61). ويشير الباحث كذلك إلى العلاقة بين اللغة والمؤسسات الاجتماعية المختلفة مثل الكنيسة والمدرسة وما شابه ذلك. 

ظهر في تاريخ العلوم اللسانية رأي حول فردينان دي سوسير يفصل بصورة حادة مجالات اهتمام هذين الاتجاهين اللسانيين. وغالباً ما يحتج بمقطع مقتبس من كتاب دروس في علم اللغة العام: "نعتقد أن دراسة الظواهر اللغوية الخارجية مفيدة جداً: لكن القول إننا لا نستطيع فهم النظام اللغوي الداخلي من غير دراسة الظواهر الخارجية إنما هو كلام خاطئ... إذ لا توجد ضرورة لمعرفة الظروف التي تطورت في ظلها لغة معينة. فيما يتعلق ببعض اللغات كالزندية واللغة السلافية القديمة – لا نعرف حتى هوية الشعوب التي تكلمت بها لأول مرة: لكن عدم توفر مثل هذه المعرفة لا يمكن أبداً أن يعيق دراسة هذه اللغات دراسة داخلية واكتشاف التغيرات التي حدثت لها. وعلى كل حال لابد من الفصل بين وجهتي النظر اللتين ذكرتا" (سوسير 1977، ص 61).

إن هذا الفصل القطعي بين اللسانيات الداخلية واللسانيات الخارجية مع التفضيل الواضح للسانيات الداخلية تسبب بلَوم المؤلف "واضح أن اللغة وتطورها يجب أن يدرسا مرتبطين بالمجتمع الذي ابتدع هذه اللغة وطورها بلا انقطاع. لهذا فأن مقابلة هذين النوعين من اللسانيات وفصلهما عن بعضهما والإقرار فقط بحقيقة اللسانيات الداخلية ليس صحيحاً" (كوندراشوف 1979، ص113).

لكن ينبغي عند مناقشة هذه القضية أن نأخذ بعين الاعتبار سياق نظرية سوسير اللسانية. إذ تركز نظريته على حالة الطبيعة النظامية للغة. وكان مهماً للباحث عند دراسة اللغة بصفتها نظام للعلامات أن يؤكد على إن النظام "يعيش" وفق قوانين خاصة والتقابلات الداخلية للغة أكثر صلة بها من تأثير العوامل الخارجية. ويلاحظ أن فصول من كتاب الدروس قد كرست لقضايا البنية النظامية للغة غير أن فهم اللغة بصفتها نظام يوجد ضمناً عند مناقشة المسائل النظرية الأخرى كذلك. ويبدو أن هذه الحقيقة تشير إلى الوحدة المفاهيمية لنظرية فردينان دي سوسير التي كثيراً ما تُرفَض. 

إن اهتمام سوسير غير الكافي بقضية اللسانيات الخارجية مسألة مشكوك فيها. إذ يشير توليو دي ماورو في ملاحظاته على كتاب دروس في اللسانيات العامة الى أن "زيادة عدد المناهج المكرسة للغات الجرمانية ابتداءً من عام 1898 ودورات "النيبيلونغ" وبحث بورغوند، حيث يقدم سوسيور تفسير دور سويسرا البورغوندية في نشوء وانتشار أسطورة النيبيلونغ، كل هذه الاهتمامات تتناقض مع التصور عند سوسير كمناضل من أجل تقسيم اللسانيات إلى داخلية وخارجية" (ماورو 1999، ص 259). يورد اللساني الايطالي اقتباساً من مراسلات سوسير مع ماير لعام 1894: "وفي نهاية المطاف لا يثير اهتمامي إلا الجانب الحي المعبر للغة الذي يحدد خصوصيتها بصفتها منسوبة إلى شعب معين له جذور محددة أي تقريباً الجانب الاثنوغرافي". وقول تلميذ سوسير Redard: "إن نقطة الضعف في العمل الرائع الذي نشره السادة بالي وسيشاهي تكمن في أنهم سمحوا بالاعتقاد أن فردينان سوسير عزل تغير اللغة عن الظروف الخارجية التي تتعلق بها...

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن نص دروس في اللسانيات العامة الذي يستند عليه دارسو الإرث العلمي لسوسير ليس كله لمؤلفه، سيصعب الحكم كم ابتعدت حدود اللسانيات الداخلية والخارجية عند سوسير. وفي الوقت نفسه تجب الإشارة إلى أن سوسير بهذا التقسيم ساهم في تعميم قضايا تفاعل تاريخ اللغة وتاريخ المجتمع. وساهم تقسيم علم اللغة إلى لسانيات داخلية ولسانيات خارجية الذي قام به سوسير بتكوين اتجاه جديد في الدراسات اللسانية هو السوسيولسانيات (علم اللغة الاجتماعي). أن السوسيولسانيات الحالية باستنادها إلى مواقف آراء همبولت وسوسير وسابير وغيرهم من العلماء "تدرس مجموعة كبيرة من المسائل المرتبطة بالطبيعة الاجتماعية للغة وبوظائفها الاجتماعية وبآلية تأثير العوامل الاجتماعية على اللغة والدور الذي تلعبه اللغة في حياة المجتمع" (القاموس الموسوعي الكبير، علم اللغة 1998، ص 481). وهكذا تنسب إلى مجال اهتمامات السوسيولسانيات مسألة الازدواجية اللغوية والاتصال اللغوي والتنوع الوظيفي للغة والسياسة اللغوية للدولة وتأثير التغيرات الديموغرافية في المجتمع على اللغة. بعض هذه المسائل تناولها كتاب سوسير دروس في علم اللغة العام.  

التشعب الثاني في نظرية فردينان دي سوسير – هو التقابل بين اللغة والكلام. يميز سوسير بين "اللغة" (langue) و"الكلام" (parole) و"النشاط الكلامي"  (langage). يشير أ.أ.خولودوفيتش إلى أن مصطلح "النشاط الكلامي" هو ترجمة غير دقيقة لسوسير. ان هذا المصطلح في الحقيقة فقد هيأته الداخلية ويرى الباحث أن الترجمة الأكثر تكافؤاً لكلمة langage هي العبارة المركبة "مجموع الظواهر اللغوية". لكن تركيب المفردات هذا ثقيل جداً لهذا لم يأخذ طريقه في الاستعمال العلمي. "النشاط الكلامي – هو نظام لإمكانيات التعبير لشعب معين – وهو متنوع للغاية ويمس عدة مجالات: كالفيزياء والفيزيولوجيا وعلم النفس. يبرز سوسير في المجموع العام للعمليات الكلامية قطبين اثنين: اللغة والكلام. اللغة – هي النظام القواعدي والمتن 

    المعجمي – أي مخزون الوسائل اللغوية التي لا يمكن أن يتم الحوار الكلامي دون اكتسابها وحيازتها. إن اللغة بوصفها نظام مفرداتي وقواعدي يوجد كامناً في وعي الأفراد المنسوبين إلى أحد المجتمعات اللغوية. ولما كانت اللغة نتاجاً اجتماعياً ووسيلة لتفاهم الناس فهي غير متعلقة بالفرد الذي يتكلم بها... الكلام يعني الفعل الذي بواسطته يستعمل الفرد اللغة للتعبير عن أفكاره وهو استعمال لوسائل اللغة بهدف التواصل" (كوندراشوف1979، ص 111). 

         اللغة – موضوع بحث ودراسة لسانيات اللغة. وتنشغل لسانيات الكلام بالكلام. ولم يتناول سوسير لسانيات الكلام في أي فصل من فصوله الدراسية الثلاثة التي ألقاها في جامعة جنيف.

توجد مقابلة اللغة والكلام قبل ذلك في نظرية همبولت. إذ يعرض فلهلم فون همبولت مفهوم ergon – اللغة في حالته الكامنة و- energeia اللغة في الفعل. انه النشاط الذي تحصل فيه روح الشعب على تجسيد لها. وهمبولت نفسه يولي اهتماماً أكثر للغة. يشير يوري ليفينسكي ونتاليا بورونيكوفا الى أن تاريخ علم اللغة شهد قبل ظهور نظرية همبولت بمدة طويلة نضوج مقابلة اللغة والكلام. "محاولة تميز مخطط شامل ما في اللغة وتحديد مجموعة شاملة ما من القواعد المعينة التي توجه الظهور المتعدد للغة الاستعمال قد ظهرت قبل وضع مسألة اللغة والكلام في الخطة النظرية بمدة طويلة. ومثال على ذلك القواعد العديدة للغات المختلفة" (بورونيكوفا 2005، ص 168).

نعتقد ان سوسير في نظريته التي تناولت اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية (وهنا بالذات تتقابل مع الكلام) قد تأثر إلى حد معين بأميل دوركغين الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي. فقد افترض هذا أن المجتمع تجب دراسته بصفته حقيقة روحية استثنائية مبنية على أساس التصورات الجماعية ذات الأهمية العالمية أو على أساس الحقائق الجماعية. الحقائق الاجتماعية موجودة بموضوعية وبصورة مستقلة عن أفراد المجتمع ولها طابع قسري: فهي مفروضة على الوعي البشري من الجماعة والبيئة الاجتماعية. "اللغة تمثل الجانب الاجتماعي للنشاط الكلامي الخارجي بالنسبة للفرد الذي لا يتمكن بنفسه من خلقه أو تغييره. ولا وجود للغة إلا بنوع من الاتفاق يتوصل إليه أعضاء مجتمع معين" (سوسير 1977، ص 52). 

يعد سوسير الذي ركز اهتمامه على الطبيعة الاجتماعية للغة مؤسس للاتجاه السوسيولساني في علم اللغة (يضم هذا الاتجاه كذلك فاندريس ماير وبنفنست). ويمثل تناقضاً موقف سوسير الذي لا يولي أهمية كبيرة للسانيات الخارجية والذي ربط اللسانيات الداخلية بالذات باللغة، عندما يتحدث عن الطبيعة الاجتماعية للغة، رغم أن اللسانيات الخارجية بالذات تتناول مسائل التفاعل بين اللغة والمجتمع. وفي هذه الحالة يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن اللسانيات الداخلية تدرس اللغة بصفتها نظام. ونخلص من كل ما قيل أعلاه أن: "سوسير توصل إلى استنتاج مفاده أن الاجتماعي في اللغة هو قبل كل شيء السيميائي. وكان تفسير الاجتماعي كسيميائي جديداً في اللسانيات وبهذا حدد سوسير علم اللغة المعاصر له لمدة نصف قرن" (سلوساريفا 2004، ص 13).

ترسخ في تاريخ علم اللغة تصور عن اللغة في دروس سوسير إنها تقابل الكلام كظاهرة اجتماعية مقابل ظاهرة فردية وكامن يقابل حقيقي وظاهرة سيكولوجية مقابل ظاهرة سيكوفيزيالوجية وملموس مقابل غير ملموس وعرضي. لكن نظام هذه التقابلات يحتاج إلى دقة. وعليه فأن ملاحظات سوسير حول "حقيقة" اللغة مهمة وممتعة. إذ يؤكد الباحث على أن الكلام منوع وعرضي. "اللغة شيء ملموس كما أن الكلام ملموس في طبيعته وهذا يساعد الباحث كثيراً في دراسة اللغة. فالإشارات اللغوية – مع أنها سيكولوجية في جوهرها – ليست تجريدية... وهي جوهر الحقيقة لأشياء موجودة في الدماغ. ثم أن الإشارات اللغوية إن صح القول يمكن إدراكها بالحواس حيث يمكن تحويلها إلى رموز كتابية تقليدية، في حين يصعب تقديم صوراً لأفعال الكلام فالنطق بأصغر كلمة ينطوي على عدد لا يحصى من الحركات العضلية التي لا يمكن تمييزها وتحويلها إلى هيأة صور إلا بصعوبة كبيرة... إن إمكانية تحويل عناصر اللغة إلى أشكال صورية تساعد المعاجم وكتب القواعد على وصف اللغة بدقة، لأن اللغة ذخيرة من الصور الصوتية, والكتابة هي هيأة هذه الصور التي تُدرك بالحواس" (سوسير 1977، ص 53). 

صارت مقابلة اللغة والكلام بعدة علامات عرضة للكثير من الهجمات على سوسير. إذ انتشر في علم اللغة كثيراً التأكيد على أن سوسير قد "عزل" اللغة عن الكلام. لكن يجب الأخذ بعين الاعتبار إن في نظرية سوسير اللغة\ الكلام هما جزأن منقسمان من مفهوم مشترك واحد هو "النشاط الكلامي" (اللسان). "إننا نتعامل مع تطويع اعتيادي للمفاهيم، فحجم مفهوم اللغة يدخل في حجم مفهوم "النشاط الكلامي"... التشعب هو تقسيم لحجم مفهوم واحد إلى مفهومين متناقضين اثنين يدخلان في ذلك الحجم. لم يعزل سوسير اللغة عن الكلام بل يعزل اللغة عن النشاط الكلامي" (بورونيكوفا 2005، ص 170).

اللغة والكلام ما هما إلا جوانب مختلفة للنشاط الكلامي، علاوة على ذلك اللغة هي الجانب الاجتماعي. "بعد أن كشف سوسيور التناسب بين جانبي النشاط الكلامي فهم العلاقة المتبادلة بينهما التي تظهر جلية ليس في نص الكتاب بل في المصادر المخطوطة: "إننا بلا شك نعرف اللغة بمعناها المعروف من خلال الكلام فقط. الكلام ضروري لاستقرار اللغة" (سلوساريفا 2004، ص 14).

كان لمقابلة اللغة بوصفها الجانب الاجتماعي للنشاط الكلامي مع التمظهر الفردي للنشاط الكلامي صدىً واسعاً في لسانيات السنوات الأخية. إن مسلمة الطبيعة الاجتماعية للغة اشترطت ظهور اتجاه جديد هو الاتجاه السوسيولوجي. يمثل هذا الاتجاه ماير وفيندريس وبالي الذين استوعبوا أفكار معلمهم وطبقوها بطرق مختلفة. 

يرى ماير أن اللغة بدون المجتمع لا يمكن أن تكون. فكل الظواهر اللغوية مشروطة بالعوامل اللغوية. والعلامات الصوتية ليست القوة الرئيسية المحركة للتبدلات اللغوية (يخالف ماير هنا النحويين الجدد). التغيرات اللغوية يتسبب بها النظام الاجتماعي. إن التغيرات في تركيبة المجتمع لا الأسباب الفيزولوجية أو السيكولوجية تعد محددة في حركة اللغة لأن الظروف الفيزولوجية والسيكولوجية لحياة المجتمع الإنساني دائماً واحدة. يشير انطوان ماير إلى أن أحد العوامل المهمة لتطور اللغة هو استعارة المفردات وهذه تفرضها ظروف اجتماعية بحتة. ولا يمكن أن يحدث انتشار مفردات جديدة مبتكرة معينة إلا إذا كانت تلبي متطلبات الجماعة كلها.

وعندما يشير جوزيف فاندريس إلى أن اللغة حقيقة اجتماعية فأنه يتناولها من الجانب التداولي. إذ أن اللغة هي أوثق علاقة تربط أعضاء مجموعة ما. والإنسان يتكلم ليس من اجل التعبير عن أفكار فقط. الإنسان كذلك يتكلم من أجل التأثير في الآخرين. 

شارل بالي يتناول اللغة بوصفها نظاماً ويشير إلى ما يؤدي إلى الخرق المستمر لتوازن هذا النظام. أشار سوسير الى أن الكلام يسبق اللغة من الناحية التاريخية. ويؤكد بالي أن استعمال اللغة ينتج تحول عكسي للغة إلى كلام. "يجب أن يكون الكلام الحي مادة للدراسة التزامنية للغة... تتناول نظرية التفعيل لبالي تحول اللغة إلى كلام. تفعيل المفهوم – يعني مطابقته الواقعية للموضوع. ويتحقق تفعيل المفاهيم أثناء كلام الناس المحدد دائماً بمضمونه. وتوجد لتحقيق التفعيل في اللغة مفعلات – هي الأساليب المستعملة لتحويل اللغة إلى كلام أو بعبارة أخرى لربط المفاهيم الافتراضية مع المواد والأحداث المطابقة لها في الواقع. والى جانب وسائل اللغة الشكلية ينسب بالي إلى المفعلات كل من الإيماءات وتعبيرات الوجه والترنيم" (بورونيكوفا 2005، ص 181). 

لم تفقد مقابلة اللغة\ الكلام أهميتها في المرحلة الحالية من تطور علم اللغة. لكن مقابلة اللغة والكلام أعيد تفسيرها جوهرياً. فغالباً ما تقع تحت طائلة الشك في الأدبيات العلمية أطروحة كون الكلام فردياً. "لتحقيق الكلام لابد من وجود اثنين كحد أدنى، فالكلام بالتالي له أهمية اجتماعية وهو ليس فردياً بل جماعياً" (ميركين 1970، ص 28). تتحقق وظيفة اللغة التواصلية في الكلام فقط. الكلام فرداني بتنفيذه واجتماعي جماعي بوظيفته. "من جانب آخر تبدو اللغة من وجهة نظر معروفة ظاهرة فردية، خاصة بطريقة تخزين اللغة التي توجد في وعي الأفراد (لغات فردية)" (ميركين 1970، ص 29). 

تتعرض مقابلة اللغة بوصفها الكامن مع الكلام بوصفه الحقيقي إلى إعادة تقييم اصطلاحي جدية. "هذه الاصطلاحات لا تبدو دقيقة للغاية عندما نعني المقابلة الديالكتية الجدلية للغة والكلام. (أخذت هذه المقابلة عند سوسير في الغالب طابعاً ميتافيزيقياً). فعندما نتحدث عن شيء ما كامن أي ممكن لكنه مستور فأننا نعني به شيئاً حاضراً لكنه غير مفعّل وغير مكشوف وغير منفذ. فلو خُزنت في الذاكرة جمل حاضرة فعلاً التي يمكننا فيما بعد إطلاقها أثناء الكلام لكانت هذه المصطلحات مناسبة تماماً... لكن يجب ملاحظة أن في تحول آخر للسؤال استعمال التقاطع الكامن – الحالي "يبدو لي خطأ – أعني تميز شكلَيّ وجود اللغة. وإذا كانت اللغة توجد في الوعي كذلك فأننا يمكن أن نسمي هذا الشكل لوجود اللغة شكلاً كامناً تميزاً له عن الأول" (ميركين 1970، ص 29). 

التميز بين اللغة بوصفها ظاهرة سيكولوجية والكلام بوصفه ظاهرة سيكوفيزياوية يخضع للنقد. "لا توجد اللغة في الذاكرة فقط بل حتى في الكلام بشكل كبير. وفي هذه الحالة تعد اللغة كذلك ظاهرة مادية. والحقيقة أن ملائمة الكثير من الأصوات الإنسانية على سبيل المثال للفونيم بوصفه وحدة لغوية لا يدل أبداً على أن الفونيم جوهر سيكولوجي فحسب لا مادي. والفونيم يمتلك سمات فيزياوية محددة تسمى العلامات التمييزية للفونيم" (ميركين 1970، ص 31). ويتطلب التدقيق مقابلة اللغة بصفتها جوهر هام مع الكلام بوصفه غير هام وعرضي. ويعد استعمال نظام اللغة في الكلام شرطاً ضرورياً لاستقراره. فاللغة غير المستعملة في الكلام لا تستمر بالوجود كحقيقة وجوهر سيكولوجي. 

"التقاطع" الثالث في دروس سوسيور – هو اللسانيات الزمنية والتزامنية (الدايكرونية والسنكرونية). قسم سوسيور في اللغة جانبين اثنين – السنكروني والدايكروني. "السنكروني – يعني وجود اللغة غي المتكرر، الجانب الساكن الثابت واللغة في نظامها. والدايكروني – هو تتابع حقائق اللغة في الزمان والجانب التاريخي أو الديناميكي" (كوندراشوف 1979، ص113). الدايكرونية حسب رأي سوسير لا تعني منهجية. وتباين وجهتي النظر السنكرونية والدايكرونية مطلق. والخلاصة برأي سوسير، يجب تعيين مادتين جديدتين مستقلتين هما اللسانيات السنكرونية (التزامنية) واللسانيات الدايكرونية (الزمنية). ولا ينبغي خلط أسلوب دراسة اللغة الساكن مع المتطور. "بالنسبة للمتكلم لا يوجد تتابع للحقائق اللغوية في الزمان: فقد وصلت له حالاتها فقط بصورة مباشرة. لهذا يجب على عالم اللغة كذلك الذي يرغب بفهم هذه الحالة أن يغض النظر عن كيفية حدوثها ويتجنب الدايكرونية... فما أن يترك الماضي حتى يوغل في وعي المتكلمين. لأن تدخّل التاريخ لا ينتج عنه سوى تشويه أحكام اللغوي... لا يمكن وصف اللغة ووضع مقاييس لاستعمالها إلا مع التركيز على حالة واحدة معينة فقط...

يمكن مقارنة التسلسل السنكروني بقذف شيء على سطح مستو. فعملية القذف تعتمد بصورة مباشرة على طبيعة الشيء الذي يُقذف، ومع ذلك فهي تختلف عنه: لأن الشيء كيان مستقل عن عملية القذف وإلا لما وجد علم خاص بالمقذوفات، ولاكتفينا بدراسة الأجسام وحدها، ونجد العلاقة نفسها في علم اللغة بين الحقائق التاريخية والحالة اللغوية، وهذه العلاقة تشبه قذف حقائق معينة في لحظة معينة" (سوسير 1977، ص 118 – 120).

اكتسبت شهرة واسعة مقارنة سوسير لحالة اللغة السنكرونية والدايكرونية بلعبة الشطرنج "ولعل أفضل تشبيه هو بين وظيفة اللغة ولعبة الشطرنج ففي كلتا الحالتين يوجد نظام من القيم والتغيرات التي نلاحظها عليها. فلعبة الشطرنج تشبه صورة مصطنعة لما تقوم به اللغة بصورة طبيعية. إن أية حالة من حالات ترتيب قطع الشطرنج تشبه كثيراً حالة من حالات اللغة. فقيم القطع تعتمد على موقعها على لوحة الشطرنج، كما أن كل عنصر من العناصر اللغوية يستمد قيمته من تقابله مع العناصر الأخرى".

يجب التنويه إلى أن سوسير ربط مفهوم السنكرونية والدايكرونية بطبقات الدلالة اللغوية – "وليدة" فكرة نظام اللغة. فقد ذكر الباحث أكثر من مرة أن السنكرونية والدايكرونية مناسبة فقط للعلوم التي تتعامل مع أصناف الدلالة. وإننا نرى في هذا إثبات لكون أساس نظرية سوسير يكمن في تحديد اللغة نظاماً للعلامات وجميع مادة الدروس وكذلك منهجية البحث التي اقترحها سوسير تتناسب ضمناً أو صراحة مع هذه الفكرة. "إن النظام يرتبط دائماً بلحظة زمنية معينة. فهو يختلف من وضع إلى آخر. كما أن القيم تعتمد بالدرجة الأولى على العرف الثابت: أي على قوانين اللعبة الموجودة قبل بدء اللعب وتظل فعالة حتى النهاية، ومثل هذه القوانين المتفق عليها موجودة في اللغة أيضاً: فهي المبادئ الثابتة للسيميائية (علم الإشارات)... ونجد في لعبة الشطرنج إن كل وضع له ميزة في أن هذا الوضع مستقل عن الوضع السابق له. ولا أهمية للطريقة التي أدت إلى هذا الوضع. فالذي يتابع اللعبة من أولها ليس في وضع أحسن من الزائر الذي يأتي في لحظة حرجة ويلقي نظرة على حالة اللعبة في تلك اللحظة. وإذا أردنا أن نصف ترتيب اللعبة في تلك اللحظة، فلا فائدة من ذكر ما حصل قبل عشر ثوان. فالكلام يعمل ضمن أطار الحالة اللغوية فقط: ولا مكان للتغيرات الفاصلة بين الحالات اللغوية في دراسة حالة اللغة" (سوسير 1977، ص 121 – 122).

تسبب المبحث الأخير لسوسير بلوم كبير له من جانب المجتمع العلمي. فقد أشار هوغو شوخارت في مقالته حول كتاب سوسير "دروس في علم اللغة" الذي صدر بفترة قصيرة بعد نشر الدروس: "يذكرني عزل السنيكرونية والدايكرونية بذلك الزمان الذي قسمت فيه أطروحة الإحداثيات إلى إحداثيات رأسية وإحداثيات سينية. لا يعد السكون والحركة في اللغة كما في كل مكان متناقضين. الحركة واقع والسكون ليس إلا رؤية" (شوخارت 2003، ص 186). ويشير نيكولاي كوندراشوف: "إن مثل هذه الدراسة المنهجية للغة التي أثارتها ردة الفعل على المذهب الذري (القول بأن الكون مكون من ذرات) وتناول النحاة الجدد (الشباب) غير النظامية للغة نفسره ونسلم به لكنه من الناحية النظرية، طبعاً، صيغة خاطئة للمسألة مرتبطة بخرق لقوانين الديالكتيك وتؤدي إلى المعالجة اللاتاريخية لقوانين اللغة" (كوندراشوف 1979، ص 114). يؤكد ر.أ.بوداغوف أيضاً على أن المهم لسوسير أن تناقض نظريته مبادئ النحاة الجدد (الشباب). "أكد بيان النحاة الجدد بجميع الوسائل إن قواعد النحو العلمية الوحيدة هي القواعد التاريخية. وأعلن باول عن رغبته بفهم مبادئ دراسة تاريخ اللغة أكثر من دراسة المبادئ العامة لعلم اللغة... لكن في العقد الأول من القرن العشرين ظهر فهم آخر للمسألة. فمفهوم "العلمي" صار أعلى بكثير من مفهوم "التاريخي". فمن الناحية العلمية يمكن عدم الاقتصار على دراسة حالة اللغة الماضية وتطورها فقط بل ينبغي دراسة وجودها الحالي. وأخذ بالدفاع عن هذه النظرية الجديدة في ذلك الزمان عندنا بودوين دي كورتيني ول.ف.شيها وفي الخارج فردينان دي سوسير بعدهم بقليل" (بوداغوف 1966، ص12). ويشير كل من يوري ليفيتسكي ونتاليا بورونيكوفا الى أن سوسير أبداً لم يعزل الحالة السنكرونية للغة عن الحالة الدايكرونية. وينبغي تناول السنكرونية و الدايكرونية بوصفهما طريقتين لدراسة اللغة وعند ذلك لا يظهر أي تناقض. 

لقد تم استيعاب فكرة تميز حالة اللغة السنكرونية عن الدايكرونية وان اختلفت في تفسيرها جميع اللسانيات ما بعد السوسيرية. والملاحظ أن تقابلات السنكرونية \ الدايكرونية واللغة \ الكلام في دروس سوسيور غير متناسبة بصورة واضحة. "إن كل شيء دايكروني في اللغة إنما هو كذلك بسبب الكلام فقط. فجميع أنواع التغيير تنبع من الكلام" (سوسير 1977، ص 133). وهذا ما لاحظه تلميذ سوسير ألبرت سيشاهي أحد معدّي الدروس الذي جمع تشعبيّ سوسيور اللغة \ الكلام والسنكرونية \ الدايكرونية في وحدة واحدة. وينبغي برأيه تميز اللسانيات السنكرونية والتاريخية ولسانيات الكلام. : "يمت الكلام بعلاقة بالسنكرونية لأنه يستند على حالة لغوية محددة ويمت في الوقت نفسه كذلك بعلاقة بالدايكرونية لأن الكلام يتضمن في البداية جميع التغيرات المحتملة" (بورونيكوفا 2005، ص 183).

وبرأي ر.أ.بوداغوف تُحدد في دروس سوسير الطبيعة النظامية للغة (التي استوعبها البنيويون كنظام للعلاقات البحتة) وجهة النظر السنكرونية لهذا الموضوع. وبعد ما اتخذ البنيويون في دراستهم نقطة الانطلاق السنكرونية فقط فأنهم بذلك وجهوا النظر إلى اللغة بوصفها نظام من التقابلات البحتة. "إن جانبي نظرية سوسير المهمان كلاهما (أطروحة العلاقات البحتة الفاقدة للتجسيد وأطروحة السنكرونية والدايكرونية) مرتبطان فيما بينهما بصورة وثيقة. إن مُنَظِّر اللغة الذي يعزل تماماً السنكرونية عن الدايكرونية لا محال يصطدم بضرورة الاعتماد عند تناول نظام اللغة على القوانين العددية والإحصائية لأن اللغة الفاقدة للخلفية التاريخية تفقد سعتها ووفرتها الدلالية. ويصح القول كذلك على علاقات التباين: إذ يجب الموافقة على مبدأ العلاقات البحتة الفاقدة للتجسيد لأن الدايكرونية تبدو غير لازمة إذ إنها ستعيق دائماً نقاوة العلاقات التفاضلية للسنكرونية"(بوداغوف 1966، ص 18).

ترسّخت وجهة نظر سوسيور في علم اللغة وصارت نظريته حول إشارات اللغة في أساس تصورات البنيوية بمختلف أشكالها. وإذا أخذنا ما قيل أعلاه بعين الاعتبار يمكننا الافتراض أن عزل السنكرونية عن الدايكرونية الذي أجراه سوسير قد حدد مسبقاً النظرة إلى اللغة بوصفها نظاماً من العلامات البحتة. وقد "نمت" البنيوية من المقابلة السوسيرية السنيكرونية \ الدايكرونية. 

إن الباحثين وان قبلوا المقابلة بين السنكرونية والدايكرونية لكنهم عادةً لا يستطيعون التسليم بالعزل الصارم لواحدة من حالات اللغة عن الأخرى (لاحظ شوخات في وقته ذلك). وللخروج من ذلك المأزق يحاول اللسانيون تقريب السنكرونية من الدايكرونية عن طريق إدخال عناصر حالات اللغة السنكرونية في الدايكرونية. لكن الإجمال الآلي للسنكرونية والدايكرونية يبدو مصطنعاً. وكذلك تبدو أحادية الجانب العلاقة التناسبية للسنكرونية \ الدايكرونية: اللغة (نظام) \ الكلام (لا انتظام). 

تخضع اللغة للتطور لا الكلام فقط. "يبدأ أ.مارتيني رغماً عن سوسير بمعالجة تطور البناء الصوتي للغات المختلفة كتطور للنظام... وبفضل الذاتية المعروفة للأنظمة الفرعية الرئيسية للغة تؤدي بعض أنواع التغييرات الخاطئة (مثل الإبدال والإحلال والتماثل والتغيير في معاني الكلمات) ليس إلى تحطيم بنية النظام فقط وإلى إعادة بناء النظام كله بالكامل بل حتى إلى إعادة توزيع العناصر والعلاقات داخل بعض الأنظمة الفرعية... ومع ذلك فتحديد اللغة كنظام أي كوحدة كاملة ومنتظمة يعني لا توجد في اللغة ولا يمكن أن توجد تغييرات في اللغة تجري بمعزل عن النظام" (كوبرياكوفا 1968، ص 114). إن التغييرات على العكس من ذلك تعد خاصية لابد منها لنظام اللغة. "إذ نُشرت أطروحة تقول إن توظيف النظام الذاتي التطور يتحقق على حساب التفاعل المتفق عليه لعناصر النظام ومستوياته ومنظوماته الفرعية التي نسّقت بينها الوظائف الخاصة في اللغة ونقلت بمستوى متساوي إلى الحالة السنكرونية والدايكرونية فيجب الاعتراف إن التفاعل المتفق عليه نفسه ربما يبدو هدفاً لإعادة البناء ونتيجة له كذلك وأخيراً أساساً وسبباً للانزياحات اللاحقة. والتغيير بهذا الشكل يصبح من جانب مصدراً للمعلومات عن النظام ويعطي إشارات عن توزيع الوظائف الخاصة في منطقة معينة من النظام؛ ومن جانب آخر يستدعي تحولات جديدة ويبدو الدافع لتبرير وتعليل التغييرات اللاحقة. وطبعاً إن وصف مفهوم النظام الخاص بموضوع متطور أصعب بكثير من وصف موضوع ثابت. ومع ذلك لا يبدو لنا أبداً فارغاً لا أساس له" (كوبرياكوفا 1968، ص 115). 

أكد سوسير أن السنكرونية – هي الثابت والدايكرونية – هي المتحرك الدينامي. تشير يلينا كوبرياكوفا إلى التباس في مصطلح "الثابت". "طبعاً يمكن فهم الثبات بصورة أوسع كنقيض مطلق للحركة الدينامية أي الغياب الكامل للحركة. لكن يمكننا أن نفهم الثبات كذلك غيابياً للتغيرات وهذا ليس الشيء نفسه أبداً... إننا نرى وصف اللغة في السنيكرونية هو وصف لجزء معروف من الواقع الموضوعي ولقسم مختار من المجرى العام للغة (للتاريخ) وفقاً لعدد من الإشارات المحددة بما في ذلك غياب التغييرات. وفي الوقت نفسه لا يعني غياب التغييرات غياب الحركة" (كوبرياكوفا 1968، ص 118). 

ينبغي الكف عن تشبيه مطابقة السنكرونية بالثبات والدايكرونية  بالدينامية. تورد يلينا كوبرياكوفا قول كوسيريو: الثبات، وأن كان ذلك يبدو تناقضاً، هو ليس الحقيقة السنكرونية بل الدايكرونية: ولكي نكتشفها يجب معاينة اللغة في الأفق ألزماني" (كوبرياكوفا 1968، ص 118). إذ تُبحث في الدايكرونية الظواهر اللغوية الأكثر ثباتاً واستقراراً. "ولكن أذا كانت الدايكرونية ليست دينامية فقط بل ثابتة أيضاً فأن السنكرونية لم تحرم من الدينامية... يجب الإشارة خاصةً إلى أن الديناميكية في اللغة مرتبطة بمفهوم السيرورة. لهذا ليس صدفة أن تُنظر إلى الجوانب القوية للوصف السنكروني المحدد بالذات ليست مخططات مجردة بل انعكاس لموضوع لغوي حقيقي أي بحساب نزعات التطور وبحساب الأشكال غير المنتظمة. ولا يستلزم التحليل السنكروني المكافئ وصف مطابقة الظواهر فحسب بل يستلزم أيضاً تقييماً استرجاعياً ومستقبلياً لها" (كوبرياكوفا 1968، ص 119). 

ويعتقد في المرحلة الحالية من تطور علم اللغة كذلك أن المقياس الزمني غير مهم لتمييز السنكرونية والدايكرونية (وهذا جديد مقارنة بموقف سوسيور). "المبدأ الرئيسي للمعالجة السنكرونية هو ليس الحد الأدنى من الزمن بل الحد الأدنى من التغييرات. والمبدأ الأساسي للدايكرونية هو كذلك ليس استقرار الزمن المطلق (الفلكي) بل تحديد الترتيب الزمني النسبي للأحداث، وتزامن الحقائق الثابتة وفق طبقات زمنية مختلفة وتحديد ترتيب دراسة ووصف الظواهر بمصطلحات الأولية والثانوية" (كوبرياكوفا 1968، ص 121).

وبهذا الشكل نرى أن جميع أنظمة التقابلات السوسيرية الثلاثة قد تجسدت في لسانيات السنوات الأخيرة. إذ حددت مقابلات اللسانيات الخارجية والداخلية ظهور فروع جديدة لعلم اللغة: السوسيولسانيات واللسانيات الجغرافية. ويكمن التشعب (التمفصل) الثاني في مصادر الاتجاه السوسيولوجي في اللسانيات. فقد تمت إعادة النظر كلياً بالمفاهيم السوسيورية لفئات "اللغة"، "الكلام"، "السنكرونية"، "الدايكرونية" لكن المسالك التي طرحها سوسير للحقائق اللسانية توثقت في علم اللغة بصورة ثابتة. 

يمكن الاستنتاج عند معاينة التقابلات الثلاثة في دروس سوسيور (اللسانيات الخارجية \ اللسانيات الداخلية، اللغة \ الكلام، السنكرونية \ الدايكرونية) أنها (أي التقابلات) متعلقة الواحدة بالأخرى في نظريته. وفي الوقت نفسه كل واحدة من التقابلات ترتبط بتعريف اللغة بصفتها نظاماً للعلامات. فاللغة بوصفها نظام تعد مادة لدراسة اللسانيات الداخلية ولسانيات اللغة ويجب أن تعاين من وجهة نظر سنكرونية.

عند محاولتهم أيجاد الفكرة الرئيسية المركزية لدروس سوسيور يختلف الكثير من الباحثين في إبداعه على كون هذا الموضوع يتناول الطبيعة النظامية للغة أم لا. "أكد سوسير بجميع الوسائل الطبيعة النظامية للغة وأعطى أساساً للطابع العلاماتي للغة. فالحقائق اللغوية كعناصر النظام يحدد بعضها الآخر بصورة متبادلة" (كونداشوف 1979، ص 114). لكن سوسير توصل إلى إدراك الطبيعة النظامية للغة قبل أن يلقي محاضراته حول علم اللغة العام في جنيف بفترة طويلة.

أوجد سوسير لأول مرة في كتابه "مذكرة حول النظام الأولي للصوائت في اللغات الهندية الأوربية" (1878)الطريقة النظامية لتحليل حقائق اللغة. أثبت سوسير في اللغة الهندية الاوربية وجود الصوائت المجهورة أي تلك التي يمكن أن تكون مقطعية أو غير مقطعية – وفقاً لمحيطها. هذا الصائت حدده سوسير اصطلاحاً  Aوسماه المعامل الصائت. وجدير بالذكر أن سوسير أقلقته علاقة A بالأعضاء الآخرين لنظام الصوائت ولم يضع الباحث أمامه أبداً هدف أثبات نطق الصائت أي تحققه الملموس في الكلام. "تكمن مأثرة سوسير في أنه رأى خلف التنوع العشوائي الواضح للجذور الهندية الأوربية وبدائلها نظاماً خافياً وصارماً تماماً... ويقول بنفنست أن سوسير يجادل حول هذا الصوت A وكأنه فونيم مجرد لا صوت معين" (برونيكوفا 2005، ص 166).

يبدأ سوسير دروسه في اللسانيات العامة بمبحث "اللغة هي نظام من الإشارات وبالتالي يمكن مقارنتها بنظام الكتابة وبأبجدية الصم البكم أو الطقوس الرمزية والصيغ المهذبة أو العلامات العسكرية... ويمكننا أن نتصور علماً موضوعه دراسة حياة الإشارات في المجتمع... وسأطلق عليه أسم السيميائية (علم الإشارات) وما علم اللغة إلا جزء من هذا العلم" (سوسير 1977، ص 54). أكد سوسير مراراً أن علامات اللغة توجد ليس  قبل النظام وبالتالي اللغة لا تعد إجمالا آلياً لوحداتها. لا توجد وحدات اللغة إلا في النظام، فيه فقط وما أن ترتبط بشبيهاتها حتى تدرك كعلامات. العلامة – هي وليدة النظام. 

تناول سوسير تركيب العلامة اللغوية. "الوحدة اللغوية هي كيان ثنائي، كيان يتألف من الربط بين عنصرين كلاهما وجهين للعلامة اللغوية (الدال والمدلول) وهما ذوا طبيعة سيكولوجية يتحدان في دماغ الإنسان بآصرة التداعي (الإيحاء)... الإشارة اللغوية تربط بين الفكرة والصورة الصوتية، وليس بين الشيء وتسميته. ولا يقصد بالصورة الصوتية الناحية المادية للصوت، الشيء، بل الطابع السيكولوجي، الصوت، أي الانطباع أو الأثر الذي تتركه في حواسنا" (سوسير 1977، ص 99).

قلنا سابقاً أن أحدى مقابلات اللغة والكلام – تمثل مقابلة السيكولوجي للسيكوفيزياوي. العلامة اللغوية – وحدة اللغة (لا الكلام) – هي جوهر سيكولوجي ثنائي الجانب. وُجّه فيما بعد اللوم مراراً وتكراراً لسوسير لأنه أعتمد على الطبيعة السيكولوجية (لا المادية) للغة. وإذا وجدت في أطار منطق تفكير سوسير طبيعة اجتماعية للغة فستضم إلى وجود اللغة في وعي جميع أعضاء الجماعة اللغوية أي إلى جوهرها السيكولوجي. لكن في المرحلة الحالية من تطور علم اللغة ينظر إلى الطابع الاجتماعي للغة قبل كل شيء في وظائفها التواصلية. 

عنصرا تركيبة العلامة اللغوية كلاهما مرتبطان بصورة وثيقة فيما بينهما ويستلزم أحدهما الآخر. ويتحقق تمييز الوحدات اللغوية بفضل تناسب المفهوم مع الصورة النطقية. "فحين نسمع كلاماً غريباً بلغة غير معروفة لدينا، لا نعلم كيف نحلل تعاقب الأصوات: لأن التحليل غير ممكن إذا اقتصر اهتمامنا بالجانب الصوتي للظاهرة اللغوية. أما إذا عرفنا الوظيفة والمعنى اللذين ينسبان لكل جزء من أجزاء السلسلة، وجدنا أن هذه الأجزاء تنفصل بعضها عن البعض الآخر، وينقسم الشريط الصوتي الذي لا شكل له إلى أقسام. ومع ذلك يخلو هذا التحليل من أي شيء مادي" (سوسير 1977، ص 136). 

اشتهرت كثيراً مقارنة سوسير للغة بورقة الشجر، حيث كلا وجها الورقة يشبهان وجهي العلامة اللغوية. فلا يمكن شق الورقة دون إلحاق ضرر بجهتيها فكل التغييرات في مجال الدال تؤدي إلى تغييرات بالمدلول وبالعكس. وتحدد ثنائية العلامة اللغوية مسبقاً العلاقات المتميزة بين اللغة والتفكير. "إن الدور المميز للغة بالنسبة للفكر ليس وسيلة صوتية مادية للتعبير عن الأفكار، بل القيام بوظيفة حلقة الوصل بين الفكر والصوت، في ظروف تؤدي بالضرورة إلى التمييز المتبادل لوحدات الفكر والصوت. فالفكر الذي هو بطبيعته غير منتظم، يتخذ نظاماً معيناً في أثناء عملية تحليله. ولا تتخذ الأفكار شكلاً مادياً، كما أن الأصوات لا تتحول إلى كيانات عقلية: والحقيقة الغامضة هي أن "الفكر – الصوت" ينطوي على التقسيم، وأن اللغة تصوغ وحداتها أثناء اتخاذها شكلاً معيناً بين كتلتين لا شكل لهما" (سوسير 1977، ص 145). 

إن تناسب وجهي العلامة اللغوية يحتم خصائصها المختلفة. ومن بين السمات الرئيسية للعلامة اللغوية يميز سوسير الاعتباطية. وهذا المبدأ يكشف اعتباطية علاقة الدال والمدلول كذلك. "ففكرة الأخت sister لا ترتبط بأية علاقة داخلية بتعاقب الأصوات s – o – r التي تقوم بوظيفة الدال في اللغة الفرنسية، وهذه الفكرة يمكن التعبير عنها باستخدام أي تعاقب صوتي آخر" (سوسير 1977، ص 101). تشير نتاليا سلوساريفا إلى أن العلم قبل سوسير قد أثبت صفتين للعلامة اللغوية – هما الاعتباطية والشرطية. لكن سوسير أبدلهما بصفة واحدة، لأن الشرطية تفترض علاقة الشيء بالاسم، الاعتباطية – هي جانبا العلامة كلاهما. بينما ركز سوسير اهتمامه على الطبيعة اللسانية للظاهرة فقط. 

يفسر سوسير الاعتباطية قبل كل شيء بأنها لا ترتبط بدافع. وترتبط بفكرة الاعتباطية بصورة وثيقة قضية نظام اللغة. لأن علاقة الدال بالمدلول ليس لها ما يعللها فالناس غير قادرين على التدخل في العلاقات اللغوية، لهذا اللغة المفروضة على الجماعة اللغوية متحررة نسبياً من التأثير الخارجي أي تمثل نظاماً مغلقاً. "تأتي الطبيعة النظامية للعلامة اللغوية من اعتباطيتها" (موارو 1999، ص 275).

إضافة لذلك تعكس اعتباطية العلامة اللغوية الطبيعة الاجتماعية للغة. وإن غياب العلاقة الطبيعية بين الصورة اللفظية (المنطوقة) والمفهوم يفترض تكوّن تقاليد في المجتمع لربط وجهي العلامة اللغوية بهذه الصورة لا غيرها. وأن فعالية قانون التقاليد في اللغة – علامة على الطبيعة الاجتماعية للغة. وبالنهاية يرتبط مبدأ اعتباطية العلامة اللغوية بفكرة تغيّر اللغة. إذ دخل مبدأ سوسيور حول الطبيعة المتحركة للعلاقة بين الدال والمدلول في العلم في تأويل كارتسيفسكي تحت عنوان الثنوية اللامتماثلة للعلامة اللسانية. وأُشير في سيميائية السنوات الأخيرة إلى أن تغيير (تحرك) معنى الكلمة لا يمكن أن يتم إلا في ظل عدم صلابة ارتباط مشروع التعبير ومشروع المضمون. وان مقابلة مشروع التعبير لمشروع مضمون العلامة وإعادة الترتيب الدائم لبعضها البعض – أحد مصادر تطور اللغة. 

تظهر نظامية العلامات اللغوية في فكرة الأهمية (القيمة). وهذا عنوان رئيسي في لسانيات سوسير للغة. "تمثل نظرية قيمة العلامة اللغوية كياناً جديداً أدخله عالم اللغة السويسري في الذخيرة الذهبية لعلم اللغة إذ لم تتناول هذه المسألة قبله أية نظرية لسانية" (سلوساريفا 2004، ص 46).

أهمية الكلمة على العكس من معناها تحددها علاقة هذه الكلمة بالكلمات الأخرى. وبعبارة أخرى يمكن التمييز بين المعنى المطلق للكلمة الذي يُحدّد "ايجابياً" بالمضمون من خلال العلاقة بالمادة المسماة، والمعنى النسبي الذي يصحح وفقاً لنظام اللغة بارتباطه بالكلمات ألأخرى. ارتبط ظهور نظرية القيمة لسوسير كثيراً بتعرف العلّامة على كتابات في مجال الاقتصاد السياسي. إذ يبدأ سوسير بتفسير مفهوم قيمة العلامة اللغوية مقارنة بمفهوم القيمة في الاقتصاد السياسي ويتابع عن كثب نظرية ادم سميث وريكاردو. حيث طرحت في الاقتصاد السياسي في نظرية نمطيّ القيمة (الاستهلاكية والتبادلية) معاينة الخصائص المطلقة والنسبية للأشياء التي يمكن أن تبرز باستعمالها بالدرجة الأولى الخصائص النسبية (ذات العلاقة). وأخذ سوسير بهذه النظرية كذلك. "لكي نتمكن من الحديث عن القيمة يجب إيجاد شيء مختلف يمكن استبداله بالشيء الذي نريد تحديد قيمته، وشيء مشابه يمكن مقارنته بالشيء الذي نريد تحديد قيمته... وبهذا الشكل يمكن أن نستبدل الكلمة بشكل مختلف كالمفهوم: كما نستطيع مقارنتها بشيء له طبيعة هذه الكلمة، أي نقارنها بكلمة أخرى. أذن فقيمة الكلمة لا تحدد بمجرد القول بأن الكلمة يمكن استبدالها بفكرة معينة: أي لها هذه العلامة أو تلك: بل ينبغي مقارنتها بقيم مشابهة، أي بكلمات أخرى تتقابل معها. فمحتوى الكلمة يحدد فقط بمجموع الأشياء التي تقع خارجها... فمثلاً الكلمات داخل اللغة الواحدة التي تعبر عن مفاهيم قريبة، تحدد بعضها البعض الآخر: فالمترادفات تستمد قيمتها من التقابل فيما بينها، ولو لم يوجد أحدهما لانتقل مضمونه إلى منافسه" (سوسير 1977، ص 141). 

أذن لكي نحدد معنى الكلمة أو مواصفات مشروع (مخطط) التعبير عنها يجب أن نقابل هذه الوحدة اللغوية بالوحدات الأخرى. ومن المهم أن نعرف في هذه الحالة ليس ما هو المفهوم أو صورته الصوتية بل ما هو الشيء الذي لا يعد مفهوماً. فالقيمة اللغوية من الجانب المفهومي (قيمة المفهوم) والقيمة اللغوية من الجانب المادي (قيمة الصورة الصوتية) كلاما تعدان قيمتان سلبيتان. 

صارت عبارتا سوسير "لا توجد في اللغة سوى الفروق", و "في اللغة كما في أي نظام سيميائي، أن ما يميز علامة عن أخرى هو نفسه ما يشكل هذه العلامة" فكرةً رئيسيةً في كتابات البنيويين. لكن يجب أن لا ننسى أن سوسير تناول "سلبياً" كل وجه للعلامة مأخوذ على حدة. فقد صنف سوسير العلامة في قيمتها كعنصر ايجابي في النظام. "وإذا أخذنا إشارتين من الإشارات لكل منهما دال ومدلول فأنهما ليستا مختلفتين بل متميزتين ولا يوجد بينهما سوى التقابل. وآلية اللغات كلها تعتمد على مثل هذا التقابل وعلى الفروق الفكرية والصوتية الناشئة من تلك التقابلات" (سوسير 1977، ص 153-154). 

لقد استوعب البنيويون فكرة قيمة وحدات اللغة المستندة إلى إدراك التقابلات اللغوية والتي تعد مركز المفهوم لنظرية الطبيعة النظامية للغة. عادةً ما يُعتقد أن بداية البنيوية الأوربية تؤرخ في عام 1916 مع صدور "دروس في علم اللغة العام" لسوسير. اذ "يكمن في أساس نظرية البنيوية اللسانية مفهوم اللغة بصفتها تركيب مجرد ذي صلة أو نظام موجود في أساس الأقوال بأجمعها ويجب تمييزه عن الأقوال الأخرى" (بورونيكوفا 2005، ص 185). ويرتبط ظهور هذا الاتجاه في القرن العشرين في اللسانيات بالانجازات الكبيرة كذلك في مجال العلوم الايجابية. فإذا كانت الملامح المميزة لعلم القرن التاسع عشر هي تسجيل الحقائق ومراقبتها فأن علم القرن العشرين سعى إلى كشف الحقائق المشاهدة وإظهار قوانينها الداخلية وإبداء روابط عناصر الظاهرة المدروسة وتفاعلاتها وتأثيراتها المتبادلة. والمشترك الذي يجمع مدارس البنيوية كلها في اتجاه واحد ينحصر في المواقف التالية:

1- اللغة هي تركيب معيّن، ونظام للعناصر المرتبطة فيما بينها والمتوقفة بعضها على البعض الآخر والحرة وغير المرتبطة بأي حقيقة لغوية؛

2- يجب أن تدرس اللغة أولا في مستوى سنكروني؛

3- يجب أن تتم دراسة اللغة انطلاقاً من صورتها ونظام العلاقات فيها؛

4- يجب أن يسعى علم اللغة إلى أن يصبح علماً دقيقاً (كانيكين 2003، ص 47).

أكثر من استوعب أفكار سوسيور ممثلو حلقة براغ اللسانية وبنيوية كوبنهاكن (الغلوسماتية).

غالباً ما تسمى بنيوية براغ اللسانيات الوظيفية. إذ تمت معالجة اللغة في إطار هذا الاتجاه بصفتها نظام لوسائل التعبير التي تخدم هدف معين. "لا يمكن لأي ظاهرة في اللغة أن تفهم دون حساب النظام الذي تنتسب هذه اللغة اليه" (بورونيكوفا 2005، ص 185). وتفهم الوظيفة كخاصية للنظام. أن أوضح منهج بنيوي يتمثل في مجال الفونولوجيا. وينقل تروبتسكوي مقابلات سوسيور اللغة \ الكلام إلى مجال علم الصوت (فونيتيكا) ويورد اختلافات بين الفونيتيكا والفونولوجيا. ان الفونيمات – هي وحدات مجردة يمكن أن تميَّز تبعاً للوظيفة المميزة للفكرة التي تؤديها. والفونيم – هو حزمة من العلامات التمييزية – ووضع لنظرية وظائف اللغة على الفكرة السوسيورية للقيمة. 

الغلوسماتية الدنمركية – هي أكثر المذاهب البنيوية تبعية وفي الوقت نفسه هي نظرة أحادية الجانب على مذهب سوسيور حول نظام اللغة. إذ أن لويس يلمسليف أحياناً يحوّل إلى سخافة فكرة الطبيعة التقابلية للقيمة اللغوية. وإذا كان ممثلو حلقة براغ اللسانية لم ينكروا الجوهر الاجتماعي للغة فأن البنيويين الدنماركيين حاولوا إطلاق نظرية لغوية شاملة ودراسة ما يخص اللغة على العموم بصفتها نظام للعلاقات البحتة. واللغة تُعرّف كنظام للبدائل أي للتعميمات المطلقة. وحتى مصطلح "وحدات اللغة" لا يعد ذا أهمية واللسانيون يفضلون الكلام عن التقابلات فقط. ويكمن تناقض وجهة النظر هذه في كون التقابلات لا توجد بمعزل عن الحقائق المتقابلة والمتباينة. فعلى سبيل المثال لا يمكن تحديد خصائص الفونيم بالاعتماد فقط على المعرفة بتناقضها بعضها للبعض الآخر. فهي متباينة ومتقابلة بعلامات محددة وبالنتيجة، لكي نبين نظام تقابلات الفونيم يجب علينا معاينة تجسيده المادي – أي الصوت. ولا تظهر خصائص العناصر اللغوية إلّا في العلاقات اللغوية لا أن تتكون بواسطتها. 

تنحصر أحادية الجانب في استيعاب الغلوسماتيين لنظرية سوسير في كون البنيويين فصلوا فكرَتي سوسير: فكرة الطبيعة الاجتماعية للغة وتكوينها النظامي. لكن قيمة الوحدات اللغوية نفسها مشروطة ليس فقط بتناسبها التقابلي في إطار النظام المغلق. إذ إن قيمة وحدات اللغة تُحدد من الخارج أي بواسطة الجماعة اللغوية. ونجد في مخطوطات دروس سوسير غير المنشورة في النص المقنن للدروس: "قيمة العلامة تحددها الجماعة بنفسها" (سلوساريفا 2004، ص 49).

وبهذا الشكل صار فهم سوسير للغة بوصفها نظام إشارات حالة مرتبة لكتابه "دروس في علم اللغة". ووضعت فكرة الطبيعة النظامية للغة البداية لاتجاه جديد في علم اللغة – هو البنيوية. لكن أهمية مسلمة سوسير لم تستنفذ بذلك. إذ أن وجهة النظر هذه للغة ساعدت على تمييز في اللغة الوحدات – العلامات، وإبراز خاصية العلاقة بين العلامة أي قوانين اللغة. وفي الحقيقة شكلت النظرة إلى اللغة بصفتها نظام مادة اللسانيات (اللغة) وأساليب دراستها. ودائماً ما يقال ابتدأت من كتاب "دروس في علم اللغة العام" مرحلة جديدة في تطور علم اللغة. إذ بدأ بعد صدور هذا الكتاب علم اللغة النظري ذاته. وقد صار علم اللغة يتناول اللغة بوصفها نظام ووحدات اللغة – علامات لكي تصبح المجال النظري للمعرفة. ويمكن القول أن اللسانيات وصلت إلى وضع العلم عن طريق السيميائية.

لقد حتّمت أفكار كتاب سوسير "دروس في علم اللغة العام" تشكيل نموذج علمي جديد في مطلع القرن العشرين – هو النموذج البنيوي النظامي. "تبين أن النظام يمكن البحث عنه في كل مكان نصطدم فيه بظاهرة المثالي أي بأنظمة القيم البحتة الموجودة بصورة موضوعية في إطار الثقافة الإنسانية. وهكذا صارت تُفهم الأسرة ونظام اللغة الفونولوجي والنتاج الأدبي... الخ. ودخلت أعمال سوسير في صلب خطاب اللسانيات المركزية للعلوم الإنسانية الذي كان ظهوره الأول في إطار مدارس لندن وكوبنهاكن وبراغ البنيوية التي تشكلت في بداية القرن العشرين" (كانيكين 2003، ص 49). 

بدأت أفكار ومناهج البنيوية اللسانية في منتصف القرن العشرين بالتأثير على جميع الظواهر الثقافية. فممثلو المدرسة السيميائية المسكوفية (البنيوية في علم الأدب) حاولوا بمساعدة المنهج البنيوي تجاوز علم الأدب العقائدي الدوغماتي المؤدلج في زمانهم. وقد أثرى نشاط البنيويين في مجال العلوم الإنسانية تلك العلوم كثيراً، لكن الحالة المعاصرة "لعلم الروح" تعكس أزمة المناهج البنيوية. ويعتقد انتولي لوموف (النحوي المعروف) أن اللسانيات ترتقي من النموذج البنيوي النظامي إلى النموذج التداولي الدلالي. 

استند النموذج البنيوي النظامي على افتراض أن عناصر اللغة يمكن تصنيفها بصورة تامة إذا ما تم تناولها بوصفها أجزاء مركبة لكيان شامل هو النظام. وهذا عزل اللغة عن الظواهر الأخرى: كالثقافة والإنسان والمجتمع. وتتوجه اللسانيات اليوم إلى دراسة الارتباطات الخارجية للغة. لكن النماذج لا يبدل أحدهما الآخر تماماً بل تتواصل فيما بينها لهذا فأن الجهود والإضافات العملية والنظرية للسانيات البنيوية التي ابتدأت بكتابات سوسير ستبقى مطلوبة حتى في علم اللغة المعاصر. 

تعرض الكثير من مقامات كتاب "دروس في علم اللغة العام" إلى إعادة نظر جدية خلال تطور علم اللغة في القرن العشرين. فقد تم بصورة جديدة تناول أحد أفكار سوسير المحببة له – أي التقابل. إذ قابل فردينان دي سوسير على السواء المناهج المختلفة للغة (اللسانيات الخارجية \ الداخلية، لسانيات اللغة \ الكلام، علم اللغة السنكروني \ الدايكروني) والصفات الموضوعية للغة (السنكرونية \ الدايكرونية، اللغة \ الكلام، الدال \ المدلول... الخ). وشاع في زمن ما من تاريخ اللغة رأي يقول وكأن التقابل – ليس خاصية طبيعية من خواص اللغة بل ليس إلا منهجاً سوسيرياً مفضلاً لدراسة حقائق اللغة. أما اللسانيات اليوم فلا تأخذ فقط بفكرة تقابل الظواهر اللغوية بل حتى تشير إلى تفاعل حقائق اللغة التي تقع في حالة تقابل لبعضها البعض الآخر. وأن تباين مشروع التعبير ومشروع المضمون، والمواضعة (الشفرة) والخطاب، والاستعمال اللغوي والمعايير تعد مصدراً لحركة اللغة. استوعب سوسير أعضاء التقابلات اللغوية معزولة وكأنها معزولة بعضها عن البعض الآخر. ويحتمل لهذا السبب أشار الكثير من اللسانيين إلى تصنع المنهج التقابلي في ما يتعلق باللغة.  

يمكن الافتراض أن الاهتمام الكبير بكتاب سوسير "دروس في علم اللغة العام" حدث ليس بسبب الطبيعة التجريدية للأفكار المطروحة فيه فقط. فتاريخ ظهور الكتاب نفسه ساعد على جذب الانتباه إليه. إذ توجد في اللسانيات التوافقية مسَلَّمة تقول إن شرط تغيّر اللغة بوصفها نظام ذاتي التكوين يكمن في وجود عناصر ضعيفة وغير منتظمة في النظام. مثلاً، "الأماكن المعتمة في النص" تسبب عدم الفهم لدى القارئ ومحاولة قراءته مرة ثانية وتبديله وتأويله. وهكذا يحدث تغيير النص. وإذا ما نظرنا من هذه المواقع إلى كتاب سوسير "دروس في علم اللغة العام" يمكننا أن نفترض أن غياب النص "المقنن" للدروس وعدم اكتمالها ووجود الكثير من التناقضات فيها صارت سبباً لظهور تأويلات عديدة لأفكار سوسير. وقد منح عدم صرامة بنية الدروس الباحثين إمكانية تطوير أفكار المعلم في مختلف الاتجاهات تماماً. ونص دروس سوسير تضمَّن منذ البداية إمكانية تطويره. "ظهر عمل سوسير على شكل مسودة. فالمعلم نفسه لم يوافق أبداً على نشر دروسه بهذا الشكل" (ألبرت سيشاهي). وبعبارة أخرى ابتدأت اللسانيات في القرن العشرين من أسطورة "دروس في علم اللغة العام" التي ألقاها أستاذ اللسانيات واللغات الهندوأوروبية فردينان دي سوسير ثلاث مرات في كلية الفلسفة والعلوم الاجتماعية في جامعة جنيف.


1- ت.امريوفا. مقالات في تاريخ اللسانيات. موسكو 1975،  558 صفحة.

2- ن.ف. بورونيكوفا. تاريخ النظريات اللسانية. موسكو 2005، 302 صفحة.

3- ر.أ.رادوغوف. فرديناند دي سوسيور وعلم اللغة المعاصر 1966.

4- هامبولت. مختارات في علم اللغة. موسكو 1984، 397 صفحة.

5- ل.غ.زوبكوفا. اللغة بوصفها شكلاً. نظرية وتاريخ علم اللغة. موسكو 1999.

6- س.ف.كانيكين. النص ظاهرة ثقافية. فارونيش 2003، 142 صفحة.

7- ن.أ.كوندراشوف. تاريخ النظريات اللسانية. موسكو 1979، 224 صفحة.

8- ي.س.كوبرياكوفا. مفاهيم السنكرونية والدايكرونية. موسكو 1968.

9- أ.م.لوموف. طبقات الجملة البسيطة. فارونيش 1994، 279 صفحة.

10- موارو. مقالات نقدية وبيوغرافية حول فردينان دي سوسير. يكاترين بورغ. 1999.

11- ف. ي. ميركين. تفاسير مختلفة لعلاقة اللغة والكلام. 1970.

12- ف. دي سوسير. كتابات في علم اللغة. موسكو 1977، 695 صفحة.

13- ف. دي سوسير. مقالات في اللسانيات العامة. موسكو 1990، 275 صفحة.

14- ن.أ. سلوساريفا. نظرية سوسير على ضوء اللسانيات المعاصرة. موسكو 2004.

15- أ.أ. خولودوفيتش. حول كتاب "دروس في علم اللغة العام". موسكو 1977.

16- شوخارت. مقالات مختارة في علم اللغة. موسكو 2003، 291 صفحة.



د. تحسين رزاق عزيز


التعليقات




5000