.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
.
عبدالجبارنوري
د.عبد الجبار العبيدي

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


بطل من التاريخ..

إحسان عبدالكريم عناد

أنا لست بطل هذه القصة..البطل شخص آخر غيري.
إنه كائن يسكن داخلي. يتنفس ويحلم. يزاول أحياناً كتابة الشعر. كائن بائس يائس رغم تمرده ..( لا اقصد من هذه الكلمة عنف ما، له فعل سلوكي واضح). بل إن له خصوصية تميزه. فتمرده كان من النوع الذي يحيل الأحلام إلى تطلع يعيشه وحده. هذا كل مافي الأمر وهو يكفي لجعله متمردا على كل واقع ومتكيفا معه في الوقت نفسه. إنه كائن يستمد بؤسه من مفهوم اكتشفه أخيراً. كان يعيش معه لسنوات طوال. لم يكن يعرف كيف له ان يحدده بمصطلح أو يحيطه بتعريف..في عمليات البحث المستمرة داخل مايسمى ذاته المتفردة كان يدرك انه يتعذر عليه ان يكون مبهورا بشئ..يظن الآخرون إنها صفة أصلها البلادة ..فيما كان يشعر في قرارة نفسه ان اصل كل ما يعانيه هو اللامبالاة. أما اليأس فهو نتيجة حتمية لعدم قدرته على التغيير.
كانت له قدرة ان يستنطق المظهر الخفي ليكشف الباطن..لذا فأنا اتبعه دون تردد حين استشعر حاجتي في البحث عن حقيقة..او اجابة سؤال عصي. وطالما أعانني على حل ما أعجز عنه من المعضلات!.
لكنه يبدو على غير ما اكون انا.
هل كان بلا هدف؟ أو اسأل  هل كان بلا سعي نحو هدف ما؟ هل كان سعيه من غير اكتراث لعواقب ماينتجه ذلك السعي؟ هل كان مهتماً بما ستؤول اليه النتائج؟ هل كان سيفرح أخيراً ؟
لو سألته عن الفرح لقال انه امر ما سطحي ..فقاعة عائمة ..لا جذور لها..ولاثبت لك بما لايقبل الشك كم هو عميق ..عميق ذلك الحزن..الذي يستمد حيوية بقائه وضرورة ديمومته من جذروه الممتدة في كل مكان..كل مكان يأوي إليه..حيث الألم. الألم الذي إن لم يكن ظاهراً في الوجوه ومعبرا عنه بالكلمات حين ينفث صاحب الألم نجواه..فانك لابد واجده في مكان ما خفي.أو مخبئ او مستتر بابتسامات تولد مشوهة وتنتهي على عجل لمجرد زوال العامل الاجتماعي الذي كان سببا لها.
( الحزن ليس عميقا وحسب بل محيط. كما البحر الذي يحيط اليابسة من كل جهة). يكرر هذا وهو يبتسم في طريقه إلى البيت كل ليلة.

2.

أنا أستاذ جامعي ..اعد محاضراتي وفق المنهج المعد سلفا من قبل اللجنة التدريسية التي أنا عضو فاعل فيها. تزوجت بعد الثلاثين بسنوات. وبعد إنهاء دراستي للدكتوراة في التأريخ. وبعد تجارب وخيارات كثيرة.
وقبل ان اعرف الى اين يمكن ان ينتهي هذا الطريق.
لدي ولدين وبيت لا زلت اسدد اقساطه. مؤثث بما يكفي بيتين وحاجات تسد حاجة عائلتين. في العطلات نسافر اقصد انا وعائلتي الى منتجع ما أو زيارة أقارب لنا في دول اخرى. يحب الناس أن يغيروا الاجواء التي اعتادوا التنقل خلالها ايام عيشهم 
واعتادوا كذلك على المسارات المحددة والمواقيت المحددة والوجوه المحددة..

أصل مبكراً إلى الجامعة. احجز مكانا مميزا لسيارتي. أخذ حقيبتي الجلدية الثقيلة..ثم اختفي في أروقة وممرات وغرف تلك البناية التي استهلكت سني عمري.
كنت طالبا متميزاً..دفعني اساتذتي لاكمال دراستي لأحصل على وظيفة بينهم. كانوا يرون في خليفة مناسباً حين يتركوا هم المكان..سافرت لكني عدت لأكون ليس كما أرادوا أن أكون.
كان علي فقط أن اتعلم كيف أتقن الدور الجديد الذي يناسبني. لا اقصد يناسب شخصي. بل يناسب المكان الذي أضفى على هذه الصفة. تحولت إلى كائن لاهم له سوى ان ينكب على نبش التاريخ ..باحثا فيه عن الأبطال الذين صنعوه. كنت اشكرهم في سري. فهم اسباب ما أنا عليه الآن من ترف ..ومن بؤس أيضاً.
في أول محاضرة ..وبعد تعارف مختصر تعريف بالمنهج الدراسي. التفت إلى السبورة وأكتب سؤالا كما اعتدت ان افعل ذلك بداية كل عام.
ماهو التاريخ؟
اتابع قائلاً..اريد جوابا مختصرا.
اعبر صفوف الطلبة الذين يحاولون البحث عن رد مناسب.اعبرهم دون أن أمنح أيا منهم فرصة الإجابة.
اجلس على مقعد فارغ آخر القاعة ثم اطلب منهم جميعاً أن يتناوبوا بتعريف مفهوم التأريخ
حسب ترتيب جلوسهم.
الكثير من الأفكار التي تتزاحم الكلمات لاخراجها. ولكن
لا أحد منهم استطاع ان يجيب كما فعلت انا قبل اكثر من عشرين عاماً حين سأل الأستاذ عن رأينا بهذا المفهوم،
فأجبت :
التأريخ هو اليوم..غدا
هو نحن..غدا
التاريخ هو كل ما يحدث الآن.ويختفي ثم نعيده بعد حين.
انني انتظر منذ سنوات..متى ساختفي بعد يوم كهذا ؟

3.

كلما اعيد تعريفي بذلك البطل والذي ليس أنا بالتأكيد ..يستوقفني أمر أن أضيف الى دلالة ما يجعله حيا أمر آخر. فهو يتنفس ويحلم. ولكن لم كان مصرا على كتابة الشعر؟.
هل هي طريقته الفذة في التعبير عن ذلك الألم الدفين؟.
هو رجل آخر ..كان قد قرر الهجرة بعد أن فقد ما يملك. فقد بلا مبالاة كما اعتاد مع كل فقد. سافر ليجد في البلاد الغريبة ملاذا آمنا.. فهناك وجد الفضاء الذي يكون فيه حرا..
ليس حرا من المكان وحده. بل مما يعلق في المكان. من احاسيس تبعث على الانطواء والتآكل.
لكنه عاد.
عاد ليجلس الى مكتبه كل ليلة..أو هكذا يحلم به. فهو ليس سوى كرسي وطاولة..يكدس عليها الكتب التي قرأها وأعاد قراءتها. بعد ان يكشف له نص ما عن رؤية أخرى كان قد غفل عنها في قراءة سابقة..يدونها على دفتر شخصي. يحب احيانا ان يموسق هذه الرؤية. فتبدو كأنها شعر...هو لايسميه شعر.
قبل ان يغفو يستمع إلى نشرة الأخبار ..لاشئ جديد ولا رؤية اخرى ..لاشئ يستحق حفظه إذا خانته الذاكرة كل شئ يتكرر برتابة قاتلة. يعني لا خوف من غياب لايستحق ان تخزنه الذاكرة.
في الصباح أقرأ ما كتبه قبل أن يغفو..

في حياة يتكالب الناس فيها على الحياة...فقتل ويقتل وسيقتل بعضهم بعضاً. ..وكأن الارض كل الارض لا تتسع..
يجدر بنا أن نعيد النظر ..و نعيد الى الاذهان..ونعيد الحديث مرة بعد مرة. ..عما ستؤول إليه عواقب ما نفعل..
فلقد امعنت فما وجدت ما نبغي سوى البغي

قف 
ولا تخطو على اعتاب ماتبغي
وانظر لينكشف الحجاب
قف 
ولا تخطو
لانك عابر...
والعابرون قد مروا
كما مر السحاب
واضمم يمينك بالمنى
وحملها بما يروي
واحذر مخادعة  السراب
واستسقها لما يجف بك الوريد
ويقال إقرأ. .ذا الكتاب
قف اني رايتك ميت
والميتون إلى اياب
فإذا بحثت عن الحياة
ابحث بنفسك عن جواب
هل واجد معنى هنا؟
وكل ماتبني خراب!
هل مدرك جل الحقيقة؟
ام وهم  وأحلام كذاب!
هل قادر ان ترتقي؟
هل نائل ماترتجي؟
ام يغلق دونك الف باب
قف وانظر إلى من نهج الضغينة والحراب
فمعذب ومعذب ..
وكليهما ذاق العذاب. .

4.

حين أجبت على سؤال أستاذ التاريخ قبل ربع قرن.
رفع نظارته بيد واتكأ على طاولته باليد الأخرى.
نظر إلي كما لو انه اكتشف للتو شيئاً عظيماً. قال
هذه الاجابة تنطوي على إجابة سؤال آخر كنت قد أعددته لهذه المحاضرة.
من منكم الآن يعطيني ذلك السؤال؟
كانت طريقته تنم عن ذكاء في أداء دوره كموجه لطلاب ينوون الحصول على شهادة عليا.
من خلال هذا الأداء كان يستطيع ان يجمع شتات الافكار التي يتقاسمها الطلاب..وليس شرطا ان تكون كلها منصبة في الهدف الذي وجدوا من أجله داخل تلك القاعة.
أن تعطي جوابا لتبحث عن سؤاله كانت فكرة ملفته.
اعجبتني حينها فكرة التناسل التي تولد أضدادها في متوالية غير نهائية.
ساد الصمت لبرهة..حاول خلالها أن يحث الاجابة فينا 
فتابع..كل من يتغافل العلاقة الوثيقة بين التاريخ والمستقبل فهو إما واهم أو جاهل بحقيقة الامور.
توقف قليلاً ثم سأل.
من يصنع التاريخ؟
الأشخاص؟ ام الأحداث؟ ام الظرف الذي وجدوا فيه فكان محركا لهم ؟
ليس عليكم أن تجيبوا الآن..سانتظر اجاباتكم في المحاضرة القادمة. لا أقل من مئتي كلمة.
قال كلمته وهو يلملم أوراقه لينصرف مشيراً قبل أن يغادر القاعة ان نطلع على الفصل الأول من كتاب المنهج..معنى التاريخ؟
كان ذلك اخر ما قاله لنا..فقد توفي في حادث مؤسف.
تاركا لنا تاريخه تحت رحمة أستاذ جديد. لا أستطيع أن أذكر منه شيئاً حتى اسمه.
بقي هذا الرجل لغزا يحيرني
تاركا لي سؤال عصيا 
كيف يصنع الإنسان تاريخه الخاص؟

5.

كتبت حينها.
التاريخ لا يهتم بمعنى القيمة..بل يهتم بكمها. ليس معنيا بالفضائل ولا القيم العليا وحدها. انه يستعرض جميع الذين جهدوا في قيمة ما وإن كانت تعد رذيلة.
فالمخلصون حد الموت كما المتهمين بالخيانة العظمى.
والشجعان في الميدان كما الهاربون منه.
الصادقون جداً والكرماء وعفيفي النفوس و المؤثرين على أنفسهم سواء بسواء مع اضدادهم.
الجميع له صفحة خاصة في التاريخ.ولهم ذكرى.ولهم قصص تروى وامثلة تضرب وعبر لمن يأتي بعدهم.اريد ان ابحث في معظم الأشخاص الذين خلدهم التاريخ. وانظر في قصدية هذا الفعل. ( فعل الخلود) . من الذي له حق الدفع بهذا الشخص دون الآخرين الذين شاركوهم الحياة ليكون شخصاً تاريخياً؟
اين الهامشيون في التاريخ والمنسيون والذين جاءوا بصمت ورحلوا بصمت؟
في شوارع المدن كنت انظر في وجوه العابرين. اريد ان اجد مكامن ما يفترض لو أتيحت الفرصة لكانوا من التاريخيين.( اقصد من الذين سيخلدهم التاريخ).
لم هم يسيرون كل يوم كما اعتادوا. جيئة وذهابا.يؤدون أدوارهم ثم ينتهون مثل اي شجرة في طريق او قط او حشرة عبرت المكان إلى سواه في لحظة من الزمن.
هل هم مقتنعون بما قدموا خلال حيواتهم؟ هل هم راضون بما حصلوا عليه من هبات الحياة العظيمة؟ كم منهم جرب أن ينفذ من القطيع وحاول ان يعتلي منصة المجد.. أي مجد؟.
انا ابحث عن أولئك المنسيين. عن اللامبالون عن الذين اشترك معهم في هذه الصفة.
إذا كان علينا أن نبحث عن صناع التاريخ فالجواب هو
الإنسان بقيمه العليا. اما اولئك الذين نقرأ عنهم ليسوا سوى مشاهير أو أصحاب حظ.
هل يمكن أن نتجاوز التاريخ؟
ساجيب:
ان للتاريخ دوي عظيم وقرقعة..لا يمكن لأحد أن يتجاهلها.
انها تنفذ الى اعماقنا وتوجه سلوكنا وان صممنا على أن نصم أذاننا.
كلنا يجهد في صنع حاضر بهي. هذا لكي يكسب تاريخا ناصعا.

6.

في الأمسيات يستقل الحافلة..يتجول في المدينة ثم يختار مكانا ليقف. هناك الى جانب الرصيف المحاذي لمحطة الباص. يضع امامه قدحا فارغاً..منتظرا أن يملأه العابرون بما يكفي من النقد ( لسداد أجرة الغرفة التي يقيم فيها وبعض الطعام.او هكذا يحسب الأمر. ويوهم نفسه)
هناك متسول آخر على الرصيف المقابل..يراقبه بعينين غارقتين في ألم دفين.
تحتدم رغبة الوقوف الى جانبه وبدأ الحديث.
كان يفكر في دور هذا الرجل في الحياة. وما يمكن أن يقدمه للآخرين من خدمة. وهل حقاً ان كل شخص له قدرة تغيير القوانين التي تحرك الناس نحو غاياتهم؟ 
قبل أن يحل الغروب..كان الآخر يلملم حاجياته .يعبر نحوه بخطوات بطيئة. ونظرات لا تحيد عنه
انتابه خوف خفي فقال في سره:
انا ازاحمه المكان واقاسمه ما يمنح الناس من عطاء.
دنا منه ثم توقف..رسم ابتسامة لا تتعدى تغير ملامحه. قال..
في الحقيقة ..المكان لا يتسع لشخصين مثلنا.ولكن 
نحن بحاجة إلى أشخاص آخرين. اثنان لا يكفي هذه المدينة البائسة.
ثم استدار ليختفي في الزحام.

7.

لقد استهلكت وقتا طويلاً وانا اتفحص تفاصيل وجه الرجل الآخر.حتى منعني من التفكير في الرد.أي رد حتى لو كان استفهاما عما قال.
لم أنم تلك الليلة. ولن. حتى اجد فهما يليق بمعنى ما أراد أن يقوله ..
كنت أحاول أن أفكك عبارته.
نحن..من نحن؟
بحاجة..ماضرورة هذه الحاجة؟
إلى أشخاص..من هم الأشخاص الذين عناهم؟
ثم أخيراً ..
نحن الإثنان لا نكفي هذه المدينة البائسة؟
المدينة البائسة؟!
المدينة التي كانت تعاني قبل عشرين عاماً أو أكثر ..لم تعد بائسة كما يحاول أن يصورها لي ذلك الرجل.
لقد تغيرت معالمها وازدانت بثراء فاحش هبط عليها بعد ان تغيرت أحوالها..
كان الليل قد انتصف وانا لا اجد تفسيرا مقنعا لجملة الرجل.
في اليوم التالي، قررت دعوته لتناول العشاء في أحد المطاعم.
كنا نخطف الاضواء ونحن نعبر..رجلين بهيئتين مختلفتين بل متناقضتين..انا ببدلة وربطة عنق وحذاء لامع..والآخر الذي بهيئة متسول اشعث اغبر.
لم يعرف انني صاحبه ليلة امس.
ونحن ننتظر وصول الطعام ..بادرت إلى سؤاله
- لم استطع فهم جملتك؟
نظر إلي ببرود. 
اية جملة؟
(نحن بحاجة إلى أشخاص آخرين. اثنان لا يكفي هذه المدينة البائسة).
-كنت أظنك ممن يحاول تطهير نفسه بالتصدق على وأنت تدعوني لوجبة طعام...يبدو انك مخبرا سريا.
- لا ..بالتأكيد لست كذلك.
أحياناً احب ان اشارك الفقراء بعض ساعات حيواتهم.
..احاول ان اجد جوابا لأسئلة قديمة.
- أي نوع من الأسئلة؟
قطع النادل حوارنا وهو يقدم لنا ما أوصينا به.
- كثيرة، لا عليك الان تفضل ..كل.
قال وهو ينشغل بإعداد لقيماته.
سأروي لك قصة حدثت منذ زمن طويل.

8.

هل تظن انني مستاء مما انا عليه؟
لم اجبه..فتابع
لا..انا سعيد بهذا الحال. احاول فيما تبقى لي من ايام ان اتطهر..انا محمل بالذنوب والأفعال السيئة.
انتظر قليلاً ريثما يبتلع لقمته ..
في أحد الأيام جاءنا كتاب من ديوان الرئاسة. يامر بتشكيل لجنة من مجموعة أساتذة متخصصة في التأريخ.
قاطعته ..متسائلا عن عمله حينذاك.
قال
انا رئيس قسم التاريخ في جامعة بغداد.
تجمدت اطرافي وتوقفت لبرهة. تناولت قليلاً من الماء
نظر الي مبتسما..فيما كنت احاول ان اتذكر تفاصيل وجهه
نعم. كما اقول لك. 
انا رئيس قسم قبل ربع قرن. جاءتني أوامر بتشكيل لجنة متخصصة تعمل على إعادة كتابة التاريخ.
جميع من أرسلت في طلبهم وافق على العرض عدا أستاذ واحد.طلب مني مهلة قبل أن يتخذ قرار المشاركة. أوضحت له أن الأمر ليس اختياريا لانها اوامر من الجهات العليا.
أصر على موقفه، أمهلته يوماً واحداً.
في اليوم التالي جاء ليعلن أنه لن يشارك. وان لا فائدة من إضاعة الوقت معه.
قلت له هذه أوامر الرئيس.انت تعرض نفسك للمساءلة والتحقيق.
أجاب بشجاعة حسدته عليها 
إعادة كتابة التاريخ ..عملية تزوير واضحة. انها جريمة .
جريمة لن اشارك فيها.
توقف كلانا عن تناول الطعام.
قال اقترحوا اسما آخر غيري.
قلت له لا يمكن 
قال. وانا ايضا لا يمكن ان اتحول من أستاذ يبحث عن حقائق التاريخ الى  مزور حقائق..
هددته بكتابة تقرير عن رفضه 
قال انت اذن مجرم ومخبر امن ..وليس رئيس قسم.
شتمته 
فنهض ليقبض على ربطة عنقي ويسحبني منها الى الأسفل. الصق وجهي بالمكتب. وبصق علي ثم خرج.
في لحظة الانفعال تلك كتبت برقية عاجلة إلى مكتب الديوان اوضح موقف حامد واطلب بإجراء عاجل كي لايفسد الموضوع مع أساتذة آخرين.
في نفس الليلة توجهت قوة من الأمن الخاص لاعتقاله والتحقيق معه .
سكت قليلاً وقد بانت على وجهه علامات من الندم المرير.
ثم تابع..تم اعدامه في الفجر.
ولكي نمنع اثر الحادثة داخل الجامعة. نشرنا خبر وفاته في حادث مؤسف.
تداعت الذكريات مع كلماته. ورحت احاول ان اجمع خيوط الأحداث واتذكر اول محاضرة لي مع أستاذ حامد والأخيرة.
كنت اريد ان اجمع بين ما قال في ذلك اليوم وما كان يعاني من ضغوط يصعب مواجهتها.
قال كان رجلاً شجاعاً..ونحن جميعاً كنا جبناء ومقهورين.
نهضت لادفع الحساب.
في الطريق إلى البيت كنت أفكر في غدي..اصحو باكراً..اختار مكاناً مناسباً لسيارتي. أخذ حقيبتي الجلدية الثقيلة ثم اختفي في أروقة وممرات وغرف البناية القديمة.
في الطريق إلى البيت كعادتي كل ليلة. أبتسم مرددا
( الحزن ليس عميقا وحسب بل محيط..كما البحر الذي يحيط اليابسة من كل جهة) .

 

إحسان عبدالكريم عناد


التعليقات




5000