..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


فصل من رواية ( شارع باتا )

زيد الشهيد

(1) 

في ضحى يوم منتصف آذار / مارس 2015 حلَّقت ، مثلَ عقابٍ أسود بهدير طويل ، طائرةٌ  حربية  في السماء .. دارت حول المدينة عدّة دورات قبل أنْ تتوارى ، مُعيدةً تلك اللحظة لدى الذين رفعوا الرؤوس يتابعونها أيامَ الحرب التي أسقطت صدام  مُنهية حقبةً حَكمَ فيها البعثيون خمساً وثلاثين سنة ، وتفاوت النظرُ بيومِ دخولِ القواتِ الأجنبية بغداد وإسقاط تمثاله المنصوب في ساحة الفردوس بذلك المشهد الميلودرامي الذي نقلته الفضائيات للعالم أجمع . فمنهم من اعتبره تحريراً ،  ومنهم من حسبه تغييراً . وآخرون ناهضوا الرأيين فجعلوه احتلالاً ، لاسيما والأمم المتحدة أصدرت في ما بعد قراراً اعتبر فيه هذا الدخول احتلالاً فعلياً ، ونُظِر إلى العراق على انه بلدٌ محتل ، يُدار من قِبل قوات مُحتلَّة ستتولى إدارةَ البلاد لحين تشكيلِ حكومةٍ وطنية تؤمِنُ بالديمقراطية وترفض التفرد بالسلطة .

تلك اللحظة ترك ناطور المكّي دكّانه وهرع ينوء بسنواته السبعين لمنتصف الشارع يُطالع السماء .. لحقه جابر ميمون  خارجاً من محل باتا تاركاً فكرة شراء حزام جلدي بديلاً عن حزامه البالي الموشك على الانقطاع بينما نهض سجّاد منشد من مكانه في المقهى  الذي افتتح حديثاً حيث اعتاد الجلوس في التخت الأمامي بعدما أحيل على التقاعد شرطياً خدم الدولة العراقية أربعين عاماً ووجد في المقهى والحديث مع أيِّ زبون يجلس إلى جواره مشواراً لصرف الوقت يُحدّثه عن الحرب العالمية الثانية ورومل ثعلب الصحراء الذي طغى صيته في فترة  الحرب العالمية الثانية على زعيمه هتلر وكان حديث فرسان السماوة الكهول ورجل خيالاتهم المتأججة بالبطولة  لولا أن هزمه مونتغمري ، القائد الانكليزي البارد الاعصاب فجعل جنوده اجساداً تشويها شمس الصحراء ودباباته  للجرذان وجرابيع براري العَلَمين . ويستمر في حديثه ليربطه بخبر ولده باقر الذي نشرت صحيفة اللوموند الفرنسية لقاءً معه يحكي عن بطولاته كونه سبّاح ماهر حقَّق لفرنسا جائزةَ عبور بحر المانش من بين خمسين متنافساً بعدما وجدَ في فرنسا بلداً لتحقيق رغباتِه واكتشاف مهاراته في السباحة والعوم لساعات بلا توقف .. واندفع جوادين ، الحاصل على شهادة الهندسة قبل ثلاثة اعوام ولم يحصل على وظيفة ، من زحمة بائعي الخضروات والفواكه  المحتلين الرصيف المجاور لمعرض باتا بعدما انحنى لرفع كتاب ( انسان مفرط في انسانيته ) لفريدريك  نيتشه  من بين حزمة كتب اشتراها للتو من مكتبة كنوز التراث  تسبب بإسقاطه صِبية كانوا يركضون بعبثية بين الناس ولم يرفع انظاره إلى أعلى ؛ فقط تمتم بكلمات غطى عليها هدير الطائرة ؛  أما غريب النوري فكان ، وقد عتهته السكر بعدما كسر " الخمارية " منذ استيقظ صباحاً ببيك من العرق المُهرَّب ، واقفاً على حافة الرصيف عندما سمع دوي الطائرة وظهورها في السماء . نظر مع الناظرين إلى أعلى ثم عاد ليجلس خلف جامخانته  المحتشدة بالساعات المتنوعة  بينما رفوف محله تتراكم فوقها ساعات جدارية ومنضدية يتفاوت وقوف عقاربها على ارقام لاتينية وعربية وهندية  .. ساعات قلَّ الإقبال عليها إن لم نقل تم الاستغناء عنها مع مطلع ألفيَّتِنا الثالثة ؛ فالهواتفُ المحمولة صارت تحوي ساعات رقمية  تعرض الوقت بدقة تفوق دقة الساعات اليدوية او الجدارية أو المنضدية؛ كذلك أضابير الليفَكس  والمُفكِّرات صارت لا تخلو من هذه الساعات المرفقة بحاسباتديجتل .

2

لاشكَّ أنني قضيتُ أسبوعاً مُرهِقاً منهمكاً بترجمة رواية لكاتب دنماركي وصلتي من هاشم المسافر ـ صديقي الذي يعيش منذ عشرين عاماً في الدانمارك مهاجِراً قال عنها " رواية تستحق تفاعل ذائقة القارئ العربي معها " .. " خاتم الأمير العبد " كان عنوانُها . وجدتُ بعد مطالعتها سريعاً أنها عملٌ سرديٌّ مشوِّق ؛ فيه من الأحداث ما تجعل القارئ يتشبث بأسطرها ساعياً للتواصل معها حد الانتهاء منها والتهام صفحاتها الثلاثمائة والثلاث وتسعين .. كنتُ ما أن أبدأ بترجمة الأسطر الأولى من صفحة واقرر تأجيل ترجمة الصفحات التالية كي أتناول  الغداء أو العشاء أو ارتشاف قهوة أو شرب شاي حتى تأخذني  نشوةُ الترجمةِ وتحدوني رغبة المواصلة ، فأجد نفسي صرفتُ ما يزيد على الساعة أو أكثر متراكمة فوق الوقت السابق وقد ترجمتُ عدة صفحات مضافة لحساباتي في مشروع ترجمة عشرين صفحة كمخطط يومي ؛ وأجد من الضروري النهوض من منضدة الكتابة وترك الرواية وحزمة أوراق مسوّدة منها وعذراء  لم يفتض بكارتها القلم ، وقاموس احتاجه في فك معاني وتراكيب بعض كلمات وجمل  تحمل أكثر من معنى  تستدعي حذَر المترجِم  في التعامل معها ، وأستأذِن من " بيارن رويتر " المؤلف الذي اعتاد الاتصال بهاشم وسؤاله عن مراحل الترجمة ؛ أين وصلت ومتى تنتهي ، غارقاً في حلم سعادة مائية غامرة بمشاهدة روايته تقرأها أمّة تعداد نفوسها 360 مليون .

دخلتُ المطبخ فوجدتُ على منضدة الطعام صحن رز وآخر فيه مرق بامية وقرص رغيف وصحن آخر صغير قُطِّع فيه رأس بصل . ( اغرم كثيراً بأكل البصل مع مرق الباميا ؛ قد تكون عادة غير محببة عند غيري لكنني أستطعم الاثنين ... الطعام أذواق ) . حين وضعتُ أول ملعقة رز مُدافة بمرق البامية في فمي تذمرتُ لبرودة الأكل والتفتُ لزوجته أبغي لومَها عندما تذكرتُ أنّني الجاني .. نعم ؛ كثيراً ما خلخلتُ برنامج العيش وتسببتُ في إرباك موازنة الحياة العائلية . فالكتابة تخرِّب ناموسَ الطقس  الحميمي للأسرة وتُربِك برنامج الوقت المُخصَّص للوجبات والواجبات . لذا تناولتُ الغداء مُرغماً واستدرتُ أطالع الفضائيات على شاشة التلفاز وأقف عند آخر أخبار استرجاع مدينة تكريت من براثن داعش التي عاثت فساداً بثلث العراق بعدما احتلته  .. واجهت محطة " فتافيت " الفضائية التي تتابعها زوجتي باهتمام وتقضي النهار وما زاد لها من وقت في متابعة عمل الأكلات اليومية . أدركتُ أنَّ الناس باهتماماتها . وتوجيه بوصلة هذا الاهتمام يقتضي الوقت والحدث . في الماضي كان عمل الأكلات يقدَّم على صفحات الجرائد . وليس في جهاز التلفاز قبل التغيير او الاحتلال غير قناتين : قناة (9) وقناة (7)  تديرهما السلطة ، ويتشابهان في برامجهما : برامج سياسية واجتماعية واقتصادية ورياضية وغيرها مختصرة . ولم يكن هناك اهتمام بما يأكله العراقي نوعاً وكمّاً . لذا ظلت المائدة العراقية اليومية فقيرة لا تتعدى الرز والمرق كوجبة أساسية . وإذا حدث وتجاوز فإلى السمك النهري والدجاج . أما الآن وحيث الفضائيات تتسابق على اجتذاب المشاهد فقد صرتُ أتناول ما تعتبره الزوجة أكلةً جديدة ، جاعلةً  منّي حقلَ تجارب . اذا رأت سحنتي بعد تناولها مُسترخية هرعت لإعداد وجبةٍ اكبر لتحملها في اليوم التالي الى زميلاتها في المدرسة الثانوية ( حيث تدرس اللغة العربية كاختصاصٍ تعتز به الى جانب اهتمامهابانشطة المجتمع المدني فهي عضوٌ نشط تسعى لبناء مجتمع أقل ما يقال عنه انه متحضِّر يسلك سلوكَ الامم الناحية صوب محطات النور ) متباهيةً وفخورة ؛ وإنْ رسم وجهي علاماتِ امتعاضٍ اكتفت بتجاوزِها ولم تنتظر ما أفوه به .

وكنتُ أنا مَن اقترحتُ عليها تناوله قبل إعداده لزميلاتها . فلي مع هذا حدثٌ تحتفظ به ذاكرتي بشيءٍ من الدعابة . حدثٌ صار مَصدر تندّر كلَّما تذكرناه عائلياً غرق الجميع في الضحك . ففي يوم استدعى عمّي أصدقاءه في عزومة كان فيها الكاستر تحلية لما بعد وجبة الغداء . وكان ان مسكَ كلُّ ضيف صحن الكاستر وتوجهت الملاعق فقطعت ما ملأ الفم وفي نفوسهم ان سيستعذبون طعمَه وتتحلّى أفواهُهم بطعم السكر وأنوفهم برائحة الفانيلا حتى إذا قضموا أولقضمة انزلوا الصحون على المائدة وفي عيونِهم بهتٌ . ولولا خجلهم وخشية انقلاب العزومةإلى مَسخرة  لرجَّعوا ما تناولوه ولفظت معدتهم ما امتلأت به . وفهمنا في اليوم التالي أنَّ زوجةَ العم بدل أنْ تضع السكر في مزيج الكاستر أفرغت ببلادةٍ منقطعة النظير علبةَ الملح بما احتوت ، ولات ساعة مندم .

دقَّت نغمة الهاتف  الخلوي وجاءني صوت كاظم الساهر " وين آخذك ؛ وين انهزم بيك " فقلت هذا نداء باسم رسّام  صاحب مكتبة كنوز التراث . وجدته يخبرني عن قراءة نقدية كتبتها عن رواية " رائحة القهوة " للكاتب الاورغوياني ماريو بينيديتي نزلت في ملحق أدب وثقافة لجريدة الصباح وانه يحتفظ بنسخة من الجريدة لانَّ النسخ التي وصلته محدودة وتهافت عليها الشباب من مُحبي الرياضة . ابتاعوها ذلك اليوم من أجل ملحقِها الرياضي الذي يضم تحليلات لمباراة جمعت منتخبَنا الوطني لكرة القدم مع منتخبِ الكونغو دارت في الإمارات العربية المتحدة .. ما أنْ انتهيت من المكالمة حتى سمعت من عمق المطبخ صوت زوجتي المشغولة بإعداد قهوة  اشتهيها بعد الغداء : حمزة ؛ لا تنسَ موعدك مع الطبيبِ عصرَ اليوم . التهرّب لا يأتي بالصحة ." ..قليلاً وعادت تقول : " نسيت ان اقول ان حارث اتصل بي وقال سأحضر لمصاحبة أبي الى الطبيب ."

ما أنْ أوشكت على إعلان شكري لتذكيري بالموعد وطلبي منها ان تتصل بحارث لثنيه عن المجيء حتى رنَّت نغمة الهاتف الخلوي من جديد . جاءني هذه المرة صوت شادية "مخاصمني بقالو مدة ؛ وبليلة الشوق ناداني " فعرفتُ انه جوادين . لابد انه واقع في مشكلة أو لديه أمرٌ يراه مُهمّاً فاتصل ليستأنس برأيِّ .. جاءتني أنفاسه اللاهثة قبل صوته :" احتاجك .. متى نلتقي ؟! لا تقل لي مشغول بالترجمة اللعينة ؟ " .. ضحكتُ محاولاً التقليل من توتره ( كنتُ سأعتذر له عندما طلب لقائي مرتين جراء انهماكي في اكمال برنامجي في ترجمة الصفحات المُقررة )  ؛ ارتضيت تجاوزه العفوي فهو يخاطب شخصاً بعمر أبيه ، قلتُ : " لا ، هذه المرّة مشغول بضرسي اللعين . إنَّ لألمِه فعلَ التعذيب البطيء والمتواصل  .. سأمرُّ على عيادة الطبيب  قبل لقائنا . "

تقع عيادة الطبيب فوق صيدلية تحمل الآن لافتة " صيدلية المدينة " بعدما كان اسمها قبل عشرين عاما " صيدلية الرازي " في شارع باتا ضمن بناية بطابقين تجمع عشرة عيادات بمختلف التخصصات : صدرية وباطنية وأعصاب وكسور وغدد وجراحة عامة وطب أعشاب . الصالات مزدحمة والممرات تعج بفايروسات الأمراض المتنوعة الساخرة من المُطهِّرات التي يمكن شمّها بيسر ، والسلَّم الوحيد الضيّق محشو ومحشور بالأجساد الصاعدة والهابطة ، والضرس الذي كان يؤلمني ، وترجّيت الطبيب  قلعه قبل أسبوع وعالجه بحشوة ظنَّها ستوقف قطار الألم ، استمرَّ يعاندني بالوجع ويتوعدني بإيلام لا فكاك منه .

 

 

(3)

مَن يأتي من شارع العيادة الشعبية باتجاه الجسر يمر بفم السوق المسقّف ..   سوق يشكِّل  نصفَ جسدِ هذا المرفق الاقتصادي الذي نشأ وحيداً ورئيسياً أوائل القرن التاسع عشر تتفرع منه  أسواق فرعية . فهذا سوق الحدادين وذاك يخص الصفارين وقبله سوق النجارين وآخر  للقصابين ؛ وثمة قيصريات للخياطين والروّافين ونسّاجي العباءات الرجالية وصانعي أخفاف  الرجال الجلدية .. فم السوق هذه الأيام صار عارضةً للافتاتِ المتوفين من سكّان المدينة ؛  واعتاد كل من يواجه السوق قراءة مَن توفِّي ، وفي أي جامع أو حسينية يقام مجلس الفاتحة .  تتراكم اللافتات السوداء إشارةً للفقد المُحزن وبتراكمها يحدوكَ شعورُ أنَّ الموتَ في هذه المدينة  ضيفٌ ثقيل متواجد على الدوام ، أو هو ملمحٌ صارخٌ لازدياد سكان المدينة وتناسل أجيالِها  بعدما كان خبرُ وفاةِ شخصٍ ما ، قبل عقدين من الأعوام أو أكثر ، متباعِداً بأشهر عن خبروفاة آخر .

لم أرفع  رأسي وأنا في الطريق إلى العيادة فالألمُ قاسٍ ومزعجٍ  وبغيض .. أذكرُ لومَ زوجتي  عندما فتحت عينيها في منتصف تلك الليلة المجنونة قبل اسبوع بالوميض والرعد ورشقات  المطر على زجاج النافذة لتجدني رائحاً غادياً داخل الغرفة وقد وضعت كفّي على خدي ، جهة  الضرس البغيض . ومن بين سحابات الكرى وابتسامة مكايدة سمعتها تتساءل : " كيف ستنهي  ترجمة الكتاب وقد وعدت الرجلين ( وتقصد هاشم ومؤلف الرواية ) وصنعت لهما حلماً وردياً.. ها ؟! "

أمس بعثتُ رسالةً الكترونية إلى هاشم أُعلِمُه بألم ضرسي مُعزياً له سبب تأخّر الترجمة ..

 ولم تمر ساعات حتى وجدتُ الردَّ مجموعةَ كلماتٍ قاسية :  " حمزة ؛ سأزعل عليك هذه المرة إنْ لم اقرأ فصلاً مترجماً من الرواية منشوراً في صحيفة  الصباح أو الزمان أو المدى  أو أي صحيفة  عربية تعتد بها .. يا رجل أين حماسك الكبير في ترجماتك الكثيرة ؟! .. هل أثَّرت فيك عيون  الحاسدين ؟ .. ألم تكن تملأ الصفحات الثقافية بمختلف الترجمات ؟ .. أما كنتَ تخوض في  ميادين القصة والرواية والنقد الأدبي وتقفز إلى الكتب الفلسفية والنفسية حتى ؟! ..

 آه ، لوكنتُ أديباً لما ألححت عليك ، ولتوليت الترجمة بنفسي ؟ "

 شعرتُ أنَّ هاشم المسافر مُحقٌّ في لومه ، ولا عذر لديَّ .. نهماً كنتُ في الترجمة إلى ما قبل  السنتين الماضيتين . بل ومهووساً في تحويل ما أقرأه باللغة الانكليزية كوسيط ثقافي إلى كتابة  مُترجَمَة اكتشفتُ أنَّ القراء يُقدمون عليها باشتياق ؛ وأسمع كلَّما رآني احدُهم انهال بالإكبار واسمعني شدواً من الدهشة والزهو .

أرى أنَّ الترجمةَ فعلٌ إبداعي يتطلَّب جهداً وبراعةً وخيالاً كفعلِ النحت الذي يمارسه هاشم  ويجيده ويعلو فيه على احتراف الرسم .. فعلٌ يتشكل من جهدٍ وذائقة وإصرار . والمترجم ، كما  أراه ، شخص انيطت به مهمّة تحويل ما أنتجه الآخر في ضفة إنسانية ليكون مرغوباً ومُحبَّباً  لآخر في ضفة إنسانية أخرى . هذا التنوع في تبادل الأفكار والأشعار والصور السردية يتكينن  فسيفساء مؤرَّجة بعطرِ التعرف على ما ينقله الوسيط من ضفة لضفة .. ما زالت نصائح  اساتذتنا في قسم الترجمة في كلية الآداب تتبارى في مسمعي وهم يردّدون كلام جوته الالماني  ( على المترجم الاقتراب مما يستعصي على الترجمةِ كي يساعدنا على فهم كلِّ أمةٍ ، وكلِّ لغةٍ  غريبةٍ عنّا ) ؛ وما زلت اذكر اعتبارهم الترجمة فعلَ تحدٍّ أدبي وحالةَ اصرارٍ على مواجهةِ مهمّات صعبةٍ وعصيّةٍ تتطلب التهيؤ باستعدادات مَكينة تفكَّ شيفرات النص الذي يُراد ترجمته. 

وكنتُ كلَّما هممتُ بمحاولةِ ترجمةِ نصٍّ بعد قراءته والاقتناع به توقفتُ كثيراً لأستذكر إحدى النصائح على الأقل تلك التي تشير إلى أنَّ الترجمةَ " خيانةٌ خلاقة " تُفهم الذات بالآخر ؛ والمترجمُ خائنٌ يبرع بإثبات نزاهته من خلال تفاعله مع ذلك الآخر لتقديمه لقارئ يجهله .

تلك الخيانة الممتعة ؛ وذلك الخائن البارع  يشكِّلان شرفةَ خلقٍ جميل لبستان تطلُّ على اشجارهو ثماره وسواقيه عيونٌ نهيمة وشغيفة تحدوها الرغبة في التمتع والاكتشاف .

الترجمةُ خلقٌ ؛ المترجمُ خالقٌ ..

 أمّا النصُّ المُترجَم فدنياً جديدة تداخلَ في صنعِها خالقان : خالقُ ما قبل الترجمة وخالقُ ما بعدها . 

وكلاهما يغذيّان القارئ بعسلِ الخَلق الجميل فيعملان تلاقحاً بين ثقافتين ؛ بين ذائقتين ؛ بين أمَّتين .

من هاتيك النظرة توالد حبّي للترجمة . ومن هذا التلاقح في الوعي والذائقة صرتُ أرى قرائي اخواني وابنائي مثلما اخواتي وبناتي ..  تلزمني مهمَّةُ ارواءِ عطش نفوسهم الظمأى بنمير ثقافة الشعوب الأخرى واشباع بطونِ رغبتِهم بفاكهةِ المعرفةِ الانسانية .. ولقد أثنيتُ على هاشم المسافر عندما بعث لي الرواية الدنماركية لأحوِّلها الى مأدبةٍ يلتفَّ حولَها عشّاقُ السرد ،فيأكلون ويشربون ،

 ومن ثم يتكئون على مساند  كراسيهم وقد امتلأوا  فاسترخوا ، فأثنوا ، فشكروا ؛ فطالبوا بمأدبة أخرى فيها المزيد والمزيد من عسلِ المتعة وماءِ نميرِ الجَّذَل .

 

 

زيد الشهيد


التعليقات




5000