.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


اوركليونغا * 2030

إحسان عبدالكريم عناد

لسبب ما لازلت أجهله.جيء بي إلى هنا.
حين أجلسني مرافقي بانتظار احد ما لاستقبالنا. صرت اتفحص المكان برغبة الاكتشاف الذي يؤدي إلى معرفة. كان يقيني حينها، إنها المعرفة وحدها، من يقيني الهواجس ويدفع عني الشكوك.
( نظيفا هادئا أنيقا..اثاثه بسيط ولكن يفي بالغرض الذي اعد من اجله..أحسست لوهلة كأنه مشفى. تلك هي صورة العالم الخارجي الوحيدة التي اختزنها. ولكن لا شئ يدل على ذلك إطلاقاً).
خرجت إلينا امرأة مرحبة من مكتبها. كانت تشبه في تفاصيل وجهها واحدة كنت اعرفها..
تحدثت مع الشخص الذي كان يرافقني. لم التفت الى ما يقولان كنت منشغلا بتذكر تلك المرأة التي تشبهها.. ولكن ملامحها باردة تكشف كل حين عن ابتسامة باهتة.
أنهيا حوارهما..
وضعت يدها على كتفي ومسحته بلطف فيما كانت تودع ضيفها باليد الأخرى.
دخلت على عجل الى مكتبها ثم راحت تكتب شيئاً في حاسوبها. احسست بالم مباغت في راسي فيما كنت ابحث في خاطري عن علة وجودي هنا. احب ان اعرف دون سؤال أحد.
ولكن لم يمتد الألم إلى قلبي ويعتصره كله؟.
تناهى الى سمعي قبل هذا الوقت أن المسؤولة عن هذا المكان امرأة تدعى هاريت. اسمها كان قد أثار في داخلي خوفا خفيا ولا زال.كنت اظنها اخت هاروت، أحد الملكين اللذين كانا يعلمان الناس السحر ببابل.ربما سيبدد التعرف إليها هذا الخوف مني.
عادت بهمة ثم رحبت بي ثانية وطلبت مني مرافقتها إلى غرفة كانت تقع في ممر طويل..فتحت الباب وهي تشير لي إذنا بالدخول. ثم عادت مسرعة إلى مكتبها.

******
لا استطيع ان اؤكد لكم انني فعلاً هنا.في عالم الطفولة. عالم المرح والأمان.
هل أنا حقاً هنا مرة أخرى؟
اجلس وآخرين بأعمار متفاوتة في مكان يشبه الحديقة. ولكني اذكر اننا دخلنا إليه من ذلك الباب.الباب الذي يغطيه من الخلف شجر أخضر بأوراق ناصعة وأزهار ذات ألوان. وبعض طيور زاهية.
تغطي أرضية الغرفة سجادة خضراء فاتحة مع نقوش اغمق تمتد هدابها كأنها حشائش منتصبة ولكن بلا روح. بلا روح تداعب النسائم التي تهب عادة حاملة رائحة العشب الندي.
هناك في الجانب البعيد. يجلس شخصان في أرجوحة معلقة بسقف الغرفة. يضع أحدهما يده بيد الآخر. يتأرجحان يرفعان ارجلهما عالياً في الهواء ويضحكان.
وعلى مقربة مني كان هناك صندوق خشبي فيه لعب كثيرة..إلى جانبه رفوف ملونة عليها كتب قصص وحكايا سمعتها..سمعتها منذ زمن طويل لا استطيع ان اصل اليه الان. ولا ان احدد مداه.
كان هناك أناس آخرون..منشغلون باللعب والضحك ولكن بحركات بطيئة..تتابعهم مجموعة لطيفة من شابات انيقات لا تفارق وجوههن الإبتسامة.
جاءتني واحدة منهن ..لم تتجاوز العشرين من العمر..جثت على ركبتيها فصار وجهها قبالتي مباشرة ..أخذت يدي بيدها ومسحت بظهر الأخرى خدي..احسست بحنان ينتشلني من قسوة كنت لم انسها بعد.
بصوت يكاد يشبه الهمس سألت: هل انت سعيد هنا؟
نظرت الى عينيها الزرقاوين الصافيتين..أردت منها أن تقرأ الرضا من عيني..فابتسمت اكثر وبان نضد اسنانها وبياضها وتعطرت انفاسي بانفاسها.
- هل تحب ان اجلب لك شيئاً ما؟ هل انت جائع؟
تمسكت بيدها أكثر. كأني اريد ان اقول ..نعم، ولكن لا اريد ان تغادري بعيداً..شدت بيدها الأخرى على يدي.
قلت لها اريد ان اعرف الحقيقة؟ اين انا؟ لقد مررت بهذا كله وشعرت به من قبل ..ولكني الآن مضطرب ..كنت أظن أن هذا الذي كان، قد انتهى ومضى.هل أنا طفل الآن حقا. كما يشعرني المكان؟!
سحبت كرسيا مجاورا وجلست قربي فيما أبقت يدها ملقية بيدي.
نعم ..انت طفل ولا زلت..وكل من تراهم هنا هم أطفال أبرياء..جاؤوا هنا ليعيشوا حياتهم بفرح ..يلتقون بعضهم ..يلعبون ..يضحكون..ثم يذهبوا إلى فراشهم ليحلموا بيوم آخر سعيد.
ثم تابعت: هل تريد ان تخبرني عن حياتك الأخرى؟هل تريد ان تقول بأنك قد غادرت هذا العالم..كبرت..درست في إحدى الجامعات ..تخرجت فيها..تزوجت ..عملت..لديك أطفال..واجهتك مصاعب....مات أحد ما..نجحت..جمعت أموالاً...سافرت...مرضت..
هل تريد ان تقول انك عشت كل هذا؟
ربما!!
ولكنك الآن هنا..عليك ان تعيش هنا.
نظرت الى المكان من جديد..فيما تركتني للحظات وعادت تحمل معها قطعا من الحلوى وبعض العصائر. فتحت يديها امامي لاختار ما أشاء.
مددت يدي فكأنها تمتد في فراغ..حاولت ان أمدها أكثر فاتسع الفراغ أكثر..كان وجهها الجميل قد بدأ يتلاشى ..وتختفي معالمه سوى اسنان براقة ناصعة...كانت نورا لا نهائيا ينحدر من ظلمة بعيدة.


******
احسست بعدها بالشبع والرضا...امتدت يدها لتمسح أطراف فمي وشفتي بمنديل ناعم ..ثم سحبت مني ما تبقى لترمي به في وعاء مخصص للفضلات..
عادت لتجلس أمامي..كانت تنظر وتبتسم فقط..لم تقل شيئاً ..فيما كنت أنظر إليها و أتساءل في سري عما يجري هنا؟..كيف لها ان تختفي وتظهر هكذا فجأة؟..دون ان اتبين فواصل الرواح والمجيء كأنها تختفي في فراغ وتخرج من فراغ اخر..أراها كلما احتجت اليها.
ابقيت عيني محدقتان فيها وهي تحاول ان تلمس أجزاء من كفي وتمسح عليها ..شعرت بضبابية ..وألم في عيني..كادت من خلالها ان تتلاشى الابتسامة مرة أخرى خلف حاجز من غواش..ثم احسست بيدها تمسح نهرا دافئا صغيرا كان ينساب على وجنتي دون ان اطبق جفوني..
أخذتني من يدي ..دارت بي في ارجاء المكان..كأنها تستطلعه لي وتستعرضه أمامي..قالت وهي تشد على يدي بدفء حميم :
هل تحب أن تلعب؟ او ان اقرأ لك كتابا يعجبك؟
بقيت صامتا لكني كنت أشد على يدها بقوة ..كنت أخشى أن تختفي حين تلبي لي طلبا احمقا آخر.
بقينا ندور في أرجاء الغرفة ، والتي كانت تتسع لنا حيث اتجهنا.بقينا لفترة من الزمن.
قالت:
حين تغادر هذا المكان . أريد منك شيئاً واحداً. ثم سكتت لبرهة ولما وصلنا إلى الشجرة وقفت امامي..وتركت لبحيرتي عيناها أن تغوص إلى داخلي:
ارجو ان تنسى الألم...حاول أن تنسى كل الم فيك.
فتحت الباب..وتركتني اغادر وحيداً.
افكر في امر واحد..كيف عرفت؟ كيف عرفت بالألم؟ كيف عرفت انه يستوطنني منذ زمن غابر؟!


******

كانت هاريت في الممر الذي تقع فيه غرفة الحديقة. تنتظرني بابتسامتها..أخذت بيدي..وسألت:
أاعجبك المكان؟
( رائع..المكان رائع. ولكني..)
اشارت بيدها ان لا اتعجل..
كنت اريد ان اعرف اذا ما كانت لديها أخت تدعى ماريت؟!
أوقفتني امام باب آخر..وقالت: تفضل هنا الآن.
فدخلت.
لا اصدق..لا اصدق ما تراه عيناي..عالم أبيض لا لون آخر يصطف الى جانبه او يمتزج فيه أو يتداخل معه.
الأبيض ليس لونا ..هو مزيج الالوان كلها. فكيف يبدو لنا بهذا النقاء؟
كأنني في عالم اخر..أطوف مع الغيوم..افترش القطن والثلج وريش الحمام، وأغوص في الحليب ..عالم تتناثر فيه الأشياء على شكل حبيبات من السكر والملح والكلس .أو كأنني ملقى من السماء فسقطت في شعر أشيب..
أنا الآن في لغز محير جديد..من أين جاءت هذه الأفكار؟
لم انا هنا؟ احاول ان اناقش سرا الهدف الذي من أجله تقام مثل هذه الغرف..
أثاث الغرفة كله ابيض..سرير مزدوج بوسائد من ريش ابيض..ستائر شفافة تنزلت من السقف حتى الأرض مرتبة بشكل فني جميل وأنيق ..وسائد على الأرض بأشكال وأحجام مختلفة. قطعة لفرو دب أبيض هناك قريبا من المرآة ذات الإطار، الإطار الأبيض أيضاً..طاولة وضع عليها صندوق خشبي بنقوش بارزة مغطى بشرشف من الدانتيل الأبيض..في الزاوية هناك أنواع مختلفة من ورد الياسمين والاقحوان والقرنفل والنرجس..تبث عطرها في المكان وخلفها تتعرش على الجدار وردة القمر الاستوائية تتدلى ابواقها برائحة زكية.
ماذا يعني ان اكون هنا؟
جاءني صوت هامس..التفت فإذا بامرأة بيضاء لا ادري هل كانت هنا وانا اتفحص الغرفة ؟ هل ضاعت مني وسط هذا الزحام الأبيض..أم أنها خرجت للتو من بحيرة دافئة؟.
من أين جاء هذا الوجه الملائكي؟ كيف اكتسى بهذا النقاء والصفاء ..وقد اضفي عليها طوقا موردا هالة ساحرة..
كانت تقف حافية إلى جانب المرآة وقد انغمست قدميها في فرو الدب. تجمع يديها الى وسطها مطرقة بحياء.
همست من جديد..تعال..ثم لم تنتظر طويلاً تقدمت الي واخذت بيدي اجلستني على السرير..ثم جلست إلى الأرض..أخذت وجهها بيدي ورفعته..لم اعرف جمالا اخاذا كهذا طوال حياتي..
قالت: تبدو متعبا..هل تريد ان تنام قليلاً..رفعت قدمي ووضعتهما برفق على السرير ثم جلست إلى جانبي..تمسح باصابع من بلور قطرات من العرق تفصصت على جبيني.
قالت لا تفكر بشئ..فقط حاول الاسترخاء..
لم استطع ان امنع نفسي من النظر إليها فغابت الأشياء التي حولي كلها..أحسست برغبة قوية الى ان اغمض عيني.
شعرت بالنعاس..فأبقيت عيناي مغمضتان وقد تعلق في سقف كل جفن منهما نسخة من وجهها.
سألتها: اين انا؟ وما هذا الذي اراه هنا؟
وضعت اصبعها على شفتي.قالت بصوت خفيض: لا يجوز لك السؤال ولكن اذا اردت شيئا.ثم سكتت.فتحت عيني بصعوبة
فتابعت ... اي شئ..ثم تلاشت كلها دفعة واحدة إلا عطرها.

*****
هل مضى الزمن؟
ساكذب واقول..نعم مضى..فلا بد له من ذلك..
أو سأكذب لأقول..كلا لم يمض..المكان هنا خارج قوانين الزمان..
انا صادق في الحالتين..ولكن ما ينفع صدق المرء وهو عاجز عن وصف الحقيقة.
صبت فوق رأسي ماءا فاترا بيد ودلكتني بأخرى، ثم لفتني بمنشفة بيضاء معطرة ..أخذت يدي واعادتني الى السرير.
من أين جاءت هذه المرة؟
تعلمت ان اكف عن السؤال.
بقينا جالسين معا..ننظر لبعض نظرات يصعب فهمها، كأننا نعرف بعضنا منذ زمن ..وكأننا نلتقي الآن للمرة الأولى..
اخذت يدي اليمنى..بسطتها وقربتها اليها..تفرست في خطوطها..كأنها تبحث عن شئ اضاعته..أو لربما كانت تريد ان تقول شيئاً..وفضلت ان تستجمع ما يليق من الخواطر التي ستراها في كفي..
انتظرت أن تقول ما تقرأ..غير انها لم تقل سوى كلمة واحدة..
( ألم..ألم كثير..ولكن .. هناك امل).
ثم مررت اصبعها بخفة فوق الخطوط كأنها تسير فوقها.
قربت يدي..ظننت انها تهم بتقبيلها..فطرق الباب طرقا خفيفا..
انه صوت أخت هاروت. يأتي من خلف الباب..وهي تنادي: الغرفة التالية..
نهضت دون وعي ..اردت التوجه نحو الباب..فابتسمت مضيفتي قائلة من هنا..اعبر من هنا..
كان هناك باب آخر يفضي الى مكان مجهول آخر..
شيعتني إليه..وقبل ان ادخل التفت إليها فلم ار شيئاً
سوى نقطة حمراء كانت في وسط احد ابواق وردة القمر..نقطة صغيرة..لكنها بدت لي واضحة..واضحة جدا وسط العتمة المضيئة.


****
ساضحك..سأضحك عالياً..ملء شدقي..ارجوكم دعوني اضحك هذه المرة..ارجو منك أيا من تكون ..وتسمع جلجلة ضحكتي ان تصبر حتى انهي دهشتي بما أرى.
غرفة معيشة كاملة الأثاث. لا، ربما هي مكتب خاص او ربما مقر شركة. إنها تبدو كل شئ.
هناك على طاولة أنيقة تجلس امرأة جادة الملامح.تلبس بدلة زرقاء وقميص ابيض..تشد حول رقبتها شريطا بألوان ثلاثة ابيض وازرق واحمر..تكاد الحمرة تتناسب ولون شفاهها.
رفعت نظارتها ..اقتربت بخطوات هادئة واثقة. قالت بصوت واضح وحاد ..وجاد:
تفضل يا سيدي ..مدت يدها باوراق داخل ملف اصفر ..
اخذته وانا لست معنيا به. كنت احاول ان اجمع العوالم الثلاثة التي مررت بها ..هل انا في تجربة ما؟ هل وصلت الى مرحلة اخرى كتلك التي نقطعها في الحياة.
ألم تقل لي المرأة التي قابلتها في الغرفة الأولى بأنني ساعيش طفولة دائمة..والأخرى التي قالت أنت في دعة مطلقة وحب دائم او هكذا أوحت إلي.
هل علي ان اقوم بدور آخر هنا؟
اشارت المرأة إلي أن أجلس فجلست على أريكة وثيرة ..صارت تتحدث عن اشياء لم أفهمها ..تنظر الي من فوق وتجهد في بيان ما تريد ايصاله. ابتعدت قليلاً ووقفت هناك على مقربة من شاشة كبيرة تغطي الحائط المقابل ..ربما لم تكن سوى حائط أبيض ظننتها شاشة عرض..تقع إلى جانبها طاولة عليها جهاز ..كأنه يستقبل ويرسل اشارات ما.
عادت الي ووضعت بيدي جهاز تحكم قالت وهي تضع خلف راسي وسادة..وراحت تعني بأن تكون في وضع يريح رقبتي..
قالت: يمكنك التحكم بما تريد ان تشاهد وتسمع ..هناك عشرة اختيارات..جربها أولاً جميعاً ثم اختر ما تراه مناسبا لك..كانت تؤشر على الأزرار الموجودة بين يدي ثم ضغطت على الزر رقم واحد..فتغير العالم الذي حولي وانسابت موسيقى من جانب قريب ..يمكنك أن تبدأ الآن..بقي صوت حرف النون عالقا باذني وهو آخر ما تبقى لها من أثر.
ستضحك أنت الآن. كما ضحكت انا عند دخولي المكان.
كلنا يعلم ان بعض الاستجابات قد لا تعطي الإنطباع الظاهر دائماً..انت تضحك وتعرف سبب ما كان يجري معي. وتشعر كما أشعر بمرارة الخيبة..خيبة مثل ثقب يمتد في عمقك ..يمتد ويتسع ..فليس أشد على المرء أن يكون فأرا في تجربة.
وليس أشد أن يدرك هذا ولا يستطيع ان يفلت مما يجري عليه.أو يحاول ..مجرد محاولة إفشالها أو إعطاء نتائج زائفة.
يبدو أن المرأة لم تزل هنا في مكان ما. انها تقدم لي ورقة وقلم .
اكتب ماتشاء. بعد ان تختار الأجواء التي تحب أن تكون فيها..اكتب ماتشاء..ولكن لا تجعل الأفكار المسبقة والهواجس السلبية تسيطر عليك..لست فأر تجارب أبدا.
ضغطت رقم 2 فتغير كل شئ..وعلت موسيقى صاخبة بعض الشيء..ثم 3و4 حتى آخر الإختيارات.
صورة شلالات ماء..وصوت الماء وهو ينساب داخلي.
صورة لمدينة من الأعلى..تقترب شيئا فشيئاً..تتضح معالمها والتفاصيل متسقة مع أصوات حركة الناس في شارع مزدحم..المدينة الآن في داخلي..كلها في داخلي.
رقم 5 كان مختلفا بعض الشيء..انها دوائر بقياسات مختلفة تتغير وفقا لموسيقى هادئة..اعرفها.
6 اشكال زهور والوان ، طيور وحشرات..تنافس محموم للبقاء..
7 8 9
كل ما يخطر ببالك وما لم يخطر ..احسست ان العالم كل العالم يتكور بين يدي.
10 هي الصورة والصوت ذاتها التي رأيتها في رقم 1..الالوان تختلف حدتها..والموسيقى تعزف بوتيرة أبطأ.
ضغطت رقم 5.ورحت هناك..
الغيوم سلمات من حجر ابيض واسود..ادوس فتنساب ضربات البيانو من اسفل..تنتشر مع كل نبضة ..تصعد بي..تعبر إلى رأسي..رأسي سديم لا متناه ..يفيض بمجرات من التيه..تلمع فيه نجوم من الأسئلة..تولد..وتنطفئ بلا إجابات..لتولد أخرى..وأنا انتقل من عالم الى اخر مثل ضوء ..ضوء بألوان وأشكال متناغمة..لكل لون صورة ..تهتز وتتموج ..كنت أرى ذلك بوضوح ..الا أنها جميعاً كانت بهيئة دوائر..تكبر وتصغر..تنمو وتتلاشى..تتداخل وتنفصل ..تبيض وتسود..تتجه الى طرف بعيد ..وكأنها في رحلة سرمدية..
أخذت القلم ورحت اكتب..
فقاعات..العالم فقاعات..أغشية رقيقة مملؤة بالهواء..قد تنفجر في أية لحظة..تتناثر اشلائها في الجوار..تشكل فقاعات أصغر لعوالم ادق ..مملوءة ببعض الهواء وقد تنفجر هي الأخرى..
في مسيرة ما قد تنقلب الأشلاء الى شخوص واشياء حية ..مملوءة هي الأخرى بجزيئات من الهواء..
كنت أراني هناك..واحدة منها..تجاهد في ان تصل إلى وجهة ما..تظن انها قريبة من حافة ما..وأنها على بعد خطوات من الإمساك بتلك الحافة...اختفى وسط الجموع..ادور...اكبر واصغر..تزداد أعداد الجزيئات..فاشعر بالامتلاء والزهو..واعرف انني في أول زمن الانفجار الذي اتشظى بعده..اتشظى لأكون دوائر اخرى، ويبقى الضوء..
ضوء القمر..نعم انها موسيقى ضوء القمر..
ضغطت زر الإغلاق..وهي تقول كفى..يكفي هذا اليوم.
انت متعب ...
اعرف ذلك..ولكن عليك أن تغادر المكان حالا.

*****
انا متعب..ولكني اشعر بالرضا. رضا خفي جاس في داخلي مذ قالت لي تلك المرأة..( ان هناك امل).
ما ان خرجت من باب حتى دخلت باباً اخرى ..الفاصل بينهما وجه هاريت. وعجبت حتى ظننت كانها ليست هي..فقد بدت أكبر مما تركتها..صرت اتمنى لو اجد مرآة لانظر فيها وجهي..لم اكن قادراً على تمييز حركة الزمن ولا فواصله.
بقيت انظر في تفاصيل وجهها.. فجاءني صوتها وقد بدا قاسياً هذه المرة..
( تفضل ..اخلع معطفك وأدخل..)
ثم تابعت وانا انفذ ما تطلب.
( سأكون مرافقتك هنا..)
لم اعد اسمع شيئاً بعد أن ابتلعتني عتمة مباغتة..كأنني قد انتقلت في جوف كائن أسود..بقيت واقفاً..انتظر دليلاً ما يرشدني ويبعد عني مخاوف كثيرة..أحاطت بي من كل الجهات.
جاءني الصوت من وسط العتمة الباردة ..انتظر قليلاً ريثما يتكشف لك المكان..خلف الصوت كان صوت بوق خافت يعصف من بعيد..احس كأنه يقترب
انتظرت وانا احدث نفسي..
( هذه نهاية الرحلة..نهايتي..انه الموت..يالها من تجربة قاسية ومريرة..لكنها مثيرة على كل حال).
شيئاً فشيئاً صرت ارى بعض الاشياء ولكن بصعوبة..كان أمامي سرير ..سرير مغطى بشراشف سوداء ..شديدة السواد كأنه صندوق من مادة معتمة..وإلى جانب غير بعيد..كانت هناك شجرة بدا كأنها أطفئت للتو من نار إصابتها قبل أن تصبح رمادا تذروه الرياح...تقدمت نحوها كي اشعر بالدفء المخبأ فيها لكنها كانت باردة.مددت يدي كي أتلمسها فشعرت بلفافات من مادة سوداء قد سويت ولفت حول الساق بعناية وكل الأغصان الممتدة منها. كانت أطرافها مثل ابر من رماد متناثر..
كان عليها غرابين مطرقين بلا حراك.
ضرب صوت كالبرق ..فاهتز المكان كله ثم سكن في صمت مرعب. بقيت في داخلي هزة ترجني..كنت أخشى أن يتكرر القصف مرة أخرى.
اخذتني يد من الظلمة..طافت بي أرجاء المكان..باقات من الورد..قالت: هل رأيت من قبل وردا أسود؟
لم تنتظر فتابعت هذه وردة السحر الأسود..إنها وردة الامل الباقي..انها رمز الحب اللانهائي العميق..
اخذتني الى جهة اخرى..
( وهذه وردة البكارا ..)
سحرني لونها..سوداء ولكن كلما دققت النظر فيها بدت حمراء غامقة .
قالت ..إنه عالم الغموض..
كان هناك كرسيين وطاولة ..جلسنا وانا في ذهول مما أرى حولي..متسائلاً بحرقة من يفوته الجواب..
لم كل هذا؟
قالت: اسأل، اذا كنت تريد أن تعرف شيئاً..إسأل.
- كم من الوقت مضى وأنا في هذه الجولة؟
- خمن؟
- عشرون عاماً..ثلاثون..
ضحكت ثم سألت: لم تظن ذلك؟
- انت.!
- انا؟!
- حقيقة أنا مضطرب. ليس لي قدرة تقدير ما يجري حولي. ولكن عندما رأيتك ونحن ندخل هذا المكان..كانت ملامحك قد تغيرت..لقد كنت أكثر شبابا ونضارة..
ضحكت ..ثم علا صوتها بالضحك..لم يكن أمامي سوى جوف يطلق ضحكة. انتابني شعور بالخوف. تخيلت كأن جوف هذه العتمة سيلفضني عبر ضحكتها الى جحيم اخر.
قالت ومن تظنني؟ هاريت؟!
قلت مستفهما: ومن تكوني إذن؟
- لا ياعزيزي..انا لست هي..انا اختها..اختها ماريت.
كدت أسقط من الكرسي. فتماسكت حين خطر لي أنها تمزح.
جاءني صوتها بجدية واضحة.
انا ماريت ..مهمتي ان ارافقك في هذا المكان..اختيارك الرقم 5 اوصلك هنا..انت طيب ورومانسي..انه الموقع الأخير الذي عليك أن تكون فيه.
- عندي اسئلة كثيرة أخرى..
اخذتني الى السرير..وقالت:
نم وأسأل ما تشاء.
صعدت السرير بمشقة كان عاليا وصلبا..تمددت وانا لا ارى سوى ظلمة ممتدة امامي الى ظلمة أخرى..وأخرى ابعد..ثم بدأ صوت البوق يحشرج قريبا مني..ويعلو شيئا فشيئاً..يرافقه قرع طبل ضخم ..كان الصوت يأتيني من داخل السرير ويتسرب الى جسدي..كنت اشعر بالاهتزاز عند كل ضربة..ضربات متعاقبة خافتة لا تلبث ان تبطئ وتعلو..والبوق يعوي خلفها كأنه يؤذن بسفر طويل. خفقت حولي أجنحة سوداء ..كانت تطوف في أرجاء المكان ثم استقرت لتقف عند راسي..و بضربة سريعة مباغتة من منقاري الغرابيين..احسست اقتلاع كرتي عيني من محجريهما.
حاولت ان ادفعهما عني ولكن لم تكن لدي يدان..اردت النهوض فتساقطت اشياء مني إلى الأرض..كأنها اصوات عظام منخورة..كنت مثل بيت خاوي ينهار مرة واحدة الى قاع. قاع سحيق لا آخر له.لم يبق مني سوى كتلتان ترتعشان معلقتان في الفراغ.
كان رعبا حقيقيا يطوف حولي. كنت اتسأل متى ينتهي هذا العذاب؟ تمنيت لو يحدث كل شئ دفعة واحدة. هل هذه نهاية الرومانسية؟ هل هذا قدر الطيبين؟
- ماريت ..انا خائف..
-حرر ذاتك من الخوف..تخلص من كل البقع السوداء التي تحط بك أو تحيطك..تخلص من القلق ..انت تقترب من النور اللانهائي.
ثم صار يأتيني صوتها من كل الإتجاهات..ويتكرر على ايقاع الطبل المدوي في رأسي. والبوق المنحشر في قلبي.
اسأل ما تشاء
اسأل ما تشاء
اسأل ما تشاء..
صرخت ساسال..ولكن كفى.فعم الصمت كله في المكان.
من أنا؟
لم تفعلون بي هذا؟
ما الذي تريدونه مني؟
حسناً..اذا كان هذا آخر ما تريد..فاسمع.
انت وليد نتيجة ممارسة خاطئة كما يبدو..تخلى عنك والديك..تم إحالة ملفك الى البلدية.قررت الهيئة المختصة بمصائر حديثي الولادة ان تنقل الى مركز الحياة الإفتراضية..البروفيسورة هاريت هي المسؤولة عن تنفيذ الحكم.
- حكم!!ماهو الذنب الذي اقترفته؟
- انه نوع من القتل الرحيم..نجعلك من خلال هذا البرنامج ان تشعر وكأنك قد عشت حياة سابقة..ثم يتم اشباع الغرائز بربط وعيك ببرنامج خاص يتيح لك التعامل مع أشخاص غير حقيقيين..يمنحونك الرعاية اللازمة ويسدون الحاجات الأساسية لك..
وتكون بذلك قد عشت عمرك كله ولكن خلال ساعة واحدة.
اقترب الصوت من رأسي كأنه يحيطني ..طار الغرابان بعيداً..
أحسست بصداع مباغت ..كأنه شريط طويل يلفني لقد كنت ملفوفا بشيء من الخيبة..إذ لم يمهلني الوقت لاقول شيئاً مهما عن حياتي السابقة.
امتد الألم الخفي ليعتصر قلبي..
قلبي الذي توقف إلى الأبد..ليسقط على شعاع ابيض.


_________

* اوركليونغا Orkelljunga مدينة صغيرة في جنوب السويد ( لاتتجاوز 10 الف نسمة).






 

 

إحسان عبدالكريم عناد


التعليقات




5000