.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
.
عبدالجبارنوري
د.عبد الجبار العبيدي

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


لمن تعزف السيمفونيات ؟ - نـــص قصصي

محمد سهيل احمد

1         

لكي أصل الى غرفته  ، يتعين علي ان ارتقي السلم المهشم الدرجات . 

 وحين قرعت باب الغرفة ،جاء الرد واهنا كما لو كان منبعثا من قعر بئر :

ــ ادخل ..

دفعت شراعة الباب ودخلت .

استقبلتني روائح غلبت عليها رائحة عقاقير ومسكنات ، ومنعتني العتمة من ان أتبين هيكله النحيف فأسرعت الى الستارة مزيحا اياها جانبا متيحا لضوء الخارج إنارة الغرفة  . استدرت فوجدته  مندسا عدا الرأس في بطانية بهت نسيجها وغزتها الثقوب :

ــ أفتحوا الشباك .. اشعر بالحر..

لم أجد بدا من الجلوس بجواره على الكرسي مزيحا ما كان موضوعا عليه من جرائد ومجلات واسطوانات .

كان يبدو نائما مما ترتب عليه تحركي بخفة ريشة  كي لا أوقظه ، ملهيا نفسي بتأمل اثاث الغرفة العتيق وأغراضه المبعثرة. وقد بان الفارق جليا بين هيئته ايام الشباب ببذلته الأنيقة في الصورة المعلقة فوق رأسه ، وتلك المعلقة على مشجب جانبي وقد  تنكبتها طبقة غبار طباشيري وبدت الياقة مدهونة بمنقوع مجفف تكون من تهافت قشرة شعره عليها  وقد اشرأب من جيبها العلوي الصغير غمد نظارات متقشر أجوف ، في حين إصلعّ رأسه وغزت التجاعيد وجهه الكامد المتخسف .

مازال الدولاب على حاله بمراياه المقشرة والساعة الجدارية بعقربيها الملتويين على جدار اصم . لمحت عيناي ثلاث  لوحات مائية لمشاهد من قلب المدينة الذي لم يعد ، وصورا فوتوغرافية له جنبا الى جنب صفوف من المعلمين يبادلون آلة التصوير النظر.. واقف بعضهم مقرفص بعضهم الآخر، و وصورة لتلاميذ  أمام  بناء من اللبن لمدرسة بقلب الريف .  

 

  لم اكن بحاجة لأن اعرف أكثر مما كنت اعرفه ، فحاجياته مازالت في أماكنها دون ان تطرأ عليها أدنى زحزحة  :  السبورة الصغيرة الخضراء ، علبة الطباشير على افريز النافذة  ، القلم الرصاص على الأخدود المستطيل لمنضدة شبه متهاوية.

 يبدو انني سعلت بقوة اذ استيقظ ونظرني جالسا :

ــ أهو أنت ؟ لم تعد تزورني ..

انتزعت العلبة من جيبي  وناولتها اياه :

ــ وأخيرا يا استاذ .. عثرت على ابرة الغرامافون !

حك رأسه الأشيب متناولا الإبرة من يدي مسرعا بها الى الجهاز . وبعد ان قام بتثبيتها التفت نحوي بوجه غمرته حمرة ابتهاج :

ــ خبر هائل ! عامان وانا ابحث  عنها .. أرسلت في طلبها من المانيا.. ولكن من كلفته كان غير مكترث وحاول إفهامي انه لا جدوى من البحث عن  قطعة لجهاز صار خارج التاريخ ..

أدار ذراع التشغيل :

ــ  نسيت ان أسألك ، لمن تريد ان تستمع ؟  لقد  نسيت آخر رغباتك ..

ــ اذكر انني طلبت منك ثالثة بيتهوفن ..

ــ  ايرويكا أو  البطولية .. السمفونية الوحيدة الحائرة بين  الاهداءات ..

ــ نعم استاذ .. أهداها لنابليون ثم حجبها عنه اثر سماعه بأنه نصب نفسه امبراطورا .. 

 سعل بعنف فسألته : 

ــ هل انت متوعك ؟

أشار الى ركن الغرفة القصي :

ــ أأنت جوعان ؟  ثمة رغيف خبز وعلبة سردين وشاي . السكر نفد ..   لكن يوجد بعض التمر .. ارجو ان لا يكون قد تحشف تماما !

شكرته مضيفا :

ــ لست كذلك ..

أسبل جفنيه وعرته غفوة ..

                                      2

 

عدت للجلوس على الكرسي . مسحت بعينين مرهقتين رزمة اوراق كانت على الطاولة  وقد تملكني فضول ممزوج بتردد ملتقطا أنفاسي بصعوبة مستلا وريقة  ورحت اقرأ ما كتبه:

الأربعاء

قصفوا المدينة  ثم اعقب القصف  مطر كثيف .  غامرت بالخروج لإحضار الراتب  قرأت الإعلان على الباب " لدواعي السلامة نقل المصرف الى حي الجمعيات " .

عدت للبيت سيرا على الأقدام تحت وابل المدفعية .

الجمعة

 رائحة دخان خانقة ثم علمت ان غرفة الكتب قد طالها صاروخ قبل ايام . لبثت اياما لا أجرؤ على دخول الغرفة ، وأخيرا دست على روحي ونزلت الى الطابق الأسفل .

المحرقة 

 أدفع الباب بأناة مطلا على الداخل بحذر . شظايا متناثرة على أرضية الغرفة. عبثا  ألملمها كسرة كسرة وشظية شظية  :  كتب بلا أغلفة وأغلفة بلا أوراق .. بعض المطبوعات محترق تماما وتبقعت كتب اخرى او اكتست بأوحال مطرية متجلطة . على الأرض تتناثر اسطوانات بوزيدفون ، الديك الذهبي لكورساكوف ،  برلين هارمونيك اوركسترا كلايبرن ، خاتشدوريان ، الكابريشو الايطالية ، اسطوانات فونتانا بسرعة 33وثلث ، اغلفة اسطوانات .. الدانوب الأزرق  ، حلاق اشبيلية ، شهرزاد ، كابريشو اسبانويل .. أكاد ان استسلم لحالة غثيان .. اتجالد وأغرز ناظريّ في النثار .. ام غوركي  طريحة على الأرض بأوصال ممزقة جنبا الى جنب غريغور سامبا ، وعلى مقربة منهما يرقد  جان فالجان جنبا الى جنب كوزيت ، اما دمنة فيبدو ان عصف الانفجار جعله يرتطم بالجدار ليهوي على الارض ملطخا بدمائه ..

تلملم يداي ما تبعثر على أرضية المكان : هشيم اسطوانات .. كتب  لم يطلها الصاروخ المعصوب العينين .. أوراق مثقبة ..و ..

 أغادر المكان ... !

                                

                                    3

 

ــ يا استاذ.. من ينسى كلماتك ، والروائع التي كنت تخطها على سبورة الصف؟

ــ  روائع ؟

ــ  الموضوعات الإنشائية التي علمتنا الكثيرالكثير  ..

اطلق المنطرح على السرير ضحكة خافتة :

ــ لعلك  نسيت المسطرة التي كنت ألهب بها راحات أيديكم ..

آثرت ان ابدل موضوع الحديث :

ــ  وعدتك بالابرة وجئتك بها .. ماذا عن وعدك لي ؟

حلقت حول عينيه غمامة دكناء وتكسرت غضون جبهته . أومأ لصندوق  ملاصق للدولاب :

ــ  أعرف .. أعرف .. انت مستمع شغوف ..ثمة  كتب وأشرطة واسطوانات  في مكان ما بالغرفة ..  ولكن هل ما زلت مصرا على الايرويكا ؟ لا ادري .. لعله أخذها من بين ما اخذ ..

ــ من تقصد؟

ــ ذلك الذي أسكنته وأمه كمستأجرين معنا في البيت ..

اعلن  بنغمة يأس هادئة :

ــ  اضطررت لتأجير جانب من البيت .. راتب ثلاثة الاف الدينار.. هل يكفي ليومين ؟ لم اكن مستعدا لبيع شبابيك البيت ! 

سألته بعد برهة من التأمل :

ــ جندي؟

ــ سيسرح قريبا من الجيش .. بعد خراب البصرة ! 

ــ لا افهم ..

ــ اعتاد ان يسرقني .. بدأ  براتبي .. وفيما بعد بالكتب ثم امتدت يداه الى اعز ما لدي من اسطوانات .. مع انني لم اجرؤ على دخول مكتبتي منذ اربع سنوات ..

ــ منذ ان طالها القصف ؟

ــ تماما ..

ــ  ولكن ماذا يفعل بالاسطوانات ؟ هل يعزفها لجنود  تتناهبهم الوحشة في الخنادق ؟

ــ قبضت عليه ذا صباح متلبسا بدس ثلاث اسطوانات  في حقيبته.. الغبي!  انني أرثي له .. ساقه الاعتقاد الى أن الراعي لايعد خرافه !

ــ  وهل استنطقته ؟

ــ طبعا فعلت ..

ــ  هل كان يبيعها في سوق الجمعة ؟

ــ أي سوق وأية جمعة؟ !   اعتاد ان يأخذها  لضابط الوحدة العسكرية ..

ــ غير معقول .. العادة ان ينشغل الضباط بالطبول ..

ــ حدثني مرة عن ضابط يعشق السيمفونيات ، ولكنني اعتقد ان ذلك العسكري كان يكذب عليه ..

ــ كيف ؟

ــ لا ادري ..  كان يهديها لمن ارفع منه درجة ..

ــ فهمت .. انها تعزف في مراسم استقبال الجنرالات وتوديعهم ..

ثم عاد ليقول بعد صمت خلته دهرا :

ــ على ايقاع الفالس رقص ملوك وأمراء ..!

ــ هذا ما اعتدنا مشاهدته في التلفزيون .. مراسيم توديع واستقبال .. المطار .. القصر الجمهوري .. المقابرالجماعية.. هذا ما يفعله الجنرالات .. حتى الموسيقى سيقت للخدمة العسكرية !

ثم اردف بنبرة سخرية وهو يشرق بسعال خض صدره بعنف :

 ــ هه .. ! لكل محارب استراحة !  

انتظرته الى  ان توقف قبل ان أغامر باستفسار آخر :

ــ ولكن أية فائدة يجنيها من فعلته ؟

ــ من ؟ ذلك الجندي الخائب ؟ يوم اجازة لقاء كل اسطوانة يسرقها من مكتبتي .. لم يكن ذلك من اجل امه . كان ذلك الفتى يعشق امرأة صغيرة .. وكان يلتقيها  في غفلة عنا .. هنا على فراشي  في الوقت الذي كنت أداوم بمدرسة القرية . أعود للبيت قبل شمس الغروب نصف ميت من الإرهاق ! ذات مرة اضطررت للنوم واقفا لأنني وجدت تلك العشيقة  نائمة في فراشي .. كانت منطرحة مثل  فاختة أطاح بها مقلاع  !

 بدا شارد الذهن وهو يغمغم :

 ــ انا شخصيا كنت عاشقا كبيرا ..  كانت الفراشات تحلق حول رأسي لحد الدوار .. ولكن ..

ــ ماذا ؟

ــ كانت تفر من لهيب نيراني .. الى ان فات الأوان !

استدار نحوي مومئا الى صندوق من الكارتون :

ــ  ابحث هنا..  فلعلك تلاقي ثالثة بيتهوفن  ..

وبعد فترة صمت قصيرة سألني :

ــ لمن تهديها  ؟ 

ــ  لبطل ما  ..

ــ النملة مثلا ؟

لم استطع ان امنع ضحكة شرق بها صدري قبل ان أقول :

ــ ولم لا يا استاذ ؟  أم أن البطولة تقتصر على قعقعة السلاح ؟

اجابني باقتضاب :

ــ لا .. طبعا !  

داهمته  من جديد نوبة من السعال الحاد  ، فاندس ثانية في السرير:

ــ  غطني جيدا .. اريد ان استريح قبل ان تعاودني آلام المفاصل .. ثلاثون عاما  مع  الطباشير ومع السبورات  التي فقدت ألوانها ، وخلايا النحل الضاجة  بالطنين : أستاذ .. أستاذ استاذ .. !

لبثت واجما لوقت لم اعرف عدد دقائقه  . انحدرت الى الصندوق الكارتوني وطفقت ابحث عن الاسطوانة  ، مرورا بما فوقها من اسطوانات وبكرات واشرطة  تسجيل لسيمفونيات ، اغان وتراتيل قرآنية . . .

 فجأة وجدتها قابعة  في قعر الصندوق  ، وكان عليها بعض الخدوش ولكنني استطعت ان اقرأ الكتابة عليها :

 بيتهوفن : السيمفونية الثالثة .. الايرويكا .. البطولية !

تناولت حقيبتي لاقطا قطعة طباشير لأخط على سبورة الغرفة عبارة :

الى معلمي الأول .. مع التحيات .. 

وضعت الايرويكا في القرص وأدرت الذراع  . وبحذر وأناة لامست الإبرة سطح الاسطوانة  لتنبثق الموسيقى متدفقة كنهر فيما استسلم  معلمي الأول  لنوم هادئ عميق .  

غادرت الغرفة و ملء ثيابي ألحان. 

                                                                    البصرة 2015

 

 

محمد سهيل احمد


التعليقات




5000