..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الدكتور هادي حسين حمود كما رأيته

جواد عبد الكاظم محسن

 

    في ثانوية المسيب للبنين كانت بداية معرفتي بالمرحوم الدكتور هادي حسين حمود ؛ يومها كان من ألمع المدرسين فيها ، ولم يكن قد أكمل دراسته العليا بعد.

    كنت في الصف الأول المتوسط سنة 1966- 1967م ، ومن المجتهدين في الدراسة والبارزين في الصف إن لم أكن في مقدمتهم ، وكان مدرسنا في مادة العلوم الأستاذ فوزي النجار من أهالي بغداد ، ولأنني أحبه كإنسان طيب ومدرس كفوء ومخلص فقد كنت من المائزين في درسه ، وذات يوم طلبني للحضور بعد مغادرته الصف وبدء الفرصة ، فذهبت مسرعا ودخلت غرفة الإدارة التي كان مكتظة بالمدرسين ، ورأيت الأستاذين فوزي وهادي يقفان معاً وانتبها لدخولي فقدمني الأستاذ فوزي بفخر :

- هذا هو تلميذي جواد الذي حدثتكم عن ذكائه ..

    وعلت وجهي حمرة الخجل وأنا أقف وسط غرفة المدرسين وجميعهم ينظر إليّ ، فابتدرني الأستاذ هادي بصفته من أهالي مدينة المسيب بينما كان أغلب المدرسين الآخرين من بغداد والحلة :

- أين يقع بيتكم في المدينة ؟ ومن أبوك ؟

    وأجبته واستدل إلى مكان سكني ، ولكنه لم يتذكر أبي الذي مرّ على وفاته أكثر من اثني عشر عاماً ، إذ رحل إلى عالم الخلود قبل ولادتي ببضعة أشهر !!

    ولاحظت غمامة من الحزن غطت وجهه كما هو وجه الأستاذ فوزي حين علم بيتمي المبكر ووفاة والدي الذي حصل قبل مجيئي لهذه الدنيا !! فغيّر الحديث مباشرة نحو الدراسة ، ونقل لي رضا المدرسين عني ، وأثني على ما عرفه منهم من أخلاقي واجتهادي ، ثم شكرني الاثنان وانصرفت .

    وبعد ثلاثة أعوام درسني الأستاذ هادي حسين حمود في الصف الرابع العام مادتي التاريخ والاجتماع ، ومن هنا بدأت بيني وبينه مودة واحترام وصداقة كأفضل ما تكون بين تلميذ وأستاذه ، وتضاعفت هذه المودة في الصف الخامس الأدبي حين درسنا التاريخ الإسلامي ، وهو اختصاصه .

    كان قد أصبح معاونا لمدير المدرسة منذ وصولي إلى الصف الثالث المتوسط ، ولكنه واصل التدريس رغم اهتمامه البالغ بالإدارة ورعاية شؤون الطلبة ومشاكلهم التي لا تنتهي .

    كان درسه ماتعا ويشدني إليه لغزارة معلوماته وعلميته العالية ومناقشته لطلبته في كل ما ورد في الكتاب وتحليله ، ولم يكن درسه يخلو من طرفة أو حكاية فيها عبرة ، أو استشهاد بأبيات شعر أو آية قرآنية مما يزيدني إقبالا على درسه .

    أخبرنا في الصف الخامس الأدبي بضرورة اختيار عنوان لبحث تاريخي وكتابته ، وقد ساعدنا جميعا في اختيار العناوين ، وأرشدنا إلى المصادر ، وعلمنا كيفية الكتابة ، ولاحظت اهتمامه بهذا الموضوع كثيرا ؛ وقال سأخصص نهاية كل درس بضع دقائق لمناقشة بحث كل طالب واختباره فيما كتب .

    لم أخبره بعنوان بحثي كما أخبره الآخرون مقدما ، ولم يسألني عنه ثقة بي ، ولما أكملت البحث سلمته مع بقية الطلبة في الموعد المحدد ، وبقيت انتظر يوم مناقشتي ؛ حتى جاء يوم شاهدت بحثي بيده وهو يدخل الصف ، وكنت قد أودعته في دفتر فئة ثلاثين صفحة ، وغلفته بورقة بيضاء كي أتمكن من كتابة عنوانه بوضوح عليها ، وبقيت انتظر بين القلق واللهفة نهاية الدرس لتبدأ مناقشتي فيما كتبت وتعبت واجتهدت فيه ، ومبعث قلقي أن لا أنال رضا أستاذي ، وسبب لهفتي لمعرفة ما سيقوله في تقييم بحثي !!

    وبعد أن أكملنا مادة الدرس ، وحلّ موعد مناقشة البحث فاجأنا الأستاذ هادي بقوله وللمرة الأولى والأخيرة : اليوم لن أناقش زميلكم صاحب هذا البحث لأني على يقين بقدرته وصدقه وأهنئه على تفوقه فيما بحث وكتب ، لقد كتب زميلكم في موضوع أعلى من مستواه كطالب في الخامس الأدبي ، ونجح فيه .. لقد كتب بحثا عن (الأسطول الإسلامي) ، وأعجبتني مادته وأسلوبه ومصادره ، وقد أعطيته درجة كاملة وأدعوه أن يحتفظ بهذا البحث ، فربما سيعود له مستقبلا مضيفا ومنقحا ويصدره في كتاب !!

    في تلك المرحلة الدراسية أعددت نشرات جدارية كثيرة ، فقد كنت أصممها وألونها حسب اجتهادي ،  وأكتب معظم موضوعاتها وأشجع الآخرين على المشاركة فيها ، وأصحح كتاباتهم ، وقد توزعت نشراتي العديدة على التاريخ والأدب ، وفي نشرات التاريخ كان أستاذي هادي هو المشرف والراعي لنشاطاتي في هذا الجانب بل ويشترك معنا في الكتابة والتصحيح .

    قبل أن تحلّ العطلة الصيفية أخبرني في المدرسة وقد لاحظ اهتمامي وولعي الشديد بمكتبة المدرسة بأنه يمكنني زيارة مكتبته الخاصة في البيت والاطلاع على محتوياتها واستعارة ما شاء منها ، وقد سرّني ذلك لأن مكتبته الخاصة كانت حديث زملائه المدرسين ممن زاره ورآها ؛ ولما حلت العطلة قصدتها فاستقبلني خير استقبال ، وبهرني منظر خزانات الكتب المملوءة بكتب مجلدة ومرقمة ومعتنى بها غاية الاعتناء ، ونصحني بالتخصص في قراءاتي ، واقترح علي تاريخ الأندلس لقلة من كتب عنه حسبما قال لي وقتها ، وبالفعل أعارني كتابا عن تاريخ الأندلس لم أتشوق لقراءته لأنني بالأساس غير متشوق لتاريخ الأندلس ، وفي زيارتي الثانية لمكتبته أخبرته بما في نفسي ، فاحترم الرجل رأيي ورغبتي في القراءة .

    وبعد نجاحي من ثانوية المسيب ومغادرتي لها سنة 1973م علمت أن أستاذي هادي قد قبل لدراسة الماجستير في جامعة بغداد ، وانتقل للسكن في بغداد ليكون قريبا من الجامعة ، وقد نال شهادة الماجستير سنة 1975م عن رسالته (منهج المسعودي في بحث العقائد والفرق) ، وقد طبعت فيما بعد ، وكان من المعجبين بشخصية المؤرخ المسعودي ومنهجه في التدوين والكتابة ، وأخبرني ذات مرة أن المسعودي بدأ معه بمقالة قصيرة في نشرة ثانوية المسيب سنة 1955م ، وبقي معه حتى صار رسالته في دراسة الماجستير .

    وبعدها حصل على الدكتوراه سنة 1984م عن أطروحته (القراء ؛ دورهم في الحياة العامة في صدر الإسلام والخلافة الأموية) ، ففرحت لما تحقق له من آمال كان يسعى لها وحدثني عنها ، وحزنت لتركه المسيب وانقطاع لقاءاتي به ؛ وكان جده لأبيه وهو من كبار أسطوات البناء قد جاء من مدينة الكاظمية في الثلاثينيات ، واستقر في المسيب لقيامه بتجديد عمارة بناء مرقد ولدي مسلم بن عقيل الواقع في ضواحيها ، كما أن جده لأمه كان عالما من علماء الدين في المدينة ، ونقل لي مرة بعد عودته إلى بغداد على سبيل الطرفة أن الناس في الكاظمية يطلقون عليه (المسيباوي) ، وفي المسيب يسمونه (الكظماوي) !!

    ومن ذكرياته في مدينة المسيب روى لي أنه ومجموعة من أصدقائه من المدرسين والمعلمين كان يتخذون مجلسهم عصر كل يوم في مقهى مهدون في الشارع العام الذي يخترق مدينة المسيب ، ولكن عندما يحلّ فصل الصيف ، ويشتد الحر ينتقلون بمجلسهم إلى مقهى سيد مهدي على شاطئ الفرات قرب الجسر الحديدي ، وجاء من يخبر مهدون الكهوجي بذلك ، فأجابه أن زبائني هؤلاء مثل حمام الكاظم !!

    في منتصف الثمانينيات صرت ألتقيه أسبوعيا في صباح كل يوم جمعة عند ذهابي المعتاد إلى شارع المتنبي ، ونمرّ معاً على الأستاذ أياد القاموسي صاحب المكتبة العصرية ثم نجلس لوحدنا أو مع عدد من زملائه الآخرين في مقهى الشابندر ، ونفترق ظهرا ، فهو يعود إلى بيته قرب نفق الشرطة ، وأنا أعود إلى مدينتي المسيب .

    كان مسرورا جدا بعودة لقاءاتنا ، وفخورا بما بلغته في عالم القراءة والاطلاع ، قدمني لجميع زملائه من أساتذة الجامعة الذين يجالسونه في مقهى الشابندر أقول قدمني بفخر كواحد من أنبه وأعز تلامذته السابقين ، وشجعني على المشاركة في أحاديثهم العلمية ومناقشاتهم للوقائع التاريخية والمصادر القديمة وجديد الإصدارات ، وكنت ألمح الفرح على وجهه وبريق عينيه حين أطرح فكرة جديدة أو أبدي رأيا مقبولا في تلك المجالس.

    أذكر مرة دار الحديث عن مجموعة إصدارات المحكمة الخاصة (محكمة الشعب) ، وقال أحد الأساتذة إن دولة الكويت كما علم قد اشترت دورة كاملة منها بسعر باهظ وبالعملة الصعبة من شارع المتنبي ، واعتبر كل ما ورد فيها على لسان الحاكم والمتهمين والإدعاء العام والشهود حقائق غير قابلة للطعن ، واعترضت بلطف عليه ، فرفض الاعتراض بلطف أيضا ، قلت دعني أبين لك موقفا واحدا يثبت ما ذهبتُ إليه ؛ إذ في محاكمة عبد السلام عارف وقد اتهم بمحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم ، فأنكر ذلك وقال إنه أراد أن ينتحر ، وأصر على هذا الرأي ، ولم تثبت المحكمة بصورة قاطعة أحد الرأيين ، ولكن بعد وصول عبد السلام للسلطة أصدر مذكراته ، وفيها إشارة واضحة إلى ما استقر في نفسه من رغبة لاغتيال الزعيم عبد الكريم وإنهاء الصراع المحتدم بينهما ، وقلت للأستاذ أيضا هناك تهويل للمحكمة في الاتهامات التي سيقت لوزير داخلية العهد الملكي سعيد قزاز مثلا !!

    كانت علاقتي بالدكتور هادي حسين حمود قد تطورت في هذه المرحلة تطورا كبيرا ، فقد كان يعتبرني صديقا وزميلا له ، ولا يرتضي بأقل من ذلك لي ، ولكني بقيت على ما كنت عليه في تعاملي معه فهو أستاذي الكبير وأنا تلميذه الصغير في ثانوية المسيب سابقا ، وبقي وجودي وكلامي معه مثلما كنت قبل أكثر من عقدين ، فلم استخدم غير كلمة (أستاذي) معه أبدا ، وظل محل إجلالي واحترامي الدائميين.

    واكتشفت في أستاذي خلال هذه السنوات الأخيرة من الصحبة الحميمة معه أمورا إنسانية واجتماعية جميلة لم أعرفها من قبل ، وهي حبه الشديد للنكتة ، وأجادته لإلقائها ، وغالبا ما (يطعّم) مجلسه برواية عدد منها ، بل هو من رواة النكتة المكشوفة كما عرف عنه زملاؤه وزميلاته في الجامعة ؛ وكما أعلمني ، وهو أمر فاجأني به تماما إذ لم أكن أعرفه من قبل !!

    حدثني مرة أن زميلة له في الجامعة سألته مرة :

- نقل لي أنكم من رواة النكات المكشوفة فلم أصدق !! فما قولكم ؟

    قال لها :

- بل صدّقي ما قالوا فقد صدقوك القول !!

    فارتسم العجب على وجهها ، ودهشت مما سمعت ، لكنها ابتسمت ، وطلبت منه أن يروي لها واحدة من هذه النكات المكشوفة من باب الاثبات وتبديد الشك داخل نفسها ، فاعتذر ، فألحت عليه !!

    فحدثها قائلا : تزوج رجل وامرأة عن كبر في السن فلم يرزقا بمولود ، وذات يوم انتفخ بطن المرأة ، ففرح الزوجان ، والأقارب والجيران ، وشاع خبر الحمل ، وبعد بضعة أشهر ذهب الانتفاخ وتبين أن الأمر كان حملا كاذبا ، فأصيب الزوجان بالخيبة ، وصار ما وقع لهما حديثا يتندر به أحيانا في المحلة ، وذات يوم مرّ الزوج أمام محل عجلاتي (بنجرجي) كان يحاول بصعوبة ملء (نفخ) إطار كبير بالهواء ، فناداه العامل بصوت عالٍ : (عمي عمي إبروح أبوك ما تنفخلي هذا التاير) !!   

    في كل لقاء كان يروي لي جديدا لم أسمعه أو أعرفه من قبل ، فهناك الواقعة التاريخية أو القصة الطريفة والرأي السديد وغير ذلك ، فيبعث الارتياح في نفسي ، وهل مثلي يطلب شيئا غير متعة العلم والمعرفة والجديد فيهما وصداقة العلماء والطيبين والفضلاء من الناس ، ومما رواه لي ، أن رئيس الطائفة اليهودية في العراق أيام الدولة العثمانية واسمه (حسقيل) كان يُسأل عند بداية كل سنة عما يتوقع حدوثه فيها وهل هي سنة خير أم شر ؟ وكان يجيب دائما : هذه السنة ستكون سنة !! ويهز رأسه ويلوذ بالصمت ؛ فإذا كانت سنة فيها خير عميم ؛ قال لهم ألم أخبركم بأن هذه السنة ستكون سنة لكثرة الخير فيها !! وإن كانت سنة مليئة بالفجائع والحزن ، قال لهم ألم أخبركم أن هذه السنة ستكون سنة شر وسوء !!

    بقيت علاقاتي بأستاذي الدكتور هادي حسين حمود حتى قيام الحرب سنة 2003م ، فانقطعت لقاءاتنا ، وشحت الأخبار بيننا ، حتى زرت مرة المكتبة العصرية فأخبرني صاحبها الدكتور أياد القاموسي بأسى وحزن شديدين بأن صديقنا المشترك الدكتور هادي حسين حمود قد توفي ، بعد معاناة مع مرض عضال لم يمهله كثيرا ، وكان ذلك سنة 2009م ، فتألمت غاية الألم ، وأشرقت عيناي بالدموع على رجل طيب وإنسان وديع وعالم جليل له فضل كبير في تعليمي وتوجيهي قبل عقود .    

    

 

            

جواد عبد الكاظم محسن


التعليقات




5000