..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الأقباط والمسلمون في مصر: التاريخ المشترك

د. كريمة نور عيساوي

مقدمة

درجت العادة على إطلاق مصطلح الأقليات على الأقباط في مصر. والحقيقة أن هذا المصطلح لم يرقني كثيرا مما دفعني إلى محاولة إثبات أن مصطلح الأقباط كان يُطلق في واقع الأمر على عموم المصريين، وليس على المسيحيين فقط لأن الأقباط اسم علم كان يستعمل في الأصل للإشارة إلى سكان مصر الأصليين. ومع اعتناق أغلبية الأقباط للديانة الإسلامية أصبح هذا المصطلح يطلق بشكل خاص على المسيحيين من أهل البلاد الذين ظلوا على ديانتهم. وهذا أمر مثير للغاية ويطرح أكثر من سؤال حول العلاقة بين العرق والدين وحول مفهوم الأقلية في حد ذاته.

فإذا كان مفهوم الأقلية يُطلق على جماعة عنصرية أو دينية أو إثنية معترف بها في مجتمع معين كيف نفسر إطلاق مفهوم الأقلية على الأقلية النسوية في مقابل أغلبية ذكورية، على اعتبار أن النساء يعانين من الاضطهاد المسلط عليهن من الرجال. بالرغم من أن الإحصائيات أثبتت أن النساء أكثر عددا من الرجال. وإذا كان مفهوم الأقلية يعني جماعة من الأفراد يتميزون عرقيا أو دينيا أو لغويا أو قوميا عن بقية الأفراد في المجتمع الذي يعيشون فيه فلماذا لم يطلق مصطلح الأقلية على جماعة البيض في جنوب أفريقيا. هي مجموعة من الأفكار دفعتني إلى النبش في ركام من المصطلحات والمفاهيم والأفكار التي كانت تشوش علي وتخلق لدي عشرات من التساؤلات لاسيما في مرحلة أصبح فيها تطويع بعض المصطلحات لأهداف سياسية عملة رائجة ومربحة. من هم يا ترى الأقباط؟                 

           

من هم الأقباط؟

يُعتبر الأقباط المصريون، كما تشير إلى ذلك الكثير من الدراسات، أكبر تجمع مسيحي في الوطن العربي. وعلى الرغم من أن عددهم الإجمالي لا يتجاوز حوالي عشرة في المائة من عدد سكان مصر إلا أن هذا العدد يفوق بكثير عدد المسيحيين في لبنان والسودان. وكان الأقباط يمثلون الأغلبية قبل الفتح الإسلامي لمصر (640م)، واستغرق تحولهم التدريجي والبطيء من المسيحية إلى الإسلام حوالي أربعة قرون أي إلى حدود القرن العاشر الميلادي.[1]

وقبل الحديث عن المراحل التاريخية التي مر بها الأقباط، وانتقال الجزء الأكبر منهم من المسيحية التي ورثوها عن الرسول مرقس في منتصف القرن الأول الميلادي إلى الإسلام يجدر  بنا أن نتوقف قليلا للبحث في أصل بعض المصطلحات التي لها ارتباط وثيق بالأقباط.

إن الكلمة العربية قبط هي تعريب للكلمة القبطية كبتياس المأخوذة من اليونانية أيكبتيوس التي تعني مصري، من أيكبتوس الاسم الذي أطلقه اليونانيون على مصر والنيل. وهناك اعتقاد بأن هذه الكلمة ذاتها تحريف لحط كا بتاح   Het-ka-Ptahأي بيت روح الإله بتاح وهو اسم لمعبد بتاح في منفMemphis  العاصمة القديمة[2].

وتفيد بعض  المصادر العبرية والسامية بأن كلمة قبط مشتقة من اسم قفطايم بن مصرايم أحد أحفاد نوح، وأول من استقر بوادي النيل، وسمى مدينة فقط باسمه.

أما اسم مصر فمشتق من جذر سامي قديم قد يعني البلد أو البسيطة. والاسم العبري מִצְרַיִם مذكور في التوراة على أنه ابن لحام بن نوح الجد الذي ينحدر منه المصريون. جاء في التوراة ما يلي: وبنو حام: كوش ومصرايم وفوط وكنعان[3].

 וּבְנֵי, חָם--כּוּשׁ וּמִצְרַיִם, וּפוּט וּכְנָעַן  (التكوين6:10).

والاسم الذي عرف به المصريون موطنهم في اللغة المصرية هو كمت. ويستخلص من استعمالاتها القديمة في اللغة العربية أنها تستعمل للدلالة على اللونين الأسود والأحمر عند اختلاطهما معا. وتدل في اللغة المصرية القديمة على الأرض السوداء أو على اللون الأسود. K  : أسود Km  : الأسود فإذا أضيفت إليه تاء التأنيث أصبحت علما على مصر. ومن كمت جاء الاسم قبط. ويبدو أن الصفة كمت أقرب في بعض استعمالاتها في هذه اللغة للدلالة على اللون الأسمر أو اللون الخمري وليس اللون الأسود الصريح الذي لم يكن يروق المصريين القدماء. ومن هنا كانوا يطلقون على معبودتهم إيزيس اسم ست كمت أي السيدة الخمرية اللون وليست السوداء[4].

 

أصل الأقباط

كان الأقباط خلال مرحلة الفتوحات الإسلامية يعتنقون جميعهم الديانة المسيحية. ويرجع أصلهم الأول، كما جاء في المصادر القديمة، إلى مصر بن  بيصر بن حام بن نوح الذي استقر بعد الطوفان هو ولده الثلاثون في مصر فسميت باسمه[5]. ومع تحول الغالبية العظمى منهم إلى الإسلام فقدت كلمة قبطي معناها الإثني الذي يحيل على  سكان مصر المحليين، وأصبحت تطلق فقط على من بقي منهم متمسكا بالديانة المسيحية.

  

اللغة القبطية

كانت اللغة القبطية هي لغة المصريين إبان الفتوحات الإسلامية لمصر. ويختلف الباحثون في تصنيفها بين من يؤكد انتماءها إلى عائلة اللغات السامية وبين من يرى بأنها أكثر التصاقا بعائلة اللغات الحامية. وللغة القبطية علاقة وطيدة باللغة المصرية القديمة. غير أنها أضحت في العصر المسيحي لغة متميزة حيث طرأت عليها عدة تحولات بسبب احتكاكها باللغات السامية والليبية واليونانية. وعندما سيطر اليونانيون على مصر كانت اللغة القبطية تدون برموز هيروغليفية. ونظرا لسهولة الأبجدية اليونانية تبنى المصريون هذه الأبجدية، وأضافوا إليها سبعة أحرف استعاروها من اللغة الديموطيقية [6]  Démotique

وشهدت اللغة القبطية مرحلة ازدهار عقب انفصال الكنيسة القبطية عن كنيسة القسطنطينية. وبلغت، مع الفتوحات الإسلامية، أوج ازدهارها. لكن سرعان ما بدأ استعمالها ينحسر تدريجيا أمام اللغة العربية ولاسيما بدءا من أواخر القرن السابع الميلادي. وفي نهاية المطاف لم تكن اللغة العربية في مصر لغة الثقافة والإدارة كما كانت اللغة اليونانية، بل أصبحت لغة المصريين كلهم مسلمين ومسيحيين على السواء. وانسحبت اللغة القبطية إلى الأديرة، واستمرت الكنيسة المصرية ومازالت في خدمة القداس إلى جانب اللغة العربية.

 

الديانة المسيحية

انتشرت المسيحية في مصر في منتصف القرن الأول للميلاد. وتُرجع المصادر التاريخية تأسيس أول كنيسة هناك إلى الرسول مرقس. وتغلغلت هذه الديانة الجديدة في روح المصريين، بل وطبعوها بطابعهم المحلي أو القومي أو حتى العرقي. واتخذت مقاومتهم الشديدة للحكم الروماني تطابقا بين النزعة الوطنية والخطاب الديني. وحتى عندما أصبحت المسيحية هي الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية فإن روما عجزت في احتواء القبط في مصر. وعلى المستوى العقدي عبرت الكنيسة المصرية عن مقاومتها البيزنطية من خلال رفضها المذهب الديني الرسمي للدولة وهو مذهب الطبيعتين، وانخرطت في المقابل للدفاع المستميت عن عقيدة الطبيعة الواحدة monachisme. وأفلحت الكنسية المصرية في مواجهة مجموعة من الهرطقات التي ظهرت آنذاك كالأريوسية والنسطورية وغيرهما. وقادت الفكر اللاهوتي في العالم المسيحي كله.

 

الأقباط والتحول التدريجي نحو الإسلام

إن الوضعية العامة لمصر في القرن السابع الميلادي تُفسر إلى حد كبير السرعة و  السهولة اللتين ميزتا مسار الفتوحات الإسلامية في مصر. فقد تم فتحها ثمان سنوات فقط بعد وفاة الرسول  «ص». وكان الأقباط ينظرون إلى اليونانيين على أنهم محتلين بسبب إثقال كاهل السكان المحليين بالضرائب. ناهيك عن اضطهادهم للكنيسة القبطية. أما نظرتهم للفاتحين المسلمين فكانت مغايرة تماما. إنهم كانوا حسب ألان بريسو Alain Brissand محررين ضمنوا للأقباط حرية ممارسة دينهم نظير مقابل مادي رمزي. ويؤكد ألان بريسو على أن نظرة الفاتحين المسلمين إلى الأقباط كانت إيجابية[7]. ونجد تعليلا لهذه النظرة في المصادر الدينية الإسلامية. إذ أن هاجر زوجة إبراهيم الخليل كانت قبطية. كما أن مرية زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت قبطية واسمها الكامل مرية بنت شمعون القبطية أهداه إياها المقوقس الروماني سنة سبعة هجرية، وأنجبت منه إبراهيم. ويُروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏لو عاش إبراهيم لأعتقت أخواله، ولوضعت الجزية عن كل قبطي‏"‏‏.

وهناك روايات كثيرة تُنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يستوصي فيها خيرا بالقبط. يُروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما. وفي الرحمة إشارة صريحة إلى هاجر أم إسماعيل.

 ويُروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أوصى عند وفاته أن يخرج اليهود من جزيرة العرب وقال: الله الله في قبط مصر فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعوانا في سبيل الله. كما يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم  أيضا أنه مرض فأُغمي عليه ثم أفاق فقال استوصوا بالأدم الجعد ثم أغمي عليه الثانية ثم أفاق فقال مثل ذلك ثم أغمي عليه الثالثة، فقال مثل ذلك فقال القوم لو سألنا رسول الله من الأدم الجعد فأفاق فسألوه، فقال: قبط مصر فإنهم أخوال وأصهار وهم أعوانكم على عدوكم، وأعوانكم على دينكم، فقالوا :كيف يكونون أعواننا على ديننا يا رسول الله قال: يكفونكم أعمال الدينا، وتتفرغون للعبادة فالراضي بما يوتى إليهم كالفاعل بهم والكاره لما يوتى إليهم من الظلم كالمتنزه عنهم.

أما أوجه التقارب بين الشعائر الإسلامية والشعائر المسيحية كما يمارسها الأقباط فكثيرة. لقد أثبتت الأبحاث الأركيولوجية أنه منذ العصر الحجري الأخير أي ألف سنة قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن المصريون يأكلون لحم الخنزير. كما أكد هيرودوت بأن المصريين كانوا يقومون بعملية الختان لأن المسيح كان مختنا، وكانوا يتطهرون ويحرمون تناول بعض المأكولات. وفي مرحلة الفتوحات الإسلامية كان الأقباط يخلعون أحذيتهم حينما يدخلون الكنيسة. هذا فضلا عن شيوع الحجاب عند المسيحيات القبطيات. يقول "بانتينوس" Pisentius  : على النساء عدم التجول ووجوههن مكشوفة ليس فقط داخل الكنيسة، وإنما أيضا في شوارع البلدة. وعلى النساء عدم الخروج من عتبة الباب ورؤوسهم مكشوفة. أيها النساء اخفضن أبصاركن، ولتكن ملابسكن واسعة وغير كاشفة[8].

إن هذه العوامل كلها لم تساهم فقط في تيسير الفتوحات الإسلامية في مصر، وإنما مهدت تدريجيا لاعتناق الأقباط للديانة الإسلامية. وتعددت مسالكهم إلى ذلك ومنها: فمنهم من اعتنق الدين الجديد طوعا وعن اقتناع، ومنهم من عانى في بعض الفترات من ثقل ضريبتي الجزية والخراج فكان لجوؤهم إلى الإسلام لتحقيق المساواة بينهم وبين المسلمين.

 

وضعية الأقباط في ظل الدولة الإسلامية

على غرار أهل الذمة في باقي أقطار الدولة الإسلامية كانت وضعية الأقباط تتميز بعدم الاستقرار، وتتأرجح بين التسامح والاضطهاد. هذا مع العلم بأن نظام أهل الذمة واحد، غير أن ظروف تطبيقه تتغير بتغير الدول المتعاقبة، وأحيانا حسب مزاج الحكام. فمنذ بداية الحكم الإسلامي ومرورا بعهد طولون وفي فترة أخشيد نَعم الأقباط بالتعايش في مجتمع متعدد الديانات: إسلام، مسيحية، يهودية. ومع دخول الفاطميين إلى مصر عرف الأقباط في عهد الحاكم بأمر الله اضطهادا حفظته كتب التاريخ. إذ أنه ضيق الخناق عليهم، ودمر الكنائس، منع الخمر ولحم الخنزير، وحرم النساء من الخروج، ومنع الإسكافيين من صنع أحذية النساء. وفي سنة 1014م صدر مرسوم يأمر غير المسلمين بمغادرة البلاد. لكن بعد ذلك سنوات ستتوقف هذه الاضطهادات، وستُعاد إلى أهل الذمة أملاكهم، وسيتم من جديد بناء الكنائس والأديرة والبيع. مما يدل دلالة قاطعة بأن مرحلة الحاكم بأمر الله كانت استثناء في ظل الدولة الفاطمية.

يقول ألان بريسو:« إن الحاكم بأمر الله الذي أنجبته امرأة مسيحية وحفيد أحد بطاركة القدس هو الحاكم المصري الوحيد الذي يمكن أن ننعت اضطهاده للأقباط بأنه اضطهاد مجاني و لا مسوغ له. ومن الخطأ أن نعتبر هذه الإجراءات التعسفية تعكس الوضعية الحقيقية الأقباط في الظروف العادية»[9].

 

  

  

الأقباط في عصر المماليك

على الرغم من تقلد بعض الأقباط لمناصب عليا في هرم الدولة أمثال الوزير النشو ناظر الخاص السلطاني في عهد الناصر قلاوون والوزير شمس الدين بن غبريال وغيرهما ممن تحفل المصادر التاريخية بذكر أخبارهم فإن حقوق الذميين من يهود وأقباط انتهكت، وبلغت أحيانا إلى درجة أن بعض السلاطين فرضوا على الأقباط ارتداء ملابس خاصة، وأباح البعض الآخر نهب بيوتهم، وهدم كنائسهم، بل إنهم خيروا كبار الموظفين بين اعتناق الإسلام أو الموت حرقا. ولهذا شهد العصر المملوكي تحول أعداد كبيرة من المسيحيين إلى الإسلام.

 

الأقباط في مصر العثمانية

مع انتقال مصر من دولة يحكمها المماليك إلى ولاية تابعة للإمبراطورية العثمانية أصبحت وضعية الأقباط في الإدارة الجديدة أحسن مما كان في الماضي. فقد برز عدد من وجهاء الأقباط في التجارة، بل شغل بعضهم مناصب كبرى في الدواوين. وأسندت إليهم مهام جبائية ومصرفية. وحفظت لنا وثائق العصر العثماني أنه تم استحداث في مصر محكمة خاصة لأهل الذمة هي «محكمة القسمة العربية».

 

الأقباط في القرن التاسع عشر

في عهد محمد علي ارتقى الأقباط وغيرهم من الأقليات إلى مناصب نيابية وقضائية سامية، وحصلوا على بعض الألقاب مثل الباشا والباي التي كانت في السابق حكرا على المسلمين دون غيرهم. وسيرا على نهج محمد علي فإن الذين تولوا الحكم بعده قاموا بحركة إصلاح تشريعي عمدت إلى تحرير الحياة المدنية للمواطنين من كل فكرة دينية، وتمخضت عن هذه الإصلاحات إسقاط الجزية لأول مرة عن الأقباط، وإصدار أمر عال ينص على أن أبناء القبط سوف يدعون إلى حمل السلاح على غرار المسلمين. ووجدت هذه الأفكار أرضا صالحة في صفوف الصفوة المثقفة من المسلمين والقبط معا. ولعل وقائع ثورة 1919 ومشاركة القبط على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية خير دليل على مشاركة القبط في الحياة السياسية للبلاد، وتمكن حزب الوفد من تكوين قياداته وقواعده على مبدأ المواطنة، وصرف النظر عن الدين. لذلك فإن النخبة المصرية المسلمة أسهمت بالموقف والفكر في حركة تحديث المجتمع المصري، وفي مواجهة الهيمنة الأجنبية، وعارضت الأسرة الحاكمة، تعاملت مع القبط في إطار نحن وليس في إطار هم. أما على المستوى الإيديولوجي فقد التقت النخبة المصرية المسلمة مع نظيرتها القبطية على مفهوم الشعب الواحد أي أن يكون للمصريين عقائد دينية مختلفة وفي الوقت نفسه يمنع أن يكون هذا الاختلاف أساسا لوجود شعبين.

 

الأقباط بعد 1919

تميزت هذه المرحلة بمحاولة بريطانيا إشعال نار الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، واتساع نشاط حركة التبشير في مصر الذي كانت تقوده وترعاه كنائس غربية وأمريكية. مما أدى إلى ردود فعل شعبية كانت سببا مباشرا في نشوء حركات دينية إسلامية مثل حركة الإخوان المسلمين. وعلى الرغم من أن حركة المسلمين وقفت من الأقباط موقفا يتسم بكثير من الاعتدال والحكمة وعيا منها بأن عودة الفتنة الطائفية ستفيد المحتل، وحرصا منها على وحدة مصر فإن هذا لا يمنع من أن صحف الحركة كثيرا ما كانت تنشر بعض المقالات المسيئة في مضمونها للأقباط أو التي كانت تؤول على أنها كذلك.

وحينما تولى الضباط الأحرار الحكم في مصر عقب ثورة 1952 وجد الأقباط أنفسهم أمام خطاب قومي شعاراتي قائم على الاستبداد وتضييق الحريات، ورضوا في ظل هذه الظروف بوضعية المواطنة من الدرجة الثانية. غير أن أحلك الفترات بالنسبة للأقباط هي سنوات 1980 و1981 التي شهدت صراعا دمويا بين المسلمين والأقباط كان ضحاياه أطرافا من الجانبين.

خلاصة

جملة القول إن وضعية الأقباط التي لم تكن دائما على أحسن ما يرام، والتي دفعت أعدادا منهم نحو الهجرة  القسرية (الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا) طلبا للأمان أو رغبة في تحسين المستوى المادي، لم تؤثر حتى الآن على النسبة التي يشكلونها داخل المجتمع المصري، لكن ما حدث في العقود الأخيرة من اضطهاد للأقليات الدينية والعرقية،

سسيكون سببا مباشرا في تسارع وثيرة الهجرة نحو الخارج، ولعل هذا يعطيني الإحساس بأن هناك مخططا، لإخلاء العالم العربي والإسلامي من الأقليات الدينية والعرقية، والتي كانت تشكل على امتداد التاريخ فسيفساء تميزه، تأكيدا للفكرة التي درج بعض المستشرقين على ترويجها، وهي أن الإسلام لا يقبل الآخر المختلف عنه عقديا....

 انتظرونا في الجزء الثاني في طور الاعداد

  

  

  

المراجع

الكتاب المقدس، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، 1997

أبي القاسم القرشي المصري: فتوح مصر وأخبارها، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1991

حلمي خليل: المعرب والدخيل في المعجم اللغوي التاريخي، مجلة المعجمية، وقائع ندوة المعجم العربي التاريخي، قضاياه ووسائل إنجازه، ع 4و5، 1991

سعد الدين ابراهيم: الملل والنحل والأعراق، هموم الأقليات في الوطن العربي، مركز لبن خلدون، 1994.

 

Brissand , Alain : Islam, Chrétien, Treize siècles de cohabitation, éd Robert Laffont, Paris, 1991.

De Planhol, Xavier : Minorités en Islam, géographie politique et sociale, éd Flammarion, Paris, 1997.

Ducellier, Alain : Chrétiens d'Orient et Islam au Moyen Age, éd Armand Colin, Paris, 1996.

Eddé Anne-Marie et autres : Communautés Chrétiennes en pays d'Islam, éd SEDES, 1996.

 


 


 

[1]  سعد الدين ابراهيم: الملل والنحل والأعراق، هموم الأقليات في الوطن العربي، مركز لبن خلدون، 1994، ص 381

[2]  Alain Brissand : Islam, Chrétien, Treize siècles de cohabitation, éd Robert Laffont, Paris, 1991, 103

[3]  الكتاب المقدس، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، 1997

[4]  حلمي خليل: المعرب والدخيل في المعجم اللغوي التاريخي، مجلة المعجمية، وقائع ندوة المعجم العربي التاريخي، قضاياه ووسائل إنجازه، ع 4و5، 1991، ص 329

[5]  أبي القاسم القرشي المصري: فتوح مصر وأخبارها، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1991، ص 9

[6] سعد الدين إبراهيم، مرجع سابق، 394

[7]  Alain Brissand, Op.cit, 106

[8] Ibid, 106, 107

[9]  Ibid,  p113

د. كريمة نور عيساوي


التعليقات




5000