..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


في البدء كان ... الفحم

د. وجدان الخشاب

الفحم والحائط كانا أول الأدوات والخامات التي انطلق منها الإنسان في رحلته الطويلة مع فن الرسم ، في بداياته الحياتية الأُولى كان يخرج لالتقاط فريسة ، يبحث عنها ، يترصدها ، تتناوبه مشاعر متعددة ما بين الخوف والتردد وما بين الشجاعة والإقدام ، قد تهرب الفريسة فيلاحقها .. قد تكون أقوى منه فتؤذيه .. قد ينال منها حين يعتمد هجوماً مفاجئاً لا تتوقعه ، وفي هذه الأحوال كلها تختزن ذاكرته صوراً ومشاعراً تعيش معه ، ولا يعرف لها متنفساً سوى الحائط ، فاتخذ من الرسم على حيطان كهوفه فرصة للتعايش مع هذه الحالات الشعورية التي تنتابه ، يبدو أنّه حاول من جهة تسجيل مشاهد الصيد ، ومن جهة أُخرى - ربّما - فكّر أنَّ رسم صورة الحيوان على الحائط هي فرصة للسيطرة على هذا الجسد ، وإخضاعه لرغبته ، أو هي فرصة للحصول على هذا الجسد بدون أضرار جسدية للصائد نفسه ، واستمرارية الحصول عليه أيضاً ، لأنَّه وسيلة العيش والاستمرار .

مع تطوّر مظهرية حياة الإنسان ، كانت أدواته تتطوّر ، وتصوراته هي الأُخرى تعيش متغيراتها التي لم تعرف التوقف ، وكلّما تراكمت أيام وسنوات الوجود الحياتي للإنسان على سطح الأرض ، تراكمت بالمقابل خبراته بواقعه العياني ، وابتدأ الخيال نشاطه المتعدد الأوجه ، فكان النتاج مبتدعات تُسهّل حياته من جهة ، وتُـنـمّي معطياتها من جهة أُخرى ، فابتدأت أوّل الأفكار ، وأوّل الطروحات ، وأوّل المذاهب والنظريات ، لتصبح - فيما بعد - كياناً مستقلاً يُقلِّب المُتلقي في أرجائه  فكره ووعيه ومعرفيته ، فاشتغلت باتجاه إعادة بناء ذلك الواقع من جديد ، وعبر أدوات تمتلك قدرتها على اختصار المسافات ، والأبعاد والأشكال والحجوم ، وكذلك ايقاف الزمن رغم ديمومته الأبدية ، من هنا كان للجمال حضوره ، وللقبح حضوره ، وللألوان وللدلالات حضورها أيضاً .

الفن إذاً ادراك حيوي فعّال لمعطيات الوجود المحيط بالإنسان ، وقدرة - في الوقت ذاته على إعادة صياغة هذه المعطيات ، وهذا ما شغلذاكرة الإنسان فحاولت تقنين هذا الإدراك ، وهذا الاشتغال ، فكان النتاج محاولات لوضع تعريفات للفن تحدد أُطره المعرفية ، فمن هذه التعريفات ما حاول إبراز علاقة الفن بإثارة المتعة لدى المتلقي ، ومنها ما توقّف في رحبة الجمال الذي يثيره الفن في نفس الفنان أولاً ، وفي نفس المتلقي ثانياً ، ومنها ما عرض فكرة غائية الفن في حياة الإنسان مبدعاً كان أم متلقياً.

يشير الفنان دي لاكروا إلى أنَّ الفن نشاط مُعيّن ، ويربط بينه وبين الصناعة ، من خلال تحديده : لا يمكن أن ثمّة فن حيث لا تكون هناك صناعة . ويعمل الفنان شارل لالوعلى إخراج الفن من حدودٍ ضيّقة إلى مجال أوسع مؤشراً محاولة الفنان في إجراء عمليتي التحوير والتغيير ، وهما عمليتان يتعامل بهما الفنان مع معطيات الطبيعة التي تحيط به ، من هنا سيكون لالو قد جمع الفنون الصناعية والميكانيكية والتطبيقية أيضاً إلى مجال الفن ، مع ملاحظته القائلة بأنَّ على الفن أن يبتعد عن آلية الصناعة ليقترب من الفنون الجميلة من خلال تفعيل الخيال الخلاّق للفنان .

     أمّا د.عزت السيد احمد فقد  عمل على تصنيف الفنون ، من خلال تقسيمها إلى :

1 - فنون كلامية : تشمل الشعر والقصة والرواية والمسرحية .

2 - فنون بصرية ثابتة : يقع في حيّزها الرسم والنحت والعمارة والخط والزخرفة .

3 - فنون بصرية حركية : تتمثل في كل من : الموسيقى والرقص والتمثيل والغناء .

4 - فنون مُركّبة : هي السينما والمسرح والإعلان والإعلام .

وطرح يوسف ميخائيل أسعد مفهومه للفن من خلال انشاء علاقة تكوينية تربط بين الفنان من جهة ، وبين واقعه العياني المُعاش من جهة ثانية ، فبنى مفهومه هذا من خلال تحديد معانٍ للفن ، هي :

أولاً : المعنى الانتقائي : يحدد الباحث هذا المعنى في حدود خاصيةٍ امتاز بها الفنان عن غيره ، هي قدرته على الانتقاء من بين الموجودات المحيطة به ، أو التي يتخيلها نوعيات ذات معينة ذات صفات متباينة ، ثم يشتغل باتجاه صياغتها صياغة مغايرة ، ليعرضها لمتلقيه بصيغتها المغايرة لما كانت عليه . وبهذا يكون قد أخرج الأعمال الفنية من حيّز النمط أو القولبة .

كما يقدّم الباحث تقسيماً للإنتقاءات التي يعتمدها الفنان ، فإمّا أن تكون موضوعية - عامة ، وإمّا أن تكون شخصية تكشف عن مزاجه الشخصي ، وحالته الانفعالية ، ونشأته الأُولى .

ويضيف د . عزت إلى ما سبق تحديده للأُسس التي يعتمدها الفنان في انتقاءاته ، وهي :

1 - النمط النفسي الذي يحدد طبيعة شخصية الفنان بوصفه شخصاً انبساطياً  أم يميل إلى الانطواء والانعزال .

2 - ترسبات الطفولة الباكرة التي تشتغل باتجاه تشكيل الخبرات الوجدانية للفنان ، وتمتد تأثيراتها إلى ما بعد فترة الطفولة .

3 - الأساس النفسي والاجتماعي الناتج عن الإطار الاجتماعي الذي يعيش فيه الفنان ، وهذا الإطار سيعمل على تكوين ذائقته الخاصة التي ستوجّه انتقاءاته ، بالإضافة إلى التفاعل النفسي بين الفنان وبيئته الاجتماعية التي يعيش في ظلّها .

4 -الأحداث والمواقف الآنية الوقوع التي تثير وجدان وانفعال الفنان بشدّة ، وتدفعه باتجاه تشكيل موقف خاص منها ، فينتج عملاً فنياً يكون لهذه المؤثرات دورها وتمظهرها في نتاجه .

ثانياً : المعنى الانطباعي للفن : يتمظهر هذا المعنى من خلال تلقّي الفنان للمؤثرات الجمالية التي يجدها في واقعه العياني اليومي ، فيعمد إلى تخزينها في ذاكرته ، ليقيم بينها علاقات مُستحدثة لم تكن موجودة في هذا الواقع ، لأنَّ الفنان مُتـلـقٍّ قبل كل شئ ، ولكنه يحيل ما يتلقاه إلى عمل فنّي حين يقدمه بصياغاته المغايرة .

إنَّ المعنى الانطباعي للفن يعتمد في تكوّنه إذاً على مساراتٍ متوالية هي : قدرة الفنان على تلقّي ما يحيط به ، واعادة تصنيع ما يتلقاه في ذاكرته ، ثم ينتج عمله الفني .

هنا لا بُدَّ من الإشارة إلى ميزتين يمتلكهما الفنان المبدع : الأُولى هي سرعة الالتقاط ، والثانية هي الدقّـة في الالتقاط ، لأنَّ الفنان لا يكتفي بأن يميز الأشياء حوله ، أو أن يقف على الجمال في واقعه ، بل أنَّه يعمد لا شعورياً إلى استيعاب وامتصاص ما يؤرّقه ، فالفنان بهذا يعيش بين عالمين ، الأول هو عالمه الداخلي الخاص به ، والثاني هو العالم الخارجي الموضوعي الذي يعيش فيه ، ويتأثر به ، ويـتـقـبّـله تقبلاً فاعلاً لا يخضع لشرط من الشروط .

    إنَّ قابلية الأداء والانتاج الفني تعتمد على مهارة الفنان ، وقد ينطبع نتاجه بطابع مُعيّن ، أو ينتمي إلى مذهب أو مدرسة فنية ، وهذا كلّه لا يحدُّ من قدرته على الابتكار والتجديد .

ثالثاً : المعنى الاجتماعي للفن : يتمثّل هذا المعنى عندما يتخذ الفنان موقف الثائر على واقعه العياني المُعاش ، وعلى القيم الاجتماعية السائدة ، فلكي يثور الفنان لا بُـدَّ من وجود معطيات يثور عليها ، ويعمل على تغييرها ، كأن يحثَّ مجتمعه على النهوض من رقاده وسكونه واستسلامه ، مما يدفع بالفنان إلى اتجاهين متعارضين ، وكل اتجاه منهما يحاول شدّه إليه ، الأول يتمثّل بالقيم الفنية التي تتسيّد في مجتمعه ، والاتجاه الثاني هو الذي يكشف له عن قيم فنية لمجتمع آخر بعيد عنه ، وهذا ما سينتج الصراع والتعارض في ذاكرة الفنان ، إلاَّ أنّ التناغم يؤشر حضوره حين يعمد الفنان إلى الاستعانة ببعض القيم التي يمتلكها المجتمع الآخر ، ويدخلها في نتاجاته ، مما سيمنح هذه النتاجات المحلية بُعداً جديداً .

لعل الجدة الفنية التي يتسم بها الفنان المُجدد ترجع إلى ما يحمله من انفعالات ، وإلى هضم جزئي للعناصر المستمدة من فنون غريبة عن فنون بيئته المحلية ، وكذلك يؤدي التفاعل الفني بين الخبرات الذاتية والخبرات المنقولة عن بيئات اجتماعية أُخرى مغايرة إلى وسم النتاج الفني بوسم الجدة الفنية .

يشير د . عزت أيضاً إلى أنَّ ثمّة حالات عند بعض الفنانين يمكن أن نسميها بالفصام الفني ، تنشأ عن عدم التفاعل فنياً مع الفنون المستمدة من مجتمعات أُخرى ، وقد ينجم عن هذه الحالة اغتراباً نفسياً .

يوجد من بين الفنانين مَن ينسلخ عن الواقع العياني ، ويقدم رموزاً مجردة ، ويتمظهر هذا الانتماء التجريدي الرمزي في مجالين ، الأول : هو المجال الموسيقي ، لأنَّ الموسيقى استقلت عن الموضوع الأصلي الذي بدأت به ، وهو تقليد الأصوات الموجودة في الطبيعة الناتجة الأمواج وحركة الرياح وتأثيراتها على الموجودات الطبيعية الأُخرى مثل حفيف أوراق الأشجار ، واصطفاق الأشياء ببعضها ، وكذلك أصوات الطيور بأنواعها. أمّا المجال الثاني فهو الرسم ، إذ خرج الفنانون من محاولة تقليد الواقع المجرد ، وأخذ اهتمامهم ينصبُّ على تصوير الانفعالات والعواطف والصفات الشخصية ، التي تميّز الأشخاص الذين يقومون برسمهم ، وثمّة حالات من التجريد أدّت إلى انتاج أشكال بعيدة عن الواقع تماماً .

خامساً : المعنى الموضوعي للفن : يرتبط الفن من خلال هذا المعنى ارتباطاً مباشراً بواقعه العياني ، فيتحوّل بذلك الى مجرد مصوّر يستمد نتاجه الفني مما تقع عليه بصيرته ، بحيث يبدو واقع اللوحة أقرب ما يكون إلى الواقع العياني الذي يعيش فيه . وهذا الواقع ( الموضوعي ) ينهض على ثلاثة أبعاد هي :

1 - البُعد الأُفقي : ويقصد به الأشياء كما تبدو لحواسنا .

2 - البُعد الرأسي : ويقصد به الأشياء ما لا نقف عليه بإحدى الحواس مباشرة ، بل نستعين في سبيل ذلك بالأجهزة المُقرّبة .

3 - البُعد الرمزي : يقصد به أنَّ التراث الإنساني هو رموز مكتوبة أو مرسومة ، وتتعلّق بالواقع الموضوعي .

        قد يتساءل أحدنا : ما الإبداع ؟

الإبداع فعل مُركّب من مجموعة من الخطوات التي يمارسها الفنان بدءاً من تخزين مدركات حسية يلتقطها من معطيات الواقع ، ثم فرز هذه المعطيات وتكثيفها بفعل الذاكرة والحس الفني العالي والخيال ، ثم تبدأ أصابعه بتشكيل المواد الخام منتجاً عملاً ابداعياً .

إذاً الإبداع يعتمد الفنان أساساً لتشكّله ، الفنان الذي يمتلك القدرة على تحسس ما حوله بعمق وتأمّل أولاً ، والاستعداد الفني للإنتاج عمل تحكمه معرفية فنية ثانياً ، والوعي الاجتماعي ثالثاً . 

هنا تلعب الخبرة الجمالية دورها في اكساب العمل مسحة جمالية لافتة لنظر المتلقي ، تؤازرها أصول وتقاليد ومعطيات فنية متعارف عليها ، يسهم النقد الفني في إرسائها وإبرازها ، ونشرها ومحاورة الآخرين بها .

    يشكّل الموجود الطبيعي مصدراً أساساً للخامات التي يعتمدها الفنان في انتاج عمل فني ، ولهذا نجده يتأمّل فيه ، وينتقي منه ، فيعمد إلى الطين أو الحجر أو الصخر ، أو الخشب ، وقد يعمد إلى الموجود الصناعي ليكون خامته ، مثل القماش أو قطعة معدنية نحاسية مثلاً وغيرها ، لكنها بين يديه تنسلخ عن شكلها الخام لتظهر بشكل فني وجمالي أيضاً ، يتحقق عندما يكون الفنان قد منحها موضوعاً تقدمه ، أو واقعاً جديداً غير الواقع الذي خبره كل من الفنان والمتلقي ، وهكذا تبرز الدلالات إلى حيّز الوجود ، الدلالات التي يمنحها الفنان عبر العمل ، ويتلقاها المتلقي بشكل أو آخر حسب مقوماته الذاتية ، لأنّها شبكة تنشر وجودها على أجزاء العمل كافة ، كاشفةعن نوعية العلاقة المتحكمة والثرية بين رؤية الفنان لموضوعه وقدرته على التعبير عن هذه الرؤية .

لا يمكن للفنان أن ينطلق من فراغ ، ولا من ذاكرة بيضاء أو صقيلة ، ولا من أصابع متخشبة جامدة ، ولا من خيال متآكل عاجز ، بل العكس تماماً ، يبدأ الإبداع رحلته في حياة الفنان ، ويسم عمله بوسمه حين يمتلك حواساً لاقطة ، فاعلة ، ذكية ، مُدرّبة ، تجيد الالتقاط ، وتحسن ترتيب الملتقطات من الواقع على اختلافاتها ، وتعيد هذه الملتقطات من مكامن اللاوعي إلى مكامن الوعي حين يستدعيها الفنان ، فتبدأ الذاكرة فورانها يؤازرها الخيال الخلّاق ، والشحنة الانفعالية الدافعة ليبدأ أول التخطيطات ، خطوط أولية تعلن عن وجودها على سطح الخامة .

    أخبرني أحد إخواني الفنانين _ وهو فنان معروف ومتميز _ أنّه في وقت من الأوقات هيّأ ظروفه كما يريد تماماً ، ووضع أمامه بياض القُماشة ليرسم لوحة ، ولكنه ظل صافناً لساعات دون أن يمسّ البياض ، فتركها لأيام ... ولكنَّ ذاكرته ظلّت خفّاقة حيّة تمور بالانفعالات التي أوقعته في حالة من القلق والتوتر والفوضى بل من الرعب ، ثمَّ هدأت تماماً لتبدأ بضخِّ فكرة لوحة سارع الى تنفيذها قبل أن تهرب. حديثه هذا ذكّرني بوصف فان جـوخ لهذه الحالة التي يعانيها الفنان حين يصبح { شخصاً يتآكل قلبه من فعل ظمئه الشديد للعمل الذي لا يستطيع أن يقوم به فعلاً لأنَّ من المستحيلعليه أن يتحرك وهو سجين شئ ما } .

وهذا ما دعاني للبحث عن فكرة السجن هذه ، وكان التساؤل الذي أرّقني حينها هو : لماذا يصبح الفنان سجيناً ؟

فوجدتهافي حديث دي لاكرواعن معاناة الفنان وخصوصاًفي هذه الحالة حيث منحها صفة الصدمة حين قال { بأنَّها صدمة بالانفعال يختلُّ ساعتها اتزانهفيحاول أن يمضي الى اتزان جديد وتتوالد في الذهن حالة وجدانية عنيفة حتى تبلغ الحماسة وتنساب في الذهن الافكار والصور } .

     القلق حالة طبيعية تنتاب الفنان ، تقلقه وتؤرق ذاكرته ، لكنها ما تلبث أن تشرق ، وتدفع العتمة عنها بالحضور الجميل للإلهام ، هذا الإلهام الذي يعيد تنظيم معطيات الذاكرة ، ليمنحها شيئاً من الاستقرار ، وشيئاً من وضوح الأفكار ، وأيضاً استدعاء الخبرات المتراكمة ، هنا يبدأ الفنان أُولى خطواته التنفيذية لإنتاج عمل فني .

إذاً بدأ العمل الفني يصل إلى اكتماله ، أو ربّما اكتمل ، هنا يخلع الفنان رداء الفن ، ليرتدي رداء الناقد ، فتبدأ التساؤلات بانثيالاتها ، لتمرَّ على عناصر اللوحة عنصراً عنصراً ، وموضعاتها ، والشكل العام للعمل ، والدلالات التي أراد إبرازها ، هنا يمكن للفنان أن يفـكَّ أسر اللوحة ، ويمنح الفرصة للآخر ليستكشفها ويحاورها ، فتكتسب بذلك قيمة مُضافة أو ربّما تسقط في العتمة حين يحدد الآخر نقاط ضعفها . 

عندما يتأمل الفنَّان في واقعهالعياني ، ستلتقط ذاكرته بعض المشاهد التي لا يشعر بالرضا والتآلف معها ، بل غالباً ما ستكون انفعالاته سلبية إزاءها ، وفي غالب الأحيان يواجهه الفشل القاتل في تغييرها ، فيلجأ إلى الفن بوصفه سبيلاً من سُبل التغيير ، هنا يبدأ بإعادة تشكيل هذا الواقع متبعاً معطيات رؤيته الخاصة ، معتمداً على ثلاثة مصادر : أولها ذاته ، وثانيها من الطبيعة ، وثالثها من الفنانين السابقين عليه أو المعاصرين له .

يتغيّر التكوين الذاكرتي للفنان دائماً ، لأنَّ الواقع العياني يعيش تغيراته أيضاً ، السريعة حيناً والمتباطئة حيناً آخر ، من هنا ينشأ الاختلاف والمغايرة ، فالفنان بحكم استمراره التجريبي ، والتراكم في الخبرة ، وتغيرات المواقف ، وتطوّر الوعي ، قد تنشأ لديه حالة عدم الرضاحتى عن أعماله التي أنتجها هو ، بعد مرور فترة قد تطول وقد تقصر ، وهي حالة لا بُـــدَّ للفنان من ايجاد حلول لها ، قبل أن تصل حدَّ الاغتراب الذي سيتسبب في خلق حالة من العزلة بين الفنان وبين الواقع . هنا سيظهر الفرق واضحاً بين فنان وآخر ، فمن الفنانين مَن اكتسب خبرة عالية في السيطرة على الفجوة التي يشعر بها ما بين الواقع العياني والخيال الشخصي ، ما بين حركية الواقع واستمراريته وبين حركية الخيال وتقلباته ، وتحويل القلق والتوتر المُحبِط إلى قلق وتوتر ابداعي ، ينتج على أثره عملاً فنياً مبدعاً ، فيما يسقط آخرون في عمق الفجوة ، مما سيدفع بهم إلى اجترار تجربتهم الذاتية ، دون أن يلوح في الأُفق ما يشير إلى قدرتهم على الإبداع ، وبالتالي لن تكون لأعمالهم قيمة فنية أو جمالية .

    في طروحات الباحثين ما يكشف عن خصائص عدّة لا بُـدَّ من حضورها بشكل فاعل لكي تمنح العمل توصيف الإبداع ، وتمنح الفنان توصيف المبدع ، من هذه الخصائص ، الحرفية : وهي قدرة يكتسبها الفنان من خلال التجريب المستمر ، ومعالجة أكثر من موضوع ، ومحاورة الأعمال التي ينتجها ، فيكون بذلك أول ناقد لعمله ، بل يعاملها وكأنَّها نتاج غيره من الفنانين ، فيستكشف نقاط ضعفها وقوتها، ويحاول تجاوز نقاط الضعف هذه التي تسئ إلى العمل ، بهذا يبدأ بتكوين حرفية مميزة تسهم في إضفاء جمالية خاصة للوحاته ، وتمنح ذائقة متلقيها طعماً خاصاً بها .

أمّا الموهبة فهي القدرة التي يهبها الله سبحانه وتعالى للإنسان ليتفـرّدبصفات لا يملكها غيره ، ولكن هل يمكن أن نسم كل فنان بسمة الموهبة ؟ بالتأكيد لا ، لأنَّ الموهبة إن لم تحضر فبإمكان التعلم أن يسجِّل حضوره ، حين يشتغل الفنان باتجاه بذل جهد متواتر لصقل وتدريب قدراته الذاكراتية ، واكتساب المعرفية ليصلَّ إلى الابتكار والتجديد ، فنجده في كل عمل فني يقدم فكرة جديدة ، أو انتقاءً جديداً ، أو طريقة جديدة في اشتغال موضوعه ، وبهذا يمكن له أن يتجاوز مسألة فقدان الموهبة .

     كما طرح الباحثون فكرة الاستمرارية في رفد الحركة الفنية بالجديد من النتاج الفني ، وأشاروا إلى ضرورة الانتباه إلى دور المصادفة في الانتاج ، فقد يصبح ظرفاً ما دافعاً قوياً لتفـريغ الشحنة الانفعالية التي تؤرِّقه ، فيظهر هذا التفريغ في نظم قصيدة أو رسم لوحة ، أو نحت منحوتة ، ثم يتوقف عطاء هذا الإنسان بانتهاء توترات الظرف المتسبب به ، فهل يصح أن نوصّفه بتوصيف : فنان ؟ بالتأكيد ستكون الإجابة : لا .  

إذاً لا يمكن للمصادفة أو للظروف أن تُكسِب الإنسان صفة الفنان ، ما لم يستمر في نتاجاته ، بل يبدع فيها ، ويثير متلقيه في كل مرة يلتقي بها بنتاج جديد للفنان .

والتفـرُّد هي الأُخرى سمة تنشأ من خلال قدرات الفنان الذي يبحث - دائماً - عمّا هو جديد ، سواء أكان هذا التجديد على مستوى العناصر الأساس في العمل ، أم على مستوى دلالات العمل ، ولا بُـدّ من ملاحظة أنَّ هذه السمة لا تجد غالباً اتفاقاً حول حدودها ، فقد يرى المتلقي - ناقداً أم غيره - في عملٍ ما سمة التفـرُّد ، فيما يرى آخر انعدام هذه السمة ، هنا تلعب المعرفية والذائقة الفنية طريقها للظهور لتسهم في تكوين رأي محدد يؤشر امتلاك العمل سمة التفـرُّد ، أو عدم امتلاكه لها .

التقييس هو الآخر له مقوماته الخاصة به ، أي أنّه يمتلك مبادئ وأُصولاً ومحددات ، فلا يوسم الفنان ونتاجه أيضاً بسمة التقييس إلاّ بالتزامه بهذه المقومات ، كلها أو البعض منها أحياناً ، رغم أنَّ بعض النتاجات الفنية لم تلتزم بهذه المقومات إلاّ أنَّها قد تجد متلقياً يُعجب بها ، لأنّه لا يعير أهمية للقياسات بقدر انشغاله بمقومات أُخرى للعمل . علماً بأنَّ خضوع العمل للقياس يمنحه فرصة للانضواء تحت توصيف الفن ، ولكن مع تسارع ظهور المتغيرات الحضارية ، وإيقاعاتها المتوالية التمظهر ، بدأ الفن _ عالمياً - هو الآخر يتجه اتجاهات حديثة تخرج عن التقييس والقواعد والأصول التي تواضع عليها كل من الفنانين والنُـقـاد ، وأصبحت قارّة بحكم الاحتكام إليها ، ولعلَّ أهم هذه التوجهات هو ظهور الفن المفاهيمي ، الذي حاول الخروج عن كثير من أُطر التقييس التي كانت حاضرة دائماً وبشكل فعّال عند النُـقاد .

 

د. وجدان الخشاب


التعليقات

الاسم: د. وجدان الخشاب
التاريخ: 10/10/2017 16:00:26
مساء الخيرات عزيزتي مريم لطفي ، شكراً لحضورك الجميل ، دمت بخير

الاسم: مريم لطفي
التاريخ: 17/08/2017 22:00:05
الفن هو المراة العاكسه للابداع بكل قيمه الجماليه والاصل فيه هو الموهبه التي صقلتها التجارب ولابد من العوده للاصول كمرجع يلجا له الفنان لكي لايحيد عن الخطوط الواضحة التي تعبد له المسار ..بالتوفيق




5000