..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


دهشة المبنى والمعنى

عبد السلام مصباح

  

في

ديوان

(تنويعات على باب الحاء)

للشاعر

عبد السلام مصباح

د. مصطفى الشاوي 

 

      سَيِّدَتِي،

      مِنْ عُمْرِي الْبَاقِي جِئْتُ إِلَيْكِ،

      لِنُرَتِّبَ أوْراقَ الْبَوْحَ

      وَنَرْشِفَ مِنْ سِحْرِ الْحَرْفِ

     غِوَايَاتِ الْحُبِّ...

  

       لم يعد النص الشعري الحديث كما كان في الماضي، وفي عرف النقد الكلاسيكي، مجرد وثيقة تاريخية أوسياسية نستطيع عبرها الاقتراب من واقع الأديب وعصره وبيئته، بل أصبح مقوم اللغة مرتكزا أساسيا في النظر إلى الأدب وإلى النص الشعري الحديث تحديدا، إذ "ليس الأدب إلا لغة، أي نظاما(Système) من العــلامات (Signes). إن حقيقته ليست في الرسالة (Message) التي يريد أن يؤديها، وإنما هي كامنة في هذا النظام بالذات" .

       من هذا المنظور أصبحت التجارب الشعرية الحديثة تراهن، أكثر من  غيرها، على دور المتلقي في إعادة إنتاج النص وتحقيق التفاعل المشترك المنشود قراءةَ وتأويلاً، والذي يصبح القارئ بمقتضاه منتجا لا مستهلكا، وفاعلا لا منفعلا، ومحددا لمواقع اللاتحديد التي يحفل بها النص الشعري الحديث، إن لم نقل بأنها من أهم مميزاته الفنية والجمالية. وهكذا يغدو التفاعل شرطا أساسيا لكل قراءة لأن النص لا يقدم إلا مظاهر خطاطية استنادا إلى أن "للعمل الأدبي قطبين (قد نسميهما): القطب الفني، والقطب الجمالي الأول هو نص المؤلف والثاني هو التحقق الذي ينجزه القارئ" .

       نستضيف في هذه المقاربة، وتأسيسا على الاعتبارات السالفة، تجربة دالة وغنية، فريدة ومتميزة، راقية ومدهشة، إنها للشاعر المغربي الكبير عبد السلام مصباح شاعر اكتوى بنار الكلمة المحرقة وأحب القصيدة حتى الهيام، من مواليد مدينة الشعر والشعراء شفشاون ومترجم عن الإسبانية، عضو اتحاد كتاب المغرب، عضو فاعل في جمعيات ثقافية فاعلة، وعضو في دار ناجي نعمان بلبنان، صدرت له أعمال شعرية، منها ديوانه الموسوم بـ (تنويعات على باب الحاء) الصادر عن مطبعة القرويين بالدار البيضاء. ديوان شعري مثير يستحضر فيه الشاعر عصارة تجربته الشعرية والإبداعية، وتصوره الناضج للقصيدة العربية والغربية في أبهى تجلياتها. ويذكرنا الديوان موضوع هذه المقاربة بديوانه السابق (حاءات متمردة) الصادر في أبريل 1999.

  

      1 ــ دهشة العتبات/ التشكيل والانشطار:

        لا شك في أن قراءة العمل الأدبي والشعري تحديدا تقتضي استنطاق عتباته الأولية ومؤشراته الشكلية والجمالية الخارجية لأنها تساعد القارئ على فهم النصوص وتأويلها تأويلا عميقا ومبررا؛ وإذا تأملنا عنوان الديوان الشعري الذي نروم مقاربته في هذا السياق (تنويعات على باب الحاء) ألفيناه يتألف من أربع مركبات، أولها المركب الإسمي (تنويعات)، وهو جمع لتنويع، وتدل على الاختلاف والتعدد في النوع أي الصنف، والكلمة الأولى في العنوان خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذه، و(على باب الحاء) شبه جملة تتألف من حرف الجر (على) الذي يفيد الظرفية المكانية، في حين أن لفظة (باب) إسم مجرور، يعني المدخل الذي قد يتشكل من إطار يسمح منه بالدخول، كما قد يقود من حيث وظيفته إلى مكان محدد مغلق أومفتوح، له خصوصيته ومؤثثاته التي تعينه وتدل عليه وبدونه يتعذر الدخول إلى الفضاء الخاص به دون غيره.

     و(الحاء) حرف من الحروف العربية، وهو صوت حلقي واسْتُعْمِلَ للدلالة على معاني كثيرة ومتعددة، ورغبة في خلق الدهشة لدى القارئ لإمكانية انفتاحه على دلالات تأويلية تختلف باختلاف المؤشرات اللسانية وغير اللسانية التي من الممكن للقارئ أن يعتمدها كرمز له دلالات تأويلية، تَعمَّد الشاعر اختزالها وإخفاءها، انسجاما مع قول الشاعر:

  أمْطَرَتْ الحاءُ مَواويلَ

  تَشَكَّلَتْ بَيْنَ خَلايانا غيْمَةٌ

  مُمْتَلِئَةٌ باِلْأزْمِنَةِ الْحُبْلَى

  بِالحُلْمِ الْمُخْضَوْضَرِ

  وَالْفَرَح...

      ترى ما مدلول الحاء وما هي إيحاءاتها ورمزيتها؟ أهو امتداد لمدلول (الحاءات المتمردة) في الديوان السابق؛ الحب، وحواء، والحلم، أم أنها تتمرد بدورها على هذا المدلول، أي هل ترسم أفق انتظار مغاير وتفتح الباب على مدلولات جديدة تولدها قصائد الديوان أم أنها تحافظ على نفس الأفق بمختلف مكوناته التجنيس والتخييل والتناص ؟ 

  اَلْحاءُ،

  حَيَاةٌ تَتَغَلْغَلُ في الْأَفْعالِ

  وَتَنْشُرُ جَدائِلَها

  لِجَسَدٍ مَزَّقَتْهُ أَرْصِفَةُ الْغُرْبَة .

     تتناغم لوحة الغلاف مع عنوان الديوان على أوجه متعددة  شكلا ومضمونا؛ فعلى المستوى الأول تؤشر طريقة كتابة العنوان، وخاصة لفظة باب التي كتبت عمودية الشكل، على الشكل الهندسي للباب، وكأن الشاعر عمد إلى رسم الباب بالحروف الدالة عليه؛ إذ يبدو للمتأمل وكأن حرف الباء الأول يمثل قمة الباب، وحرف الباء الثاني يشكل عتبة الباب، في حين أن حرف الألف يؤشر على طول الباب الملائم لقامة الشخص. والباب مكون أساسي في العتبتين معا، إلا أن باب لوحة الغلاف موصد مما ينم على أن الولوج إلى العالم الشعري للشاعر عبد السلام مصباح يقتضي الاستئذان قبل الدخول بطرق الباب والاستعداد لفتح أزرار حروفه، وفك ألغاز حرف الباء تحديدا، خاصة أن جمالية شكله الهندسي العتيق والأصيل ولونه الأزرق اللافت الوضاح الذي يحيل على لون البحر والسماء يغري القارئ باقتحام عوالمه والغوص في تخومه بساتينه الوارفة.

نَوْرَسَتي،

حينَ أطْلقَتْ عَيْناكِ

عَلى قَلْبي

الطَّلْقَةَ الأولى

عَرْبَدَتْ في بُسْتانِ الْعُمْرِ خُيولُ الْحُلْمِ

وَألْقَتْ حَنينَهَا

وَفاكِهَةِ أنُوثَتُكِ

في الصَّدْرِ

فَتَسامَقَتْ نَخْلَةُ الألف .

       وبؤرة الديوان قصيدة (اعتراف) التي يتخذ الشاعر فيها الحرف رمزا لتشكيل المدلول الشعري ويجزئ الكلمة بحسب عدد حروفها ويوزع النص الشعري إلى أربعة مقاطع يؤشر كل منها على حرف من حروف كلمة (أحبك) فيفرز كل حرف صورة شعرية منسجمة ومتناسقة ومبهرة:

  وفي الثَّانِيةِ

  أمْطَرَتِ الْحاءُ مَواويلَ

  تَشَكَّلَتْ بَيْنَ خَلايا غَيْمَة

  مُمْتَلِئةً بِالْأَزْمِنَةِ الْحُبْلَى

  وَبِالْحُلْمِ الْمُخْضَوْضَرِ

  وَالْفَرَحِ...

  وَإيقاعاً/ يُوقِدُ فِينا

  نَارَ الْحَرْفِ الْمِعْطاءِ

  وَالدَّهْشَة .

  

        2 ــ دهشة تشكيل المبنى/التكثيف والاختزال:    

       يسعى الشاعر إلى أن  يدهش القارئ عبر تقنيات فنية كثيرة منها التكثيف والاختزال، ولا يحدد كل شيء في النص؛ أي أنه يجعل النص لا يقول كل شيء، ويترك فسحة من الفراغ ومساحات من الصمت ومواقع النفي واللاتحديد (l'indéterminationلكي يزاول القارئ مهامه، ويجتهد في البحث عن لآلئ مضامينه وجواهره. ذلك أنَّ"ما يُذْكَرُ لا يكون له معنى إلا كمرجع لِمَا لم يُذْكَر" . وبذلك ينتقل النص الشعري من مجال الكمون الضمني إلى مجال التحقق الفعلي عبر فعل القراءة الفعالة الكفيلة بإحياء النص والتعرف على أسراره الخفية والتي تغدو القصائد في ضوئها ورودا وأزهارا ورياحين تعكسها اللغة الشعرية المكثفة والصور الفنية الراقية في كثير من قصائد الديوان:

  وَرْدِيٌّ

  تَزَوَّدَ

  مِنْ قَنْديلِ الشَّفَقِ

  مِنْ زَخّاتِ الْفَجْرِ

  وَخَضَّبَ

  عُشْبَ الْحُلْمِ

  ثُمَّ...

  تَمَدَّدَ

  بَيْنَ هَسيسِ الشَّفَتَيْنِ .

        ولعل المتأمل في عناوين قصائد الديوان يلمس الطابع الوصفي والتقريري الذي يهيمن على أغلبها، من ذلك مثلا القصائد التي وسمها الشاعر بصفة (بطاقات)؛ وتختلف تركيبة العناوين من حيث عدد الكلمات التي تتألف منها، فمن العناوين ما جاء مختصرا في كلمة واحدة مثل: (اعتراف، اتهام، طموح، تقابلات، ممثلة، زيارات). ومن العناوين ما جاء مؤلفا من كلمتين (عيد ميلادك، حلم ثان، مرسوم ثان، الطفل القدسي). في حين تأتي عناوين أخرى مؤلفة من ثلاث كلمات (ارتجاح العشب الأخضر، بطاقات إلى الغاوين، بطاقات إلى شاعرة، بطاقات إلى العراق). وما يتألف من أربع كلمات (في البدء كانت الحاء، بطاقات إلى أبي الجعد، بطاقات إلى المدينة الفينيق)، وهذا الاختلاف يعكس الطابع التشكيلي والفني والجمالي الذي يسم قصائد الديوان.

      والملاحظ أن الشاعر يعتمد نظاما تأشيريا مدهشا عندما يثبت العنوان في صفحة مستقلة سابقة عن النص، وكأنه بذلك يترك مسافة ومساحة جمالية بين رأس النص وجسده، تحفز القارئ على حب الاستطلاع. وغالبا ما يأتي العنوان مسبوقا بإهداء، يحدد المَعْنِي بِه بالاسم والصفة، وهو دليل على رحابة قلب الشاعر ومؤشر على الحب الكبير الذي يكنه للآخرين، وللأوفياء منهم على وجه التحديد، وقد يمتد امتدادا فيشمل كل إنسان، أين ومتى ما كان وسيكون، إنها رسالة سامية وراقية تنم عن رهافة إحساس الشاعر ونبل مشاعره وعواطفه.

     وما يثير انتباه القارئ أيضا كون الكتابة تنحاز نحو يسار القارئ، أي يمين الصفحة، وتارة نحو يمين القارئ، أي يسار الصفحة، وكأن الشاعر يريد بذلك تقريب النص من القارئ، من خلال وضعه في الواجهة التي تيسر قراءته. وهكذا تتأرجح الكتابة بين اليمين واليسار بشكل قصدي، وبدل أن تبتدئ الأسطر الشعرية في مستوى واحد تنتهي في مستوى واحد وتبتدئ في مستويات متعددة حسب حجم السطر الشعري، وهو توزيع يدهش القارئ ويحفزه على البحث عن علاقته بمدلول النصوص الشعرية حسب طريقة كتابتها.

      وما ينم عن شغف الشاعر بالحرف، وشغف تشكيل حرف الحاء تحديدا، كون عنوان الديوان يمتد إلى جل القصائد الشعرية، كما يتجلى ذلك في عنوان المجموعة الأولى في الديوان (في البدء كانت الحاء)، والذي يضم أربع شذْرات شعرية (نورسة)، (الوردة الأولى)، (الوردة الثانية)، (القبلة) ولا يتجاوز كل منها بضعة أسطر شعرية. ويزداد شغف الشاعر بالحرف أيضا في اطراد استعمال بعض الملفوظات الشعرية الدالة عليه بشكل مباشر، من قبيل؛ (أزار الحرف، سحر الحرف، أشرعة الحرف، ضوء الحرف، باب الحرف، نخلة الألف...).

      ومن مظاهر الدهشة، على مستوى البناء، الميسم التشكيلي القائم على الحرف، في عدة مواضع متفرقة في الديوان، مع كلمة (باب) في عنوان الديوان وكلمة (قبلة) في قصيدة تقابلات وكلمة (ممنوع) في قصيدة(مرسوم ثان)، وكلمة (حسيمة) في قصيدة (بطاقات إلى مدينة الفينيق)، وكلمة (عراق) في قصيدة (بطاقات إلى العراق)، ولا شك في أن كتابة الكلمة متشظية وبشكل عمودي ينم عن رغبة الشاعر في إثارة انتباه القارئ إلى أهمية المدلول الذي تؤشر عليه الكلمة المنشطرة إلى شظايا متناثرة وأطراف مترامية، كما يبرز البعد التشكيلي والفني الذي يميز الحرف العربي من حيث رسمه في تشكيل النص الشعري باعتباره أيقونة جمالية دالة صوتا وتشكيلا ورمزا؛

  كَانَتْ تَأتيني

  في لَيْلات الصَّيْفِ الْقَمَرِيَّة

  وعلى شَفَتَيْها سَيْلُ رُؤى

  أو طُوفانَ قُبَل،

  تنثرها بين يَدَيَّ

  بَياضَ قَصيدَة

  مُتْرَعَة

  بالْحَرْفِ الْمُثْقَلِ بِالثَّمْرِ

  وبِالْجَمْرِ...

       وإذا كان الديوان قد اسْتُهل بأربع شذرات شعرية، يحمل كل منها عنوانا خاصا، وتحمل جميعها عنوانا مشتركا، فإن الشاعر اعتمد في النصوص السبعة عشر المتبقية فواصل مغايرة؛ والملاحظ في هذا الأمر اطّراد توظيف الفاصل الطباعي الرقمي والفاصل الخطابي كليهما، إذ يتحكمان في بناء وتشكيل جل النصوص الشعرية، وكأن الشاعر يريد أن يؤكد الطابع المقطعي لقصائده بتوظيف الفاصلين معا.

       وفي بداية كل مقطع من مقاطع قصائد الديوان تتكرر ملفوظات شعرية بعينها تُحكم بناء النص الشعري وتمنحه نغمة موسيقية من خلال الإيقاع الذي تولده بين الفينة والأخرى، كما تتحقق انسجام أجزاء النصوص وتشد انتباه القارئ؛ إذ يتكرر الفاصل الخطابي (سيدتي) أربع مرات في قصيدة (ارتجاح العشب الأخضر) ومرتين في قصيدة (طموح) وأربع مرات في قصيدة (سيدتي تفتح للعشق خزائنها) وخمس مرات في قصيدة (ممثلة) وأربع مرات في قصيدة (بطاقات إلى شاعرة) كما تستهل قصيدة (اتهام) بنفس النبرة والأسلوب الدال على النداء. 

      وتؤشر بعض الجمل على هندسة النص الشعري، مثال ذلك؛ لفظة (نورستي) التي تتكرر أربع مرات لتؤشر على بداية كل مقطع من مقاطع قصيدة (عيد ميلادك). وتتكرر جملة (أحلم...أحلم بامرأة قادرة) ست مرات في قصيدة (حلم ثان) لتؤشر على بداية المقاطع وتؤكد الملفوظ الشعري الذي يسعى الشاعر إلى تأكيده، في جين تتكرر الجملة الشعرية (كانت تأتيني...) خمس مرات في قصيدة (زيارات) التي تتألف بدورها من خمسة مقاطع شعرية. وتتردد عبارة (كانت تأتيني..) خمس مرات في قصيدة (زيارت) لتؤشر على بداية مقاطعها الخمسة.

      كما تُستهَلُّ بعض النصوص الشعرية بفواصل خطابية حيث تتردد جملة (جموع الأحبة) كفاصل خطابي ست مرات في قصيدة (بطاقات إلى الغاوين) وأربع مرات في قصيدة (بطاقات إلى أبي الجعد). وتتكرر لفظة (ممنوع) في قصيدة (مرسوم ثان) في بداية كل مقطع من مقاطع القصيدة، باستثناء المقطع الأول الذي عنونه الشاعر بعنوان فرعي (استهلال) والمقطع الأخير الذي وشمه بعنوان فرعي (خَرْجة) والذي اكتفي فيه الشاعر بترديد لفظة ممنوع خمس مرات، وعمد الشاعر إلى تقطيع الكلمة إلى حروف فاصلا بينها بنقط الحذف.

       جاءت قصائد الديوان مختلفة من حيث الطول والقصر وتعتمد أسطرا شعرية تتأرجح بين المد والجزر ويغلب الإيجاز على جل الأسطر الشعرية، وقد يكتفي السطر الشعري بكلمة واحدة، وتارة حرفا واحدا، عندما يكسر الشاعر الكلمة ويوزع أحرفها على الأسطر الشعرية فتبدو منحدرة من الأعلى إلى الأسفل؛

  بِاسْمِ الْجُرْحِ الْغائِر

  وَالْجُرْحِ الْمورِقِ

  وَالْحُلْم الْمُغْتالِ...

  وَبِاسْمِ الْجَسَدِ الْمُجْهَدِ

  وَالْقَلْبِ الْمَثْقوبِ

  بِألْفِ خِيانَه...

  مَمْنُوع،

  مَمْنُوع مَمْنوع،

  مَ...

  مْ...

  نُ...

  و...

  ع...

      ويحسن الشاعر عبد السلام مصباح شذب قصائده ليجعلها خالية من كل الشوائب والزوائد والتوابع فتغدو نصوص الديوان ضامرة منقحة بعناية فائقة تنم عن دراية عميقة بمقومات الكتابة الشعرية، وتكشف عن خبرة واسعة في مجال الفن الشعري. كما يحسن حبك بداية القصيدة ونهايتها ويتحكم في سيرورتها البنائية وأوضاعها المقامية. وفي كل قصيدة من قصائد الديوان يلاحظ القارئ احتفاء الشاعر بالشكل الهندسي لنصوصه والحرص على تأثيث مقاطعها على الوجه الجمالي المطلوب لتبدو لوحات فنية محكمة البناء والتشكيل.

  

    3ــ دهشة المعنى/ المدلول المنزاح: 

        تسترفد القصيدة معانيها ودلالاتها من مختلف مكونات النص الشعري التأشرية والإيقونية والرمزية، إذ تأتي منسوجة على شكل شبكة من العلاقات الجامعة التي تبين مستويات التلفظ الشعري ويحكم الشاعر نسج خيوطها ويحسن اختيار عناصرها وانتقاء مكوناتها المعجمية الملائمة والمنسجمة مع الفكرة التي يريد الشاعر أن يرسمها تناغما مع  نوع الإحساسات وأشكالها التي تسكن الذات الشاعرة وتريد نقلها إلى القارئ. وتنبني القصيدة على حسن المواءمة بين المختلف لخلق وابتكار المؤتلف على المستوى الفكري والفني؛               

      ويلاحظ القارئ حضور نوعين أساسين من المعجم حسي ومعنوي، ومن أمثلة النوع الأول؛ (ماء، ورد، نخلة، زهور، نجوم، أوراق، أرض، كون، واحات، ليل، لوز، دفلى، رياحين، حجر، براكين، بحار، دالية، عناقيد، جمر، بستان، صفصاف، نورسة، عصافير...) ومن أمثلة المعجم الحسي (سر، ريح، سحر، هسيس، حلم، مدارات، هديل، فرح، دهشة، بوح، عشق، حب، صمت، وجع، أحزان، قحط، شوق، همس، إصغاء، سعد، روح، لحظة، فيض، تلاحين، تلاوين...). وتنخرط جل الصور الفنية ضمن رؤيا فكرية تؤطر تجربة الشاعر وتصدر عنها مختلف قصائد الديوان لتشكل منظومة من القيم الفكرية والفنية والجمالية محورها الخصب والحب والجمال:

  سَيِّدَتِي،

  مِنْ عُمْرِي الْباقِي جِئْتُ إلَيْكِ،

  تُهَدْهِدُنِي نَبَضَاتُ الْقَلْبِ

  وَوَحْشَتُكِ

  كَيْ نَخْتارَ جُسورَ الدَّهْشَةِ،

  وَالزَّمَنُ الْفاصِلُ أعْشَبَ رُمَّانا في مَرْجِ الْحاءِ

  وَفِي أعْلَى قِمَمِ الْبَاء...

      ويمكن للقارئ أن يميز، على المستوى التركيبي، بين مستويات تعبيرية وأسلوبية كثيرة لعل أهمها التركيب الإضافي الذي غالبا ما يمزج الشاعر فيه بين الحسي والمعنوي فيولد انزياحا دلاليا وصورا فنية، من قبيل (أوراق البوح/ قنديل الحب/ حبات القلب/ جسور الدهشة/ قمم الباء/ مرج الحاء/  خبز الحرف/ واحات الدهشة/ نيران الشهوة/ أشجار الضوء/ خبز الوقت/ ضوء الحرف/ أجنحة الصمت/ عناقيد الحلم/ صفصاف الحب/ جنون الحرف/ عناقيد البوح...). وقد تشكل متوالية من الألفاظ شبكة من الصور الفنية المركبة، وهو ما يطبع اللغة الشعرية في قصائد الديوان بوجه عام، من أمثلته الجمل الشعرية التالية:

ـ لِنُؤَثِّثَ بِالْحُلْمِ فَراغات الْعِشْقِ.

ـ وَالزَّمَنُ الْفاصِلُ/

 أعْشَبَ رُمّاناً/

في مرْجِ الْحَاء. 

ـ وَتَضُخُّ في أوْرِدَتي شَوْقاً/

يكفيني العُمْرَ/

وترحَلْ. 

ـ يُفَجّرُ في عَيْنَيْكِ/

بَراكينَ الْبَوْح/

ليزرعَ فينا أشجار اللوز. 

       واستنادا إلى ما سبق، يتضح أن التجلي الجمالي في الديوان يتبلور ويُترجَم على مستويات تركيبة وتعبيرية متعددة، الغاية منها الرغبة في الإدهاش وذلك بخلخلة بعض الثوابت والمعايير والقواعد التي تَعوَّدَ عليها القارئ وذلك باعتماد تقنيات فنية مغايرة شكلا ومعنى، قصد استنبات مقومات فنية جديدة تنسجم مع الرؤيا الشعرية التي تصدر عنها نصوص الديوان، وتتناغم والمنظور الفكري للزمن الذي تعالجه وتواجه إكراهاته وتحدياته ومفارقاته، وذلك بإعادة تشكيل البياض، وطريقة توزيع السواد على الصفحة، والتقديم والتأخير، وتكسير الكلمة إلى حروف، واعتماد لغة تخلق الانزياح على مستويات متعددة، كل هذا وغيره كثير في الديوان، يعكس تصور الشاعر للواقع المرفوض، لأنه لا يحقق للذات أحلامها وأمانيها ومتطلباتها، إنه عالم مأزوم يعمه الدمار والخراب؛

  عِرَاقُ...

  سَلاما...

  سَلاما...سَلاما...سَلاما...

  أتينا مِنَ المْاءِ لِلْماءِ

  مِنْ صَفَحاتِ الدِّماء الضِّياءِ

  لِنَنْشُدَ أَشْعارَنا

  وفي الْحَلْقِ جَمْرٌ

  وفي الْقَلْبِ جُرْح

  وفي الْحَرْفِ نَارٌ

  وثَوْرَهْ.

       ولعل الرهان الفكري الذي يسكن الديوان يتمثل في كون الشاعر يسعى من داخل هذا الانشطار إلى تحقيق التوازن والمواءمة الفنية بين الأشياء والمتناقضات لخلق الانسجام وهو ما تسمح وتطمح إليه القصيدة حين تسعف العبارة الشاعر في لحظات صفاء النفس قصد تأثيث عالم جميل يريح القارئ حين يحرك فيه حب الطبيعة وحب الآخر وحب القصيدة. فيغدو عالم القصيدة عند الشاعر عبد السلام مصباح مفتوحا على المتلقي عموما سواء المعني بالإهداء بالاسم والصفة أو القارئ الضمني الذي لا يذكره الشاعر ولكنه يسكن نصوص الديوان وتبلوره مختلف مستوياه الفكرية والفنية والجمالية.

       القصيدة عند الشاعر حلم جميل يراود الذات في لحظات النشوة  فيخلق لديها الإحساس بالزهو والشعور بالمرح فيقتحم عالم الحرف ليحطم جدران الصمت ويقيم عالم القصيدة على دعائم الحب والخير والحق. وحدها القصيدة تقود إلى عالم الدهشة لأنها تعبر بالذات من العالم المألوف إلى العالم الحالم المأمول حيث تتخلص من الشوائب والعوائق والقيود التي تكبل طموحاتها ورؤاها وتفقدها توازنها النفسي وشوقها الروحي وتألقها الشعري، فتغدو القصيدة نورسة تنشد مواويل الحلم وتفتح أبواب البوح وتلج بالذات الشاعرة وبالقارئ عالم الصمت والدهشة:

  نَوْرَسَتِي

  في ميلادِكِ

  آتِ إليْكِ

  وَفي الْكَفِّ

  جُنُونُ الْحَرْفِ

  وَجَمْرُ الْحُبِّ الْمُتَوَقِّدِ

  وَالْعُمْرُ الْعَذْب...

  يَتَمَلَّكُني

  يَأْسِرُنِي الْفَرَحُ الْمُتْخَمُ

  بِالشَّوْقِ

  وَبِالْعِشْقِ

  بِحَبَّاتِ الْكَرَزِ المُشتهاةِ

  لنُشْعِلَ فِي لُغَةِ العشاق

  وفي الكَوْنِ

  مَواويل

  ونَشْرَبُ نَخْبَ الزَّمَنِ الْمُتَوَهِّجِ

  نَخْبَ الزَّمَنِ الآتي

  نَخْبَ الكلمة.

       وتظل اللحظة الشعرية ميقات ميلاد القصيدة وموعد منتظر للتعبير عن الإحساس بالجمال والشعور بنشوة الشعر ونشوة الحب الذين يتجادلان بقوة في رؤيا الشاعر عبد السلام مصباح الشعرية من خلال التفاعل الإيجابي مع المكان ببعديه الثقافي والتاريخي، الجغرافي والجمالي، في نصوص شعرية كثيرة منها قوله:

  حُسَيْمَةُ،

  سَلاما...

  سَلاما أيَّتُهَا الأَرْضُ الْبَهِيَّةُ الطَّيِّبَةُ،

  الْمُفْعَمَةُ بِأرِيجٍ التّاريخِ،

  يا مَدينَةً أسْكَنَتْني عَيْنَيْهَا

  وَقَيَّدَتْنِي بِالْهَوى

  وَبِالْحَنين...

      وتغدو القصيدة في ديوان (تنويعات على باب الحاء) لحظة احتفاء بالآخر، واعترافا بجميله، ومولد احتفاء باللحظة الواعدة ومكانتها في القلب والشعور، فتمتد الذات الشاعرة عبر القصيدة لتقتحم عالم الآخر، وتجعله ينخرط في فضاء عالمها الشعري وزمانه المفعم بالحب والخصب والجمال. ولكي تدب الحركية في القصيدة، وتعرف دينامية متواصلة، يشخص الشاعر عناصر الطبيعة بمختلف مكوناتها الصائتة والصامتة، ويعمد إلى أنسنتها ليكتشف من خلال مناجاتها طبائع الأشياء التي تتراءى في عناصر الطبيعة وآيات الكون ولا تتراءى على حقيقتها في الذات البشرية؛

  نَوْرَسَتي،

  حينَ أطلقتْ عَيْناكِ

  عَلى قَلْبي

الطَّلْقَةَ الأولى

  عَرْبَدَتْ في بُسْتانِ الْعُمْرِ

  خُيولُ الْحُلْمِ

  وألْقتْ حَنيتَها

  وفاكهة أنوثتِكِ

  في الصَّدْرِ

  فَتَسامَقَتْ نَخْلَةُ الألف .

       أحب الشاعر عبد السلام مصباح القصيدة حبا مميزا فأحبته وسكنت وجدانه وعواطفه وقلبه، وعشقها فعشقته عشقا فريدا ومتفردا، وأخلص لها فوهبته نفسها طوعا ورحل وإيَّاها في رحلة طهر وصفاء وضياء فاحتوته وتملكته إلى درجة التوحد والحلول، فأصبحت هي شخصه الذي يدب على الأرض، وأصبح هو ذاتها القصيدة التي يقرأها القارئ فتفتنه ببهائها وتدهشه برونقها، تلك الفاتنة التي تنشد الجمال المطلق في كل شيء في الوجود، وتتغنى بالحياة وباللحظة الواعدة والموعودة، فتتجلى في رؤاه الشعرية، وفي حاءاته، حاء حواء، وحاء الحب، وحاء الحلم وحاءات أخري في طي المضمر.

       وتأسيسا على هذه الاعتبارات يغدو الإدهاش هو السمة الجمالية المميزة لنصوص الشاعر عبد السلام مصباح، وديوان (تنويعات على باب الحاء) تحديدا، لاستنادها في تبنينها إلى جملة مقومات صوتية وتركيبية ودلالية وتداولية وفي ارتكازها على طريقة تشكيل مثيرة لانتباه القارئ، في مختلف مقوماتها الفنية ومستوياتها التعبيرية وتجلياتها المقالية والمقامية، ذلك أن دهشة القارئ تتحقق على المستوى الجمالي استنادا إلى خصوصية النصوص الشعرية والأدبية عامة شكلا ومضمونا؛ ويظل النص الشعري "مدونة حدث كلامي ذي وظائف متعددة"  مفتوحا على قراءات أخرى ممكنة.

  

ملاحظة :

                  ـ قدمت هذه الدراسة بمناسبة احتفاء الجمعية المغربية للتنمية والتعاون بالشاعر والمترجم عبد السلام مصباح، في لقاء تواصلي، تحت شعار (حتى لا يهمش الشعر، ويبقى الشاعر في الذاكرة)، وذلك يوم السبت 19 دجنبر 2015 بقاعة خزانة "لامارتين" مرس السلطان الدار البيضاء.

  

هوامش

   ـ تنويعات على باب الحاء، شعر عبد السلام مصباح، الطبعة الأولى، مطبعة دار القرويين/حي الأسرة الدار البيضاء، أبريل 2011، ص19.

   ـ R. Barthes: Essais critique, ed seuil, 1964, p 257

   ـ  w.Iser :"l'acte de lecture: théorie de l'effet esthétique", op.cit, p 48

   ـ نفسه، قصيدة اعتراف، ص15.

   ـ  بطاقة إلى المدينة الفنيق، ص115.

 ـ نفسه، ص116. 

 ـ  اعتراف، ص15.

  W.Iser: the reader in the text, p :106   ــ 

  ترجمة الجيلالي الكدية ، دراسات، سال، العدد 7، 1992، ص 7.

  ـ الوردة الأولى، ص10.

  ـ  زيارات، ص71.

   ـ  مرسوم ثان، ص79.

   ـ  ارتجاج العشب الأخضر، ص20.

  ـ  ارتحال العشب الأخضر، ص21

  ـ نفسه، ص20.

   ـ  اتهام، ص27

  ـ طموح، ص31.

   ـ  بطاقات إلى العراق، ص 108،109.

   ـ عيد ميلادك، ص38، 39.

   ـ قصيدة بطاقات إلى المدينة الفنيق، ص113.

   ـ اعتراف، ص15.

   ـ محمد مفتاح : تحليل الخطاب الشعري، الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي 1985، ص 120.

 

عبد السلام مصباح


التعليقات




5000