.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


رَحـيـل آخـر الـعـقـلانـيـيـن الـعـرب

"لـعَـمْـرُكَ ما الـرَزّيـة فـقـدُ مالِ

ولا فـرسٌ تــمُـوتُ ولا بـَعــيـرُ

ولـكّـنَّ الـرزيّـَـةَ فـَـقــدُ حـــُــرِّ

يـمُـوتُ بـمَـوتـه خَـلْـقٌ كـثـيـرُ ...!"

الـحـطـيـئـة

 

أحياناً يهربُ منك النص، تـفـرُّ الفـكرة.

ماذا تكتب حين يكونُ عـليك أن تكتب؟

 

غـيـَّـبَ الـمـوت في الأسـبوع الماضي في بـرلـيـن المفكر السوري الكبير صادق جلال العظم عن عمر يناهز 82 عاماً، بـعـد فـشل عملية استئصال ورم خبيث في الـدمـاغ، فأخرجه من صفِّ الأحياء بامتيازْ،  إلى صفِّ الخالدين، حيث العُمْرُ يتواصلُ بلا نهاية .وبرحيله فـقـد الـعـرب فـيـلـسـوفـاً وأكاديميـاً وباحـثاً مرموقـاً، يحظى بالإحترام والـتـقـديـر على المستويين الـعـربي والعالمي ، ووطني تقدمي عـنيد ، قضى جـلَّ عـمره وسخـَّر مـهـنـتـه في خدمة الـفـكـر.

 

المولد والنشأة

وُلد صادق جلال العظم عام 1934 في دمشق لأسرة تنتمي لعائلة سياسية عريقة من أصل تركي، وكان والده جلال العظم أحد العلمانيين السوريين المعجبين بتجربة مصطفى كمال أتاتورك في تركيا. درس المرحلة الابتدائية في دمشق والثانوية في المدرسة الإنجيلية بصيدا في لبنان، ثم التحق بالجامعة الأمريكية ببيروت حيث نال البكالوريوس في الفلسفة 1957.

 

سافر إلى الولايات المتحدة لإكمال دراساته العليا في جامعةYale  ييل ، فحصل على الماجستير في الآداب (1959) والدكتوراة في الفلسفة الحديثة (1961)، وكانت رسالة تخرجه عن الفيلسوف الألماني  Immanuel Kant إيمانويل كانتْ.

 

تولى العظم عدة وظائف ومسؤوليات، فبعـد نيله الدكتوراة عاد إلى بلاده 1962 حيث عمل أستاذاً للفـلسفة في جامعة دمشق، وانتقل 1968 للتدريس في الجامعة الأردنية بعمّان، ثم عاد لدمشق فرأس قسم الدراسات الفـلسفية والاجتماعية بكلية الآداب خلال 1993-1998. كما درّس في كل من الجامعة الأمريكية ببيروت، وجامعات هارفارد ونيويورك وبرنستون في الولايات الـمـتـحـدة الأمريكيـة ، وجامعات هومبولت وهامبورغ وأولدنبورغ في ألمانيا.

 

أسنِدت إليه عام 1969 رئاسة تحرير مجلة "دراسات عـربية" التي كانت تصدر في بيروت، كما عمل باحثاً أيضا في مركز الأبحاث الفلسطيني. وكتب عشرات المقالات والأبحاث في مجلات عـديدة، مثل "دراسات عـربية" و"الثقافة العربية" و"حوار".

 

التجربة الفكرية

تأسست تجربة العظم الفكرية منذ البداية على المعارك الضارية التي اشتبك فيها مع مقولات التراث والحداثة والجدل الفلسفي الديني، مما عـرَّضه لكثير من الانتقاد وأثار عليه غضب شرائح مجتمعية عديدة. فقد حوكم بسبب كتابه "نـقـد الـفـكـر الـديـني" الصادر عام 1969 إثر نكسة حزيران 1967، وصدر عليه حكم بالسجن مطلع عام 1970 لكن المحكمة أعلنت براءته لاحقا في نفس العام. وفي الوقت الذي يعتبره كثيرون "عـلمانـيـاً ملحداً"؛ يصفه أنصاره ومريدوه بأنه داعـية إلى "التمسك بالعـلوم والمعارف المادية في عالم عـربي يشهد انحساراً لدور العقل"، ولذلك فإنه "يواجه استبداد العادات المتوارثة بيقظة العـقـل المتجددة". ويرى كـثـيـرون أنه "قـدَّم إسهامات فكرية في نـقـد المؤسسة الدينية" واحتل بها "مكانه في طليعة المفكرين الذين تصدوا للموروثات الدينية والسياسية"، حتى صار "أحد أشهر العـقلانيين العرب".

 

وبعد حوالي ربع قرن من صدور كتابه "نقد الفكر الديني"؛ أثار العظم عاصفة جدلية أخرى بكتابه "ذهـنـيـة الـتـحـريم" الصادر 1992 ، والذي دافع فيه عن سلمان رشدي وروايته "آيات شيطانية"، وذلك بقوله "إن أدب سلمان رشدي ينتصر للشرق ولكن ليس لأي شرق بالمطلق، بل للشرق الذي يجهد لتحرير نفسه من جهله وأساطيره وخرافاته، وبؤس دكتاتوريته العسكرية وحروبه الطائفية والمذهبية وهامشيته الكاملة في الحياة المعاصرة".

 

المحرمات الفكرية

 

يــُعـتـبـر العظم من أشهر النقاد في العالم العربي وأكثرهم حدة. بطروحاته وسجالاته الفكرية والثقافية الطاحنة تعرض العظم إلى نيران كافة الجبهات، غير أن ذلك لم يضر بمكانته حتى اليوم.

 

في كتابه "المُحـرّمات التي تـسـكـنـنـا" ، الصادر عام 2008 والذي يتضمن مجموعة من المقالات ونصوص من السيرة الذاتية ، يـشـير صادق جلال العظم إلى أنـه  نشأ في أسرة أرستقراطية ليس فيها مكان لـمـعـتـقـدات عن تأثير الله على مسار العالم. تعلم الفتى أن على الإنسان أن يمسك بدفة الأمور بنفسه، وعليه أيضاً أن يتحمل عواقب ما يفعل. "الله ليس له علاقة بأخطائك، وإذا قال لك رجال الدين شيئاً آخر فعليك ألا تصغي إليهم."

 

يرى العظم أن تداعيات حرب حزيران 1967 ولـَّدت فجوة "ملأها المتشددون الدينيون، حيث كان الإسلام هو الإجابة الوحيدة التي يمكن أن تسد ذلك الفراغ الناشئ"

 

ويقول العظم: "هذه الظروف حمتني من شبح الأزمة النفسية والروحية التي كان من الممكن أن تصيبني عندما بدأت أهتم بأفكار القومية والعروبة التي كانت شائعة للغاية في شبابي المبكر". هناك آخرون لم يستطيعوا أن يقابلوا الصدمات الثقافية والسياسية في الأربعينيات والخمسينيات بمثل هذا الهدوء. بالنسبة لهم مثلت تلك الأحداث قطيعة تامة مع كل ما تعلموه وكل ما كانوا يعتبرونه بديهياً.

 

دفـعـت الظروف التي صاحبت مخاض الفكر العلماني في العالم العربي، الفيلسوف السوري إلى ممارسة الحد الأقصى من النقد للظروف العربية، وألا يقف أمام أي شيء أو أي شخص موقف هيبة، وأن يقابل بالارتياب العميق تلك الحركات التي سادت عصره والتي كان يُطلق عليها حركات سياسية تقدمية. يتساءل العظم مثلاً: "ما هي القومية العربية؟ أهي رد فعل على الحركة الكولونيالية الأوروبية ومحاولة لتوحيد الدول العربية؟ بالتأكيد. أو على كل حال كانت القومية العربية كذلك في منحى من مناحيها".

 

يقول العظم أن الـقـومـيـة الـعـربيـة كانت "محاولة لاستعادة الدور المفقود خلال القرون كقوة عالمية". القومية العربية، يشرح العظم، كانت في ظاهرها حركة تحرير. ولكنها كانت في الواقع تصبو إلى أن تلعب دوراً على خشبة المسرح العالمي". طموحات عالية لم تتحقق، أما العواقب فكانت وخيمة: "هكذا ولدت الأوهام العظيمة، عـقـدة النقص الهائلة، والأوهام الضخمة التي تسعى للتعويض، روح مغامرة ضارية، سياسة غير مسؤولة، ثم مؤخراً الإرهاب المُمارس على نطاق واسع والذي تعـَوَّد العالم كله عليه".

 

بآراء كهذه عـَرّضَ صادق جلال العظم نفسه إلى نيران كافة الجبهات، سواء كانت إسلامية أم علمانية. وعندما وقـَّع العظم في ربيع 2006 إعلان بيروت الذي يطالب بانسحاب القوات السورية من لبنان لم يُلق القبض عليه لسبب وحيد، وهو أنه كان خارج البلاد. من بيروت استطلع الأمر بحذر، ليختبر عبر وسطاء ما إذا كان يستطيع أن يخاطر بزيارة وطنه. قيل له إنه يستطيع، فالأجواء أصبحت صافية من جديد في دمشق.

 

يمثل العظم ظاهرة في العالم العربي. ليس هناك سوى مثقفين قلائل استطاعوا انتقاد الدين الذي يعتنقونه مثله. حرب حـزيران 1967، الفتوى الصادرة ضد سلمان رشدي، الجدال الذي تفجر إثر صدور كتاب "الاستشراق" للـمـفـكـر الـفـلسـطيني الراحل إدوارد سعيد، الحرب على العراق، والأصولية الإسلامية: لم تكد العقود الـخـمـسـة الأخيرة تشهد سجالاً لم يدل فيه صادق جلال العظم بدلوه.  هذا التحفظ حيال الدين جلب عليه في عام 1970 فتوى اعتبرته ملحداً غير أنها لم تدعو إلى ممارسة العنف ضده. ما حماه من العـسف.

 

أهم مؤلفاته

أصدر الدكتور صادق جلال العظم - منذ 1968- مؤلفات كثيرة تعالج قـضايـا في الفكر والسياسة والفلسفة، ومن أهم مؤلفاته: "الحب والحب العذري"، و"فـلسفة الأخلاق عـند هـنري برغـسون"، و"دراسات في الفـلـسفة الغـربية الحديثة"، و"النقد الذاتي بعد الهزيمة"، و"نـقـد الفكر الـديني"، و"دراسات يسارية حول القضية الفلسطينية"، و"الصهيونية والصراع الطبقي"، و"زيارة السادات وبؤس السلام العادل"، و"الاستشراق والاستشراق معكوساً"، " و"دفاعا عن المادية والتاريخ"، و"ذهنية التحريم، سلمان رشدي وحقيقة الأدب"، و"الإسلام والعلمانية"،  و"عـصـر الحداثة والتنوير في الإسلام" (باللغة الألمانية)، و"الإسلام والغرب اليوم" (بالإنجليزية).

 

الجوائز والأوسمة

في عام 2004 حاز العظم "جائزة ليوبولد لوكاش للتفوق العلمي" التي تمنحها جامعة توبنغـن الألمانية، ومنحه "معهد غـوته" وسام الشرف الألماني عام 2015.

 

وفي 23 تشرين الثاني 2016 أعلنت عائلته تأسيس "مؤسسة صادق جلال العظم" قائلة إن الهدف منها هو المحافظة على "إرث صادق جلال العظم الفكري والثقافي واستمراريته".

 

كما أعلنت "مؤسسة اتجاهات - ثقافة مستقلة" مطلع كانون الأول 2016 فتحها باب التقدم إلى "جائزة بحثية استثنائية تحمل اسم العظم، وتتوجه إلى الباحثين المتميزين في مجالات الثقافة والفنون".

 

وبـعــد ؛

 

كانت حياة صادق جلال العظم عامرة بالعطاء الثمين، إذ أغـنى المكتبة العربية بكتب ستظل خالدة لما فيها من عمق تحليلي فلسفي. وقد أثارت بعض كتبه ضجيجاً كبيراً في عالم الفكر والسياسة، ودخل كتابه "نـقـد الفكر الديني" تاريخ الفكر العربي الحديث إذ تحول إلى "قضية رأي" دارت حولها محاكمة قضائية معروفة.  وبهذه الرؤى الفكرية التجديدية ،يمكن القول باطمئنان إن صادق جلال العظم واحدٌ من أقدر المفكِّرين العرب المعاصرين على تحرير رؤيتنا لكثير من الموروث الجماعي الثقافي والديني، ومن أكثرهم دفاعا عن حريّة الفكر باعتبارها غاية مطلب الناس وسبيلهم إلى صناعة واقعهم.

 

كان هذا الفيلسوف العربي، المنفتح على العلم وتطوّره، سباقاً في تبنّيه لفكرة راجت كثيراً في السنوات الأخيرة بين صفوف الماركسيين الغربيين، مفادها أن الماركسية التي ركّزت على استغلال الإنسان للإنسان قد أهملت استغلال الإنسان للطبيعـة والنتائج الكارثية التي ترتبت على ذلك. كان صادق الـعـظـم يـرى أن الماركسية ،التي تعـتـبـر علم الاجتماع التاريخي بامتياز، قد "تعاملت، في معظم الأحيان، مع القاعدة المادية لحياة المجتمعات البشرية وكأنها محصورة في الاقتصاد والإنتاج المباشر فقط، أي في قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج التابعة لها وحدهما"، وأن هذا التعامل قد أدّى إلى "الإهمال شبه الكامل للمحددات الطبيعية والبيولوجية وشروطها"، الأمر الذي صار يفرض على الماركسيين اليوم  "العودة إلى توسيع معنى القاعدة المادية بحيث تشمل مجدداً الاهتمام الحقيقي والجدّي بالشروط الـطـبـيـعـيـة والكيميائية والحيوية لاستمرار الحياة الاجتماعية البشرية ولإعادة إنتاجها لنفسها".

 

بإخـتـصـار ، يـمـكـن الـقـول أن الـعـظـم كان المفكر الأكثر انسجاماً مع منظومته المعرفية والفكرية ليس على أرضية التماثل والتطابق وإنما الاختلاف. وهو من القلائل الذين يقـرنون القول بالفعل، والنظرية بالتطبيق.

 

إن من أبـسـط واجبـاتـنـا تـجـاه الراحـل الكبير هـو  المحافظـة على مـا أنـجـزه صـادق الـعـظـم، بعد أن أنكر ذاته في حياته وترك الأضواء لعاشقـيها.

 

ــــ

  

د. عبد القادر حسين ياسين


التعليقات




5000