.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


إيكو الساخر في ( كيفية السفر مع سلمون )

سعد محمد رحيم

كل نمط من الكتابة: لغةً وأسلوباً ومحتوى، يقتضي طريقة مختلفة لقراءته. وكتاب ( كيفية السفر مع سلمون: معارضات ومستعارات جديدة )* لأمبرتو إيكو يقدم نمطاً فريداً في الكتابة. ولذا فإنه بحاجة إلى قراءة ذات طابع خاص. فهذا كتاب يكسر بدءاً الأفق المألوف لتوقعاتنا ليستدرجنا إلى ما هو مدهش وغريب، وإنْ كان، حسب ما أعتقد، يخيب أمل كثر من القراء، أولئك الذين اعتادوا قراءة نمط بعينه من الكتب يستهويهم فينبذون غيره.

   إن الانطباع الأول الذي يخرج به القارئ من قراءته لهذا الكتاب هو أن مؤلفه يمتلك ثقافة موسوعية واسعة. وإنه واثق من سلطته المعرفية. وإنه قادر على التلاعب وإعادة ترتيب مواد معرفته بالشكل الذي يشاء، كما لو أنه يمزح معنا ليس إلاّ، ليطلق أخيراً تلك القهقهة الفلسفية التي تحدّث عنها ميشيل فوكو في نهاية كتابه ( الكلمات والأشياء ). وإذا قلنا أن واحدة من وظائف الكتابة هي التسلية فإن إيكو في تدبيجه للمقالات التي تضمنها كتابه إنما كان يتسلى.. إنه، في نهاية المطاف، يتسلى ويسلينا، ويحيرنا أحياناً ليضعنا في كل مرة، على تخوم متاه مغاير. إنها كتابة أشبه ما تكون باللعبة، نوعاً من اللعبة يمضي معها إلى أفق عريض من الاحتمالات. وإيكو مغرم باستنطاق عدد هائل من الاحتمالات في كل مرة، حتى أكثرها بعداً عن المنطق والمعقول.  وقد يتولى قارئ الكتاب انطباع آخر وهو أن المؤلف يكتب وهو في حالة ضجر.. حالة غثيان وجودي. وفقط يكتب من أجل تجاوز هذه الحالة.

   إن ما هو سائد من أشكال الكتابة يتعرض على يد إيكو إلى ما يسميه بالمعارضات، أي محاكاة أسلوب أدبي أو فني أو موسيقي بأثر آخر. وغالباً ما تكون هذه المحاكاة غير بريئة المقاصد، ساخرة، ليس هدفها التقليد، بطبيعة الحال، بل التقويض. فبالسخرية والدعابة والمرح يمارس إيكو نوعاً من التقويض لأشكال الكتابة المعاصرة وأساليبها المعروفة.. إنه يفكك على طريقته.. إنه نوع من التفكيك المراوغ الذي يرينا الوجه الآخر للأشياء من خلال المعارضات والمستعارات الجديدة.. يقول عن هذا:

   "[ هي ] تتنبأ بما سيكتبه آخرون فعلياً، في وقت لاحق، تلك هي رسالة الصورة الساخرة: عليها ألاًّ تخشى المبالغة أبداً، وإذا ما أصابت الهدف، فهي لا تقوم سوى بتجسيد ما سيحققه آخرون دون خجل وبهدوء أعصاب ووقار رجولي".

   لا شيء يمكن أن يهدد ويطيح بما هو زائف ومتنكر ومزور ووهمي وملفق وخادع بقدر السخرية، ولاسيما إذا كان هذا الزائف والمتنكر والمزور والوهمي والملفق والخادع مبرقعاً بلباس قداسة مدّعية،  أو محتمياً بدرع سلطة. وهنا يمعن إيكو في السخرية بعدّ السخرية أداة للمعارضة والمكاشفة والرفض. السخرية التي تعرض تلكم الأشياء الزائفة للشمس والهواء الطلق. فمن يسخر إنما هو يرفض في حقيقة الأمر، فالعالم ليس على ما يرام، وثمة اختلالات مريعة في بناه وعلاقاته.. هذا ما يدركه إيكو بعمق ووضوح وألم.. إنه يتألم في دخيلته وإن كان يقهقه في الظاهر. ومقالاته شكل معاصر، ما بعد حداثي، للرفض.. إنه يرفض منطق عالمنا الجديد.. يرفض الزائف في ما هو مبهرج وفخم  وبراق. أما وسيلته للرفض فليس سوى أن يصف.. أن يسرد.. أن ينتزع القشرة المموهة اللامعة ويرينا البشاعة المختفية.. المناطق المعتمة في روحنا.. الضلال الذي يوقعنا فيه خطاب الإعلان والإعلام المعولمين.

   يستخلص إيكو الإجابة عن السؤال: ( كيف حالك؟ ) من طروحات عشرات المفكرين والمبدعين من أولئك الذين عاشوا منذ عصر الفلاسفة الإغريق وحتى وقت قريب، كما لو أنهم يعيشون اليوم بين ظهرانينا؛ "إيكار: أنا أنتصب.. يوليوس قيصر: انظروا إلى سحنتي المحمرة.. كريستوفر كولومبس: لم اعد ألمس الأرض.. لاروس: بكلمة واحدة الحال سيئة.. جاكارد: أقضيها ذهاباً وإياباً.. أجاثا كريستي: خمّن.. سيرل: هل هذا سؤال.. للإخراج: ليوناردو، الذي اكتفى بأن ابتسم ابتسامة غامضة".  

   يثبت إيكو ببراعة أن كل شيء، كل موضوعة أو فكرة أو معضلة بغض النظر عن تجلياتها ودرجة واقعيتها ومنطقيتها قابلة لأن تأخذها فعالية الكتابة على عاتقها.. لا شيء بعد اليوم يفلت من تحرشات الكتابة واستطالاتها العدوانية. وباستعارة من كالفينو، يمكن التعليق على ما كتب إيكو في هذا الكتاب بأنه كتابة تبرز قيمة الخفة في مواجهة الثقل.. قيمة السرعة في مواجهة البطء.. إنها أشبه ما تكون بممارسة رياضة للريجيم، للتخلص من تورمات وترهلات  الكتابة كما انتهى بها المطاف على أيدي  الكتبة والصحافيين والأكاديميين التقليديين. لكن هذه الكتابة على الرغم من خفتها لا تعدم تلك الاستبصارات النقدية والفلسفية التي لابد أن نتوقعها من كاتب من طراز أمبرتو إيكو. والذي، مثلما يبدو، وفي هذا الكتاب، يتخفف من العبء.. عبء المعرفة وثقلها. فمن يكتب مثل هذه المقالات يكون، بلا شك، قد بلغ درجة من الإشباع في التعامل مع تجليات الفكر والمعرفة، ومع موجودات العالم والتعرف عليها وتمثلها. وهنا يتخلص من ثقل التجريد لصالح خفة السرد، هو الذي يتنقل، كما نعرف، من كتابة موضوعات نظرية في النقد الأدبي مثقلة بأكثر المفاهيم تعقيداً وتجريداً إلى كتابة الروايات، حيث يعد اليوم واحداً من أهم نقاد العالم الأدبيين وروائييه. مانحاً نفسه في أثناء الكتابة حرية واسعة، تكاد تكون منفلتة أحياناً.. إنها الحرية التي تجعل المغامرة ممكنة، والمفاجآت مبذولة على الطريق. لذا لا يمكن أن يكون كتاب مثل ( كيفية السفر مع سلمون ) كتاباً أول للمؤلف.. إنها كتابة محترفة..كتابة كاتب خبر تجربة الكتابة بعمق ووعي استثنائي.

   يتهكم إيكو مما هو جديد وعصري، وما يجسد الموضة من أشياء هذا الزمان، محاولاً عبر عرضه لطبيعة علاقتنا مع تلكم الأشياء أن يفضح حماقتنا، كأنه يريد القول؛ إن تاريخ الفرد المعاصر المحكوم بقوانين السوق الرأسمالية ليس إلا تاريخ حمقه وغبائه. وعلى خلاف ما يقول ديكارت ينبئنا إيكو بأن "الشيء الأعدل توزيعاً على وجه البسيطة، هو ليس الحس السليم وإنما الحماقة".  ومن غير أن يبرئ نفسه من هذه الظاهرة، فإنه يعترف بوقوعه تحت طائلة ما يستدرجه إليه الآخرون في أثناء سفره بالطائرات، أو في أثناء إقامته في الفنادق والتقائه بالناس، واستخدامه للوسائل والأدوات التكنولوجية العصرية، وما يفرضه القائمون على إدارة المؤسسات الحديثة من اتكيتات ومظاهر. ومقالاته التي منحها عنواناً عاماً ( طرائق الاستخدام ) هي في حقيقة الأمر خلاصة تجاربه بهذا الخصوص.. يقول؛ "ينبغي أن تُقرأ النصوص التي كتبت تحت عنوان ( طرائق الاستخدام ) على أنها مساهمة في تحليل الحماقة التي تغمرنا في ثقافتنا وحياتنا اليومية". وفي بضع عشرات من المقالات يصف لنا إيكو المواقف المضحكة التي وقع فيها وهو يرضخ لما يمليه عليه العصر من سلوكيات. وهدفه هو بيان مفارقاتها والجانب الغبي منها..

   "إن غباء الآخرين يغيظنا. ولكن الطريقة الوحيدة لعدم الاستجابة له بغباء مقابل، هي أن نصفه ونحن نستمتع بالدقة البالغة لحبكته". غير أنه لا يسرد أو يصف بحيادية وبراءة وإن بدا الأمر كذلك للوهلة الأولى. إن نبرة التهكم والسخرية في مقالات إيكو تدفعنا للقناعة بأنه يقف بالضد من كثر مما يحصل في عالمنا وزماننا.  وفي وصفه نجده لا يخشى المبالغة، ويطالبنا أيضاً ألاّ نخشاها. فالمبالغة هي الوصول بالفكرة أو الصورة إلى النقطة القصوى المتجاوزة للمعقول حيث يمكننا أن نضحك أخيراً.. في مقال ( كيفية السفر بالقطارات الأمريكية ) يقول؛ "الخطوط الحديدية الأمريكية هي صورة لما يمكن أن تكون عليه الأرض بعد حرب نووية". يستذكر سفراً بقطار في الولايات المتحدة، وإذ ذاك يفصح عن دقة مفرطة في الملاحظة وثقافة بصرية عالية. وفي مقال ( كيف تكون هندياً أحمر ) يقول: "أما وقد بات مستقبل الأمة الهندية برمته، من الآن فصاعداً، مرسوماً ومخططاً، فإن الفرصة الوحيدة المتاحة لشاب هندي طموح، للارتقاء الاجتماعي، تعتمد على أدائه دور الكومبارس في أحد أفلام الوسترن". وينتهز الفرصة لنقد هذا النوع من الأفلام مستعرضاً عشرات المشاهد المقترحة التي يتم إظهار الهندي الأحمر فيها رجلاً أخرق ميال للعدوان والسرقة، يلقي بنفسه من غير أي تحسب عقلاني في التهلكة. وفي الوقت نفسه لا يريدنا أن نتجاهل ما يحاول تعريته في إطار النظام الاجتماعي والسياسي الأمريكي من مظالم. وفي مقال آخر يشير إلى مثالب التقاليد التربوية الغربية، وما ينطوي عليه سلوك الغرب من نفاق وتناقضات؛

   "نترك أطفال العالم الثالث يموتون جوعاً، بينا ندعو أطفال العالم الأول إلى الرفق باليعاسيب وصغار الأرانب، بل وبالحيتان والتماسيح والثعابين".

   يلمّح إيكو إلى ما وراء الظواهر، ويلتقط وجهات النظر غير الرسمية..آراء الناس الاعتياديين وتصوراتهم عما يجري من حولهم.. ففي مقال ( كيفية استخدام سائق سيارة أجرة يقول؛ "يسخر سائق سيارة الأجرة من المشاكل الإيديولوجية.فهو يمقت مواكب المتظاهرين النقابية، ليس للونها السياسي، وإنما لأنها تشل حركة المرور".

   وإيكو ينحرف بنا في كل لحظة.. ينزاح عن الطريق الذي نعتقده سوياً، سالكاً دروباً جانبية طالما كان مبتغاه مفاجأتنا، وذلك نوع من التحقيق الغريب، كأنه بصدد جريمة غامضة، وهدفه بلوغ الحقيقة بشأنها.. نوع من قراءة الأطراس ربما.. طريقة غير معتادة في تعقب الآثار.. الذهاب إلى أرض بكر حتى وإنْ كانت قاحلة. ونحن مضطرون لمجاراته، لإتباعه إذا ما ركبنا الفضول في أن نعرف ما الذي يرمي إليه على وجه التحديد. وهي إذن كتابة تستكشف ممرات بديلة للسرد، فما هو يومي وهامشي وعارض وغير جدير بالاهتمام أو بالاعتبار يهتم به إيكو واضعاً إياه في صلب اهتمامه واعتباره. وأسلوبه الذي يستخدمه ما بعد حداثي، يتعاطى مع الشذرات والجزئيات، مع المتغير والمتحول ومع الذي يوشك على التبدد والاختفاء..مع العرضي والعابر، مع اليومي والاعتيادي. وأيضاً مع الغريب والمهمل والمنسي.

   أن تسخر من العالم عليك أن ثقف على مسافة منه فالروح الساخرة تعبّر أحياناً عن ميل في النفس إلى التكبر والتميز والغرور، وأحياناً عن ميل إلى المشاركة والتواضع. وأحسب أن إيكو في كتاباته هذه يتنقل بين الموقعين. وهو يعرف قدر نفسه ولا يتبجح، فيما السخرية تمنحه سلطة على الأشياء لا تضاهى. وحتى مسقط رأسه مدينة الإسكندرية/ بيمونت لا تفلت من تعليقاته الساخرة؛

   "آه لو أنكم تعرفون مدى ما يشعر به المرء من فخر، وهو يكتشف انه ابن مدينة بلا بلاغة وبلا أسطورة وبلا رسالة وبلا حقيقة... وأبداً لم يكن لديها أي شيء تعلمه للناس، ولم تكن لديها أي سبب لتكون فخورة بأبنائها الذين لم تهتم أبداً بأن تكون فخورة بهم".

   مقالات كتاب ( كيفية السفر مع السلمون ) ليست خوضاً في كيفية التعامل مع الأشياء بقدر ما هي كيفية الكتابة عن أشياء مألوفة وأخرى غريبة.. نقد للكتابة المعاصرة من خلال استحضار صورها المحتملة التي ستؤول إليها في المستقبل.. وهي أكبر من أن تكون كتابة صحافة خفيفة، بعدما سعى المؤلف لاستدراج ما هو صارم وجدي إلى دائرة التهكم والسخرية، من غير أن يخفي مشاعر ازدرائه واشمئزازه. فحين تشمئز من وضع  أو شخص أو شيء معين فليس هناك وسيلة أجدى من السخرية للتنكيل به أو إدانته أو التهوين من شأنه.

   من جانب آخر شكّل الكتاب، الذي عرضناه للتو، تعبيراً حراً عن رؤية محددة إلى العالم.

•·   ( كيفية السفر مع سلمون: معارضات ومستعارات جديدة ) أمبرتو إيكو.. ترجمة؛ حسين عمر.. المركز الثقافي العربي/ الدار البيضاء ـ بيروت.. ط1/ 2007.

 

سعد محمد رحيم


التعليقات




5000